تجاوز إلى المحتوى

من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

حمزة بن عبد المطلب

فإذا أنا برجل عليه نور يتلألأ، وحواليه رجال تأتلق منهم أنوار. فقلت: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا حمزة بن عبد المطَّلب صريع وحشيٍّ، وهؤلاء الذين حوله من استشهد من المسلمين في أحدٍ. فقلت لنفسي الكذوب: الشّعر عند هذا أنفق منه خازن الجنان، لأنَّه شاعر، وإخوته شعراء، وكذلك أبوه وجدُّه، ولعلَّه ليس بينه وبين معدِّ بن عدنان إلا من قد نظم شيئاً من موزون، فعملت أبياتاً على منهج أبيات كعب بن مالكٍ التي رثى بها حمزة، وأوّلها:

صفية قومي ولا تعجزيوبكّي النّساء على حمزة
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

وجئت حتى وليت منه فناديت: يا سيّد الشهداء، يا عمَّ رسول الله صلَّى الله عليه سلّم، يا ابن عبد المطَّلب! فلّما أقبل عليّ بوجهه أنشدته الأبيات. فقال: ويحك! أفي مثل هذا الموطن تجيئني بالمديح؟ أما سمعت الآية: « لكلِّ امرىء ٍمنهم يومئذ شأنٌ يغنيه » فقلت: بلى قد سمعتها، وسمعت ما بعدها: « وجوهٌ يومئذ سفرةٌ، ضاحكةٌ مستبشرةٌ، ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ، ترهقها قترةٌ، أولئك هم الكفرة الفجرة ». فقال: إنَّي لا أقدر على ما تطلب. ولكني أنفذ معك توراً، أي رسولاً إلى ابن أخي عليّ بن أبي طالبٍ، ليخاطب النبيَّ، صلّى الله عليه وسلَّم، في أمرك. فبعث معي رجلاً، فلمّا قصَّ قصتّي على أمير المؤمنين، قال: أين بيَّنتك؟ يعني صحيفة حسناتي. وكنت قد رأيت في المحشر شيخًا لنا كان يدرِّس النحو في الدار العاجلة، يعرف بأبي عليّ الفارسيّ، وقد امترس به قومٌ يطالبونه، ويقولون: تأوَّلت علينا وظلمتنا. فلمّا رآني أشار إليّ بيده، فجئته فإذا عنده طبقةٌ، منهم يزيد بن الحكم الكلابيُّ، وهو يقول: ويحك، أنشدت عني هذا البيت برفع الماء، يعني قوله:

يت كفافاً كان شرُّك كلُّهوخيرك عني ارتوى الماء مرتوي

ولم أقل إلاَّ الماء.وكذلك زعمت أنِّي فتحت الميم في قولي:

تبدَّل خليلاً بي، كشكلك شكله،فإنّي خليلاً صالحا ًبك مقتوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وإنّما قلت: مقتوي بضمِّ الميم.

وإذا هناك راجزٌ يقول: تأوّلت عليّ أنّي قلت:

يا إبلي ما ذنبه فتأبيه؟ماءٌ رواءٌ ونصيُّ حوليه

فحرَّكت الياء في تأبيه ووالله ما فعلت ولا غيري من العرب وإذا رجلٌ آخر يقول: ادّعيت عليَ أن الهاء راجعةٌ على الدَّرس في قولي:

هذا سراقة للقرآن يدرسه،والمرء عند الرَّشا إن يلقها ذيب

فمجنونٌ أنا حتّى أعتقد ذلك؟

النص من «رسالة الغفران» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.