العِراك
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
زادك الله رونقًا ورواءَورعى الله حسنك الوضاءَ
أيها الساحري وأبقاك للعَيــنين والقلب صحة وضياء
وثنى عنك كل عين، إذا جال بسوءٍ حملاقُها، عمياء
وتخطاك كل سوء وجازتــك العوادي وصادت الأعداء
قالت النفس إذ رأتنيَ أدعوالله جهدي ولا أسيء الدعاء
«كم تمنيت أن تريد ليَ الخيــر وتسقي قبل الرواء الظماء!
أغرامًا بالناس وهْمُ كما تعــلم سوءًا وخسة وغباء؟
عبث ذاك كله ومحالفاعرف الحق واجنب الأهواء»
قلت: «ما لي لا تطلب الحسن عينيمثل ما تطلب الصدور الهواء؟
إن للحسن سحره مثل ما للــمال والجاه والذكاء سواء»
قالتِ اذكر لواعجًا كنت تصليــني لظاها عشية وضحاء
أذكر الجنة التي فقد الشيــخ أبونا بحبه حواء
أذكر اللعنة القديمة من آدم فينا ولا تزدنا شقاء
وكفى بالحياة والسعي والآمال والهم والشكوك عناء
قلت: «ماذا أصير إن حرم الحــبَّ فؤادي وبات منه خلاء؟
انظري! هل ترين إلا جمالًاوجلالًا لا يعرفان انتهاء؟
جعل الله كل هذا لمعنًىأم عناءً وباطلًا وهباءَ؟
لا تقيسي الحياة بالذاهب الغابر منها فتشبهي الجهلاء
إن للشاعر الكبير لعينًاذات لحظ لا يشبع استقصاء
يتوخَّى بعد السماء سماءويُريغ الآبادَ والآناء
أُوتِيَتْ روحه اليقينَ فلجتإن ذا الشك مقصر لا مراء
كلما شيَّخ الزمان عهودًارجعت روحُه لهن الصباء
أبدًا يجتلي شباب زمانوسواه الكهولة الشوهاء
يجتليها مطلولة الفجر ريًّاتزدهي اللب نعمة ورواء
ويراها عذراء ما فض عنهاختم سرٍّ مصونة عصماء
لم تزل عنده وإن قدم الدهــر عليها؛ جديدة عذراء
ويرى بالضمير خيرًا عميمًاخلل الشر واضحًا لا خفاء
وإذا أحرقته منها همومقدحت منه همة ومضاء
أفمن كان شأنه ذاك يخشىشربة في حياته كدراء؟
أين كالحسن باعث لك يحتــثُّ ووحيٌ يُحيلنا أنبياء؟
خبريني عن نعمة كانت النعــمة صرفًا ولم تفدك عناء؟»
قالت: انظر أعماق نفسك هل تبــصر فيها بقية أو ذَماء؟
من أبى أن يقيس غورَ قواهحمَّلتْه حياته الأرزاء
قد أشابتني الليالي وشيب الــنفس أدهى من شعرة بيضاء
وكأني الزمانُ عمرًا وإن كنــت بسني صغيرة عجفاء
ما عسى صبر ذي الكلال على الإعــنات والبرح ضحوةً وعشاء؟
نضب العزموالمنى ثرة العيـ ـن لعمري ما أسوأ القرناء
شيبة العزم مع شباب الأماني؛أضعيف يظاهر الأقوياء؟
دون ما تبتغي حوائل ضعففاجعل العزم والمنى أكفاء
أيها الطين ما ترى بك أبغيلست فيما أرى لشيء كفاء
إن طلبت السماء قلت ليَ الأرض أو الأرض كنت لي عصَّاء
حرتُ حتى الذي أفكر فيهِلست أسطيع صوغهُ والأداء
كل حب إلى ملالوللحسـ ـن عفاء وما أمض العفاء!
خل عنك الأحلام واسع لداعي الــعقل يا من لا يستجيب دعاء
إن للقلب جمحة فاجعل العقــل لجامًا يغالب الغلواء
ما لنا ننفق الحياة يمينًاوشمالًا مستعجلين الفناء؟
أضمنَّا عمرًا سوى ذا جديدًا؟أم وجدنا لعمرنا رفَّاء؟
عشت ما عشت لاهيًا تطلب الحــب وتعتدُّه لديك غذاء
فتأمل كم ساعة عاشها عقــلك هذا وأطرق استحياء!
حولك الأرض والسماوات تغريكل عقلٍ مفكر إغراء
إنما كان حق عقلك أن يصــقل لا أن تسومهُ إصداء
تطلب الحسنَ دائبًا لتغنِّيــه كما غنَّت الحمام الضياء
مسندًا صدرك القريح إلى شوكة ورد لا تخطئ الأحشاء
إن يكن ما زعمت حقًّا فأولىأن تحاكي النسور لا المُكَّاء
ترفع الطرف مثلها في سماء الــفكر حتى تصافح الجوزاء
أيُّهذا المسكين مهلًا رويدًاواسمع الدهر يضحك استهزاء!
أنت عبد الحياة تبكي وتشدوبغناء لا يعجب الطلقاء
أبدًا لا تزال تبكي إسارًاأو تلهِّي في سجنك الحوباء
ترسل الصوت باكيًا فيؤديــه صداه مقطَّعًا أجزاء
مثلما صاح في الظلام صبيٌّكلما جد خوفُه الظلماء
ومع الرق والإسار فقد تحــلم كالحر بالخلود اجتراء
وتقول الجمال وحي، وما الحــبُّ سوى سلم ينيل السماء!
ليت شعري أللأزاهير وحيليس يألو أنفاسها إذكاء؟
كيف تغدو الأشجار رفَّافة الغصــن عليها ثمارها فيحاء؟
أين وحي الينبوع فاضت به الأصــلاد فانساب ماضيًا حيث شاء
إنما أنت كالرياح إذا هــبَّت سواء لا تملك الإعفاء
تتغنى ولست تدري لماذا؟هكذا شاءت الحياة الغناء
وتصوغ القريض عفوًا وإن كنــت تظن القريض كان احتفاء
غرَّنا أنَّنا نُحس فخلناأن لنا في حياتنا أن نشاء
إن نكن صادقين فيما وهمنافلنُبدِّل بأساءنا نعماء
كم يريد الفتى ويُحرم ما يطــلب بل يُحرم المنى والرجاء
نحن ألعوبة بأيدي اللياليلا نلاقي من صرفها إبقاء
يتقاذفْننا ويسخرْن مناويكلفْننا الرِّضَى والبكاء
ما تبالي الأيام ثارت بنا هوجاء أم غضَّة النسيم رخاء
فتراها آنًا تقص جناحَيــنا وآنًا تنميهما إنماء
وأراها لما رأتنا قروداأوسعتنا في عيشنا إزراء
عابثاتٍ بنا يخاطبن مناأغبياء قد أشبهوا الببغاء
حفظوا باللسان ثم تحاكواكلمات من المعاني قواء
لا يحسون صدقها، بل يحسون رنينًا رأوا به الإكتفاء:
الهوى والخلود والوحي والعزم جميعًا والهمة الشماء!
إيه ما أرخص العقول عليناإن حشونا عقولنا أسماء!
لا بعقل ولا بحكمة طبعلج منا من لج أو من فاء
مغريات بنا الأمانيَ والإعــجاب والخوف والهوى والرياء
واقفات بنا مواقف سخرتوسع الكبر والغرور اكتواء
بين ذكرى تقتادنا للأمانيوأمان تفيدنا الكبرياء
نحن أهل لكل هذا من الدهــر وإن كان صرفه كوَّاء
إن للحق في الحياة على النفــس لحقًّا لا يقبل الإغضاء
قد تناولننا الليالي بإحسان وبرٍّ يستوجبان الثناء
وهبتنا العقول وهْي عتادفجعلنا إهمالهن الجزاء
قلت: يا ليتها إذًا حرمتنانعمة لم نَعُدْ بها أغنياء!
ما عليها لو أنها تركتناأبد الدهر نرتعي الأكلاء؟
فرعينا ملء البطون نباتًاونشقنا ملء الصدور هواء
ووقتنا «عد» السنين فما جاءت سنون ولا «مضى» ما جاء
ثم أهدت لنا البلادة كيمانتقي باكتسائها الأسواء
فحيينا بموتنا جهلاءثم متنا ولم نكن أحياء
ولبسنا الحياة في كل حالجاهلين انتهاءَها والبداء
وتهاوت بنا البلادة أن نرفع إلا لواحظًا عمياء
كل وجه تلقاه تقرأ فيهِ:البسوا الجهل تحشروا سعداء
لكنِ الله قد أفاض علينا«نعمة» الحس فاستلبنا الهناء
إيه هيهات ينفع العقل أو يبــدلنا من سمومنا أصباء
وعلى أن سابحًا ناوأ التــيار أو شارعًا عليه، نجاء
صنو من أسلس القياد وخلَّى الــماء يرمى بشلوه الأرجاء
لو ترى الماء ناطقًا قال: «سيان مطيعي وتاخذي أمطاء
بل سواء عليَّ نازعني الركــب فؤادي أم جشموني الجفاء
لا أحس السنين تحدى ولا الأســماك؛ شتى تغازل الأحشاء
لا ولا الريح إذ تثور ولا البرق ولا الرعد لا ولا الأنواء»
قد رزقنا الإحساس دون سوانافعدمنا في عيشنا النظراء
وجدير بمن تميز عن كــل نظير أن يحمل الأعباء
نحن أحيا الأحياء طرًّا فلا كــنَّا إذا ضاعت الحياة هباءَ
فلتقيموا السدود دون مجاري الــقلب ولتوقفوا بهن الدماء
ذاك خير من أن نعود صخورًالا تبالي ما حولها، صماء
لو نحس الحياة بالعصب العريان ما كان ذاك منا كفاء
كل شيء يسبي إذا نظر الفكــر إليهِ ويكتسي لألاء
فإذا ما أجلت عين التجاريــب استحالت وجوهه سوداء
لا تطيلي تخويفيَ الحب يا نفــس فما أستطيع عنه التواء
وهبيني كما زعمت أسيرًايتقاضانيَ الزمان الولاء
وهبيني مطامعي جامحاتأوسعتني عن غايتي إقصاء
وهبيني سيدرك الصبح عنديظل ليل يطاول البرحاء
فاذكري أنها المقادير تجريكيفما شئن هن فينا القضاء
قلقي حجتي فما لي قرارولياليَّ ما تمل الحداء
فيَّ أيد وقوة فإذا لمألف لي منفذًا رعيت البلاء
هل تطيق النسور أرضًا وما زال جناح لهن يطوي الفضاء
ظلم اللهَ من تراه لما يمــنحه الله خازنا خبَّاء
وتعالى الإله عن أن نراهُمسرفًا ليس يحسن الإيلاء
أتريدين نيمة ليس فيهاحلم في غضونها يتراءى
فكأنا دمى حياة تراءتفوق أجداثهن أو تلقاء
عمرك الله هل رأيت بني آدم إلا يستروحون عناء؟
قد طُردنا من الفراديس قدمًاوكُتبنا في أرضنا أشقياء
فلنا العيش ظله راكد الثقــل صباحًا وغدوة ومساء
في بساتين شقوة يتهدلــن بأثمار حسرة سوداء
تتداعى على ذؤاباتها الغربان والبوم لا القماري وِلاء
فرشت أرضها همومًا وأشجانًا كأرض الجحيم لا حصباء
وامترى النحس من أديم صفاها الــمهل لا ماءها ولا الصهباء
فإذا هبت الرياح عليهاأنشقتنا الأوصاب والأدواء
هذه حالنا على كل حالأبدًا نرتعي الأذى لا المراء
شؤم ذنب جناه آدم بل حــوَّاء بل من أغراهما إغراء
قد ثكلنا سعادة العيش لمارزق الشيخ آدم الأبناء
نحن يا نفس والمقادير صنوان جرى الخُلف بيننا ما شاء
حبذا هذه السعادة لو كانت لحيٍّ، ولم تكن جوفاء!
حبذا الزهد في الحياة لوَ انَّ الــزهد فيها يبرِّح الغمَّاء!
وأرى خاطب السعادة والراغب عنها في عيشه عُدَلاء
و«أبيقور» لو علمت ﮐ «زينو»قد أصابا كلاهما الإخطاء
ذا كهذا يأسًا من الخير طرًّاوفرارًا من نفسهِ ونَجاء
ماتح الصخرِ مخفق أي إخفاقٍ كمن طلَّقت رشاه الدِّلاء
وسواء من قال ليس سوى الأرض ومن قال لن تنالوا السماء
قال «زينو» ازهدوا فأنى تهالكــت فما إنْ أفدت إلا الظماء
وطلبت اللذات طرًّا فما ألــفيت فيها لذي حصاة غناء
فعسى تحسم الزهادة داءًلم أجد في الرياد منه شفاء
ويرى صنوه «أبيقور» أن الــزهد في العيش لا يسيغ الشجاء
ويرى أوجب الأمور على المرء تناسي الهموم والتأساء
ولمَن يرفض الحياة خليقرفضه أن يزيدهُ إحماء
والذي يحسب الزهادة منجًىيخسر النفس؛ طيبها والرضاء
كيف تُجنى سعادة العيش لم تمــدد لأثمارها الأكف اجتناء؟
أم تعالت بها استِحالتها أننبتغيها؟ لطاش ذاك ارتياء
ما علينا لو أفلتت وقنصنا— دونها كل متعة غراء
فاهربوا من نفوسكم أيها الناس وسوسوا ذكاءها إطفاء
بلدوها فإن شر خطوب الــدهر أن ترزق النفوس الصفاء
ينعم الأبله الغبي ويشقىكل من أوتي الحجا والذكاء
واللبيب اللبيب من يمحض النفــس مراحًا لا راحة وعفاء
والسعيد السعيد من يقهر النفــس ويُنضي مطيَّها إنضاء
قالت النفس: إن للنفس فاعلملخريفًا كدهرها وشتاء
حين تنضو الأيام أوراقها الخضــر وتُذوي أغصانها إذواء
حصدت خيريَ الليالي وسامتأيكي الوارفَ الجنَى إعراء
تتوالى الفصول من غير ميعادٍ علينا وقد عدمنا الوقاء
ويئوب الربيع يعقبه الصيــف ولكن ما إن نصيب دِفاء
كل يوم يزداد صيفيَ نقصًاويقل الربيع عندي ثواء
وتُولِّي صوادحي عن جنابيمسرعاتٍ وكنَّ قِدْمًا بِطاء
مات عندي الصبا فدعنيَ أنسجلشبابي الأكفان والأسجاء
فرط حرصي على أزاهير عيشيزاد نوارها بكفي ذواء
وغدا الصدر للزوافر غارًالا تؤدي أقباؤه الأصداء
أترى أن أعود للروض أدراجي وأجني أزهاره الزهراء؟
خلِّ عني بالله هذا لغيريأولسنا براحة خلقاء؟
وتمهل وانظر أكفى بميت الــزهر مما قطفت قدما ملاء!
أغِناء تريد مني وما أحــسن إلا أن أزفر الصُّعَداء!
أيها الآمري بأن أتغنىكل زهراء تستبيك استباء
ما بها حاجة إلى صدحاتيفتعاني «لسحرها» الأصغاء
لم يرعهن دهرهن ولا أشــبع أنفاسهن إلا استواء
ليس تدري عيونها ألم الدمــع إذا لزَّ بالجفون إباء
لا لعمري كفى بهذي القماريساجعات، وحسب نفسي التظاء
أجميل إثقال شعرك بالدمــع لعينين لم تذوقا البكاء؟
أجميل تحميله عبء عمرلغرير يشكو لنا الأنداء؟
أجميل إزعاج ألحان ذي الحســن بشعر ملأته ضوضاء؟
أنتقامًا أردت من حسن ذي الحســن بشعر مُروع واشتفاء؟
أمن العدل أن تحيط بأنقاض حياتي جماله الوضاء؟
كيف أشدو له وبركان صدريضربت نارُه عليَّ خباء؟
كيف أشدو له وزلزال يأسيمؤذن أن يُصيرني أشلاء؟
أم ترى الشعر يستطيع إذا ماجاش أن يحكيَ الطيور أداء؟
صدحات الأطيار فضية الرَّنَّة ينفي صفاؤها الأقذاء
لكن الشعر لا يزال يشوب «الــفكر» فيهِ حنينه والنُّزَاء
ملت العين أن ترى كل يومغصنًا يانعًا يعود أباء
ملت الأُذْن كل لفظ حبيبتفتريه المنى عليها افتراء
ومللت الرجاء في حالتيهِحين يطغى أو ينثني بي انثناء
لست أبكي على عهودي؛ فسيَّان دنا ذكرها بها أم تناءَى
أبدًا أفتح النوافذ من روحيَ للشمس وهْي تفري الغِماء
لا رجائي مساوم عزماتيلا وَلاَ الخوف محدث لي انكفاء
أتلقى الذي يجيء به الدهــر وأقنى تجمُّلًا واجتزاء
وأحاشي زرع الفيافي وقدمًاخاب من بات يرتجي الصحراء
غير أني وإن سكنت إلى اليأْسِ لأخشى من يأسيَ استشراء
ربما قَرَّ زَاخِرُ اليم حينًاثم آضتْ أمواجه هوجاء
مثلما سادت السكينة في الحومة والقوم ينتوون اللقاء
لا تدق الرياح لليمِّ طبلًالا ولا تنذر الثرى والسماء
بل يروئن في الكهوف مليًّاوتناجي سمومها الجرباء
وكذاك الحياة أهول ما تســمي إذا ساق صبحها البشراء
إنما نرقب الذبول إذا ما امــتلأ الزهر بهجة وبهاء
قلت: ما خير أن أظل حياتيأتقصى وجوهها استقراء
أنا هذا الذي أحس، وهذاكل ما قد وسعته استقصاء
أين كنا قبل الحياة وأنَّىنغتدي بعد إذ نلاقي الفناء؟
أنا كون أحس أو صرخة بيــن سكونين أسكنا طخياء
أنا ظل ألقته سحب ينازعــن على ربوة الحياة الضياء
أنا سهم مضى من الغابر الماضي إلى المقبل البهيم مضاء
أنا ضوء الشهاب تومض ناريوهْي تجتار هذه الأجواء
لست أدري هذا الفضاء لماذاكان للناس والوجود غطاء
وأرى النجم طالعًا ثم يخفىوأرى الصبح يعقب الظلماء
وأرى اليمَّ لا يزال له مــدٌّ وجزر قد أرهقا الأشطاء
وأرى للفصول في كل حولدورة لا تحاول استثناء
كل شيء أراه ينبئ أن الــكون لا شك ملهم أنباء
آية الوحي ليس تخفى ولكنسرها السر أعجز الحكماء
ما نصيبي من كل ما تأخذ العيــن؟ وهل من يُقسِّم الأنصباء؟
أترى حسنًا سواء وحس الــكون؟ أم ليس ما حيينا سواء؟
أترى القدرة التي تقدح الصبــح مضيئًا وتنسخ الأمساء
وتثير النسيم فينا عليلًاوتسيل الدُّجُنَّة الوطفاء
وتذيع العبير في زهر الروض وتشجي حمامهُ إشجاء
وتجيل الشباب في صفحة الوجــه وتضفي رداءه إضفاء
وتضيء الشموس في بهمة الكون وتجلو لألاءهن جلاء
ومن الصخر تفجر الماء أنْهارًا وما العهد أن فيه سخاء
وتربى جرثومة الخير في الأكــوان طرًّا وتنضج الآراء
غير تلك التي المنايا أياديــها فما إن تزل إلا التواء
تسعر النار في الجوانح والحرب وتوري العداء والبغضاء؟
ضلة لامرئ يحاول أن يجــلُوَ سرًّا يأبى علينا الجلاء
كلما أرسل الفتى سهم فكرزاد خبرًا بعجزهِ وابتلاء
مثلما طخطخ الظلام فأبدىهوله ومض بارق قد أضاء
يا نسور المنى تعالي كما شئــت فهيهات لن تصيدي ذكاء
لا يلم ناها الجناح إذا أمَّ ذراها فأشبعته اصطلاء!
لا تلم نورها العيون إذا رامقته فانثنت تشكر العماء!
فدعيني أغشى الغمار وأضحيقبل أن يسدف المغيب العشاء
ودعيني أرعي الهواتف سمعيقبل أن يملك الردى الأرعاء
عصب الريق فاسقني قبل أن أُســقى بكأسٍ تذكي الحشا إذكاء
وانظمي لي من الورود أكاليــل وأحيي بنفحها الأهواء
قبل أن يقضي الربيع ويلويبي وبالزهر دهرنا إلواء
قالت النفس: هل ترى الأرض قد عادت فراديس لذة غنَّاء؟
عيش حلالها غرير فمستذر بأمن ووادع أحشاء؟
تسع النفس مثلما تسع الجســم فما تستضيق فيها فِناء؟
وترامت آفاقها فالأمانيليس تبغي وراءها أرجاء؟
لا تجوز المنى مداها وما للــنَّفس حاج تريغهن وراء؟
زخرت أبحرًا وقرت صخورًاوسجت أعصرًا ورقت هواء؟
وأبى اللحظ أن يُمدَّ وأن يأخذ إلا ريحانَها والإضاء؟
وأبى القلب أن يزايل طودًامشمخرًّا لا يتقي إيهاء؟
أيُّهذا المفتون ماذا تُرى غالَك؟ أم قد حسبتنا بُلهاء؟
إن هذي الحياة صحراء سوءنقطع الشرخَ قبلها والفتاء
ويغر السراب فيها ويُغرِيفنُغذُّ الإدلاج والإسراء
سَرْبَخٌ بعد سربخ وسُهوبدون أخرى وما بلغنا الماء
وجحيم من فوقنا ووطيستحتنا يوسعانِنَا إحماء
ليتنا كالحديد نُصلَى لنُمْهىغير أنَّا نُصلى ولا إمْهاء
ولعمري الواحات كُثْر ولكنمن تُرى مُبدلي ضلالي اهتداء؟
أنا في فَدفَد مُضلٍّ وأخلقْبيَ أن أخطئ الطريق السَّواء
والهدى والضلال أقرب شيئيــن ابتداءً منَّا وأنأى انتهاء
أي شيء أعددتَ للدهر أمَّاأوسعتْ عودك الصروفُ انحناء؟
وغدًا هيكل الحياة قد انهار وأقوى أنيقه أقواء
ورمت ظلَّها عليك سحاباتُ شتاءٍ تُداجن الإمساء
لك منها صواعق ورعودوعَداك الحيا إذا فِضن ماء
وعلى أن فيضها ليس يجديــك وهل ينفع السحابُ الإباء؟
وإذا أيبستْك وقدةُ عيشلم يُلنك استيكافُك الوطفاء
داؤنا كامن بنا ليس أنَّالا نلاقي على البلى أعداء
ليت شعري إذا أدار عليك الــدَّهر في مستداره الأرحاء
هل يعزيك بين طاحنتيهِذكر لذات ما مضى وتناءى؟
صور يلتمعن في ظلمة الهــم كما ضم سبسب غَيْناء
وهْي أما علا رماد الليالينارَ صدر ألفيتها محضاء
وعلى أن حادثات اللياليقد يرى بطؤها استكال وحاء
ليس بالموج أن أسر اختيانًاحاجةٌ أن يعاصفَ النكباء
زورق العمر من هشيم فحاذرليِّنَ الماء حذرك الشرساء
وأقم من تيقظ القلب والرأيِ على كل غَيْهم رقباء
وإذا ما صفت سماؤك فاذكرأنه رب صيحة خرساء
إن في الزهرة الذكية سمًّاكامنًا لا يَبين أو يتراءى
إن طي الكليل أشواك سوءراصدات تحاول الإرداء
فتنبه من غفلة الوهم واعلمأن للشر أعينًا نجلاء
أقمارًا بكل مالك في الدُّنــيَا على ما لا يقتنى أنصباء؟
تبتغي سدرة الحياة ببيداء تُذرِّي سمومها الرمضاء
إن هذي الحياة وادي همومنشرت فوقها المنايا طَخاء
إن بي لو علمت عن كل حسنزائل ليس يخلد؛ استغناء
وبحسبي شيوخ صدق مواضملَئُوا الأرض حكمة ورواء
مزجوا النار والدموع فكلٌّواجد ما اشتهى: لظى أو ماء
إن نشأ نقبس الحرارة منهمأو نشأ نطفئ الأسى إطفاء
همهم همنا وصِنْوُ أمانيــهم مُنانا فهل نعقُّ الإخاء؟
إيه لا تطلب التعاطف في الأرض فتجني الأوجاع والعُرواء
لو تجيب القلوب كل مهيبعادت الأرض جنة قرحاء
لو غدت لمسة تفيض ينابيــع جمال النفوس، لا الأسواء
لرأيت الحياة أجمل ممايتأتَّى إذا اعتبرنا الفناء
قلَّ أن يستطيع صفوك بالودِّ إلى الناس أن يفيض الوفاء
قد ترى الشيء ليس يبصره الخدن ولو فاض روحه استجلاء
ويثير الربيع عندك حلمًامعجزًا فهم كنهه العشراء
أين في الناس وردتان تميلان معًا للنسيم من حيث جاء؟
فاطَّرحْ هذه الأماني وارفعلحظ عينيك وابغ ثَمَّ السماء
قلت: هل تهزئين بالعقل يا نفــس فتلغي بمن مضوا لي اكتفاء؟
ما شيوخ الصدق الذين تقوليــن أفاضوا على الحياة البهاء؟
أوليسوا كصبية يتضاغون بأولى هذي الحياة سواء؟
قد تَهَجَّوْا من الكتاب حروفًاما تعدوا بعلمها الجهلاء
وسعوا سعيهم وإن علينابعدهم أن نواصل الإسراء
أَدُمًى تعبدين فيهم؛ فما أضــيع تقوى من يعبد الأسماء!
اعبدي الحق لا الشفاه اللواتيتمتمت ثم أطبقت إعياء
لو قنعنا بسعي من سبقوناورأينا بما أفادوا اجتزاء
لغدا خلق كل هذي البراياسرفًا بل سفاهة وهراء
ليت لي قوة فأبطش بالعقــل وأمحو آثاره الغراء
عن القصيدة
«العِراك» من شعر إبراهيم عبد القادر المازني، من العصر الحديث، وتقع في ٣٠٢ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.