خَليلي رَعاكَ اللَّهُ هَذي المَعاهِدُ
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خَليلي رَعاكَ اللَّهُ هَذي المَعاهِدُ ... فَحِيِّ بِها قَوماً عَلى الحُبِّ عاهدوا
وَعَرِّج بِهم تَشهَدْ شُموساً وَأَنجُماً ... كَواكبَ أَقماراً لَها الحسنُ شاهِدُ
وَشاهِد لَهم فيها رَفيعَ مَطالِعٍ ... مَشاهِدها في النّاسِ نِعمَ المَشاهِدُ
مَطالعَ فيها لِلشّموسِ شَواهدٌ ... عَلى حُسنِها الأَسمى عَياناً تشاهدُ
وَعُج نَحوَ أَرضِ الشّامِ وَاِقصُد دِمَشقها ... فَفيها لِطيبِ الأنسِ تِلكَ المَعاهدُ
وَتِلكَ بِلا رَيبٍ عَلى الحسنِ جَنّةٌ ... تَسامَت قُصوراً وَالقُصورُ شَواهِدُ
وَلَو كانَتِ الدّنيا جناناً فَجِلَّقٌ ... لَفِردَوْسُها الأَعلى وما إِنْ معاندُ
وَمــــرَّ وَمِــــلْ بِــــمــــزَّتــــها الّتي ... تَسيلُ صَفاءً بِالسّرورِ يعاضدُ
وَمِنها إِلى المنشارِ وَالرّبوَةِ الّتي ... تُمَدُّ مِنَ الأَفراحِ فيها مَوائِدُ
تَرقّ نَسيماً مِنهُ يَشفي غَليلَه ... عَليلُ هُمومِ الدّهرِ وَهيَ شَدائِدُ
وَتَحلو مَعيناً راقَ مجرىً وَمَنظراً ... يَسيلُ لُجَيناً وَهوَ لا شكَّ بارِدُ
تَسلسلَ جَرياً لا وصَفَّقــ سَلسلاً ... تَمَوَّجَ بِلَّوْراً وَما هوَ جامِدُ
يَسيلُ عَلى أَرضٍ تَمسَّكــ تُربُها ... تَجوهَرَ منهُ إِذ يَسيلُ الجَلامِدُ
وَيَجري عَلى حَصباء درٍّ تودُّه ... قَلائدَ مِن تَحتِ الثّغورِ الخَرائِدُ
وَأَنّى لِحورِ العِينِ مِنها قَلائِدٌ ... تزينُ نُحورَ الحورِ تِلكَ القَلائِدُ
تَأَمَّلــ فَلِلأَنهارِ فيها مَقاسِمٌ ... بِها لِاِنشِراحِ الصّدرِ تَحلو المَوارِدُ
هُنالِكَ لِلطّيرِ الغصونُ مَنابِرٌ ... كَما أنّ بُسْطَ الزّهرِ فيها مَساجِدُ
إِذا قامَ بِالأَطيارِ فيها خَطيبُها ... فَمُنتَصِبٌ زهرٌ وَآخَرُ ساجِدُ
هنالِكَ جَيشُ الغمِّ تُرمى رِقابهُ ... وَأَسيافُ جَيشِ البسطِ فيهِ تُجاهِدُ
وَمِنها لِقيسونَ فَذلكَ ما لَهُ ... عَلى فَضلِهِ المَشهورِ في الدَّهرِ جاحِدُ
إِلى سَفحِهِ المَيمونِ مَسكَنُ عصبةٍ ... بِهِم وَهمُ الساداتُ تَسمو الأماجدُ
كَراماتُهم تَبدو عَياناً وَجَهرةً ... وَأَنوارُهُم جنحَ الظّلامِ تُشاهدُ
وَمِنهُ لِأَرضِ الصالِحيَّةِ قاصداً ... فَفي قُطبِها السّامي تُنالُ المَقاصِدُ
هِيَ الرّوضَةُ الحَسناءُ تَزهو بِحُسنِها ... بِها الصّفوُ بَسّامٌ بِها الأُنسُ خالِدُ
وَزُر قَبرَ مُحيي الدّينِ قُدّسَ سِرُّهُ ... فَمَن زارَهُ تَلقاهُ مِنهُ الفَوائِدُ
إِلى جَنّةِ الدّنيا وَجَبهَةِ حُسنِها ... وَغُرَّتِها البيضاءِ وَالفَضل زائِدُ
وَمُقلَتُها الحَورا وَشامَتُها الّتي ... عَلى حُسنِها تُجبى إِلَيها المَحامِدُ
هِيَ البَلدةُ الزّهراءُ جِلَّقٌ الّتي ... بِها السّعدُ مَقرونٌ بِها الخَيرُ باجِدُ
وَقَد شَهِدَ الأمصار قطعاً بِفَضلِها ... وَمِن تِلكَ بَغداد وَمِصر وَآمِدُ
وَسِرْ وَاِئتِ مِن بابِ السّلامِ تَفاؤُلاً ... بِذلكَ فَالإِعجابُ بِالفالِ وارِدُ
إِلى بابِ جيرونَ تَرى فيهِ صاعِداً ... مِنَ الماءِ يَعلو لَيسَ يَحكيهِ صاعِدُ
عَمودُ لُجينٍ بَعدَ حَدِّ صُعودِهِ ... تَراهُ خُيوطاً وَهوَ لِلأَرضِ عائِدُ
وَمِنهُ لِدارِ الجودِ وَالمَجدِ وَالعُلى ... بَناها عَلى العَلياءِ وَالعزِّ ماجِدُ
وَدار الهُدى وَالعِلم وَالفَضل وَالتّقى ... بَناها عَلى العِرفانِ لِلحَمدِ حامِدُ
إِمامُ دِمَشق الشّام سُؤدُدُ أَهلِها ... وَعالِمُها المَشهورُ وَالفَضلُ شاهِدُ
فَتَىً جامِعٌ كلَّ الفُنونِ فَفِكرُهُ ... أَما اِعتَكَفت لِلحِفظِ فيهِ القَواعِدُ
أَلَستَ تَرى كلّ الأَفاضِلِ عِندَهُ ... وَذا مُــــطــــرق صاغٍ وَآخرَ ساجِدُ
حَديثٌ وَتَفسيرٌ وَفِقهُ أُصولِهِ ... وَعِلمُ كِتابِ اللَّهِ ثمّ العَقائِدُ
وَصَــــرفٌ وَنــــحــــوٌ وَالبَــــيــــانُ وَآلَة ... لِذلكَ ثــــمَّ المُــــلحــــقــــاتُ الزّوائِدُ
إِمامٌ جَليلٌ حافِظٌ ثمّ مُتقِن ... شَهيرٌ خَبيرٌ بَل بَصيرٌ وَناقِدُ
هُوَ الحَبرُ وَاِبنُ الحَبرِ وَالبَحر وَاِبنه ... فَفي مِثلِهِ في الدّهرِ يَفخرُ والِدُ
هُوَ العالِمُ النّحريرُ وَالعارِفُ الّذي ... نَحاهُ عَلى العِرفانِ ناحٍ وَقاصِدُ
هُوَ الوَرِعُ النَّسّاكُ وَالعابِدُ الّذي ... خَلا أَنّه يَحكيهِ ذا الآنَ عابِدُ
لَئِن ضَنَّ هَذا الدّهر في بَذلِ مِثلِهِ ... أَما هوَ في ذا الدَّهرِ لا شَكَّ واحِدُ
جَوادٌ كَريمٌ جَيْرِ وَالبحرُ كَفُّهُ ... لَدى جُودِهِ في الدّهرِ تُنسى الأَجاوِدُ
حَوَى حُسنَ أَخلاقٍ عَلى حُسنِ خِلقَة ... تَدَفَّقــ مِنها الحُسن إِذ يَتزايَدُ
تُلازِمُهُ التّقوى وَنعمَت مُلازِماً ... يُعاضِدُها الإِخلاصُ نِعمَ المُعاضِدُ
فَلينٌ وَعَطفٌ ثمَّ عَطفٌ وَرَحمَةٌ ... وَعَفوٌ وَحِلمٌ دونَ عَجزٍ يُعانِدُ
وَعَـــــزمٌ وَحَـــــزمٌ ثــــمَّ رأيٌ مُــــســــدّد ... وَما هُوَ عَن طرقِ الإِصابَةِ حائِدُ
وَصَدعٌ بِأَمرٍ ثمَّ إِزهاقُ باطِل ... وَنَصرٌ لِحَقٍّ وهوَ في النَّصرِ جاهِدُ
وَحَملٌ عَلى حُسنِ التّجَمُّلِ لِلأَسى ... وَصَبرٌ لِصرفِ الدّهرِ ثمّ تَجالُدُ
خِصالٌ حِسانٌ بَل طِباع غَرائِز ... كَرائِم فيها قَد تَطيبُ المَحامِدُ
حَديثُ سَجاياهُ صَحيحٌ لِذاتِهِ ... وَشاهِدُهُ المَعروفُ وَالحسنُ عاضِدُ
تَعَوَّدَ فِعلَ الخَيرِ مِن وَقتِ مَهدِهِ ... فَمِنهُ عَلى ما اِعتادَ تَجري العَوائِدُ
وَقَد حَسنت مِنهُ المَقاصِدُ وَالهَنا ... لِمَن حَسنت في الدّهرِ منهُ المَقاصِدُ
هوَ المُعرِبُ المنطيقُ سِحرُ بَيانِهِ ... إِلى السّلبِ ثمَّ السّبيِ لِلعَقلِ قائِدُ
فَصيحٌ بَليغ لا يُضاهَى بَلاغَةً ... وَلَو أَنّ كلّ النّاسِ فيها تَساعَدوا
تَجوهَر مِنهُ اللّفظُ أَحسنَ جَوهَرٍ ... فَيا لَيتَهُ مِنهُ تَكونُ القَلائِدُ
وَقَد طابَ لِلأَسماعِ منهُ شنوفُها ... وَقَد بَهَرَ الأَلباب منهُ الفَرائِدُ
فَيا أَيّها المَولى الفخيمُ وَمَن لَهُ ... لَقَد بُنِيَتْ فَوقَ المَعالي المَقاعِدُ
وَيا طيِّباً صيتاً على حُسنِ سؤددٍ ... لِأَدناهُ وَدَّت لَو تَطولُ الفَراقِدُ
فَلَو كانَ عِقداً زِينَ فيه عطارِدٌ ... لَفاقَ عَلى شَمسِ النّهارِ عطارِدُ
لَكَ الفكرُ قَد أَهدى عَروساً جهازها ... مِنَ الحبرِ مِسك جَيْرِ والورقِ كاغِدُ
وَأَلبَسَها مِن دُرِّ مَدحِكَ جَوهَراً ... وَما غَيرُهُ فيهِ تُحلّى القَصائِدُ
فَيَرجو لَها مِنكَ القَبولَ تَفضُّلاً ... وَإِنَّكَ لا يُثنيكَ عَنهُ الحَواسِدُ
وَيوصيكَ فيها وَهيَ لا شَكّ بِنتُهُ ... وَفي بِنتِهِ يوصي ولا بِدْعَ والِدُ
وَدُمْ في ضَمانِ اللَّهِ يَرعاكَ حِفظُهُ ... وَإِيّاك في كلّ الأُمورِ يُساعِدُ
جَليلاً مَهيباً في العُيونِ مُعظَّماً ... يذلُّ لَديكَ الدّهرَ جافٍ وَحاسِدُ
مَدى الدّهر ما هبَّ النَّسيمُ مِنَ الصَّبا ... وَما حَلَّ بِالأَغصانِ مِنهُ تمايِدُ
وَما الخِلُّ قَد نادى بِوَقتٍ خَليلَهُ ... خَليلي رَعاكَ اللَّهُ هَذي المَعاهِدُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- المشاهد: شهد: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الشَّهِيدُ. قَالَ أَبو إِسحق: الشَّهِيدُ مِنْ أَسماء اللَّهِ الأَمين فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ: وَقِيلَ الشهيدُ الَّذِي لَا يَغيب عَنْ عِلْمه شَيْءٌ. والشهيد: الْحَاضِرُ. وفَعِيلٌ مِن … (لسان العرب)
- المعاهد: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- تسامت: سأم: سَئِمَ الشيءَ وسَئِمَ مِنْهُ وسَئِمْتُ مِنْهُ أَسْأَمُ سَأَماً وسَأْمَةً وسَآماً وسَآمةً: مَلَّ؛ وَرَجُلٌ سَؤُومٌ وَقَدْ أَسْأَمَهُ هُوَ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِن اللَّهَ لَا يَسْأَمُ حَتَّى تَسْأَمُوا. قَالَ ابْنُ الأ … (لسان العرب)
- تشاهد: شهد: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الشَّهِيدُ. قَالَ أَبو إِسحق: الشَّهِيدُ مِنْ أَسماء اللَّهِ الأَمين فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ: وَقِيلَ الشهيدُ الَّذِي لَا يَغيب عَنْ عِلْمه شَيْءٌ. والشهيد: الْحَاضِرُ. وفَعِيلٌ مِن … (لسان العرب)
- جنانا: جنأ: جَنَأَ عَلَيْهِ يَجْنَأُ جُنُوءاً وجَانَأَ عَلَيْهِ وتَجانَأَ عَلَيْهِ: أَكَبَّ. وَفِي التَّهْذِيبِ: جَنَأَ فِي عَدْوِه: إِذَا أَلَحَّ وأَكَبَّ، وأَنشد: وكأَنَّه فَوْتُ الحَوالِبِ، جانِئاً، ... رِيمٌ، تُضايِقُه كِلا … (لسان العرب)
- دمشقها: دمشق: دَمْشَقَ عَمَلَه: أسْرَع فِيهِ. ودَمْشَقَ الشيءَ: زَيَّنَه؛ قَالَ أَبُو نُخَيْلةَ: دُمْشِقَ ذاكَ الصَّخَرُ المُصَخَّرُ والدَّمْشقُ: النَّاقَةُ الخَفِيفة السَّرِيعَةُ؛ وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ الزَّفَيَانِ … (لسان العرب)
- رعاك: (رَعَكَ) الرَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. يَقُولُونَ: الرَّاعِكُ مِنَ الرِّجَالِ: الْأَحْمَقُ. (مقاييس اللغة)