من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر مالك بن أبي السّمح وأخباره ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو مالك بن أبي السّمح. واسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي أحد بني ثعل ثم أحد بني عمرو بن درماء. ويكنى أبا الوليد. وأمه قرشيّة من بني مخزوم، وقيل: بل أمّ أبيه منهم، وهو الصحيح.
وقال ابن الكلبي: هو مالك بن أبي السمح بن سليمان بن أوس بن سماك بن سعد بن أوس بن عمرو بن درماء أحد بني ثعل. وأمّ أبيه بنت مدرك بن عوف بن عبيد بن عمرو بن مخزوم. وكان أبوه منقطعا إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ويتيما في حجره أوصى به أبوه إليه، فكان ابن جعفر يكفله ويمونه، وأدخله وسائر إخوته في دعوة بني هاشم، فهم معهم إلى اليوم. وكان أحول طويلا أحنى. قال الوليد بن يزيد فيه يعارض الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العبّاس بن عبد المطلب في قوله فيه:
أبيض كالبدر أو كما يلمع السارق في حالك من الظّلم
فقال له الوليد: بل أنت.
أحول كالقرد أو كما يرقب السارق في حالك من الظّلم
وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر حتى أدرك الدولة العباسيّة، وكان منقطعا إلى بني سليمان بن عليّ، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور.
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد: قرأت على أبي: أنّ السبب في انقطاع أبي السّمح إلى ابن جعفر أنّ السّنة أقحمت طيّئا، فكان ثعلبة جدّ مالك أحدهم، فولد أبو السّمح بالمدينة؛ وكان صديقا للحسين بن عبد اللّه الهاشميّ، وكان سبب ذلك مودّة كانت بينه وبين آل شعيب السّهميين؛ فلما تزوّج حسين عابدة بنت شعيب السّهميّة خاصمهم بسببها؛ وكان جدّ مالك معه وعونا له مع من عاونه، فنشبت بذلك حال بينه وبين بني هاشم، حتى ولد مالك في دورهم، فصارت دعوته فيهم.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي: وعمّر مالك حتى أدرك دولة بني العباس، وقدم على سليمان بن عليّ بالبصرة، فمتّ إليه بخؤولته في قريش، ودعوته لبني هاشم، وانقطاعه إلى ابن جعفر، فعجّل له سليمان صلته وكساه وكتب له بأوساق من تمر.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني القاسم بن يوسف قال أخبرني الوردانيّ قال: كان مالك بن أبي السّمح المغنّي من طيء، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شيء لهم؛ فكان يسأل الناس على باب حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير، وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم يغنّيه؛ فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه، فكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل، فلا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه، فينصرف إلى أمه ولم يكتسب شيئا، فتضربه، وهو مع ذلك يترنّم بألحان معبد ويؤدّيها دورا دورا في مواضع صيحاته وإسجاحاته ونبراته نغما بغير لفظ ولا رواية شيء من الشعر؛ وجعل حمزة كلّما غدا وراح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام الأعرابيّ إليّ؛ فأدخله؛ فقال له: من أنت؟ فقال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطّتنا إليكم ومعي أمّ لي وإخوة، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبني، فلزمت بابك من أجله؛ قال: فهل تعرف منه شيئا؟
قال: أعرف لحنه كلّه ولا أعرف الشعر؛ فقال: إن كنت صادقا إنك لفهم. ودعا بمعبد فأمره أن يغنّي صوتا فغنّاه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال نعم؛ قال: هاته؛ فاندفع فغنّاه فأدّى نغمه بغير شعر، يؤدّي مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته وتعليقاته لا يخرم حرفا؛ فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرّجه، فليكوننّ له شأن؛ قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلّا عدل إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه؛ فقال: غير الذي أنت له مستحقّ من الباطل أكنت ترضى بذلك؟ قال لا؛ قال: وكذلك لا يسرّك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم؛ قال: فو اللّه ما شبعت على بابك شبعة قطّ ولا انقلبت منه إلى أهلي بخير؛ فأمر له ولأمّه ولإخوته بمنزل، وأجرى لهم رزقا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبدا أن يطارحه، فلم ينشب أن مهر وحذق؛ وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم؛ فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم بشعر أخي زيادة:
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكبرهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنيوبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي
فلا يدعني قومي لزيد بن مالكلئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل
وإلّا أنل ثأري من اليوم أو غدبني عمّنا فالدهر ذو متطوّل
أنختم علينا كلكل الحرب مرّةفنحن منيخوها عليكم بكلكل
فغنّى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورقّقه وأصلحه وزاد فيه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه؛ ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إني قد صنعت غناء في شعر سمعت بعض أهل المدينة ينشده وقد أعجبني، فإن أذن الأمير غنّيته فيه؛ قال: هاته، فغنّاه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد؛ فطرب حمزة وقال له: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته؛ فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع منّي شيئا ليس من غناء معبد ولا طريقته؛ قال: هات، فغنّاه اللحن الذي تشبّه فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلّة كانت عليه قيمتها مائتا دينار؛ ودخل معبد فرأى حلّة حمزة عليه فأنكرها؛ وعلم حمزة بذلك فأخبر معبدا بالسبب، وأمر مالكا فغنّاه الصوتين؛ فغضب معبد لما سمع الصوت الأوّل وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلّم غنائي فيدّعيه لنفسه؛ فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعه ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغنّي الصوت الآخر فغنّاه؛ فأطرق معبد؛ فقال له حمزة: واللّه لو انفرد بهذا لضاهاك ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت ونقصت، فلأن يكون منسوبا إليك أجمل؛ فقال له معبد وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبد بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه؛ فقام مالك على رجله فقبّل رأس معبد، وقال له: يا أبا عبّاد أساءك ما سمعت منّي؟ واللّه لا أغنّي لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيّا، وإن غلبتني نفسي فغنّيت في شعر استحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وارض عنّي؛ فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟ قال: إي واللّه وأزيد؛ فكان مالك بعد ذلك إذا غنّى صوتا وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنّيت لنفسي شيئا قطّ، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسّنه وأزيد فيه وأنقص منه.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثنا الحسن بن عتبة اللهبيّ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه أحد بني الحارث بن عبد المطلب قال: خرجت من مكة أريد العراق، فحملت معي مالك بن أبي السّمح من المدينة، وذلك في أيام أبي العبّاس السّفاح، فكان إذا كانت عشيّة الخميس قال لنا: يا معشر الرّفقة إن الليلة ليلة الجمعة وأنا أعلم أنكم تسألوني الغناء، وعليّ وعليّ إن غنّيت ليلة الجمعة، فإن أردتم شيئا فالساعة اقترحوا ما أحببتم؛ فنسأله فيغنّينا، حتى إذا كادت الشمس أن تغيب طرب ثم صاح: الحريق في دار شلمغان، ثم يمرّ في الغناء فما يكون في ليلة أكثر غناء منه في تلك الليلة بعد الأيمان المغلّظة.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كان سليمان بن عليّ يسمع من مالك بن أبي السّمح بالسّراة، لأنه كان إذا قدم الشأم على الوليد بن يزيد، عدل إليهم في بدأته وعودته لانقطاعه إليهم، فيبرّونه ويصلونه؛ فلما أفصى إليهم الأمر رأى سليمان مالكا على باب ابنه جعفر؛ فقال له: يا بنيّ، لقد رأيت ببابك أشبه الناس بمالك؛ فقال له جعفر: ومن مالك؟ - يوهمه أنه لا يعرفه - فتغافل عنه سليمان لئلا ينبهه عليه فيطلبه، وتوهّم أنه لم يعرفه ولا سمع غناءه.
قال حمّاد: وحدّثني أبي عن جدّي إبراهيم أنه أخبره أنه رأى مالكا بالبصرة على باب جعفر بن سليمان، أو أخيه محمد، ولم يعرفه، فسأل عنه بعد ذلك فعرفه وقد كان خرج عن البصرة؛ قال: فمالي حسرة مثل حسرتي بأني ما سمعت غناءه.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى قال: كان مالك بن أبي السّمح يتيما في حجر عبد اللّه بن جعفر، وكان أبوه أبو السمح صار إلى عبد اللّه بن جعفر وانقطع إليه، فلما احتضر أوصى بمالك إليه، فكفله وعاله وربّاه، وأدخله في دعوة بني هاشم، فهو فيهم إلى اليوم. ثم خطب حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العبّاس العابدة بنت شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فمنعه بعض أهلها منها وخطبها لنفسه، فعاون مالك حسينا، وكانت العابدة تستنصحه، وكانت بين أبيها شعيب وبينه مودّة، فأجابت حسينا وتزوّجته، فانقطع مالك إلى حسين؛ فلما أفضى الأمر إلى بني هاشم قدم البصرة على سليمان بن عليّ، فلما دخل إليه متّ بصحبته عبد اللّه بن جعفر ودعوته في بني هاشم وانقطاعه إلى حسين؛ فقال له سليمان: أنا عارف بكلّ ما قلته يا مالك، ولكنك كما تعلم، وأخاف أن تفسد عليّ أولادي، وأنا واصلك ومعطيك ما تريد وجاعل لك شيئا أبعث به إليك ما دمت حيّا في كل عام، على أن تخرج عن البصرة وترجع إلى بلدك؛ قال: أفعل جعلني اللّه فداك؛ فأمر له بجائزة وكسوة وحمله وزوّده إلى المدينة.
أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني محمد بن هارون بن جناح قال أخبرني يعقوب بن إبراهيم الكوفيّ عمن أخبره قال: دخلت المدينة حاجّا فدخلت الحمّام، فبينا أنا فيه إذ دخل صاحب الحمام فغسله ونظّفه، ثم دخل شيخ أعمى له هيئة، مؤتزر بمنديل أبيض؛ فلما جلس خرجت إلى صاحب الحمّام فقلت له: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مالك بن أبي السمح المغنّي، فدخلت عليه فقلت له: يا عمّاه، من أحسن الناس غناء؟ فقال: يابن أخي، «على الخبير سقطت»، أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا.
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال حدّثني أبو يحيى العباديّ عن إسحاق قال: كان فتية من قريش جلوسا في مجلس، فمرّ بهم مالك بن أبي السّمح، فقال بعضهم لبعض: لو سألنا مالكا فغنّانا صوتا! فقام إليه بعضهم فسأله النزول عندهم، فعدل إليهم؛ فسألوه أن يغنّيهم؛ فقال: نعم واللّه بالحبّ والكرامة، ثم اندفع يغني، وأوقع بالمقرعة على قربوس سرجه، فرفع صوته فلم يقدر، ثم خفضه فلم يقدر، فجعل يبكي ويقول: واشباباه.
أخبرني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد عن الزّبير بن بكّار عن عمه عن جدّه أنه كان في هؤلاء الفتية الذين كانوا سألوه الغناء؛ وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره إسحاق.
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال حدّثني صالح بن أبي الصّقر قال: قدم مالك بن أبي السّمح المغنّي البصرة، فلقيه عجاجة المخنّث، وكان أشهر من بها من المخنّثين، وقال له: فديتك يا أبا الوليد، إني كنت أحبّ أن ألقاك وأن أعرض عليك صوتا من غنائك أخذته عن بعض المخنّثين، فإن رأيت أن تنزل عندي فعلت؛ فنزل مالك عنده فبسط له المخنّث جرد قطيفة كانت عنده فجلس، ثم أخذ عجاجة الدفّ فغنّى:
حبّ إنّ الخمار كان عليهاشاهدا يوم زارت الجوشنيّة
قد سبته بدلّها حين جاءتتتهادى في مشية بختريّه
فجعل مالك يقول له: ويلك! من قال هذا! لعنه اللّه! ويحك من غنّى هذا! قبّحه اللّه! ويحك من روى عنّي هذا! أخزاه اللّه! ثم قام فركب وهو يضحك عجبا من عجاجة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن ابن جناح قال حدّثني مصعب بن عثمان قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزّبير قال حدّثني مالك بن أبي السّمح قال: قدمنا على يزيد بن عبد الملك أوّل قدومنا عليه مع معبد وابن عائشة، فغنّياه ليلة فأطربناه، فأمر لكل واحد منّا بألف دينار وكتب لنا بها إلى كاتبه، فغدونا عليه بالكتاب؛ فلما رآه أنكره وقال: أيؤمر لمثلكم بألف دينار ألف دينار! لا واللّه ولا حبّا ولا كرامة!. فرجعنا إلى يزيد فأخبرناه بمقالته وكررنا عليه؛ فقال: كأنه استنكر ذلك؟ فقلنا: نعم؛ فقال: مثله واللّه يستنكره ودعاه؛ فلما حضر ورآنا عنده استأمره فيها، فأطرق مستحييا؛ وقال له: إني قد قلتها لهم ولا يجمل أن أرجع عما قلت، ولكن قطّعها عليهم. قال مالك: فمات واللّه يزيد، وقد بقي لكل واحد منا أربعمائة دينار.
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد قال قرأت على أبي، وحدّثنا الحسن بن محمد قال: لمّا انهزم عبد اللّه بن عليّ من أبي مسلم قدم البصرة، وكان عند سليمان بن عليّ، وكان مالك بن أبي السمح يومئذ بها، فاستزاره جعفر ومحمد فزارهما، وغنّاهما مالك في جوف الليل في دار سليمان بن عليّ، وبلغ الخبر سليمان، فدخل عليهم فعذل جعفرا ومحمدا، وقال: نحن نتوقّع الطامّة الكبرى وأنتم تسمعون الغناء! فقالا: ألا تجلس وتسمع! ففعل، فغنّاهم مالك:
صوت
ما كنت أوّل من خاس الزمان بهقد كنت ذا نجدة أخشى وذا بأس
أبلغ أبا معبد عنّي وإخوتهشوقي إليهم وأحزاني ووسواسي
فخرج وتركهم ولم ينكر عليهم شيئا.
وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العبّاس:
صوت
لا عيش إلا بمالك بن أبي السّمح فلا تلحني ولا تلم
أبيض كالبدر أو كما يلمع البارق في حالك من الظّلم
من ليس يعصيك إن رشدت ولايهتك حقّ الإسلام والحرم
يصيب من لذّة الكريم ولايجهل آي الترخيص في اللّمم
يا ربّ ليل لنا كحاشية البرد ويوم كذاك لم يدم
نعمت فيه ومالك بن أبيالسمح الكريم الأخلاق والشّيم
- غنّاه مالك في الأوّل والثاني والثالث رملا بالبنصر في مجراها - فيقال: إن مالكا قال له: لا واللّه ولا إن غويت أيضا أعصيك؛ ذكر ذلك الزبير عن عمّه مصعب. ويقال: إنه قال هذه المقالة للوليد بن يزيد، فسرّ بذلك وأجزل صلته.
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد قال حدّثني أبي قال قال ابن الكلبيّ: قال الوليد بن يزيد لمعبد قد آذتني ولولتك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا، فانظرا لي رجلا يكون مذهبه متوسّطا بين مذهبيكما؛ فقالا له: مالك بن أبي السّمح؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر مغنّي الحجاز المذكورين؛ فلمّا قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه من المغنّين نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغنّاه فلم يعجبه؛ فلما انصرف الغمر قال له: إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيء من غنائك؛ فقال له: جعلني اللّه فداك! اطلب لي الإذن عليه مرّة واحدة، فإن أعجبه شيء مما أغنّيه وإلا انصرفت إلى بلادي. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر وطلب له الإذن، وقال له: إنه هابك فحصر؛ قال: فأذن له، فبعث إليه؛ فأمر مالك الغلام فسقاه ثلاث صراحيّات صرفا؛ فخرج حتى دخل عليه يخطر في مشيته. وقال غير ابن الكلبيّ: إنه قال لفرّاش للوليد: اسقني عسّا من شراب ولك دينار، فسقاه إيّاه وأعطاه الدينار؛ ثم قال له: زدني آخر فأزيدك آخر، ففعل حتى شرب ثلاثة، ثم دخل على الوليد يخطر في مشيته؛ فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم، وأخذ بحلقة الباب فقعقعها، ثم رفع صوته فغنّى:
لا عيش إلا بمالك بن أبيالسمح فلا تلحني ولا تلم
فطرب الوليد، ورفع يديه، حتى بدا إبطاه إليه مادّا لهما، وقام فاعتنقه قائما، وقال له: اذن يابن أخي، فدنا حتى اعتنقه؛ ثم أخذ في صوته ذلك، فلم يزالوا فيه أياما، وأجزل صلته حين أراد الانصراف. قال: ولما أتى مالك على قوله:
أبيض كالسيف أو كما يلمع البارق في حالك من الظّلم
قال له الوليد:
أحول كالقرد أو كما يرقبالسارق في حالك من الظّلم
وكان مالك طويلا أجنى فيه حول. وقد قال قوم: إنّ مالكا لم يصنع لحنا قطّ غير هذا - أعني: «لا عيش إلّا بمالك بن أبي السّمح» - وإنه كان يأخذ غناء الناس فيزيد فيه وينقص منه وينسبه الناس إليه، وكان إسحاق ينكر ذلك غاية الإنكار، ويقول: غناء مالك كلّه مذهب واحد لا تباين فيه، ولو كان كما يقول الناس لاختلاف غناؤه، وإنما كان إذا غنّى ألحان معبد الطّوال خفّفها وحذف بعض نغمها، وقال: أطاله معبد ومطّطه، وحذفته أنا وحسّنته، فأمّا ألّا يكون صنع شيئا فلا.
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد: قرأت على أبي وذكر بكّار بن النبال: أن الوليد قال لمالك: هل تصنع الغناء؟ قال: لا، ولكنّي أزيد فيه وأنقص منه؛ فقال له: فأنت المحلّي إذا.
قال إسحاق وذكر الحسن بن عتبة اللّهبي عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه الهاشميّ الحارثيّ الذي يقال له سنابل - وفيه يقول الشاعر:
فإن هي ضنّت عنك أو حيل دونهافدعها وقل في ابن الكرام سنابل
- قال: خرجت من مكة أريد أبا العبّاس أمير المؤمنين، فمررت على المدينة فحملت معي مالك بن أبي السّمح، فسألته يوما عن بعض ما ينسب إليه من الغناء؛ فقال: يا أبا الفضل، عليه وعليه إن كان غنّى صوتا قطّ، ولكني آخذه وأحسّنه وأهيئه وأطيّبه، فأصيب ويخطئون فينسب إليّ. قال إسحاق: وليس الأمر هكذا، لمالك صنعة كثيرة حسنة، وصنعته تجري في أسلوب واحد، ويشبه بعضها بعضا، ولو كان كما قيل لاختلف غناؤه. وقد قيل: إنّ مالكا كان ينتفي من الصنعة لأن أكثر الأشراف هناك كانوا ينكرون عليه، فكان يتبدّل به عند من يراه، وينكره عند من يذمّه، لمحلّه في بني هاشم.
وأخبرني بخبر سنابل هذا محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني حمزة بن عتبة اللّهبي عن سنابل، فذكر الخبر وخالف ما رواه إسحاق أنّ الحسن بن عتبة حدّثه وحكاه عن حمزة بن عتبة أخيه.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن هشام بن الكلبيّ عن أبيه عن محمد بن يزيد اللّيثيّ قال: سئل مالك بن أبي السّمح عن صنعته في:
لاح بالدّير من أمامة نار
فقال: أخذته واللّه من خربنده بالشأم يسوق أحمرة، فكان يترنّم بهذا اللّحن بلا كلام، فأخذته فكسوته هذا الشعر.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: نزل مالك بن أبي السّمح عند رجل بمكة مخزوميّ، وكان له غلام حائك، فأتاه آت فقال: أما سمعت غناء غلامك الحائك؟ قال: لا! أو يغنّي؟ قال: نعم بشعر لأبي دهبل الجمحيّ؛ فبعث إليه فأتاه، فقال: تغنّه؛ فقال: ما أحسن ذاك إلا على حفّي؛ فخرج مولاه ومعه مالك إلى بيته، فلما جلس على حفّه تغنّى:
تطاول هذا الليل ما يتبلّج
فأخذه مالك عنه وغنّاه فنسبه الناس إليه؛ وكان يقول: واللّه ما غنيّته قطّ ولا غنّاه إلّا الحائك.
نسبة هذين الصوتين
صوت
لاح بالدّير من أمامة نارلمحبّ له بيثرب دار
قد تراها ولو تشاء من القرب لأغناك عن نداها السّرار
الشعر للأحوص، ويقال: إنه لعبد الرحمن بن حسّان بن ثابت. والغناء لمالك بن أبي السّمح ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيه لحن لمعبد ذكره إسحاق.
صوت
تطاول هذا الليل ما يتبلّجوأعيت غواشي سكرتي ما تفرّج
أبيت بهمّ ما أنام كأنماخلال ضلوعي جمرة تتوهّج
فطورا أمنّي النفس من تكتم المنىوطورا إذا ما لجّ بي الحبّ أنشج
عروضه من الطويل، الشعر لأبي دهبل، والغناء لمالك بن أبي السّمح ثقيل أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جدّه قال: قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان معنا مالك بن أبي السّمح وكان من أحمق الناس، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ فقلت: وما يريدون منا؟ قال: وما يؤمّنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسّنوا أمرهم بذلك!؛ قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلا قطّ قبل ذلك اليوم.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار حدّثتني ظبية قالت: رأيت مالك بن أبي السّمح وهو على منامته يلقى على ابنه وقد كبر وانقطع:
صوت
اعتاد هذا القلب بلبالهإذ قرّبت للبين أجماله
خود إذا قامت إلى خدرهاقامت قطوف المشي مكساله
تفترّ عن ذي أشر باردعذب إذا ما ذيق سلساله
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، ولمالك بن أبي السّمح فيه ثلاثة ألحان: خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى، وثقيل أوّل بالوسطى مجراها جميعا عن إسحاق، وخفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وقيل: إنه لابن سريج، وفيه رمل ينسب إلى ابن جامع وابن سريج.
أخبرني وكيع قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة: سمعت منشدا ينشد لنفسه يرثي مالكا بهذه القصيدة:
يا مال إني قضت نفسي عليك ومابيني وبينك من قربى ولا رحم
إلا الذي لك في قلبي خصصت بهمن المودّة في ستر وفي كرم
قال إسحاق قال أبو عبيدة: هو مالك بن أبي السمح. انقضت أخباره.
صوت من المائة المختارة
من رواية هارون بن الحسن بن سهل وابن المكّيّ وأبي العبيس ومن روى جحظة عنه:
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقهاوكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه
هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما غدرت يوما بكسرى مرازبه
بني هاشم ردّوا سلاح ابن أختكمولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه
عروضه من الطويل. البيت الأوّل من الشعر لرجل من بني نهد جاهليّ، وباقي الأبيات للوليد بن عقبة بن أبي معيط. والغناء لابن محرز، ولحنه من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن يونس وإسحاق، وهو اللحن المختار. وفيه للغريض ثقيل أوّل بالسّبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أوّل آخر مطلق في مجرى الوسطى عن عمرو وعن الهشاميّ. وفيه لسلسل في الثاني والثالث ثقيل أوّل بالبنصر عن حبش، وفيه لعطرّد خفيف ثقيل.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع