مُحَمَّدُ يا بَدرُ يا بَحرُ يا
الشاعر: ابن هتيمل · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر ابن هتيمل، من العصر المملوكي، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مُحَمَّدُ يا بَدرُ يا بَحرُ يا ... غِضَنفَرُ يا طَودُ يا مُختَلَق
وَيا عارِضاً ما شَرَى بَرقُهُ ... عَنِ الخَيرِ والشَّرِّ إلاَّ صَدَق
كَمُلتَ فَوَجهُكَ في الاتِّساقِ ... كالقَمَرِ التَّمِّ حينَ اتَّسَق
رَأيتُكَ تُورِدُ هيمَ السُّيُوفِ ... بَينَ المَفارِقِ حَوضَ العَلَق
وَتُقدِدمُ إذ لا تَرُدُّ الرِّماحَ ... عَنِ الدّارعينَ دِلاصُ الحَلَق
نَضاكَ المُظَفَّرُ مِن غِمدِه ... لِقَمعِ الطُّغاةِ وَجَمعِ الفِرَق
فَعَلَّمتَ نَفسَكَ فِعلَ الأهَمِّ ... وَدَرَّجتَها في الأشَقِّ الأشَق
وَكانَ الجَحافِلُ قَد أسرَفُوا ... عَلى النّاسِ في نَجسِهِ والزَّهََق
فَلاقَوا بِحَربِكَ يَومَ الحِسابِ ... وألجَمتَ أفواهَهُم بالعَرَق
وَخَلخَلتَ أرجُلَهُم بِالحَديدِ ... وَطَوَّقتَ أعناقَهُم بالرِّبَق
فَكَم شَقَّ سَيفُكَ مِن هامَةٍ ... وَرُمحُكَ يُعجِمُ ما قَد مَشَق
وأنزَلتَ شُعبَةَ مِن عِزِّهِم ... وَقَد رَكِبُوا طَبَقاً عَن طَبقَ
وَقد جَلَّ أمرُهُم في البِلادِ ... فَلَمّا دَلِفتَ تَلاشَى وَدَق
نَصَبتَ لَهُم وَهَقاً كَي تَصيِدَ ... فَطارُوا وَما وَقعُوا في الوَهَق
وَلَو وَقَفُوا لَكَ مَزَّ قتَهُم ... بِجَيشِكَ تَمزيقَ ثَوبِ خَلِق
وجاءت جُهينَةُ مِن بَعدِهِم ... كَعادَتهِم في القِرى والعَلَق
فَنَزَّلتَ في ذُروَةٍ مَن عَوَى ... وَيَنعِقُ في ضَأنِهِ مَن نَعَق
وَقَد لَهَجُوا مِن سَميِّ النّجُومِ ... وأكلِ اللُّحُومِ وَشُربِ المَرَق
وَكَونُهُمُ كُلَّما أوعَدُوُه ... أغَــــلَقَ أبــــوابَهُ وارتَفَق
إذ اللَّيل جَنَّ عَلَيهِ استَحاطَ ... وَقالَ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق
فَقَد أفَلَ النَّجمُ عنهُم وَغابَ ... وَقَد طَلَعَ البَدرُ يَجلُو الغَسَق
وأقبَلتَهُم غُرَرَ العادياتِ ... يُخَرِّجنَ مِن طَلَقٍ في طَلَق
بٍِكُلِّ فَتى لا يَخافُ الحِما ... مَ إن رَعَدَ المَوتُ أو إن بَرَق
يُطاعِنُ ما مَثَلُوا لِلطِّعانِ ... فإن ضارَبوُهُ خَطأ فاعتنق
فَوَلَّوا عَنِ الخَيلِ خَوفَ الحِما ... وألقَوا سُيُوفَهُمُ والدَّرَق
وَكُلُّ دِلاصٍ كَمِثلِ الغَديرِ ... هَبَّ النَّسيمُ لَهُ فاصطَلَق
وَما وَقَفُوا عِندَ لُعسِ الشِّفاهِ ... وَبيضِ الخُدُودِ وَسُودِ الحَدَق
وُجُــــوهٌ تــــألَّقُ انــــوارُهــــا ... كَعِرضِكَ في حُسنِهِ واليَقَق
وَظَلَّت نِساؤُهُم في الفريقِ ... يَرعُشنَ مِن رَوعَاتِ الفَرَق
يُــــجَرِّدُهُنَّ أكُفُّ العُلُوجِ ... جَــــزعَ الطَّفا وَوَشيَ السَّرَق
وَأمّا كُلَيبُ وأشياعُها ... فَقَد قَلِقُوا مِنكَ كُلَّ القَلَق
نَسَختَ قَرارَهُم بالفِرارِ ... وأبدَلتَ نَومَهُمُ بالأرَق
رَعوا وَسَقَوا لا باللَّفيفِ ... رَوضاً أريضاً وَماءً غَدَق
وَما عَرَضَت نَظَرةٌ جانِباً ... عَلى نارِ حَربكَ إلاَّ احتَرَق
وَلا جَلَبَ البَغيُ رأسَ امرِىءٍ ... إلى سُوقِ عَزمِكَ إلاَّ نَفَق
رَأوكَ فأفهَمُهُم ما وَعَى ... كَلاماً وافصَحُهُم ما نَطثق
دَلَفتَ إليهِم يَرجراجَةٍ ... إذا ما رَآها شُجاعٌ بَهَق
إذا خَفَقَت بعضُ أعلامِهُا ... هَفا القَلبُ مِن خَوفِها أو خَفَق
وَلَمّا التقَت حَلَقاتُ البِطانِ ... وأمكَنَ خَنقُهُمُ مَن خَنَق
واَخشَى زَئيرُكَ نَبحَ الكِلابِ ... وَفَرَّقَ جَمعَهُمُ فافتَرَق
عَفَوتَ وأغمَضتَ فيما أتاكَ ... بِهِ المُصلِحُونَ عَلى ما أتَّفَق
وَلَولا ذِمامُكَ كانُوا مَعاً ... كَفِعلٍ مَضَى أو خَيالٍ طَرَق
فَلم أرَ بَعدَكَ فيما أرَى ... مِنَ البِرِّ يَطلُبُهُ مَن عَقَق
فَلا يَخدَعَّنَكَ قَولُ الوُشاةِ ... مَن كانَ مَوَّه أو مَن مَذَق
فَما أُهمِلَ العُودُ إلاَّ عَصَى ... وَلا أكرِمَ العَبدُ إلاَّ أبَق
وَكَم كافِرٍ مُضمِرٍ كُفرَهُ ... وَما كانَ يَكفُرُ حَتَّى فَسَق
أُدِلُّ عَليكُم بِبَيعِ الثَّمينِ ... وَغَيري يُدِلُّ بِبَيعِ الشَّقَق
فَما مَشرَبي مِنكُمُ بالوَبيلِ ... وَلا مَسلَكي عِندَكُم بالزَّلَق
فَفي الشَّمسِ والبَدرِ لي غُنيَةٌ ... عَنِ النّاسِ مَن بَرَّ مِنهُم وَعَق
فإن أنتَ داعَبَكَ المُملِقُونَ ... لِما فيكَ مِن كَرَمٍ أو مَلَق
فَمِثلُكَ يُخدَعُ عَن مالِه ... وَيُــــؤخَــــذُ أوَراقُه بــــالوَرَق
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- التم: (تَمَّ) التَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُنْقَاسٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الْكَمَالِ. يُقَالُ تَمَّ الشَّيْءُ، إِذَا كَمَلَ، وَأَتْمَمْتُهُ أَنَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّمِيمَةُ: كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهَا تَمَامُ ال … (مقاييس اللغة)
- الجحافل: جحفل: الجَحْفَل: الْجَيْشُ الْكَثِيرُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَيْل؛ وأَنشد اللَّيْثُ: وأَرْعَنَ مَجْرٍ عَلَيْهِ الأَداةُ، ... ذِي تُدْرَإٍ لَجِبٍ جَحْفَلِ والجَحْفَل: السَّيِّد الْكَرِيمُ. وَرَجُلٌ جَ … (لسان العرب)
- الحلق: حلق: الحَلْقُ: مَساغ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي المَريء، وَالْجَمْعُ الْقَلِيلُ أَحْلاقٌ؛ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَسُوغُ فِي أَحْلاقِهم ... زادٌ يُمَنُّ عليهمُ، للِئامُ وأَنشده الْمُبَرِّدُ: فِي أَعْناقِهم، فَرَدَّ ذَلِ … (لسان العرب)
- الدارعين: درع: الدِّرْعُ: لَبُوسُ الْحَدِيدِ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، حَكَى اللِّحْيَانِيُّ: دِرْعٌ سابغةٌ وَدِرْعٌ سَابِغٌ؛ قال أَبو الأَخرز: مُقَلَّصاً بالدِّرْعِ ذِي التَّغَضُّنِ، ... يَمْشِي العِرَضْنَى فِي الحَدِيد المُتْقَنِ … (لسان العرب)
- العلق: علق: عَلِقَ بالشيءِ عَلَقاً وعَلِقَهُ: نَشِب فِيهِ؛ قَالَ جَرِيرٌ: إِذا عَلِقَتْ مَخَالبُهُ بِقِرْنٍ، ... أَصابَ القَلْبَ أَو هَتَك الحِجابا وَفِي الْحَدِيثِ: فَعَلِقَت الأَعراب بِهِ أَي نَشِبوا وَتَعَلَّقُوا، وَقِيلَ طَ … (لسان العرب)
- المظفر: ظفر: الظُّفْرُ والظُّفُرُ: مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَظْفارٌ وأُظْفورٌ وأَظافيرُ، يَكُونُ للإِنسان وَغَيْرِهِ، وأَما قِرَاءَةُ مَنْ قرأَ: كُلُّ ذِي ظِفْر، بِالْكَسْرِ، فَشَاذٌّ غَيْرُ مأْنوسٍ بِهِ إِذ لَا يُعْرف ظِفْر، بالك … (لسان العرب)