تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار طويس ونسبه

فيه ٨ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

طويس لقب، واسمه طاوس، مولى بني مخزوم. وهو أوّل من غنّى الغناء المتقن من المخنّثين. وهو أوّل من صنع الهزج والرّمل في الإسلام. وكان يقال: أحسن الناس غناء في الثّقيل ابن محرز، وفي الرمل ابن سريج، وفي الهزج طويس. وكان الناس يضربون به المثل، فيقال: «أهزج من طويس».

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبيّ عن أبيه وأبي مسكين، قال إسحاق: وحدّثني المدائنيّ والهيثم بن عديّ عن صالح بن كيسان: أنّ أبان بن عثمان وفد على عبد الملك بن مروان، فأمّره على الحجاز؛ فأقبل حتّى إذا دنا من المدينة تلقّاه أهلها، وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس؛ فلمّا رآه سلّم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إنّي كنت أعطيت اللّه عهدا لئن رأيتك أميرا لأخضبنّ يديّ إلى المرفقين، ثم أزدو بالدّفّ بين يديك، ثم أبدى عن دفّه وتغنّى بشعر ذي جدن الحميريّ:

ما بال أهلك يا ربابخزرا كأنّهم غضاب

قال: فطرب أبان حتى كاد أن يطير، ثم جعل يقول له: حسبك يا طاوس - ولا يقول له: يا طويس لنبله في عينه - ثم قال له: اجلس فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنّك كافر. فقال: جعلت فداءك! واللّه إنّي لأشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه، وأصلّي الخمس، وأصوم شهر رمضان، وأحجّ البيت. فقال: أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان؟ - وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمّه - فقال له طويس: أنا واللّه، جعلت فداءك، مع جلائل نساء قومي، أمسك بذيولهنّ يوم زفّت أمّك المباركة إلى أبيك الطيّب. قال: فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض.

وأخبرني بهذه القصة إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه بمثل هذه القصة عن أبان وطويس. وزاد فيها أنّ طويسا قال له: نذري أيّها الأمير! قال: وما نذرك؟ قال: نذرت إن رأيتك أميرا في هذه الدار أن أغنّي لك وأزدو بدفّي بين يديك. فقال له: أوف بنذرك؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)

قال: فأخرج يديه مخضوبتين، وأخرج دفّه وتغنّى:

ما بال أهلك يا رباب

وزاد فيه: فقال له أبان: يقولون: إنّك مشؤوم، قال: وفوق ذلك! قال: وما بلغ من شؤمك؟ قال: ولدت ليلة قبض النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وفطمت ليلة مات أبو بكر رضي اللّه عنه، واحتلمت ليلة قتل عمر رضوان اللّه عليه، وزفّت إليّ أهلي ليلة قتل عثمان رضي اللّه عنه. قال: فاخرج عنّي عليك الدّبار.

أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن الوليد قال حدّثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخص بالسّبخة مما يلي مسجد الأحزاب، فلمّا نظر إلى يحيى بن الحكم جلس، فاستراب به، فوجّه أعوانه في طلبه؛ فأتي به كأنه امرأة في ثياب مصبّغة مصقولة وهو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش المخنّث. فقال له: ما أحسبك تقرأ من كتاب اللّه عزّ وجلّ شيئا، اقرأ أمّ القرآن. فقال: يا أبانا لو عرفت أمّهنّ عرفت البنات. فقال له: أتتهزّأ بالقرآن لا أمّ لك! وأمر به فضربت عنقه. وصاح في المخنّثين: من جاء بواحد منهم فله ثلاثمائة درهم. قال زرجون المخنّث: فخرجت بعد ذلك أريد العالية، فإذا بصوت دفّ أعجبني، فدنوت من الباب حتى فهمت نغمات قوم آنس بهم، ففتحته ودخلت، فإذا بطويس قائم في يده الدّفّ يتغنّى؛ فلمّا رآني قال لي: إيه يا زرجون! قتل يحيى بن الحكم ابن نغاش؟ قلت نعم. قال: وجعل في المخنّثين ثلاثمائة درهم؟ قلت نعم. فاندفع يغنّي:

ما بال أهلك يا ربابخزرا كأنّهم غضاب
إن زرت أهلك أوعدواوتهرّ دونهم كلاب

ثم قال لي: ويحك! أفما جعل فيّ زيادة ولا فضّلني عليهم في الجعل بفضلي شيئا.

أخبرني محمد بن عمرو العتّابيّ قال حدّثنا محمد بن خلف بن المرزبان - ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف - قال حدّثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفيّ قال حدّثني حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة، فخلا لي الطريق وسط النهار، فجعلت أتغنّى:

ما بال أهلك يا ربابخزرا كأنّهم غضاب

قال: فإذا خوخة قد فتحت، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة؛ ثم اندفع يغنّيه، فظننت أنّ طويسا قد نشر بعينه؛ فقلت له: أصلحك اللّه! من أين لك هذا الغناء؟ فقال: نشأت وأنا غلام حدث أتبع المغنّين وآخذ عنهم، فقالت لي أمّي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه؛ فإنه لا يضرّ معه قبح الوجه. فتركت المغنّين واتّبعت الفقهاء، فبلغ اللّه بي عزّ وجلّ ما ترى. فقلت له: فأعد جعلت فداءك! قال: لا ولا كرامة! أتريد أن تقول: أخذته عن مالك بن أنس! وإذا هو مالك بن أنس ولم أعلم.

صوت من المائة المختارة

لمن ربع بذات الجيش أمسى دارسا خلقا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لمن ربع بذات »
وقفت به أسائلهومرّت عيسهم حزقا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لمن ربع بذات »
علوا بك ظاهر البيداء والمحزون قد قلقا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لمن ربع بذات »

- ذات الجيش: موضع. ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ جيشا يغزو الكعبة، فيخسف بهم إلّا رجلا واحدا يقلب وجهه إلى قفاه، فيرجع إلى قومه كذلك، فيخبرهم الخبر. حدّثني بهذا الحديث أحمد بن محمد الجعديّ قال حدّثنا محمد بن بكّار قال حدّثنا إسماعيل بن زكريّا عن محمد بن سوقة قال سمعت نافع بن جبير بن مطعم يقول حدّثتني عائشة قالت:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم». قالت عائشة: فقلت يا رسول اللّه، كيف يخسف بأوّلهم وآخرهم وفيهم سواهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأوّلهم وآخرهم ثم يبعثون على قدر نيّاتهم» - الشعر للأحوص، والغناء في هذا اللحن المختار للدّلال المخنّث وهو أحد من خصاه ابن حزم بأمر الوليد بن عبد الملك مع المخنّثين. والخبر في ذلك يذكر بعد. ولحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأوّل والثالث. ولإسحاق فيه ثقيل أوّل آخر. وفيه لمالك لحن من خفيف الرّمل عن يونس والهشاميّ وغيرهما. وفيه رمل ينسب إلى ابن سريج، وهو مما يشكّ في نسبته إليه. وقيل: إنّ خفيف الرّمل لابن سريج، والرّمل لمالك. وذكر حبش أنّ فيه للدّلال خفيف ثقيل بالبنصر أيضا.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»