مَتى شِئتَ يا ريبَ الزمانِ فَعاوِد
الشاعر: ابن هتيمل · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن هتيمل، من العصر المملوكي، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَتى شِئتَ يا ريبَ الزمانِ فَعاوِد ... وقارِب عَلَى ما كانَ مِنكَ وباعِدِ
ولا تَرتَدِع عن فاسدٍ غيرِ صالِحِ ... دَنيءٍ ولا عن صالحٍ غَيرِ فاسِدِ
فَما أنا في طيبِ الحياةِ براغبٍ ... ولا أنا في خُبثِ المماتِ بزاهدِ
أبعدَ عليّ أتقي رُزء ماجدٍ ... أبى اللهُ أن آسى لِمصرَعِ ماجد
وما أنا إلا ناقصٌ غيرُ ناقصٍ ... جَــــماعَتَه أو زائِدٌ غيرُ زائِد
وهَوَّن وَجدي في عَليٍّ وحَسرتي ... وما بيَ أنّي بَعدهُ غيرُ خالِد
فإن القُرونَ الأوَّلين وآلِههم ... أولي الوحي بادُوا واحداً بعدَ واحد
فما أمُّ فَردٍ شَذبَ الدَّهرُ غُصنَها ... بأحداثِه تَشذيبَ إحدَى الجَرائِد
نَشا وهي صِفرُ الرّاحتَينِ فَرُحنَها ... فوائد مِنهُ أُردِفَت بِفَوائِد
تُــــعــــوّذُه خــــوفَ الرَّدى وتَــــعــــدُّه ... عَــــلى كُــــلِّ حــــالٍ عُدةً للشدائِد
أطافَ بِه طَيفُ المَنُونِ فَعادَها ... مِنَ المَسِّ طَيفٌ باختِلافِ العَوائِد
وما مُرجَحِنّاتُ القُلُوبِ لَوائباً ... ألَجَّ عَــــــلَيــــــهــــــا ذائدٌ أيُّ ذائِد
تُشارِفُ أعفارَ الحياضِ وتارَةٌ ... تُهافَتُ في غَمرِ الدَّلالةِ بارِد
تُرَدُّ إلى طُرقِ المَصادِرِ عُنوةٌ ... وقد حَجَبُوها عَن طَريقِ المَوارِد
وَما أمُّ خِشفٍ فَوَّقَته وأدبَرَت ... تُورِّقُ في سِربِ البَوادي الأوابِد
تُكافشحُه غُضفٌ تَرِنُّ خَصاصَةً ... مُقَلَّدَةً أعناقُها بالقلائد
بأوجدَ مِنّي يا عَليُّ وإن هَمَت ... عَليكَ شُئونُ الشّامِتِ المُتواجِد
عذرتُ القُلُوبَ الذائِباتِ كآبةً ... عليكَ فما عُذرُ العُيونِ الجَوامِد
وما عِلَّةُ لاأحياءِ لا ماتَ مَيِّةٌ ... ولا فَقَدُوا عَن حُزنِهم رَوحَ فاقد
أكانَ قَرارُ الحُكمِ في مستَقَرِّه ... بموتِك لا قرَّت عيون الحواسد
فما كانَ أحفاني بِخَدِّيكَ أن يُرى ... وِسادُهُما في التُّربِ غيرَ الوسائِد
وأشفقني مِن تَركِ وجَهِكَ لِلبِلى ... تُقَبلُه بيضُ الوُجوهِ الخَرائد
بنَفسيَ إن لم تُغنِ نَفسيَ فديةٌ ... فأهلي ومالي مِن طَريفٍ وتالد
قُبورٌ على جَنبِ الطريقِ هَوامِدٌ ... مُضَمَّنةٌ غَيرَ النفوسِ الهَوامِد
تُسَيرُها مِن تحتِها وهي فَوقَهم ... رَواكدُ أمثالَ الجِبالِ الرَّواكد
تَشَرَّفَ مِن بينِ البَقيعِ تُرأبُها ... بـــــأشـــــرفَ مَــــولُودٍ لأكــــرمِ والد
أبا حَسَنٍ إن أقصَدَتك يدُ الرَّدى ... وَما قَصدُها فيما عَناكَ بقاصِدِ
فواللهِ ما ذِمرٌ يُحامي جِلادَه ... قويُّ القُوَى في الرَّوعِ حِتفُ المُجالد
ولا أعصمُ الساقَينِ في مُشمَخِرَّة ... مِن الشُّمــ في شِمراخِه المُتَقاوِد
إذا حَدَّرتهُ الريّحُ عَن شُرفاتِها ... تَصاعَدَ مِن عَليائِها المُتصاعِد
أَبَنَّ بِلِصبٍ ينتهي بانسِفاحِه ... إلى حَيثُ أنهاه صِلابُ الجَلامِد
ولا حادرٌ ضارٍ ببيشَةَ مُنطَوٍ ... عَلى حَنقٍ غَضبانُ ضخمُ السَّواعِد
يَدِلُّ بنفسٍ لا تَهابُ مُعظَّما ... ولا تَنتهي بالمَطلَبِ المُتَباعِد
ولا أعرمُ العِطفقينِ يَحميَ خيلَه ... بمَهمَهَةٍ من أن تُذادَ بذائِد
مِنَ الرُّقشِ نِضنانضُ اللِّسان كأنَّما ... تَجَمَّعَ في خُرشاهُ سُمُّ الأساود
طَوى خدَّهُ الأيامُ حتى كأنَّه ... لِدِقَّتــــِه والصُّمِ بَعضُ المَراود
بأوجَعَ مِمّا ذُقتهُ فاعلَمَنَّه ... جَليَّةــ أمرٍ بالحَقيقةِ واكد
لَعمري لقد قامَ ابنُ أمِّكَ فانجلى ... مَقالُ الأعادي ربَّ ساعٍ لِقاعد
على صِغَرٍ من سِنَّهـــ وجِراحِهِ ... يَسيل بِخَمريٍّ مِن الوَجدِ عانِد
ألَّبَّتــ عَلى نُصبَيكَ كُلُّ مُلِثةٍ ... تُمَخَّضــ عن مُزن لِتُربكِ عامدِ
ولا زالَ رُوحُ اللهِ مــــنه ولًطفُه ... ورَحمَتُه ما بينَ بادٍ وعائد
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مفردات الراغب، لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بادوا: قال عزّ وجل: ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ [الكهف : 35] ، يقال: بَادَ الشيءُ يَبِيدُ بَيَاداً: إذا تفرّق وتوزّع في البَيْدَاء، أي: المفازة، وجمع البيداء: بِيد، وأتان بَيْدَانَة: تسكن البادية البيداء. (مفردات الراغب)
- براغب: رغب: الرَّغْبُ والرُّغْبُ والرَّغَبُ، والرَّغْبَة والرَّغَبُوتُ، والرُّغْبَى والرَّغْبَى، والرَّغْبَاءُ: الضَّراعة والمسأَلة. وَفِي حَدِيثِ الدعاءِ: رَغْبَةً ورَهْبَةً إِلَيْكَ. قَالَ ابْنُ الأَثير: أَعمل لَفْظَ الرَّغْب … (لسان العرب)
- بزاهد: زهد: الزُّهد والزَّهادة فِي الدُّنْيَا وَلَا يُقَالُ الزُّهد إِلَّا في الدين خَاصَّةً، والزُّهد: ضِدُّ الرَّغْبَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَالزَّهَادَةُ فِي الأَشياء كُلِّهَا: ضِدُّ الرَّغْبَةِ. زَهِدَ وزَهَدَ، وَ … (لسان العرب)
- تشذيب: شذب: الشَّذَبُ: قِطَعُ الشَّجَرِ، الْوَاحِدَةُ شَذَبةٌ؛ وَهُوَ أَيضاً قِشْرُ الشَّجَرِ؛ والشَّذْبُ الْمَصْدَرُ، وَالْفِعْلُ يَشْذُبُ، وَهُوَ القَطْعُ عَنِ الشَّجَرِ. وَقَدْ شَذَب اللِّحاءَ يَشْذُبُه ويَشْذِبُه، وشَذَّبَه … (لسان العرب)
- جماعته: جمع: جَمَعَ الشيءَ عَنْ تَفْرِقة يَجْمَعُه جَمْعاً وجَمَّعَه وأَجْمَعَه فاجتَمع واجْدَمَعَ، وَهِيَ مُضَارَعَةٌ، وَكَذَلِكَ تجمَّع واسْتجمع. وَالْمَجْمُوعُ: الَّذِي جُمع مِنْ هاهنا وهاهنا وإِن لَمْ يُجْعَلْ كَالشَّيْءِ ال … (لسان العرب)
- خبث: خبث: الخَبِيثُ: ضِدُّ الطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْق والولدِ والناسِ؛ وَقَوْلُهُ: أَرْسِلْ إِلى زَرْع الخَبِيِّ الوالِجِ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنما أَراد إِلى زَرْع الخَبِيثِ، فأَبدل الثَّاءَ يَاءً، ثُمَّ أَدغم، والجمعُ: خُبَث … (لسان العرب)
- دنيء: (دَنَى) الدَّالُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يُقَاسُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْمُقَارَبَةُ. وَمِنْ ذَلِكَ الدَّنِيُّ، وَهُوَ الْقَرِيبُ، مِنْ دَنَا يَدْنُو. وَسُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّه … (مقاييس اللغة)