«١» رسالة الأستاذ النشار
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كان يوم الخميس يومًا من الصيــف وإن جاء في غضون الشتاء
مثلما يظهر النبي أو الشاعر ما بين معشر جهلاء
يكثر الجاحدوه عدًّا وينموحبه بين قلة فضلاء
ما نصير النبي في زمن المحــنة كالتابعيه عهد الرخاء
وانتهزنا يوم الخميس فأكرمــنا به الصيف صاحب الآلاء
المفيض السرور في كل نفسمن معينيه: دفئه والضياء
البشوش الذي تبسم عن زهــر وحيَّى بنفحة فيحاء
وافتقدناك يوم ذاك فألفيْـنا قريبًا بالروح والجسم ناء
وذهبنا ثلاثة بجسومومئات بالروح والآراء
عن يميني وعن يساريَ من تبــصر عيني ولا ترى عين راء
ملء عيني وملء سمعي نفوسملء نفسي من رفقتي القدماء
وقضينا على «البلاج» سويعاتٍ جمعن الأجيال في آناء
عمر جيل بأسره يتقضَّىبين لفظين من فم الشعراء
أي عين تلك التي تلمح اللُّبْـبَ وتأبى ما حوله من لحاء؟!
ما التواريخ، ما الحوادث إلاقشرة فوق قشرة لفاء
والصميم الصميم ما رسم الشاعر في لفظه البديع الرواء
روعة الحق قد تكشف عنهالفظة، لا تجمل بطلاء
والبليغ البليغ ما لمس الحقْـقَ، وأهون بزخرف في الأداء
كم هباء مدثر بهباءفي فصيح من منطق الفصحاء
يا صديقيَّ أنشداني من الشعــر جديدًا أو فاسمعا قدمائي
ثم أمطرتُ من قصائد شكريمثل فيض الغمامة الوطفاء
يا سحابًا يمده البحرُ لن ينــفد ما قد حويته من ماء
لم أصفه بالماء إلا لأنيلم أجد مثله لري ظمائي
ثم أنشدت من قصائد عباس كعقد الكواكب الزهراء
البعيدُ البعيد معنًى ومرمًىيتجلى في لفظه الوضاء
يا صديقيَّ أنشداني جديدًاليس كالشعر جالب لصفائي
وتنبهت من نشيدي على صوت خرير المياه في الدأماء
فقطعنا الحديث ننظر للبحــر غريقًا في لجة من ضياء
إن بحر الشعاع يا شمس أقوىمن بحار مرهوبة من ماء
وبحار الظلماء أهول منهاتغرق الكونَ لجةُ الظلماء
بيد أن الإنسان قد ركب البحــر ذلولًا وطار فوق الفضاء
لم يعبه فردًا سوى قصر العمــر ولكنه عظيم الرجاء!
لو تخلى عنه الرجاء لما غالب ما في الوجود من أعداء
جاعِلَ الجو والبحار عبيدًاكيف تقضي من أضعف الأشياء؟!
قال لي صاحباي: هل تبتغي الشربَ؟ فأومأت طالبًا للإناء
وتجرعت جرعتين، فخف الــجسم حتى حسبتني كالهباء
ما أراني وقد سكرت أباليبجمالٍ في البحر أو في السماء
وتلفتُّ ناظرًا لنساءفتنسمت من عبير النساء
أحسب الخمر من حبائل (حواء) فأكرم بأمنا «حواء»
كان تفاحها عصيرًا، ولولاذاك لم يعص «آدمٌ» في السماء!
باسم «حواء» هات كأسًا وأخرىباسم من كان أول الأنبياء
وتحادثن فانتشيتُ بسمعيوتضاحكن فانتشت أعضائي
هنَّ مَن هنَّ، لا أطيل كثيرًاهنَّ دائي، وهنَّ بعدُ دوائي
طاب يوم الخميس يومًا وإن كان مساء الخميس شرَّ مساء
فيه حاضرت في النقابة جمعًاحسنَ الظن طيبَ الإصغاء
فإذا بي أكاد لا أحسن النطــق، فما كان كالأداء أدائي
خافت الصوت في مواضع يحتاج خطيبٌ فيها إلى الإعلاء
رافع الصوت في مواضع لينٍسيئ السمت، سيئ الإيماء
قيل عيٌّ مني، وما عرف السرَّسوى صاحبين من خلصائي
شر ما كان في الخطابة أنيخلت نفسي مدرس الإملاء!
كنت أملي الكلام لفظًا فلفظًادائم الضغط في حروف الهجاء
هو عهدٌ عليَّ لا أشرب الخمــر ولو كان فيه كل شفائي
صفقوا مظهرين شكرًا لجهديهو جهدٌ أضعته بانتشائي
كلمات التشجيع كانت عزائيوأعادت بعد القنوط رجائي
كان في السامعين أستاذنا (الشائب) محيي روابط الأدباء
النقيُّ الفؤاد من كل غلٍّالبريء الحاني على الأبرياء
كاد تقديره المشجع يمحوسوء ما قد جنيت من إلقائي
ثم أبصرت صاحبي «زكريا»وأديبًا في معطف من فراء
قال لي إنه الممثل فتُّوح وأنعم بالاسم في الأسماء
شهرة قلَّ أن تنال، وفنيرتقي أهله عنان السماء
أي ظرف ودقة فيه، بل أيفتون في النطق والإيماء
كدت أرتدُّ للسعادة لولاأنني في غمامة سوداء
اختمارٌ يذود عيني وسمعيودوار في الرأس بعد غثاء
كان يوم الخميس لولا الحميَّايوم سعد وغبطة وصفاء
عند وقت الذهاب ناولني (الشائب) ديوانك الجميل الرواء
هالني منه حجمه، وعجيبٌمثل هذا الإنتاج في الشعراء
شعرُ جيلٍ هذاك أم شعر فرد؟أي نبت هذا وأي نماء؟
استوى الكمُّ في الغرابة والكيــفُ فحيرتَ فطنةَ الفهماء
لا أهنيك بالإجادة، بل أشــفق مما عالجتَ من أهواء؟
كل هذي مواجدٌ وشجونٌوضروبٌ من لذة وشقاء
كل هذا عالجته دون يأسكل هذا قابلته بالغناء
فتغنى وقد ضحكتَ سرورًاوتغنى في الحزن عند البكاء
مرنت نفسُك الكبيرةُ بالعطــف فكانت مرونةً في الأداء
والأساليبُ كالثياب، وبعض النْـنَاس أسلوبه شبيه الإناء
لم يغير منه اختلاف المعانيفهو يبدو كالآلة الصماء
أو كصندوق ميت، والقريضُ الــحيُّ كأسٌ كسائر الأحياء
أيُّهذا الصديق لا تتبع الناقدَ إلا بضحكة استهزاء
مصدر النقد للقريض هو الحقــد وإجدابُ فطنةٍ وذكاء
يبصر الشاعر المعاني خيالًالم يُصوَّر بصورة الأشياء
فإذا قال فهو أصدق من قال، وقول النقاد محض هراء
لك مني يا صنوَ نفسي تحياتُ مشوقٍ إليك جمِّ الوفاء
عن القصيدة
««١» رسالة الأستاذ النشار» من شعر أحمد زكي أبو شادي، من العصر الحديث، وتقع في ٨١ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.