سَلُوا مَنْ بها أسلُو لِمَ اختارتِ الصّدَّا
الشاعر: عبد الكريم البَسطي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عتاب
هذه القصيدة من شعر عبد الكريم البَسطي، من المغرب والأندلس، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة عتاب.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَلُوا مَنْ بها أسلُو لِمَ اختارتِ الصّدَّا ... ولَمْ تَرْعَ لي العَهْدَ القديمَ ولا الوِدَّا
لعــــلَّ لديْهــــا إذْ تُــــجــــاوِبُ حُــــجّــــةٌ ... تُبرِّدُ منْ قلبي بها الشوقَ والوَجْدَا
فإنَّ بقلبي مِنْ ترادُفِ صَدِّها ... لهيباً يَفوقُ النّارَ قد وُقِدتْ وَقْدَا
وقد كنتُ منها بالتقرُّب آنِساً ... فصرتُ فقيدَ الأنس مُذْ رامتِ البُعْدَا
ولا ذنبَ لي إلاّ اشتهاري بحبّها ... وكونِيَ مِنْ بين الأنام لها عَبْدَا
وأشواقُ قلبي بالوصال تَضَرَّمتْ ... وما غُمِّضَتْ عيني ولا ملَّتِ السُّهْدَا
أُعانِقُ منها الغُصْنَ يَهتزُّ ناعماً ... وألْثُمُ منها الخدَّ قد أخْجلَ الوَرْدَا
وأقطِفُ زهْرَ الرّوضِ مِنْ وَجَنَاتِها ... وأرْشُفُ مِنْ فيها المُدَامةَ والشَّهْدَا
وَقَــــدْ جَــــعَــــلَتْ إحــــدى يديَّ وسادة ... وصيّرتِ الأخرى على عَجَلٍ عَقْدَا
ورِجْلِي عليها كاللّحافِ لِنائِمٍ ... وصدري يُحاذِي ذلك الصدْرَ والنَّهْدَا
وأشكُو إليها ما ألاقي من الظما ... فتشكو الذي أشكو لِتَقْتُلَنِي عَمْدَا
وَمَــــوْرِدُها العذبُ الشَّهيُّ ومورِدِي ... مُباحان لكنَّ التُّقى مَنَعَ الوِرْدَا
فما بالُها دانَتْ بِهَجْرِي وقطّعتْ ... حِبالَ وصالٍ كُنْتُ أُحْكِمُها شَدّا
لئن رَضيَتْ هجري رضِيتُ بوَصْلها ... وطال مَدَى عَتْبي على ذاك وامتدّا
فَلي بالرِّضَى الزُّهْرِيِّ مِنْ آل زُهرةٍ ... تَتَابعُ وصل لا أرى معه صَدَّا
إمامٌ يَؤُمُّ المُعنتين بسيفه ... مساءً وصُبْحاً لا يَمَلُّ ولا يَهْدَا
ويُبدِي بيانَ المُشْكِلاتِ بفَهْمِه ... فما مُشكِلٌ يَبْقى إذا شَرْحَه أبْدى
وَيَــــبْهَــــرُ زَهْــــرَ الرّوض رائقُ بِشْرِه ... فيُقصَدُ دون الرَّوْضِ كَيْ يَبْلُغَ القَصْدَا
إلى مالَه بين الورى من فَضائِل ... تَجَلَّى جلالاً أن يُحاطَ بها عَدَّا
ومَازَ فنونَ العلم منها وفهمُها ... لأعظَمُ فضلٍ مَنْ حَواه حوى المجْدَا
فأحرَز في علمِ الحديث كَمُسْلِمٍ ... وفي الفقه كالمِصْرِيِّ بلْ فَاقَهُ جُهْدَا
وحَصَّلَ في التفسير كابنِ عطية ... وفي السرد كالدّاني الذي أحْكَمَ السّرْدَا
وماثَل عِلْماً سيبويهٍ وشيخَهُ ... إذا ما عَروضُ الشّعرِ والنحوُ قَدْ عُدّا
وعِلْمَا أُصول الفقه والدينِ فَنُّه ... عَلاَ فيهما فوق الذي بهما اعْتَدَّا
وفي لُغَةِ الأعْراب والطبّ صيتُه ... بعيدٌ وفي التاريخ قد جاوز الحدّا
وسابَق في علمِ الحسابِ وجبْرِه ... سِوَاهُ وفي التكسير ما إن رأى نِدّا
وأصبحَ في التَّعْديل بدْرَ هدايةَ ... وفي المنطق المعروف أوْرى الورى زَنْدَا
وأظهَر من علم البديع بدائعاً ... وقيّدَ من علم التصوّف ما نَدَّا
وأبدى من الأحكام للناس مَقْنَعاً ... ومن صنعة التوثِيقِ أوثَقَها عقْدَا
فُنونُ علومٍ حازها اليومَ وحدَه ... بِــــصــــارمِ جِــــدٍّ لَمْ يُــــفَــــلَّ له حَــــدَّا
تولّى القضاءَ الصعبَ فاشتدّ كَربُه ... وحسْبُكَ من خَطْبٍ به كَرْبُه اشتدّا
فــــجــــدَّدَ رَسْمَ العدل بعد دُروسِه ... وغادر ربْعَ الجوْر للعين مُنْهَدّا
وغَلَّقَ بابَ الظُّلم من بعدِ فَتْحِه ... وفتّح باب الحق من بعد ما انسَدَّا
فأيّدَ مظلوماً وهدّدَ ظالِما ... وأمّنَ مذعوراَ وأعدى من استَعْدَى
وساوى وُقوفاً بين خَصْمٍ وخَصْمِه ... وأدَّبَ مَنْ في مَجْلِسِ الحُكْم فد لّدَّا
وفاق شُريكاً في عَدالَتِه التي ... بإحْرازِها كُلَّ المَظالِمِ قَدْ رَدَّا
وقد كان يَستعفِي احْتياطا لنفْسِهِ ... ليحفظها من حمل ما حملُه أرْدَى
إلى أنْ أتَــــاهُ الله أســــنى مُرادِهِ ... فأعفاهُ والأفواهُ توسِعُه حَمْدَا
فأضحى ظَلامُ الظُّلْم في الناس ظاهراً ... وأودَعَ نورَ الحقّ من بعدِه لّحْدَا
وقام بأعباء الخطابةِ بعدَهُ ... يُقرِّرُ فيها مِنْ مواعِظِهِ رُشْدَا
وشَفَّعَ بالإِقْراءِ منها وظيفةٌ ... فأهدى مِنَ التّعليم أبدَعَ ما يُهْدى
إلى ما جلاهُ بالتكلُّم دائِماً ... من العلم للمسترشدين وما أسدى
وناهيكَ بالفُتيا وظيفَ عِنايةٍ ... يُريكَ الورى دأباً على بابه وَفْدَا
وظــــائفُ دينٍ بالإمامةِ تُمِّمَتْ ... حواها وحيداً واستقلّ بها فَرْدَا
وكانَ مُجِدّاً في القيامِ بحَمْلِها ... وصادفَ وقتاً لم يكن يَلحظُ الجِدَّا
فأُخِّرَ عنها لا لِنقصٍ ووصمةٍ ... وعُــــوِّضَ مِــــنْهُ مَــــنْ تَــــبدَّى له ضِدَّا
فأضْحَى لَزِيمَ الدّارِ سَلْمانَ بَيتِهِ ... وأظْهرَ في الدّنيا وزُهرتِها الزُّهْدَا
فــــأفَّ لدنــــيــــا لَمْ تُــــوَفِّ حــــقــــوقَه ... وتَبّاً لقومٍ لم يُرَاعُوا له العهْدَا
وعُذْراً لأهلِ العلم إن أظْهروا الأسَى ... ولا عُذْرَ منهمْ للذي أظهرَ الجَلْدَا
وَصَبْراً جَمِيلاً تِلْكَ دُنْيَاكَ لَمْ تَفِ ... بِأشْجَانِهَا بَاحَتْ وَلَمْ تَسْتَطِعْ جَحْدَا
فَتىً خَيْرُهُ إنْ أصبحَ اليومَ ظاهراً ... رأى في عدٍ من ردِّهِ عِيشةً رَغْدَا
فيا أيّها الحَبْرُ الذي فاق قدرُه ... عُلوّاً محلَّ البدْر قد قارن السَّعْدَا
إليكَ رعاك اللهُ مني قصيدَةً ... حوتْ من حُلاكَ الغُرِّ أحسنَها بُرْدَا
فخُذْها على عِلاّتِها أخذَ عالمٍ ... وكن ناقداً منها الذي يقبل النَّقْدَا
فليس نظامُ الشّعْرِ من شِيَمِي التي ... أُجاري بها في النظم مَنْ يُحسِن الطَّرْدَا
ولكنّنٍي صيّرتُه لي مؤانساً ... بآبُرَةٍ حيث اغْتَدَتْ فِرَقُ الأعْدَا
كأُنسي بَكتبٍ جاءني مِنْكَ بارِعٍ ... هَصَرتُ به للصَّبْرِ أغصانَه المُلْدَا
كــــتــــابُ هُدىً حلَّيْتَه بمواعِظٍ ... بلاغتُها أضحتْ على كَبِدي بَرْدَا
فصرتُ وإن أصبحتُ فيها مقيّداً ... بما فيه من آدابٍ اسْتَسْهِلُ القَيْدَا
فما قَبْلَهُ أبْصرتُ واللهِ مِثْلَهُ ... ولا مَنْ لآلِي الكَتْبِ حَسَّنَها نَضْدَا
بَقيتَ تُسَلِّي كلَّ نفسٍ بمثْلِهِ ... وتَبْذُلُ مِنْ تأنيسِها الوِسْعَ والجُهْدَا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اختارت: ختر: الخَتْرُ: شَبِيهٌ بالغَدْرِ وَالْخَدِيعَةِ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْخَدِيعَةُ بِعَيْنِهَا؛ وَقِيلَ: هُوَ أَسوأُ الْغَدْرِ وأَقبحه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ. وَيُقَالُ: خَتَرَهُ فَهُوَ خَتَّارٌ. … (لسان العرب)
- البعدا: عدأ: العِنْدَأوةُ: العَسَرُ والالْتِواءُ يَكُونُ فِي الرِّجل. وَقَالَ اللِّحْياني: العِنْدَأْوة: أَدْهَى الدّواهِي. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمُ العِنْدَأْوةُ: المَكْرُ والخَدِيعةُ، وَلَمْ يَهْمِزْهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْمَ … (لسان العرب)
- الصدا: صدأ: الصُّدْأَةُ: شُقْرةٌ تَضْرِبُ إِلَى السَّوادِ الغالِبِ. صَدِئَ صَدَأً، وَهُوَ أَصْدَأُ والأُنثى صَدْآءُ وصَدِئةٌ، وَفَرَسٌ أَصْدَأُ وجَدْيٌ أَصْدَأُ بيِّن الصَّدَإِ، إِذَا كَانَ أَسودَ مُشْرَباً حُمْرةً، وَقَدْ صَدِ … (لسان العرب)
- الودا: ودأ: وَدَّأَ الشيءَ: سَوّاه. وتَوَدَّأَتْ عَلَيْهِ الأَرضُ: اشْتَمَلَتْ، وَقِيلَ تَهَدَّمت وتَكَسَّرت. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ تَوَدَّأَتْ عَلَى فُلَانٍ الأَرضُ وَهُوَ ذهابُ الرَّجلِ فِي أَباعد الأَرضِ حَتَّى لَا … (لسان العرب)
- بالتقرب: قرب: القُرْبُ نقيضُ البُعْدِ. قَرُبَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْرُبُ قُرْباً وقُرْباناً وقِرْباناً أَي دَنا، فَهُوَ قريبٌ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِ … (لسان العرب)
- بالوصال: وصل: وَصَلْت الشَّيْءَ وَصْلًا وَصِلَةً، والوَصْلُ ضِدُّ الهِجْران. ابْنُ سِيدَهْ: الوَصْل خِلَافُ الفَصْل. وَصَلَ الشيءَ بِالشَّيْءِ يَصِلُه وَصْلًا وَصِلَةً وصُلَةً؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ جِنِّي، قَالَ: لَا أَدري أَمُطَّ … (لسان العرب)