تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد ونسبه

فيه ٥٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو سعيد مولى فائد. وفائد مولى عمرو بن عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه. وذكر ابن خرداذبه أنّ اسم أبي سعيد إبراهيم. وهو يعرف في الشعراء بابن أبي سنّة مولى بني أميّة، وفي المغنّين بأبي سعيد مولى فائد.

وكان شاعرا مجيدا ومغنّيا، وناسكا بعد ذلك، فاضلا مقبول الشهادة بالمدينة معدّلا. وعمّر إلى خلافة الرشيد، ولقيه إبراهيم بن المهديّ وإسحاق الموصليّ وذووهما. وله قصائد جياد في مراثي بني أميّة الذين قتلهم عبد اللّه وداود ابنا عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، يذكر هاهنا في موضعه منها ما تسوق الأحاديث ذكره.

أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه، وأخبرنا به يحيى بن عليّ عن أخيه أحمد بن عليّ عن عافية بن شبيب عن أبي جعفر الأسديّ عن إسحاق، قال يحيى خاصّة في خبره: قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلمّا قربت من مكة استأذنته في التقدّم فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي: هو في المسجد الحرام. فأتيت المسجد فسألت عنه، فدللت عليه، فإذا هو قائم يصلّي، فجئت فجلست قريبا منه. فلمّا فرغ قال لي: يا فتى، ألك حاجة؟ قلت: نعم، تغنّيني: «لقد طفت سبعا». هذه رواية يحيى بن عليّ. وأمّا الباقون فإنّهم ذكروا عن إسحاق أنّ المهديّ قال هذا لأبي سعيد وأمره أن يغنّي له:

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتهاألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»

ورفق به وأدنى مجلسه، وقد كان نسك؛ فقال: أو أغنّيك يا أمير المؤمنين أحسن منه؟ قال: أنت وذاك. فغنّى:

إنّ هذا الطويل من آل حفصنشر المجد بعد ما كان ماتا
وبناه على أساس وثيقوعماد قد أثبتت إثباتا
مثل ما قد بنى له أوّلوهوكذا يشبه البناة البنانا

- الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد - فأحسن. فقال له المهديّ: أحسنت يا أبا سعيد! فغنّني «لقد طفت سبعا». قال: أو أغنّيك أحسن منه؟ قال: أنت وذاك. فغنّاه:

قدم الطويل فأشرقت واستبشرتأرض الحجاز وبان في الأشجار
إنّ الطويل من آل حفص فاعلمواساد الحضور وساد في الأسفار

فأحسن فيه. فقال: غنّني «لقد طفت سبعا». قال: أو أغنيّك أحسن منه؟ قال: فغنّني. فغناه:

أيّها السائل الذي يخبط الأرض دع الناس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفصإن تخوّفت علية أو هلاكا

فأحسن فيه. فقال له: غنّني «لقد طفت سبعا»، فقد أحسنت فيما غنّيت، ولكنا نحبّ أن تغنّي ما دعوناك إليه. فقال: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو، وقد رفعه ليضربني به وهو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعا، لقد طفت سبعا سبعا طفت! ما صنعت بأمّتي في هذا الصوت! فقلت له: بأبي أنت وأمي اغفرلي، فو الّذي بعثك بالحقّ واصطفاك بالنبوّة لا غنّيت هذا الصوت أبدا؛ فردّ يده ثم قال: عفا اللّه عنك إذا! ثم انتبهت. وما كنت لأعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا في منامي فأرجع عنه في يقظتي.

فبكى المهديّ وقال: أحسنت يا أبا سعيد أحسن اللّه إليك! لا تعد في غنائه، وحباه وكساه وأمر بردّه إلى الحجاز.

فقال له أبو سعيد: ولكن اسمعه يا أمير المؤمنين من منّة جارية البرامكة. وأظنّ حكاية من حكى ذلك عن المهديّ غلطا؛ لأن منّة جارية البرامكة لم تكن في أيّام المهديّ، وإنما نشأت وعرفت في أيّام الرشيد.

وقد حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه أنّه هو الذي لقي أبا سعيد مولى فائد وجاراه هذه القصّة. وذكر ذلك أيضا حمّاد بن إسحاق عن إبراهيم بن المهديّ. وقد يجوز أن يكون إبراهيم بن المهديّ وإسحاق سألاه عن هذا الصوت فأجابهما فيه بمثل ما أجاب المهديّ. وأمّا خبر إبراهيم بن المهديّ خاصّة فله معان غير هذه، والصوت الذي سأله عنه غير هذا؛ وسيذكر بعد انقضاء هذه الأخبار لئلّا تنقطع.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة: أنّ إبراهيم بن المهديّ لقي أبا سعيد مولى فائد؛ وذكر الخبر بمثل الذي قبله، وزاد فيه: فقال له: اشخص معي إلى بغداد، فلم يفعل. فقال: ما كنت لآخذك بما لا تحبّ، ولو كان غيرك لأكرهته على ما أحبّ، ولكن دلّني على من ينوب عنك. فدلّه على ابن جامع، وقال له: عليك بغلام من بني سهم قد أخذ عنّي وعن نظرائي وتخرّج، وهو كما تحبّ. فأخذه إبراهيم معه فأقدمه بغداد؛ فهو الذي كان سبب وروده إيّاها.

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني

صوت من المائة المختارة

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتهاألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»
يسائلني صحبي فما أعقل الّذييقولون من ذكر لليلى اعترانيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»

عروضه من الطويل. ذكر يحيى بن عليّ أنّ الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد، وذكر غيره أنّ الشعر للمجنون. ولحنه خفيف رمل بالبنصر وهو المختار. وذكر حبش أنّ فيه لإبراهيم خفيف رمل آخر. والذي ذكر يحيى بن عليّ من أنّ الشعر لأبي سعيد مولى فائد هو الصحيح.

أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ أنّه أنشده لأبي سعيد مولى فائد. قال عمّي: وأنشدني هذا الشعر أيضا أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة لأبي سعيد. وبعد هذين البيتين اللّذين مضيا هذه الأبيات:

إذا جئت باب الشّعب شعب ابن عامرفأقرىء غزال الشّعب منّي سلاميا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»
وقل لغزال الشّعب هل أنت نازلبشعبك أم هل يصبح القلب ثاويا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»
لقد زادني الحجّاج شوقا إليكموقد كنت قبل اليوم للحجّ قاليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»
وما نظرت عيني إلى وجه قادممن الحجّ إلّا بلّ دمعي ردائيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»

في البيت الأوّل من هذه الأبيات، وهو:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر

لحن لابن جامع خفيف رمل عن الهشاميّ.

ومنها:

صوت

إنّ هذا الطويل من آل حفصنشر المجد بعد ما كان ماتا
وبناه على أساس وثيقوعماد قد أثبتت إثباتا
مثل ما قد بنى له أوّلوهوكذا يشبه البناة البناتا

عروضه من الخفيف. الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد. ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:

صوت

قدم الطويل فأشرقت لقدومهأرض الحجاز وبان في الأشجار
إنّ الطويل من آل حفص فاعلمواساد الحضور وساد في الأسفار

الشعر والغناء لأبي سعيد.

ومنها:

صوت

أيّها الطالب الذي يخبط الأرض دع الناس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفصإن تخوّفت عيلة أو هلاكا

عروضه من الخفيف. الشعر لأبي سعيد مولى فائد، وقيل: إنّه للدّارميّ. والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل.

وفيه للدّارميّ ثاني ثقيل.

الطويل من آل حفص الذي عناه الشعراء في هذه الأشعار، هو عبد اللّه بن عبد الحميد بن حفص، وقيل: ابن أبي حفص بن المغيرة المخزوميّ؛ وكان ممدّحا.

فأخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة عن أبي أيّوب المدينيّ قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه: أنّ عبد اللّه بن عبد الحميد المخزوميّ، كان يعطي الشعراء فيجزل، وكان موسرا، وكان سبب يساره ما صار إليه من أمّ سلمة المخزوميّة امرأة أبي العبّاس السفّاح؛ فإنّه تزوّجها بعده، فصار إليه منها مال عظيم، فكان يتسمّح به ويتفتّى ويتّسع في العطايا. وكانت أمّ سلمة مائلة إليه، فأعطته ما لا يدرى ما هو، ثم إنّها اتّهمته بجارية لها فاحتجبت عنه، فلم تعد إليه حتّى مات. وكان جميل الوجه طويلا. وفيه يقول أبو سعيد مولى فائد:

إنّ هذا الطويل من آل حفصنشر المجد بعد ما كان ماتا

وفيه يقول الدّارميّ:

أيّها السائل الذي يخبط الأرض دع الناس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفصإنّ تخوّفت عيّلة أو هلاكا

وفيه يقول الدّارميّ أيضا:

صوت

إنّ الطويل إذا حللت بهيوما كفاك مؤونة الثّقل

- ويروى:

ابن الطويل إذا حللت به
وحللت في دعة وفي كنفرحب الفناء ومنزل سهل

غنّاه ابن عبّاد الكاتب، ولحنه من الثقيل الأوّل بالبنصر عن ابن المكّي.

فأمّا خبر إبراهيم بن المهديّ مع أبي سعيد مولى فائد الذي قلنا إنّه يذكر هاهنا، فأخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني القطرانيّ المغنّي قال حدّثني ابن جبر قال: سمعت إبراهيم بن المهديّ يقول: كنت بمكة في المسجد الحرام، فإذا شيخ قد طلع وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى وقام يصلّي؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا أبو سعيد مولى فائد. فقلت لبعض الغلمان: احصبه فحصبه؛ فأقبل عليه وقال: ما يظنّ أحدكم إذا دخل المسجد إلّا أنّه له. فقلت للغلام: قل له: يقول لك مولاي: ابلغني؛ فقال ذلك له. فقال له أبو سعيد: من مولاك حفظه اللّه؟ قال: مولاي إبراهيم بن المهديّ، فمن أنت؟ قال: أنا أبو سعيد مولى فائد؛ وقام فجلس بين يديّ، وقال: لا واللّه - بأبي أنت وأمّي - ما عرفتك! فقلت: لا عليك! أخبرني عن هذا الصوت:

أفاض المدامع قتلى كدىوقتلى بكثوة لم ترمس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة

قال: هو لي. قلت: وربّ هذه البنيّة لا تبرح حتى تغنيه. قال: وربّ هذه البنيّة لا تبرح حتّى تسمعه. قال: ثم قلب إحدى نعليه وأخذ بعقب الأخرى، وجعل يقرع بحرفها على الأخرى ويغنّيه حتّى أتى عليه، فأخذته منه.

قال ابن جبر: وأخذته أنا من إبراهيم بن المهديّ.

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني دنية المدنيّ صاحب العبّاسة بنت المهديّ، وكان آدب من قدم علينا من أهل الحجاز: أنّ أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التّيميّ قاضي المدينة لأبي جعفر، وكان مقدّما لأبي سعيد. فقال له ابن عمران التيميّ: يا أبا سعيد أنت القائل:

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتهاألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»

فقال: إي لعمر أبيك، وإني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ. فردّ محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس. وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبا وحلف ألّا يشهد عنده أبدا. فأنكر أهل المدينة على ابن عمران ردّه شهادته، وقالوا: عرّضت حقوقنا للتّوى وأموالنا للتلف؛ لأنا كنّا نشهد هذا الرجل لعلمنا بما كنت عليه والقضاة قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله. فندم ابن عمران بعد ذلك على ردّ شهادته، ووجّه إليه يسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليقضي بشهادته؛ فامتنع، وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمته إن حضره حنث. قال: فكان ابن عمران بعد ذلك، إذا ادّعى أحد عنده شهادة أبي سعيد، صار إليه إلى منزله أو مكانه من المسجد حتّى يسمع منه ويسأله عما يشهد به فيخبره. وكان محمد بن عمران كثير اللّحم، عظيم البطن. كبير العجيزة، صغير القدمين، دقيق الساقين، يشتدّ عليه المشي، فكان كثيرا ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت «لقد طفت سبعا» وأضرّ بي ضررا طويلا شديدا. وأنا رجل ثقال، بتردّدي إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا النّضر بن عمرو عن الهيثم بن عديّ قال: كان المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب قاضيا على مكة، فشهد عنده أبو سعيد مولى فائد بشهادة؛ فقال له المطّلب: ويحك! ألست الدي يقول:

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتهاألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها»

لا قبلت لك شهادة أبدا. فقال له أبو سعيد: أنا واللّه الذي أقول:

كأنّ وجوه الحنطبيّين في الدّجىقناديل تسقيها السّليط الهياكل

فقال الحنطبيّ: إنّك ما علمتك إلّا دبّابا حول البيت في الظّلم، مدمنا للطّواف به في الليل والنهار؛ وقبل شهادته.

نسبة الصوت المذكور قبل هذا، الذي في حديث إبراهيم بن المهديّ وخبره

صوت

أفاض المدامع قتلي كدىوقتلي بكثوة لم ترمس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
وقتلي بوجّ وباللّابتين من يثرب خير ما أنفس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
وبالزّابيين نفوس ثوتوأخرى بنهر أبي فطرس
أولئك قومي أناخت بهمنوائب من زمن متعس
إذا ركبوا زيّنوا الموكبينوإن جلسوا الزّين في المجلس
هم أضرعوني لريب الزّمانوهم ألصقوا الرّغم بالمعطس

عروضه من المتقارب. الشعر للعبليّ، واسمه عبد اللّه بن عمر، ويكنّى أبا عديّ، وله أخبار تذكر مفردة في موضعها إن شاء اللّه. والغناء لأبي سعيد مولى فائد، ولحنه من الثقيل الثاني بالسبّابة في مجرى البنصر. وقصيدة العبليّ أوّلها:

تقول أمامة لمّا رأتنشوزي عن المضجع الأنفس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة

نسخت من كتاب الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار، وأخبرني الأخفش عن المبرّد عن المغيرة بن محمد المهلّبيّ عن الزّبير عن سليمان بن عيّاش السّعديّ قال: جاء عبد اللّه بن عمر العبليّ إلى سويقة وهو طريد بني العبّاس؛ وذلك بعقب أيّام بني أميّة وابتداء خروج ملكهم إلى بني العبّاس، فقصد عبد اللّه وحسنا ابني الحسن بن حسن بسويقة؛ فاستنشده عبد اللّه بن حسن شيئا من شعره فأنشده؛ فقال له: أريد أن تنشدني شيئا مما رثيت به قومك؛ فأنشده قوله:

تقول أمامة لمّا رأتنشوزي عن المضجع الأنفس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
وقلّة نومي على مضجعيلدى هجعة الأعين النّعّس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
أبي ما عراك؟ فقلت الهمومعرون أباك فلا تبلسي
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
عرون أباك فحبّسنهمن الذّلّ في شرّ ما محبس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
لفقد الأحبّة إذ نالهاسهام من الحدث المبئس
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
رمتها المنون بلا نكّلولا طائشات ولا نكّس
بأسهمها المتلفات النفوسمتى ما تصب مهجة تخلس
فصرّعنهم في نواحي البلادملقّى بأرض ولم يرسس
تقيّ أصيب وأثوابهمن العيب والعار لم تدنس
وآخر قد دسّ في حفرةوآخر قد طار لم يحسس
إذا عنّ ذكرهم لم ينمأبوك وأوحش في المجلس
فذاك الذي غالني فاعلميولا تسألي بامرىء متعس
أذلّوا قناتي لمن رامهاوقد ألصقوا الرّغم بالمعطس

قال: فرأيت عبد اللّه بن حسن وإنّ دموعه لتجري على خدّه.

وقد أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن إبراهيم بن رباح قال: عمّر أبو سعيد بن أبي سنّة مولى بني أميّة وهو مولى فائد مولى عمرو بن عثمان إلى أيّام الرشيد؛ فلمّا حجّ أحضره فقال: أنشدني قصيدتك:

تقول أمامة لمّا رأت

فاندفع فغنّاه قبل أن ينشده الشعر لحنه في أبيات منها، أوّلها:

أفاض المدامع قتلى كدى

وكان الرشيد مغضبا فسكن غضبه وطرب، فقال: أنشدني القصيدة. فقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم مواليّ وأنعموا عليّ، فرثيتهم ولم أهج أحدا؛ فتركه.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا الحزنبل قال: كنّا عند ابن الأعرابيّ وحضر معنا أبو هفان، فأنشدنا ابن الأعرابيّ عمن أنشده قال: قال ابن أبي سبة العبليّ:

أفاض المدامع قتلى كذاوقتلى بكبوة لم ترمس

فغمز أبو هفّان رجلا وقال له: قل له: ما معنى «كذا»؟ قال: يريد كثرتهم. فلمّا قمنا قال لي أبو هفّان: أسمعت إلى هذا المعجب الرّقيع! صحّف اسم الرجل، هو ابن أبي سنّة، فقال: ابن أبي سبّة؛ وصحّف في بيت واحد موضعين، فقال: «قتلى كذا» وهو كدى، و «قتلى بكبوة» وهو بكثوة. وأغلظ عليّ من هذا أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح. وهذا الشعر الذي غنّاه أبو سعيد يقوله أبو عديّ عبد اللّه بن عمر العبليّ فيمن قتله عبد اللّه بن عليّ بنهر أبي فطرس أبو العبّاس السفّاح أمير المؤمنين بعدهم من بني أميّة. وخبرهم والوقائع التي كانت بينهم مشهورة يطول ذكرها جدّا. ونذكر هاهنا ما يستحسن منها.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»