من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار إسماعيل بن يسار ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه الزّبيريّ قال: كان إسماعيل بن يسار النّسائيّ مولى بني تيم بن مرّة: تيم قريش، وكان منقطعا إلى آل الزّبير. فلمّا أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان، وفد إليه مع عروة بن الزّبير، ومدحه ومدح الخلفاء من ولده بعده. وعاش عمرا طويلا إلى أن أدرك آخر سلطان بني أميّة، ولم يدرك الدولة العبّاسيّة. وكان طيّبا مليحا مندرا بطّالا، مليح الشّعر، وكان كالمنقطع إلى عروة بن الزّبير، وإنّما سمّي إسماعيل بن يسار النّسائيّ، لأنّ أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه، فيشتريه منه من أراد التعريس من المتجمّلين وممن لم تبلغ حاله اصطناع ذلك.
وأخبرني الأسديّ قال حدّثنا أبو الحسن محمد بن صالح بن النّطّاح قال: إنّما سمّي إسماعيل بن يسار النّسائيّ لأنه كان يبيع النّجد والفرش التي تتّخذ للعرائس؛ فقيل له إسماعيل بن يسار النّسائيّ.
وأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد عن ابن عائشة: أنّ إسماعيل بن يسار النّسائيّ إنّما لقّب بذلك لأنّ أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحا أبدا؛ فمن طرقه وجده عنده معدّا.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال قال مصعب بن عثمان: لمّا خرج عروة بن الزّبير إلى الشأم يريد الوليد بن عبد الملك، أخرج معه إسماعيل بن يسار النّسائيّ، وكان منقطعا إلى آل الزّبير، فعادله. فقال عروة ليلة من اللّيالي لبعض غلمانه: انظر كيف ترى المحمل؟ قال: أراه معتدلا. قال إسماعيل: اللّه أكبر، ما اعتدل الحقّ والباطل قبل الليلة قطّ؛ فضحك عروة، وكان يستخفّ إسماعيل ويستطيبه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي عن أيّوب بن عباية المخزوميّ: أنّ إسماعيل بن يسار كان ينزل في موضع يقال له حديلة وكان له جلساء يتحدّثون عنده، ففقدهم أيّاما، وسأل عنهم فقيل: هم عند رجل يتحدّثون إليه طيّب الحديث حلو ظريف قدم عليهم يسمّى محمدا ويكنى أبا قيس.
فجاء إسماعيل فوقف عليهم، فسمع الرجل القوم يقولون: قد جاء صديقنا إسماعيل بن يسار؛ فأقبل عليه فقال له: أنت إسماعيل؟ قال نعم. قال: رحم اللّه أبويك فإنّهما سمّياك باسم صادق الوعد وأنت أكذب الناس. فقال له: إسماعيل: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أبو من؟ قال: أبو قيس. قال: لا! ولكن لا رحم اللّه أبويك؛ فإنّهما سمّياك باسم نبيّ وكنّياك بكنية قرد. فأفحم الرجل وضحك القوم، ولم يعد إلى مجالستهم، فعادوا إلى مجالسة إسماعيل.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ عن نمير العذريّ قال: استأذن إسماعيل بن يسار النّسائيّ على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما، فحجبه ساعة ثم أذن له، فدخل يبكي. فقال له الغمر: مالك يا أبا فائد تبكي؟ قال: وكيف لا أبكي وأنا على مروانيّتي ومروانيّة أبي أحجب عنك! فجعل الغمر يعتذر إليه وهو يبكي؛ فما سكت حتّى وصله الغمر بجملة لها قدر. وخرج من عنده، فلحقه رجل فقال له: أخبرني ويلك يا إسماعيل، أيّ مروانيّة كانت لك أو لأبيك؟ قال: بغضنا إيّاهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كلّ يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلّا اللّه، فقال: لعن اللّه مروان، تقرّبا بذلك إلى اللّه تعالى وإبدالا له من التوحيد وإقامة له مقامه.
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني مصعب قال: قال إسماعيل بن يسار النّسائيّ قصيدته التي أوّلها:
ما على رسم منزل بالجنابلو أبان الغداة رجع الجواب
غيّرته الصّبا وكلّ ملثّدائم الودق مكفهرّ السّحاب
دار هند وهل زماني بهندعائد بالهوى وصفو الجناب
كالذي كان والصفاء مصونلم تشبه بهجرة واجتناب
ذاك منها إذ أنت كالغصن غضّوهي رؤد كدمية المحراب
غادة تستبي العقول بعذبطيّب الطعم بارد الأنياب
وأثيث من فوق لون نقيّكبياض اللّجين في الزّرياب
فأقلّ الملام فيها وأقصرلجّ قلبي من لوعة واكتئاب
صاح أبصرت أو سمعت براعردّ في الضّرع ما قرى في العلاب
انقضت شرّتي وأقصر جهليواستراحت عواذلي من عتابي
وقال فيها يفخر على العرب بالعجم:
ربّ خال متوّج لي وعمّماجد مجتدى كريم النّصاب
إنّما سمّي الفوارس بالفرس مضاهاة رفعة الأنساب
فاتركي الفخر يا أمام عليناواتركي الجور وانطقي بالصّواب
واسألي إن جهلت عنّا وعنكمكيف كنّا في سالف الأحقاب
إذ نربّي بناتنا وتدسّون سفاها بناتكم في التّراب
فقال رجل من آل كثير بن الصّلت: إنّ حاجتنا إلى بناتنا غير حاجتكم؛ فأفحمه. يريد: أنّ العجم يربّون بناتهم لينكحوهنّ، والعرب لا تفعل ذلك. وفي هذه الأبيات غناء، نسبته:
صوت
صاح أبصرت أو سمعت براعردّ في الضّرع ما قرى في العلاب
انقضت شرّتي وأقصر جهليواستراحت عواذلي من عتابي
الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. والغناء لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنّ فيه للغريض خفيف ثقيل بالبنصر، وذكر في نسخته الثانية أنه لابن سريج. وذكر الهشاميّ أنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى، وأنّ لحن الغريض ثقيل أوّل.
وحدّثني بهذا الخبر عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال: إسماعيل بن يسار يكنى أبا فائد، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضا، وهم من سبى فارس. وكان إسماعيل شعوبيّا شديد التعصّب للعجم، وله شعر كثير يفخر فيه بالأعاجم. قال: فأنشد يوما في مجلس فيه أشعب قوله:
إذ نربّي بناتنا وتدسّون سفاها بناتكم في التّراب
فقال له أشعب: صدقت واللّه يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهنّ له. قال: وما ذاك؟ قال: دفن القوم بناتهم خوفا من العار، وربّيتموهنّ لتنكحوهنّ. قال: فضحك القوم حتى استعربوا، وخجل إسماعيل حتّى لو قدر أن يسيخ في الأرض لفعل.
أخبرني الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرني أبو سلمة الغفاريّ قال أخبرنا أبو عاصم الأسلميّ قال: بينا ابن يسار النّسائيّ مع الوليد بن يزيد جالس على بركة، إذ أشار الوليد إلى مولى له يقال له عبد الصمد، فدفع ابن يسار النسائيّ في البركة بثيابه؛ فأمر به الوليد فأخرج. فقال ابن يسار:
قل لوالي العهد إن لاقيتهووليّ العهد أولى بالرّشد
إنّه واللّه لو لا أنت لمينج منّي سالما عبد الصّمد
إنّه قد رام منّي خطّةلم يرمها قبله منّي أحد
فهو مما رام منّي كالذييقنص الدّرّاج من خيس الأسد
فبعث إليه الوليد بخلعة سنية وصلة وترضّاه. وقد روي هذا الخبر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت في قصة أخرى، وذكر هذا الشعر له فيه.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي: حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال سمعت إبراهيم بن أبي عبد اللّه يقول: ركب فلان من ولد جعفر بن أبي طالب رحمه اللّه بإسماعيل بن يسار النّسائيّ حتّى أتى به قباء؛ فاستخرج الأحوص فقال له: أنشدني قولك:
ما ضرّ جيراننا إذ انتجعوالو أنّهم قبل بينهم ربعوا
فأنشده القصيدة. فأعجب بها، ثم انصرف. فقال له إسماعيل بن يسار: أما جئت إلّا لما أرى؟ قال لا.
قال: فاسمع، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
ما ضر أهلك لو تطوّف عاشقبفناء بيتك أو ألمّ فسلّما
فقال: واللّه لو كنت سمعت هذه القصيدة أو علمت أنك قلتها لما أتيته. وفي أبيات من هذا الشعر غناء نسبته:
صوت
يا هند ردّي الوصل أن يتصرّماوصلي امرأ كلفا بحبّك مغرما
لو تبذلين لنا دلالك مرّةلم نبغ منك سوى دلالك محرما
منع الزيارة أنّ أهلك كلّهمأبدوا لزورك غلظة وتجهّما
ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشقبفناء بيتك أو ألمّ فسلّما
الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. والغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لإبراهيم الموصليّ رمل بالبنصر عن حبش.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: أنشد رجل زبّان السوّاق قول إسماعيل بن يسار:
ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشقبفناء بيتك أو ألمّ فسلّما
فبكى زبّان، ثم قال: لا شيء واللّه إلّا الضّجر وسوء الخلق وضيق الصدر، وجعل يبكي ويمسح عينيه.
أخبرني محمد بن جعفر الصّيدلانيّ النحويّ صهر المبرّد قال حدّثني طلحة بن عبد اللّه بن إسحاق الطّلحيّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين المهلّبي قال: أنشدت زبّان السّواق قول إسماعيل بن يسار النّسائيّ:
صوت
إن جملا وإن تبيّنت منهانكبا عن مودّتي وازورارا
شرّدت بادّكارها النّوم عنّيوأطير العزاء منّي فطارا
ما على أهلها ولم تأت سوءاأن تحيّا تحيّة أو تزارا
يوم أبدوا لي التّجهّم فيهاوحموها لجاجة وضرارا
فقال زبّان: لا شيء وأبيهم إلّا اللّحز وقلّة المعرفة وضيق العطن. فصاح عليه أبو المعافى وقال: فعلى من ذاك ويلك! أعليك أو على أبيك أو أمّك؟ فقال له زبّان: إنّما أتيت يا أبا المعافى من نفسك، لو كنت تفعل هذا ما اختلفت أنت وابنك. فوثب إليه أبو المعافى يرميه بالتّراب ويقول له: ويحك يا سفيه! تحسن الدّياثة! وزبّان يسعى هربا منه.
الغناء في هذه الأبيات لابن مسجح خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكيّ وحمّاد، وذكر الهشاميّ وحبش أنه لابن محرز، وأنّ لحن ابن مسجح ثاني ثقيل.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال: غنّي الوليد بن يزيد في شعر لإسماعيل بن يسار، وهو:
حتّى إذا الصبح بدا ضوءهوغارت الجوزاء والمرزم
خرجت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
فقال: من يقول هذا؟ قالوا: رجل من أهل الحجاز يقال له إسماعيل بن يسار النّسائي؛ فكتب في إشخاصه إليه. فلمّا دخل عليه استنشده القصيدة التي هذان البيتان منها؛ فأنشده:
كلثم أنت الهمّ يا كلثموأنتم دائي الذي أكتم
أكاتم الناس هوى شفّنيوبعض كتمان الهوى أحزم
قد لمتني ظلما بلا ظنّةوأنت فيما بيننا ألوم
أبدي الذي تخفينه ظاهراأرتدّ عنه فيك أو أقدم
إمّا بيأس منك أو مطمعيسدى بحسن الودّ أو يلحم
لا تتركيني هكذا ميّتالا أمنح الودّ ولا أصرم
أوفي بما قلت ولا تندميإنّ الوفيّ القول لا يندم
آية ما جئت على رقبةبعد الكرى والحيّ قد نوّموا
أخافت المشي حذار العداوالليل داج حالك مظلم
ودون ما حاولت إذ زرتكمأخوك والخال معا والعم
وليس إلّا اللّه لي صاحبإليكم والصارم اللّهذم
حتّى دخلت البيت فاستذرفتمن شفق عيناك لي تسجم
ثم انجلى الحزن وروعاتهوغيّب الكاشح والمبرم
فبتّ فيما شئت من نعمةيمنحنيها نحرها والفم
حتّى إذا الصبح بدا ضوءهوغارت الجوزاء والمرزم
خرجت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
قال: فطرب الوليد حتّى نزل عن فرشه وسريره، وأمر المغنّين فغنّوه الصوت وشرب عليه أقداحا، وأمر لإسماعيل بكسوة وجائزة سنيّة، وسرّحه إلى المدينة.
نسبة هذا الصوت
الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. والغناء لابن سريج رمل.
حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق الموصليّ قال حدّثنا محمد بن كناسة قال: اصطحب شيخ وشباب في سفينة من الكوفة؛ فقال بعض الشباب للشيخ: إنّ معنا قينة لنا، ونحن نجلّك ونحبّ أن نسمع غناءها. قال: اللّه المستعان؛ فأنا أرقى على الأطلال وشأنكم. فغنّت:
حتّى إذا الصبح بدا ضوءهوغارت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفرات، وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم! أنا الأرقم! فأدركوه وقد كاد يغرق؛ فقالوا: ما صنعت بنفسك؟ فقال: إنّي واللّه أعلم من معاني الشعر ما لا تعلمون.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني أبو مسلم المستملي عن المدائنيّ قال: مدح إسماعيل بن يسار النّسائيّ رجلا من أهل المدينة يقال له عبد اللّه بن أنس، وكان قد اتّصل ببني مروان وأصاب منهم خيرا، وكان إسماعيل صديقا له؛ فرحل إلى دمشق إليه، فأنشده مديحا له ومتّ إليه بالجوار والصداقة؛ فلم يعطه شيئا. فقال يهجوه:
لعمرك ما إلى حسن رحلناولا زرنا حسينا يابن أنس
(يعني الحسن والحسين رضي اللّه تعالى عنهما).
ولا عبدا لعبدهما فنحظىبحسن الحظّ منهم غير بخس
ولكن ضبّ جندلة أتينامضبّا في مكامنه يفسّي
فلمّا أن أتيناه وقلنابحاجتنا تلوّن لون ورس
وأعرض غير منبلج لعرفوظلّ مقرطبا ضرسا بضرس
فقلت لأهله أبه كزازوقلت لصاحبي أتراه يمسي
فكان الغنم أن قمنا جميعامخافة أن نزنّ بقتل نفس
حدّثني عمّي قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه قال: وفد عروة بن الزّبير إلى الوليد بن عبد الملك وأخرج معه إسماعيل بن يسار النّسائيّ، فمات في تلك الوفادة محمد بن عروة بن الزّبير، وكان مطّلعا على دوابّ الوليد بن عبد الملك، فسقط من فوق السطح بينها، فجعلت ترمحه حتى قطّعته، كان جميل الوجه جوادا. فقال إسماعيل بن يسار يرثيه:
صلّى الإله على فتى فارقتهبالشأم في جدث الطّويّ الملحد
بوّأته بيديّ دار إقامةنائي المحلة عن مزار العوّد
وغبرت أعوله وقد أسلمتهلصفا الأماعز والصّفيح المسند
متخشّعا للدهر ألبس حلّةفي النائبات بحسرة وتجلّد
أعني ابن عروة إنّه قد هدّنيفقد ابن عروة هدّة لم تقصد
فإذا ذهبت إلى العزاء أرومهليرى المكاشخ بالعزاء تجلّدي
منع التّعزّي أنّني لفراقهلبس العدوّ عليّ جلد الأربد
ونأى الصديق فلا صديق أعدّهلدفاع نائبة الزّمان المفسد
فلئن تركتك يا محمد ثاويالبما تروح مع الكرام وتغتدي
كان الذي يزع العدوّ بدفعهويردّ نخوة ذي المراح الأصيد
فمضى لوجهته وكلّ معمّريوما سيدركه حمام الموعد
حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه عن أبيه: أن إسماعيل بن يسار دخل على عبد الملك بن مروان لمّا أفضى إليه الأمر بعد مقتل عبد اللّه بن الزّبير، فسلّم ووقف موقف المنشد واستأذن في الإنشاد. فقال له عبد الملك: الآن يابن يسار! إنّما أنت امرؤ زبيريّ، فبأيّ لسان تنشد؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنا من ذلك، وقد صفحت عن أعظم جرما وأكثر غناء لأعدائك منّي، وإنما أنا شاعر مضحك. فتبسّم عبد الملك؛ وأومأ إليه الوليد بأن ينشد. فابتدأ فأنشد قوله:
ألا يا لقومي للرّقاد المسهّدوللماء ممنوعا من الحائم الصّدي
وللحال بعد الحال يركبها الفتىوللحبّ بعد السّلوة المتمرّد
وللمرء يلحى في التصابي وقبلهصبا بالغواني كلّ قرم ممجّد
وكيف تناسي القلب سلمى وحبّهاكجمر غضى بين الشّراسيف موقد
حتى انتهى إلى قوله:
إليك إمام النّاس من بطن يثربونعم أخو ذي الحاجة المتعمّد
رحلنا لأنّ الجود منك خليقةوأنّك لم يذمم جنابك مجتدي
ملكت فزدت النّاس ما لم يزدهمإمام من المعروف غير المصرّد
وقمت فلم تنقض قضاء خليفةولكن بما ساروا من الفعل تقتدي
ولمّا وليت الملك ضاربت دونهوأسندته لا تأتلي خير مسند
جعلت هشاما والوليد ذخيرةوليّين للعهد الوثيق المؤكّد
قال: فنظر إليهما عبد الملك متبسّما، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر. فقطب سليمان ونظر إلى إسماعيل نظر مغضب. فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأوّل، وقد قلت بعده:
وأمضيت عزما في سليمان راشداومن يعتصم باللّه مثلك يرشد
فأمر له بألفي درهم صلة، وزاد في عطائه، وفرض له، وقال لولده: أعطوه؛ فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.
أخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ذكر ابن النّطّاح عن أبي اليقظان: أنّ إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته وهو بالرّصافة جالس على بركة له في قصره، فاستنشده وهو يرى أنه ينشده مديحا له؛ فأنشده قصيدته التي يفتخر فيها بالعجم:
يا ربع رامة بالعلياء من ريمهل ترجعنّ إذا حيّيت تسليمي
ما بال حيّ غدت بزل المطيّ بهمتخدي لغربتهم سيرا بتقحيم
كأنّني يوم ساروا شارب سلبتفؤاده قهوة من خمر داروم
حتّى انتهى إلى قوله:
إنّي وجدّك ما عودي بذي خورعند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم
أصلي كريم ومجدي لا يقاس بهولي لسان كحدّ السّيف مسموم
أحمي به مجد أقوام ذوي حسبمن كلّ قرم بتاج الملك معموم
جحاجح سادة بلج مرازبةجرد عتاق مساميح مطاعيم
من مثل كسرى وسابور الجنود معاوالهرمزان لفخر أو لتعظيم
أسد الكتائب يوم الرّوع إن زحفواوهم أذلّوا ملوك التّرك والرّوم
يمشون في حلق الماذيّ سابغةمشى الضّراغمة الأسد اللّهاميم
هناك إن تسألي تنبي بأنّ لناجرثومة قهرت عزّ الجراثيم
قال: فغضب هشام وقال له: يا عاضّ بظر أمّه! أعليّ تفخر وإيّاي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك!! غطّوه في الماء، فغطّوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو بشرّ ونفاه من وقته، فأخرج عن الرّصافة منفيّا إلى الحجاز. قال: كان مبتلى بالعصبيّة للعجم والفخر بهم، فكان لا يزال مضروبا محروما مطرودا.
أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال قال ابن النطّاح وحدّثني أبو اليقظان: أنّ إسماعيل بن يسار وفد إلى الوليد بن يزيد، وقد أسنّ وضعف، فتوسّل إليه بأخيه الغمر ومدحه بقوله:
نأتك سليمى فالهوى متشاجروفي نأيها للقلب داء مخامر
نأتك وهام القلب، نأيا بذكرهاولجّ كما لجّ الخليع المقامر
بواضحة الأقراب خفّاقة الحشىبرهرهة لا يجتويها المعاشر
يقول فيها يمدح الغمر بن يزيد:
إذا عدّد الناس المكارم والعلافلا يفخرن يوما على الغمر فاخر
فما مرّ من يوم على الدهر واحدعلى الغمر إلّا وهو في الناس غامر
تراهم خشوعا حين يبدو مهابةكما خشعت يوما لكسرى الأساور
أغرّ بطاحيّ كأنّ جبينهإذا ما بدا بدر إذا لاح باهر
وقى عرضه بالمال فالمال جنّةله وأهان المال والعرض وافر
وفي سيبه للمجتدين عمارةوفي سيفه للدّين عزّ وناصر
نماه إلى فرعي لؤيّ بن غالبأبوه أبو العاصي وحرب وعامر
وخمسة آباء له قد تتابعواخلائف عدل ملكهم متواتر
بهاليل سبّاقون في كلّ غايةإذا استبقت في المكرمات المعاشر
هم خير من بين الحجون إلى الصّفاإلى حيث أفضت بالبطاح الحزاور
وهم جمعوا هذا الأنام على الهدىوقد فرّقت بين الأنام البصائر
قال: فأعطاه الغمر ثلاثة آلاف درهم وأخذ له من أخيه الوليد ثلاثة آلاف درهم.
أخبرني عمي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال: لمّا مات محمد بن يسار، وكانت وفاته قبل أخيه، دخل إسماعيل على هشام بن عروة، فجلس عنده وحدّثه بمصيبته ووفاة أخيه، ثم أنشده يرثيه:
عيل العزاء وخانني صبريلمّا نعى الناعي أبا بكر
ورأيت ريب الدّهر أفردنيمنه وأسلم للعدا ظهري
من طيّب الأثواب مقتبلحلو الشمائل ماجد غمر
فمضى لوجهته وأدركهقدر أنيح له من القدر
وغبرت مالي من تذكّرهإلّا الأسى وحرارة الصدر
وجوى يعاودني وقلّ لهمنّي الجوى ومحاسن الذّكر
لمّا هوت أيدي الرّجال بهفي قعر ذات جوانب غبر
وعلمت أنّي لن ألاقيهفي الناس حتّى ملتقى الحشر
كادت لفرقته وما ظلمتنفسي تموت على شفا القبر
ولعمر من حبس الهديّ لهبالأخشبين صبيحة النّحر
لو كان نيل الخلد يدركهبشر بطيب الخيم والنّجر
لغبرت لا تخشى المنون ولاأودى بنفسك حادث الدّهر
ولنعم مأوى المرملين إذاقحطوا وأخلف صائب القطر
كم قلت آونة وقد ذرفتعيني فماء شؤونها يجري
أنّي وأيّ فتى يكون لناشرواك عند تفاقم الأمر
لدفاع خصم ذي مشاغبةولعائل ترب أخي فقر
ولقد علمت وإن ضمنت جوىمما أجنّ كواهج الجمر
ما لا مرىء دون المنيّة مننفق فيحرزه ولا ستر
قال: وكان بحضرة هشام رجل من آل الزّبير، فقال له: أحسنت وأسرفت في القول، فلو قلت هذا في رجل من سادات قريش لكان كثيرا. فزجره هشام وقال: بئس واللّه ما واجهت به جليسك؛ فشكره إسماعيل، وجزاه خيرا. فلمّا انصرف تناول هشام الرجل الزّبيريّ وقال: ما أردت إلى رجل شاعر ملك قوله فصرف أحسنه إلى أخيه! ما زدت على أن أغريته بعرضك وأعراضنا لو لا أنّي تلافيته. وكان محمد بن يسار أخو إسماعيل هذا الذي رثاه شاعرا من طبقة أخيه؛ وله أشعار كثيرة. ولم أجد له خبرا فأذكره، ولكن له أشعار كثيرة يغنّى فيها. منها قوله في قصيدة طويلة:
صوت
غشيت الدار بالسّنددوين الشّعب من أحد
عفت بعدي وغيّرهاتقادم سالف الأبد
الغناء لحكم الواديّ خفيف ثقيل عن الهشاميّ.
ولإسماعيل بن يسار ابن يقال له إبراهيم، شاعر أيضا، وهو القائل:
مضى الجهل عنك إلى طيّتهوآبك حلمك من غيبته
وأصبحت تعجب مما رأيت من نقض دهر ومن مرّته
وهي طويلة يفتخر فيها بالعجم كرهت الإطالة بذكرها.
انقضت أخباره.
صوت
كليب لعمري كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليماني المنمنم
عروضه من الطويل. الشعر للنابغة الجعديّ. والغناء للهذليّ في اللحن المختار، وطريقته من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. ونذكر هاهنا سائر ما يغنّى به في هذه الأبيات وغيرها من هذه القصيدة وننسبه إلى صانعه، ثم نأتي بعده بما يتبعه من أخباره. فمنها على الولاء سوى لحن الهذليّ:
كليب لعمري كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهّم
أيا دار سلمى بالحروريّة اسلميإلى جانب الصّمّان فالمتثلّم
أقامت به البردين ثم تذكّرتمنازلها بين الدّخول فجرثم
ومسكنها بين الغروب إلى اللّوىإلى شعب ترعى بهنّ فعيهم
ليالي تصطاد الرجال بفاحموأبيض كالإغريض لم يتثلّم
في البيت الأوّل والثاني لابن سريج ثقيل أوّل آخر بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس.
وفيهما لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في الثالث والرابع والأوّل والثاني ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. ولإسحاق في الثالث والأوّل ثقيل أوّل بالوسطى، ذكر ذلك أبو العبيس والهشاميّ. وللغريض في الرابع ثم الأوّل خفيف ثقيل بالوسطى في رواية عمرو بن بانة. ولمعبد فيهما وفيّ الخامس والسادس خفيف ثقيل من رواية أحمد بن المكيّ. ولابن سريج في الخامس والسادس ثقيل أوّل بالبنصر من رواية عليّ بن يحيى المنجّم، وذكر غيره أنّه للغريض. ولإبراهيم فيه ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، وذكر حبش أنه لمعبد. ولابن محرز في الأوّل والثاني والثالث والرابع هزج، ذكر ذلك أبو العبيس، وذكر قمريّ أنّه لأبي عيسى بن المتوكل لا يشكّ فيه. وللدّلال في الخامس والسادس ثاني ثقيل عن الهشاميّ، وذكر أبو العبيس أنّه للهذليّ. ولعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر في الرابع خفيف رمل. ولإسحاق في الثالث والرابع أيضا ما خوريّ، ولمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى فيهما، وقيل: إنّه لحنه الذي ذكرنا متقدّما، وإنه ليس في هذا الشعر غيره. وذكر حبش أنّ في هذه الأبيات التي أوّلها: «كليب لعمري» خفيف رمل بالوسطى، وللهذليّ خفيف ثقيل بالبنصر، وللدّلال رمل؛ فذلك ثمانية عشر صوتا. وأخبرني محمد بن إبراهيم قريص أنّ له فيهما (أعني الأوّل والثاني) خفيفا بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع