من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
سوى ما كان منها مع عتبة، فإنه أفرد لكثرة الصنعة في تشبيبه بها، وأنها اتسعت جدا فلم يصلح ذكرها هنا، لئلا تنقطع المائة الصوت المختارة، وهي تذكر في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى.
أبو العتاهية لقب غلب عليه. واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة. وكنيته أبو إسحاق. وأمّه أمّ زيد بنت زياد المحاربيّ مولى بني زهرة؛ وفي ذلك يقول أبو قابوس النّصرانيّ وقد بلغه أنّ أبا العتاهية فضّل عليه العتّابيّ:
قل للمكنّي نفسهمتخيّرا بعتاهيه
والمرسل الكلم القبيح وعته أذن واعيه
إن كنت سرّا سؤتنيأو كان ذاك علانيه
فعليك لعنة ذي الجلال وأمّ زيد زانيه
ومنشؤه بالكوفة. وكان في أوّل أمره يتخنّث ويحمل زاملة المخنّثين، ثم كان يبيع الفخّار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدّم. ويقال: أطبع الناس بشار والسيّد وأبو العتاهية. وما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته. وكان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان، قليل التكلف، إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك. وأكثر شعره في الزهد والأمثال. وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالبعث، ويحتجّون بأنّ شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون ذكر النّشور والمعاد. وله أوزان طريفة قالها مما لم يتقدّمه الأوائل فيها. وكان أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال.
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال أخبرني محمد بن موسى بن حمّاد قال: قال المهديّ يوما لأبي العتاهية: أنت إنسان متحذلق معتّه. فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته، وسارت له في الناس. قال: ويقال للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للرجل الطويل: شناحية. ويقال: أبو عتاهية، بإسقاط الألف واللام.
قال محمد بن يحيى وأخبرني محمد بن موسى قال أخبرني ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية أن كان يحبّ الشهرة والمجون والتعتّه. وبلده الكوفة وبلد آبائه، وبها مولده ومنشؤه وباديته.
قال محمد بن سلّام: وكان محمد بن أبي العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة، وأن جدّهم كيسان كان من أهل عين التّمر، فلما غزاها خالد بن الوليد كان كيسان جدّهم هذا يتيما صغيرا يكفله قرابة له من عنزة، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها، فوجّه بهم إلى أبي بكر، فوصلوا إليه وبحضرته عبّاد بن رفاعة العنزيّ بن أسد بن ربيعة بن نزار، فجعل أبو بكر رضي اللّه عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم فيخبره كلّ واحد بمبلغ معرفته، حتى سأل كيسان، فذكر له أنه من عنزة. فلما سمعه عبّاد يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي اللّه عنه، وقد كان خالصا له، فوهبه له؛ فأعتقه، فتولّى عنزة.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا أحمد بن الحجّاج الجلّانيّ الكوفيّ قال حدّثني أبو دؤيل مصعب بن دؤيل الجلّاني، قال: لم أر قطّ مندل بن عليّ العنزيّ وأخاه حيّان بن عليّ غضبا من شيء قطّ إلا يوما واحدا، دخل عليهما أبو العتاهية وهو مضمّخ بالدماء. فقالا له: ويحك! ما بالك؟ فقال لهما: من أنا؟ فقالا له: أنت أخونا وابن عمّنا ومولانا. فقال: إنّ فلانا الجزّار قتلني وضربني وزعم أنّي نبطيّ، فإن كنت نبطيّا هربت على وجهي وإلّا فقوما فخذا لي بحقّي. فقام معه مندل بن عليّ وما تعلّق نعله غضبا؛ وقال له: واللّه لو كان حقّك على عيسى بن موسى لأخذته لك منه؛ ومرّ معه حافيا حتى أخذ له بحقّه.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى عن الحسن بن عليّ عن عمر بن معاوية عن جبارة بن المغلّس الحمّانيّ قال: أبو العتاهية مولى عطاء بن محجن العنزيّ.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو عون أحمد بن المنجّم أخبرني خيار الكاتب قال: كان أبو العتاهية وإبراهيم الموصليّ من أهل المذار جميعا، وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصليّ ببغداد، ونزل أبو العتاهية الحيرة. وذكر عن الرّياشيّ أنه قال مثل ذلك، وأن أبا العتاهية نقله إلى الكوفة.
قال محمد بن موسى: فولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة، ومن قبل أمّه لبني زهرة، ثم لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وكانت أمّه مولاة لهم، يقال لها أمّ زيد.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن مهروية؛ قال قال الخليل بن أسد: كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن ويقول: أبو إسحاق الخزّاف. وكان أبوه حجّاما من أهل ورجة؛ ولذلك يقول أبو العتاهية:
ألا إنّما التّقوى هو العزّ والكرموحبّك للدّنيا هو الفقر والعدم
وليس على عبد تقيّ نقيصةإذا صحّح التّقوى وإن حاك أو حجم
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا محمد بن أبي العتاهية قال: جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شيء، ففخر عليه الكنانيّ واستطال بقوم من أهله؛ فقال أبو العتاهية:
دعني من ذكر أب وجدّونسب يعليك سور المجد
ما الفخر إلا في التّقى والزّهدوطاعة تعطى جنان الخلد
لا بدّ من ورد لأهل الوردإمّا إلى ضحل وإمّا عدّ
حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى عن أحمد بن حرب قال: كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، وأنّ اللّه خلق جوهرين متضادّين لا من شيء، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما، وأن العالم حديث العين والصّنعة لا محدث له إلا اللّه. وكان يزعم أنّ اللّه سيردّ كلّ شيء إلى الجوهرين المتضادّين قبل أن تفنى الأعيان جميعا. وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا. وكان يقول بالوعيد وبتحريم المكاسب، ويتشيّع بمذهب الزّيدية البتريّة المبتدعة، لا يتنقّص أحدا ولا يرى مع ذلك الخروج على السّلطان. وكان مجبّرا.
قال الصّوليّ: فحدّثني يموت بن المزرّع قال حدّثني الجاحظ قال: قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون - وكان كثيرا ما يعارضه بقوله في الإجبار -: أسألك عن مسألة. فقال له المأمون: عليك بشعرك. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته ويأمره بإجابتي! فقال له: أجبه إذا سألك. فقال: أنا أقول: إنّ كلّ ما فعله العباد من خير وشرّ فهو من اللّه، وأنت تأبى ذلك، فمن حرّك يدي هذه؟ وجعل أبو العتاهية يحرّكها. فقال له ثمامة: حرّكها من أمّه زانية. فقال: شتمني واللّه يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماصّ بظر أمه واللّه يا أمير المؤمنين! فضحك المأمون وقال له: ألم أقل لك أن تشتغل بشعرك وتدع ما ليس من عملك! قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أما أغناك الجواب عن السّفه؟! فقلت: إنّ من أتمّ الكلام ما قطع الحجة، وعاقب على الإساءة، وشفى من الغيظ، وانتصر من الجاهل.
قال محمد بن يحيى وحدّثني عون بن محمد الكنديّ قال: سمعت العبّاس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه: يعتقد شيئا، فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده إيّاه وأخذ غيره.
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني ابن أبي الدّنيا قال حدّثني الحسين بن عبد ربه قال حدّثني عليّ بن عبيدة الرّيحانيّ قال حدّثني أبو الشّمقمق: أنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المخنّثين، فقلت له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنّك وشعرك وقدرك؟! فقال له: أريد أن أتعلّم كيادهم، وأتحفّظ كلامهم.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ بشر بن المعتمر قال يوما لأبي العتاهية: بلغني أنك لمّا نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان؟ قال نعم. قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدّنيا، وأضع منها ليسقط عنها الكبر، وأكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصّة. فقال له بشر: دعني من تذليلك نفسك بالحجامة؛ فإنه ليس بحجّة لك أن تؤدّبها وتصلحها بما لعلّك تفسد به أمر غيرك؛ أحبّ أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدّم؟ قال لا. قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كلّ واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه، مما إذا زدت فيه أو نقصت منه ضرّ المحجوم؟ قال لا. قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلّم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين!
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا أبو ذكوان قال حدّثنا العبّاس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزّنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية، ففزع من ذلك وقعد حجّاما.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو دعامة عليّ بن يزيد: أخبر يحيى بن خالد أنّ أبا العتاهية قد نسك، وأنه جلس يحجم النّاس للأجر تواضعا بذلك. فقال: ألم يكن يبيع الجرار قبل ذلك؟ فقيل له بلى. فقال: أما في بيع الجرار من الذّلّ ما يكفيه ويستغنى به عن الحجامة!
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني شيخ من مشايخنا قال حدّثني أبو شعيب صاحب ابن أبي دواد قال: قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: أسألتني عن اللّه أم عن غير اللّه؟ قلت: عن غير اللّه، فأمسك. وأعدت عليه فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مرارا. فقلت له: ما لك لا تجيبني؟ قال: قد أجبتك ولكنّك حمار.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا شيخ من مشايخنا قال حدّثني محمد بن موسى قال: كان أبو العتاهية قضيفا، أبيض اللون، أسود الشعر، له وفرة جعدة، وهيئة حسنة ولباقة وحصافة، وكان له عبيد من السّودان، ولأخيه زيد أيضا عبيد منهم يعملون الخزف في أتّون لهم؛ فإذا اجتمع منه شيء ألقوه على أجير لهم يقال له أبو عباد اليزيديّ من أهل طاق الجرار بالكوفة، فيبيعه على يديه ويردّ فضله إليهم. وقيل: بل كان يفعل ذلك أخوه زيد لا هو؛ وسئل عن ذلك فقال: أنا جرّار القوافي، وأخي جرّار التّجارة.
قال محمد بن موسى: وحدّثني عبد اللّه بن محمد قال حدّثني عبد الحميد بن سريع مولى بني عجل قال: أنا رأيت أبا العتاهية وهو جرّار يأتيه الأحداث والمتأدّبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسّر من الخزف فيكتبونها فيها.
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال حدّثني محمد بن عمر الجرجانيّ قال: لمّا هاجى أبو قابوس النّصرانيّ كلثوم بن عمرو العتّابيّ، جعل أبو العتاهية يشتم أبا قابوس ويضع منه؛ ويفضّل العتّابيّ عليه؛ فبلغه ذلك فقال فيه:
قل للمكنّي نفسهمتخيّرا بعتاهيه
والمرسل الكلم القبيح وعته أذن واعيه
إن كنت سرّا سؤتنيأو كان ذاك علانيه
فعليك لعنة ذي الجلال وأمّ زيد زانيه
- يعني أمّ أبي العتاهية، وهي أمّ زيد بنت زياد - فقيل له: أتشتم مسلما؟ فقال: لم أشتمه، وإنّما قلت:
فعليك لعنة ذي الجلال ومن عنينا زانيه
قال: وفيه يقول والبة بن الحباب وكان يهاجيه:
كان فينا يكنى أبا إسحاقوبها الرّكب سار في الآفاق
فتكنّى معتوهنا بعتاهيا لها كنية أتت باتّفاق
خلق اللّه لحية لك لا تنفكّ معقودة بداء الحلاق
أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا النّوشجانيّ قال: أتاني البوّاب يوما فقال لي: أبو إسحاق الخزّاف بالباب؛ فقلت: ائذن له، فإذا أبو العتاهية قد دخل. فوضعت بين يديه قنو موز؛ فقال: قد صرت تقتل العلماء بالموز، قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به! لا واللّه لا أذوقه. قال: فحدّثني عروة بن يوسف الثّقفيّ قال: رأيت أبا عبيدة قد خرج من دار النّوشجانيّ في شقّ محمل مسجّى، إلّا أنه حيّ، وعند رأسه قنو موز وعند رجليه قنو موز آخر، يذهب به إلى أهله. فقال النّوشجانيّ وغيره: لمّا دخلنا عليه نعوده قلنا: ما سبب علّتك؟ قال: هذا النّوشجانيّ جاءني بموز كأنه أيور المساكين، فأكثرت منه، فكان سبب علّتي. قال: ومات في تلك العلّة.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال: سمعت مصعب بن عبد اللّه يقول: أبو العتاهية أشعر الناس. فقلت له: بأيّ شيء استحقّ ذلك عندك؟ فقال: بقوله:
تعلّقت بآمالطوال أيّ آمال
وأقبلت على الدّنياملحّا أيّ إقبال
أيا هذا تجهّز لفراق الأهل والمال
فلا بدّ من الموتعلى حال من الحال
ثم قال مصعب: هذا كلام سهل حقّ لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل ويقرّ به الجاهل.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال: سمعت الأصمعيّ يستحسن قول أبي العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليهساعة مجّك فوه
حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيدي إملاء قال حدّثني عمّي الفضل بن محمد قال حدّثني موسى بن صالح الشّهرزوريّ قال: أتيت سلما الخاسر فقلت له: أنشدني لنفسك. قال: لا، ولكن أنشدك لأشعر الجنّ والإنس، لأبي العتاهية، ثم أنشدني قوله:
صوت
سكن يبقى له سكنما بهذا يؤذن الزّمن
نحن في دار يخبّرناببلاها ناطق لسن
دار سوء لم يدم فرحلامرىء فيها ولا حزن
في سبيل اللّه أنفسناكلّنا بالموت مرتهن
كلّ نفس عند ميتتهاحظّها من مالها الكفن
إنّ مال المرء ليس لهمنه إلّا ذكره الحسن
فأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن القاسم قال حدّثني رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه، قال حدّثني حمدون بن زيد قال حدّثني رجاء بن مسلمة قال: قلت لسلم الخاسر: من أشعر الناس؟ فقال: إن شئت أخبرتك بأشعر الجنّ والإنس. فقلت: إنما أسألك عن الإنس، فإن زدتني الجنّ فقد أحسنت. فقال: أشعرهم الذي يقول:
سكن يبقى له سكنما بهذا يؤذن الزّمن
قال: والشعر لأبي العتاهية.
حدّثني اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد قال حدّثنا يحيى بن زياد الفرّاء قال: دخلت على جعفر بن يحيى فقال لي: يا أبا زكريّا، ما تقول فيما أقول؟ فقلت: وما تقول أصلحك اللّه؟ قال: أزعم أنّ أبا العتاهية أشعر أهل هذا العصر. فقلت: هو واللّه أشعرهم عندي.
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني جعفر بن النّضر الواسطيّ الضّرير قال حدّثني محمد بن شيرويه الأنماطيّ قال: قلت لداود بن زيد بن رزين الشاعر: من أشعر أهل زمانه؟ قال: أبو نواس. قلت: فما تقول في أبي العتاهية؟
فقال: أبو العتاهية أشعر الإنس والجنّ.
أخبرني الصوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال قال الزّبير بن بكّار: أخبرني إبراهيم بن المنذر عن الضحّاك، قال: قال عبد اللّه بن عبد العزيز العمريّ: أشعر النّاس أبو العتاهية حيث يقول:
ما ضرّ من جعل التّراب مهادهألّا ينام على الحرير إذا قنع
صدق واللّه وأحسن.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني أحمد بن حرب قال حدّثني المعلّى بن عثمان قال: قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قطّ إلا مثل لي، فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد.
أخبرني ابن عمّار قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني روح بن الفرج الحرمازيّ قال: جلست إلى أبي العتاهية فسمعته يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كلّه شعرا لفعلت.
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا أبو عكرمة قال: قال محمد بن أبي العتاهية: سئل أبي: هل تعرف العروض؟ فقال: أنا أكبر من العروض. وله أوزان لا تدخل في العروض.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا العنزيّ. قال حدّثنا أبو عكرمة قال: حمّ الرّشيد، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الرّبيع برقعة فيها:
لو علم النّاس كيف أنت لهمماتوا إذا ما ألمت أجمعهم
خليفة اللّه أنت ترجح بالنّاس إذا ما وزنت أنت وهم
قد علم النّاس أنّ وجهك يستغني إذا ما رآه معدمهم
فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد؛ فأمر بإحضار أبي العتاهية، فما زال يسامره ويحدّثه إلى أن برئ، ووصل إليه بذلك السبب مال جليل.
قال: وحدّثت أنّ ابن الأعرابيّ حدّث بهذا الحديث؛ فقال له رجل بالمجلس: ما هذا الشعر بمستحق لما قلت. قال: ولم؟ قال: لأنه شعر ضعيف. فقال ابن الأعرابيّ - وكان أحدّ الناس -: الضعيف واللّه عقلك لا شعر أبي العتاهية، ألأبي العتاهية تقول: إنّه ضعيف الشعر! فو اللّه ما رأيت شاعرا قطّ أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر، ثم أنشد له:
قطّعت منك حبائل الآمالوحططت عن ظهر المطيّ رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحيفأرحت من حلّ ومن ترحال
يأيها البطر الذي هو من غدفي قبره متمزّق الأوصال
حذف المنى عنه المشمّر في الهدىوأرى مناك طويلة الأذيال
حيل ابن آدم في الأمور كثيرةوالموت يقطع حيلة المحتال
قست السؤال فكان أعظم قيمةمن كلّ عارفة جرت بسؤال
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلافابذله للمتكرّم المفضال
وإذا خشيت تعذّرا في بلدةفاشدد يديك بعاجل التّرحال
واصبر على غير الزّمان فإنّمافرج الشّدائد مثل حلّ عقال
ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشّعر؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد اللّه، جعلني اللّه فداءك! إني لم أردد عليك ما قلت، ولكنّ الزهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزّهد.
فقال: أفليس الذي يقول في المديح:
وهارون ماء المزن يشفى به الصّدىإذا ما الصّدي بالرّيق غصّت حناجره
وأوسط بيت في قريش لبيتهوأوّل عزّ في قريش وآخره
وزحف له تحكي البروق سيوفهوتحكي الرعود القاصفات حوافره
إذا حميت شمس النّهار تضاحكتإلى الشّمس فيه بيضه ومغافره
إذا نكب الإسلام يوما بنكبةفهارون من بين البريّة ثائره
ومن ذا يفوت الموت والموت مدرككذا لم يفت هارون ضدّ ينافره
قال: فتخلّص الرجل من شرّ ابن الأعرابيّ بأن قال له: القول كما قلت، وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، وكتبهما عنه.
حدّثني محمد قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني ابن الأعرابيّ المنجّم قال حدّثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عبّاد قال: حضرت أبا نواس في مجلس وأنشد شعرا. فقال له من حضر في المجلس: أنت أشعر الناس. قال: أمّا والشيخ حيّ فلا. (يعني أبا العتاهية).
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:
إذا المرء لم يعتق من المال نفسهتملّكه المال الذي هو مالكه
ألا إنّما مالي الذي أنا منفقوليس لي المال الذي أنا تاركه
إذا كنت ذا مال فبادر به الذييحقّ وإلّا استهلكته مهالكه
فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت». فقلت له: أتؤمن بأنّ هذا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه الحقّ؟ قال نعم. قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك، ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكّي ولا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، واللّه إنّ ما قلت لهو الحقّ، ولكنّي أخاف الفقر والحاجة إلى الناس. فقلت: وبم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟! فترك جواب كلامي كلّه، ثم قال لي: واللّه لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم. فلما قال لي هذا القول أضحكني حتّى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح اللّه صدره للإسلام.
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن المهديّ قال قال الجاحظ: حدّثني ثمامة قال: دخلت يوما إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا بلا شيء. فقلت: كأنك رأيته يأكل خبزا وحده؛ قال: لا! ولكنّي رأيته يتأدّم بلا شيء. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: رأيت قدّامه خبزا يابسا من رقاق فطير وقدحا فيه لبن حليب، فكان يأخذ القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن ويخرجها ولم تتعلّق منه بقليل ولا كثير؛ فقلت له: كأنك اشتهيت أن تتأدّم بلا شيء، وما رأيت أحدا قبلك تأدّم بلا شيء.
قال الجاحظ: وزعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزّهات، وقد دعا عيّاشا صاحب الجسر وتهيّأ له بطعام، وقال لغلامه: إذا وضعت قدّامهم الغداء فقدّم إليّ ثريدة بخلّ وزيت. فدخلت عليه، وإذا هو يأكل منها أكل متكمّش غير منكر لشيء. فدعاني فمددت يدي معه، فإذا بثريدة بخلّ وبزر بدلا من الزّيت. فقلت له: أتدري ما تأكل؟ قال: نعم ثريدة بخلّ وبزر. فقلت: وما دعاك إلى هذا؟ قال: غلط الغلام بين دبّة الزيت ودبّة البزر؛ فلمّا جاءني كرهت التجبّر وقلت: دهن كدهن، فأكلت وما أنكرت شيئا.
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عبد اللّه بن عطيّة الكوفيّ قال حدّثنا محمد بن عيسى الخزيميّ، وكان جار أبي العتاهية، قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط النّوى ضعيف سيّ ء الحال متجمّل عليه ثياب فكان يمرّ بأبي العتاهية طرفي النهار؛ فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عمّا هو بسبيله، شيخ ضعيف سيّ ء الحال عليه ثياب متجمّل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه. فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة. وو اللّه إن تصدّق عليه بدرهم ولا دانق قطّ، وما زاد على الدعاء شيئا. فقلت له يوما: يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقلّ، فلم لا تتصدّق عليه بشي ء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصّدقة، والصدقة أخر كسب العبد، وإنّ في الدعاء لخيرا كثيرا.
قال محمد بن عيسى الخزيميّ هذا: وكان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتّون، وكان يجري عليه في كل يوم رغيفين. فجاءني الخادم يوما فقال لي: واللّه ما أشبع. فقلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّي ما أفتر من الكدّ وهو يجري عليّ رغيفين بغير إدام. فإن رأيت أن تكلّمه حتى يزيدني رغيفا فتؤجر! فوعدته بذلك. فلمّا جلست معه مرّ بنا الخادم فكرهت إعلامه أنّه شكا إليّ ذلك، فقلت له: يا أبا إسحاق، كم تجري على هذا الخادم في كلّ يوم؟ قال رغيفين. فقلت له: لا يكفيانه. قال: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، وكلّ من أعطى نفسه شهوتها هلك، وهذا خادم يدخل إلى حرمي وبناتي، فإن لم أعوّده القناعة والاقتصاد أهلكني وأهلك عيالي ومالي. فمات الخادم بعد ذلك فكفّنه في إزار وفراش له خلق. فقلت له: سبحان اللّه! خادم قديم الحرمة طويل الخدمة واجب الحق، تكفّنه في خلق، وإنما يكفيك له كفن بدينار! فقال: إنه يصير إلى البلى، والحيّ أولى بالجديد من الميّت.
فقلت له: يرحمك اللّه أبا إسحاق! فلقد عوّدته الاقتصاد حيّا وميّتا.
قال محمد بن عيسى هذا: وقف عليه ذات يوم سائل من العيّارين الظّرفاء وجماعة من جيرانه حوله، فسأله من بين الجيران؛ فقال: صنع اللّه لك! فأعاد السّؤال فأعاد عليه ثانية، فأعاد عليه ثالثة فردّ عليه مثل ذلك، فغضب وقال له: ألست القائل:
كلّ حيّ عند ميتتهحظّه من ماله الكفن
ثم قال: فباللّه عليك أتريد أن تعدّ مالك كلّه لثمن كفنك؟ قال لا. قال: فباللّه كم قدّرت لكفنك؟ قال: خمسة دنانير. قال: فهي إذا حظّك من مالك كلّه. قال نعم. قال: فتصدّق عليّ من غير حظّك بدرهم واحد. قال: لو تصدّقت عليك لكان حظّي. قال: فاعمل على أنّ دينارا من الخمسة الدنانير وضيعة قيراط، وادفع إليّ قيراطا واحدا، وإلا فواحدة أخرى. قال: وما هي؟ قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فأعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأنّي أحفر لك قبرك به متى متّ، وتربح درهمين لم يكونا في حسبانك، فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم. فخجل أبو العتاهية وقال: اعزب لعنك اللّه وغضب عليك! فضحك جميع من حضر. ومرّ السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال: من أجل هذا وأمثاله حرّمت الصدقة. فقلنا له: ومن حرّمها ومتى حرّمت! فما رأينا أحدا ادّعى أنّ الصدقة حرّمت قبله ولا بعده.
قال محمد بن عيسى هذا: وقلت لأبي العتاهية: أتزكّي مالك؟ فقال: واللّه ما أنفق على عيالي إلّا من زكاة مالي. فقلت: سبحان اللّه! إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين. فقال: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: قال سليمان بن أبي شيخ قال إبراهيم بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهية: أيّ شعر قلته أحكم؟ قال قولي:
علمت يا مجاشع بن مسعدهأنّ الشّباب والفراغ والجده
أخبرني عيسى قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو غزيّة قال: كان مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة صديقا لأبي العتاهية، فكان يقوم بحوائجه كلّها ويخلص مودّته، فمات، وعرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه عمرو بن مسعدة فتباطأ فيها؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
غنيت عن العهد القديم غنيتاوضيّعت ودّا بيننا ونسيتا
ومن عجب الأيّام أن مات مألفيومن كنت تغشاني به وبقيتا
فقال عمرو: استطال أبو إسحاق أعمارنا وتوعّدنا، ما بعد هذا خير، ثم قضى حاجته.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا أبو غزيّة قال: كان أبو العتاهية إذا قدم من المدينة يجلس إليّ؛ فأراد مرّة الخروج من المدينة فودّعني ثم قال:
إن نعش نجتمع وإلّا فما أشغل من مات عن جميع الأنام
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عبد الرحمن بن إسحاق العذريّ قال: كان لبعض التّجّار من أهل باب الطّاق على أبي العتاهية ثمن ثياب أخذها منه. فمرّ به يوما، فقال صاحب الدّكّان لغلام ممن يخدمه حسن الوجه: أدرك أبا العتاهية فلا تفارقه حتى تأخذ منه مالنا عنده؛ فأدركه على رأس الجسر، فأخذ بعنان حماره ووقفه. فقال له: ما حاجتك يا غلام؟ قال: أنا رسول فلان، بعثني إليك لآخذ ماله عليك. فأمسك عنه أبو العتاهية؛ وكان كلّ من مرّ فرأى الغلام متعلّقا به وقف ينظر، حتى رضي أبو العتاهية جمع الناس وحفلهم، ثم أنشأ يقول:
واللّه ربّك إنّنيلأجلّ وجهك عن فعالك
لو كان فعلك مثل وجهك كنت مكتفيا بذلك
فخجل الغلام وأرسل عنان الحمار، ورجع إلى صاحبه، وقال: بعثتني إلى شيطان جمع عليّ الناس وقال فيّ الشعر حتى أخجلني فهربت منه.
أخبرني أحمد بن العبّاس قال حدّثنا العنزيّ قال قال إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم التّيميّ: حدّثني إبراهيم بن حكيم قال: كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لود كان بينه وبين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما فحجب عنه، فلزم منزله. فاستبطأه عمرو؛ فكتب إليه: إنّ الكسل يمنعني من لقائك؛ وكتب في أسفل رقعته:
كسّلني اليأس منك عنك فماأرفع طرفي إليك من كسل
إنّي إذا لم يكن أخي ثقةقطّعت منه حبائل الأمل
حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد النّحويّ قال: استأذن أبو العتاهية على عمرو بن مسعدة فحجب عنه؛ فكتب إليه:
مالك قد حلت عن إخائك واستبدلت يا عمرو شيمة كدره
إنّي إذا الباب تاه حاجبهلم يك عندي في هجره نظره
لستم ترجّون للحساب ولايوم تكون السماء منفطره
لكن لدنيا كالظلّ بهجتهاسريعة الانقضاء منشمره
قد كان وجهي لديك معرفةفاليوم أضحى حرفا من النّكره
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثنا أبو عكرمة قال: كان الرّشيد إذا رأى عبد اللّه بن معن بن زائدة تمثّل قول أبي العتاهية:
أخت بني شيبان مرّت بناممشوطة كورا على بغل
وأوّل هذه الأبيات:
يا صاحبي رحلي لا تكثرافي شتم عبد اللّه من عذل
سبحان من خصّ ابن معن بماأرى به من قلّة العقل
قال ابن معن وجلا نفسهعلى من الجلوة يا أهلي
أنا فتاة الحيّ من وائلفي الشّرف الشّامخ والنّبل
ما في بني شيبان أهل الحجاجارية واحدة مثلي
ويلي ويا لهفي على أمرديلصق منّي القرط بالحجل
صافحته يوما على خلوةفقال دع كفي وخذ رجلي
أخت بني شيبان مرّت بناممشوطة كورا على بغل
تكنى أبا الفضل ويا من رأىجارية تكنى أبا الفضل
قد نقّطت في وجهها نقطةمخافة العين من الكحل
إن زرتموها قال حجّابهانحن عن الزّوّار في شغل
مولاتنا مشغولة عندهابعل ولا إذن على البعل
يا بنت معن الخير لا تجهليوأين إقصار عن الجهل
أتجلد الناس وأنت امرؤتجلد في الدّبر وفي القبل
ما ينبغي للنّاس أن ينسبوامن كان ذا جود إلى البخل
يبذل ما يمنع أهل الندىهذا لعمري منتهى البذل
ما قلت هذا فيك إلّا وقدجفّت به الأقلام من قبلي
قال: فبعث إليه عبد اللّه بن معن، فأتي به؛ فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكبوا منه الفاحشة، ففعلوا ذلك، ثم أجلسه وقال له: قد جزيتك على قولك فيّ، فهل لك في الصّلح ومعه مركب وعشرة آلاف درهم أو تقيم على الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: فأسمعني ما تقوله في الصلح؛ فقال:
ما لعذّالي وماليأمروني بالضّلال
عذلوني في اغتفاريلابن معن واحتمالي
إن يكن ما كان منهفبجرمي وفعالي
أنا منه كنت أسواعشرة في كلّ حال
قل لمن يعجب من حسن رجوعي ومقالي
ربّ ودّ بعد صدّوهوى بعد تقالي
قد رأينا ذا كثيراجاريا بين الرّجال
إنما كانت يمينيلطمت منّي شمالي
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى اليزيديّ قال حدّثنا أبو سويد عبد القويّ بن محمد بن أبي العتاهية ومحمد بن سعد قالا: كان أبو العتاهية يهوى في حداثته امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن وجمال يقال لها سعدى؛ وكان عبد اللّه بن معن بن زائدة المكنّى بأبي الفضل يهواها أيضا، وكانت مولاة لهم، ثم اتّهمها أبو العتاهية بالنّساء، فقال فيها:
ألا يا ذوات السّحق في الغرب والشّرقأفقن فإنّ النّيك أشفى من السّحق
أفقن فإنّ الخبز بالأدم يشتهىوليس يسوغ الخبز بالخبز في الحلق
أراكنّ ترقعن الخروق بمثلهاوأيّ لبيب يرقع الخرق بالخرق
وهل يصلح المهراس إلا بعودهإذا احتيج منه ذات يوم إلى الدّقّ
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الغلابيّ قال حدّثني مهديّ بن سابق قال: تهدّد عبد اللّه بن معن أبا العتاهية وخوّفه ونهاه أن يعرض لمولاته سعدى؛ فقال أبو العتاهية:
ألا قل لابن معن ذا الذي في الودّ قد حالا
لقد بلّغت ما قالفما باليت ما قالا
ولو كان من الأسدلما صال ولا هالا
فصغ ما كنت حلّيتبه سيفك خلخالا
وما تصنع بالسيفإذا لم تك قتّالا
ولو مدّ إلى أذنيه كفّيه لما نالا
قصير الطّول والطّيلة لا شبّ ولا طالا
أرى قومك أبطالاوقد أصبحت بطّالا
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثني سليمان المدائنيّ قال: احتال عبد اللّه بن معن على أبي العتاهية حتى أخذ في مكان فضربه مائة سوط ضربا ليس بالمبرّح غيظا عليه، وإنما لم يعنف في ضربه خوفا من كثرة من يعنى به؛ فقال أبو العتاهية يهجوه:
جلدتني بكفّهابنت معن بن زائده
جلدتني فأوجعتبأبي تلك جالده
وتراها مع الخصيّ على الباب قاعده
تتكنّى كنى الرجال بعمد مكايده
جلدتني وبالغتمائة غير واحده
اجلديني واجلديإنّما أنت والده
وقال أيضا:
ضربتني بكفّها بنت معنأوجعت كفّها وما أوجعتني
ولعمري لو لا أذى كفّها إذضربتني بالسّوط ما تركتني
قال الصّوليّ: حدّثنا عون بن محمد ومحمد بن موسى قالا: لمّا اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد اللّه بن معن وكثر، غضب أخوه يزيد بن معن من ذلك وتوعّد أبا العتاهية؛ فقال فيه قصيدته التي أوّلها:
بنى معن ويهدمه يزيدكذاك اللّه يفعل ما يريد
فمعن كان للحسّاد غمّاوهذا قد يسرّ به الحسود
يزيد يزيد في منع وبخلوينقص في العطاء ولا يزيد
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال: مضى بنو معن إلى مندل وحيّان ابني عليّ العنزيّين الفقيهين - وهما من بني عمرو بن عامر بطن من يقدم بن عنزة، وكانا من سادات أهل الكوفة - فقالوا لهما: نحن بيت واحد وأهل، ولا فرق بيننا، وقد أتانا من مولاكم هذا ما لو أتانا من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه. فأحضرا أبا العتاهية، ولم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه وبين عبد اللّه ويزيد ابني معن، وضمنا عنه خلوص النيّة، وعنهما ألّا يتبعاه بسوء، وكانا ممّن لا يمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودّة والصّفاء. فجعل الناس يعذلون أبا العتاهية على ما فرط منه، ولامه آخرون في صلحه لهما؛ فقال:
ما لعذّالي وماليأمروني بالضّلال
وقد كتبت متقدّمة.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال: كان زائدة بن معن صديقا لأبي العتاهية ولم يعن إخوته عليه، فمات؛ فقال أبو العتاهية يرثيه:
حزنت لموت زائدة بن معنحقيق أن يطول عليه حزني
فتى الفتيان زائدة المصفّىأبو العباس كان أخي وخدني
فتى قوم وأيّ فتى توارتبه الأكفان تحت ثرى ولبن
ألا يا قبر زائدة بن معندعوتك كي تجيب فلم تجبني
سل الأيّام عن أركان قوميأصبن بهنّ ركنا بعد ركن
أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا الحسن بن عليّ الرازيّ القارىء قال حدّثني أحمد بن أبي فنن قال: كنّا عند ابن الأعرابيّ، فذكروا قول ابن نوفل في عبد الملك بن عمير:
إذا ذات دلّ كلّمته لحاجةفهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وأن عبد الملك قال: تركني واللّه وإنّ السّعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأهاب أن أسعل. قال: فقلت لابن الأعرابيّ: فهذا أبو العتاهية قال في عبد اللّه بن معن بن زائدة:
فصغ ما كنت حلّيتبه سيفك خلخالا
وما تصنع بالسّيفإذا لم تك قتّالا
فقال عبد اللّه بن معن: ما لبست سيفي قطّ فرأيت إنسانا يلمحني إلا ظننت أنه يحفظ قول أبي العتاهية فيّ، فلذلك يتأمّلني فأخجل. فقال ابن الأعرابيّ: اعجبوا لعبد يهجو مولاه. قال: وكان ابن الأعرابيّ مولى بني شيبان.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: اجتمع أبو العتاهية ومسلم بن الوليد الأنصاريّ في بعض المجالس، فجرى بينهما كلام؛ فقال له مسلم: واللّه لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:
الحمد والنعمة لكوالملك لا شريك لك
لبيك إنّ الملك لك
لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، ولكنّي أقول:
موف على مهج في يوم ذي رهجكأنّه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرّفق ما يعيا الرجال بهكالموت مستعجلا يأتي على مهل
يكسو السيوف نفوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
للّه من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الحبل
فقال له أبو العتاهية: قل مثل قولي:
الحمد والنّعمة لك
أقل مثل قولك: كأنّه أجل يسعى إلى أمل
حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق قال: قال بشّار لأبي العتاهية: أنا واللّه أستحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول:
كم من صديق لي أسارقه البكاء من الحياء
فإذا تأمّل لامنيفأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتديفطرفت عيني بالرّداء
فقال له أبو العتاهية: لا واللّه يا أبا معاذ، ما لذت إلّا بمعناك ولا اجتنيت إلا من غرسك حيث تقول:
صوت
شكوت إلى الغواني ما ألاقيوقلت لهنّ ما يومي بعيد
فقلن بكيت قلت لهنّ كلّاوقد يبكي من الشّوق الجليد
ولكنّي أصاب سواد عينيعويد قدى له طرف حديد
فقلن فما لدمعهما سواءأكلتا مقلتيك أصاب عود
لإبراهيم الموصليّ في هذه الأبيات لحن من الثّقيل الأوّل بالوسطى مطلق.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن هارون الأزرقيّ مولى بني هاشم عن ابن عائشة عن ابن لمحمد بن الفضل الهاشميّ قال: جاء أبو العتاهية إلى أبي فتحدّثا ساعة، وجعل أبي يشكو إليه تخلّف الصّنعة وجفاء السلطان. فقال لي أبو العتاهية: اكتب:
كلّ على الدّنيا له حرصوالحادثات أناتها غفص
وكأنّ من واروه في جدثلم يبد منه لناظر شخص
تبغي من الدنيا زيادتهاوزيادة الدنيا هي النّقص
ليد المنيّة في تلطّفهاعن ذخر كلّ شفيقة فحص
حدّثني عمرو قال حدّثني عليّ بن محمد الهشاميّ عن جدّه ابن حمدون قال أخبرني مخارق قال: لمّا تنسّك أبو العتاهية ولبس الصوف، أمره الرشيد أن يقول شعرا في الغزل، فامتنع؛ فضربه الرشيد ستين عصا، وحلف ألّا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا في الغزل. فلمّا رفعت المقارع عنه قال أبو العتاهية: كلّ مملوك له حرّ وامرأته طالق إن تكلّم سنة إلّا بالقرآن أو بلا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه. فكأنّ الرشيد تحزّن مما فعله، فأمر أن يحبس في دار ويوسّع عليه، ولا يمنع من دخول من يريد إليه. قال مخارق: وكانت الحال بينه وبين إبراهيم الموصليّ لطيفة، فكان يبعثني إليه في الأيام أتعرّف خبره. فإذا دخلت وجدت بين يديه ظهرا ودواة، فيكتب إليّ ما يريد، وأكلّمه. فمكث هكذا سنة. واتّفق أنّ إبراهيم الموصليّ صنع صوته:
صوت
أعرفت دار الحيّ بالحجرفشدوريان فقنّة الغمر
وهجرتنا وألفت رسم بلىوالرسم كان أحقّ بالهجر
- لحن إبراهيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى - قال مخارق: فقال لي إبراهيم: اذهب إلى أبي العتاهية حتى تغنّيه هذا الصوت. فأتيته في اليوم الذي انقضت فيه يمينه، فغنّيته إيّاه. فكتب إليّ بعد أن غنّيته: هذا اليوم تنقضي فيه يميني، فأحبّ أن تقيم عندي إلى الليل؛ فأقمت عنده نهاري كلّه، حتى إذا أذّن الناس المغرب كلّمني، فقال: يا مخارق. قلت: لبّيك. قال: قل لصاحبك: يابن الزانية! أما واللّه لقد أبقيت للناس فتنة إلى يوم القيامة، فانظر أين أنت من اللّه غدا! قال مخارق: فكنت أوّل من أفطر على كلامه؛ فقلت: دعني من هذا، هل قلت شيئا للتخلّص من هذا الموضع؟ فقال: نعم، قد قلت في امرأتي شعرا. قلت: هاته؛ فأنشدني:
صوت
من لقلب متيّم مشتاقشفّه شوقه وطول الفراق
طال شوقي إلى قعيدة بيتيليت شعري فهل لنا من تلاقي
هي حظّي قد اقتصرت عليهامن ذوات العقود والأطواق
جمع اللّه عاجلا بك شمليعن قريب وفكّني من وثاقي
قال: فكتبتها وصرت بها إلى إبراهيم؛ فصنع فيها لحنا، ودخل بها على الرشيد؛ فكان أوّل صوت غنّاه إيّاه في ذلك المجلس؛ وسأله: لمن الشعر والغناء؟ فقال إبراهيم: أمّا الغناء فلي، وأما الشعر فلأسيرك أبي العتاهية.
فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم قد كان ذلك. فدعا به، ثم قال لمسرور الخادم: كم ضربنا أبا العتاهية؟ قال: ستين عصا، فأمر له بستين ألف درهم وخلع عليه وأطلقه.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا الحسين بن أبي السّريّ قال: قال لي الفضل بن العباس: وجد الرشيد وهو بالرّقّة على أبي العتاهية وهو بمدينة السّلام، فكان أبو العتاهية يرجو أن يتكلّم الفضل بن الربيع في أمره، فأبطأ عليه بذلك؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
أجفوتني فيمن جفانيوجعلت شأنك غير شأني
ولطالما أمّنتنيممّا أرى كلّ الأمان
حتّى إذا انقلب الزّمان عليّ صرت مع الزمان
فكلّم الفضل فيه الرشيد فرضي عنه. وأرسل إليه الفضل يأمره بالشخوص. ويذكر له أنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ فشخص إليه. فلما دخل إلى الفضل أنشده قوله فيه:
قد دعوناه نائيا فوجدناه على نأيه قريبا سميعا
فأدخله إلى الرشيد، فرجع إلى حالته الأولى.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: كان يزيد بن منصور خال المهديّ يتعصب لأبي العتاهية؛ لأنه كان يمدح اليمانية أخوال المهديّ في شعره؛ فمن ذلك قوله:
صوت
سقيت الغيث يا قصر السّلامفنعم محلّة الملك الهمام
لقد نشر الإله عليك نوراوحفّك بالملائكة الكرام
سأشكر نعمة المهديّ حتّىتدور عليّ دائرة الحمام
له بيتان بيت تبّعيّوبيت حلّ بالبلد الحرام
قال: وكان أبو العتاهية طول حياة يزيد بن منصور يدّعي أنه مولى لليمن وينتفي من عنزة؛ فلمّا مات يزيد رجع إلى ولائه الأوّل. فحدّثني الفضل بن العبّاس قال: قلت له: ألم تكن تزعم أنّ ولاءك لليمن؟! قال: ذلك شيء احتجنا إليه في ذلك الزمن، وما في واحد ممّن انتميت إليه خير، ولكنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع. وكان ادّعى ولاء اللّخميّين. قال: وكان يزيد بن منصور من أكرم النّاس وأحفظهم لحرمة، وأرعاهم لعهد، وكان بارّا بأبي العتاهية، كثيرا فضله عليه؛ وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين مع كثرة ما يدفعه إليه ويمنعه من المكاره. فلمّا مات قال أبو العتاهية يرثيه:
أنعى يزيد بن منصور إلى البشرأنعى يزيد لأهل البدو والحضر
يا ساكن الحفرة المهجور ساكنهابعد المقاصر والأبواب والحجر
وجدت فقدك في مالي وفي نشبيوجدت فقدك في شعري وفي بشري
فلست أدري جزاك اللّه صالحةأمنظري اليوم أسوأ فيك أم خبري
حدّثنا ابن عمّار قال حدّثنا محمد بن إبراهيم بن خلف قال حدّثني أبي قال: حدّثت أنّ المهديّ جلس للشّعراء يوما، فأذن لهم وفيهم بشّار وأشجع، وكان أشجع يأخذ عن بشّار ويعظّمه، وغير هذين، وكان في القوم أبو العتاهية. قال أشجع: فلمّا سمع بشار كلامه قال: يا أخا سليم، أهذا ذلك الكوفيّ الملقّب؟ قلت نعم. قال: لا جزى اللّه خيرا من جمعنا معه. ثم قال له المهديّ: أنشد؛ فقال: ويحك! أو يبدأ فيستنشد أيضا قبلنا؟! فقلت: قد ترى. فأنشد:
ألا ما لسيّدتي ما لهاأدلّا فأحمل إدلالها
وإلّا ففيم تجنّت وماجنيت سقى اللّه أطلالها
ألا إنّ جارية للإمام قد أسكن الحبّ سربالها
مشت بين حور قصار الخطاتجاذب في المشي أكفالها
وقد أتعب اللّه نفسي بهاوأتعب باللّوم عذّالها
قال أشجع: فقال لي بشّار: ويحك يا أخا سليم! ما أدري من أيّ أمريه أعجب: أمن ضعف شعره، أم من تشبيبه بجارية الخليفة، يسمع ذلك بأذنه! حتى أتى على قوله:
أتته الخلافة منقادةإليه تجرّر أذيالها
ولم تك تصلح إلّا لهولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوبلما قبل اللّه أعمالها
وإنّ الخليفة من بغض لاإليه ليبغض من قالها
قال أشجع: فقال لي بشّار وقد اهتزّ طربا: ويحك يا أخا سليم! أترى الخليفة لم يطر عن فرشه طربا لما يأتي به هذا الكوفيّ؟
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني العبّاس بن ميمون قال حدّثني رجاء بن سلمة قال: سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة (عَمَّ يَتَساءَلُونَ)
، ثم قلت قصيدة أحسن منها. قال: وقد قيل: إنّ منصور بن عمّار شنّع عليه بهذا.
قال يحيى بن عليّ حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أبو عمر القرشيّ قال: لمّا قصّ منصور بن عمّار على الناس مجلس البعوضة قال أبو العتاهية: إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفيّ. فبلغ قوله منصورا فقال: أبو العتاهية زنديق، أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار، وإنما يذكر الموت فقط! فبلغ ذلك أبا العتاهية، فقال فيه:
يا واعظ الناس قد أصبحت متّهماإذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها
كالملبس الثوب من عري وعورتهللناس بادية ما إن يواريها
فأعظم الإثم بعد الشّرك نعلمهفي كلّ نفس عماها عن مساويها
عرفانها بعيوب الناس تبصرهامنهم ولا تبصر العيب الذي فيها
فلم تمض إلّا أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمّار، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال: يغفر اللّه لك أبا السّريّ ما كنت رميتني به.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن موسى قال أخبرني النّسائيّ عن محمد بن أبي العتاهية قال: كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلّم القمر، واتّصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة، فصار إلى منزلها وبات وأشرف على أبي العتاهية ورآه يصلّي، ولم يزل يرقبه حتى قنت وانصرف إلى مضجعه، وانصرف حمدويه خاسئا.
حدّثنا محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن الرّياشيّ قال حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال: جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أنّي زنديق، واللّه ما ديني إلى التّوحيد. فقلنا له: فقل شيئا نتحدّث به عنك؛ فقال:
ألا إنّنا كلّنا بائدوأيّ بني آدم خالد
وبدؤهم كان من ربّهموكلّ إلى ربّه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آيةتدلّ على أنه واحد
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: تذاكروا يوما شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ؛ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سمّاها «ذات الأمثال»؛ فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله:
يا للشّباب المرح التّصابيروائح الجنّة في الشّباب
فقال الجاحظ للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله:
روائح الجنّة في الشّباب
فإنّ له معنى كمعنى الطّرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة التفكير. وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه. وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية، ويقال: إن له فيها أربعة آلاف مثل. منها قوله:
حسبك ممّا تبتغيه القوتما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافامن اتّقى اللّه رجا وخافا
هي المقادير فلمني أو فذرإن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
لكلّ ما يؤذي وإن قلّ ألمما أطول اللّيل على من لم ينم
ما انتفع المرء بمثل عقلهوخير ذخر المرء حسن فعله
إنّ الفساد ضدّه الصّلاحوربّ جدّ جرّه المزاح
من جعل النّمّام عينا هلكامبلغك الشرّ كباغيه لكا
إنّ الشّباب والفراغ والجدهمفسدة للمرء أيّ مفسده
يغنيك عن كلّ قبيح تركهيرتهن الرأي الأصيل شكّه
ما عيش من آفته بقاؤهنغّص عيشا كلّه فناؤه
يا ربّ من أسخطنا بجهدهقد سرّنا اللّه بغير حمده
ما تطلع الشمس ولا تغيبإلّا لأمر شأنه عجيب
لكلّ شيء معدن وجوهروأوسط وأصغر وأكبر
من لك بالمحض وكلّ ممتزجوساوس في الصّدر منه تعتلج
وكلّ شيء لاحق بجوهرهأصغره متّصل بأكبره
ما زالت الدنيا لنا دار أذىممزوجة الصّفو بألوان القذى
الخير والشرّ بها أزواجلذا نتاج ولذا نتاج
من لك بالمحض وليس محضيخبث بعض ويطيب بعض
لكلّ إنسان طبيعتانخير وشرّ وهما ضدّان
إنّك لو تستنشق الشّحيحاوجدته أنتن شيء ريحا
والخير والشرّ إذا ما عدّابينهما بون بعيد جدّا
عجبت حتى غمّني السكوتصرت كأنّي حائر مبهوت
كذا قضى اللّه فكيف أصنعالصمت إن ضاق الكلام أوسع
وهي طويلة جدّا، وإنما ذكرت هذا القدر منها حسب ما استاق الكلام من صفتها.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه عن روح بن الفرج قال: شاور رجل أبا العتاهية فيما ينقشه على خاتمه؛ فقال: انقش عليه: لعنة اللّه على الناس؛ وأنشد:
برمت بالناس وأخلاقهمفصرت أستأنس بالوحده
ما أكثر الناس لعمري وماأقلّهم في حاصل العدّه
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن الضحّاك: أنّ عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهديّ كان ممدّحا، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم؛ فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال: كيف فعل هذا بهذا الكوفيّ! وأيّ شيء مقدار شعره! فبلغه ذلك، فأحضر الرجل وقال له: واللّه إنّ الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبّب بخمسين بيتا، ثم يمدحنا ببعضها، وهذا كأنّ المعاني تجمع له، مدحني فقصّر التشبيب، وقال:
إنّي أمنت من الزمان وريبهلمّا علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلالهلحذوا له حرّ الوجوه نعالا
صوت
إنّ المطايا تشتكيك لأنّهاقطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن مخفّةوإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
أخذ هذا المعنى من قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن عون قال حدّثني محمد بن النّضر كاتب غسّان بن عبد اللّه قال: أخرجت رسولا إلى عبد اللّه بن طاهر وهو يريد مصر، فنزلت على العتّابيّ، وكان لي صديقا، فقال: أنشدني لشاعر العراق - يعني أبا نواس، وكان قد مات - فأنشدته ما كنت أحفظ من ملحه، وقلت له: ظننتك تقول هذا لأبي العتاهية. فقال: لو أردت أبا العتاهية لقلت لك: أنشدني لأشعر الناس، ولم أقتصر على العراق.
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني هارون بن سعدان عن شيخ من أهل بغداد قال: قال أبو العتاهية: أكثر الناس يتكلّمون بالشعر وهم لا يعلمون، ولو أحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلّهم. قال: فبينما نحن كذلك إذ قال رجل لآخر عليه مسح: «يا صاحب المسح تبيع المسح؟». فقال لنا أبو العتاهية: هذا من ذلك، ألم تسمعوه يقول:
يا صاحب المسح تبيع المسحا
قد قال شعرا وهو لا يعلم. ثم قال الرجل: «تعال إن كنت تريد الرّبح». فقال أبو العتاهية: وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لا يعلم، قال له: تعال إن كنت تريد الرّبحا
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا أحمد بن بشير أبو طاهر الحلبيّ قال حدّثنا مزيد الهاشميّ عن السّدريّ قال: سمعت الأصمعيّ يقول: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنّوى.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: لمّا حبس المهديّ أبا العتاهية، تكلّم فيه يزيد بن منصور الحميريّ حتى أطلقه؛ فقال فيه أبو العتاهية:
ما قلت في فضله شيئا لأمدحهإلّا وفضل يزيد فوق ما قلت
ما زلت من ريب دهري خائفا وجلافقد كفاني بعد اللّه ما خفت
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد اللّه بن الحسن قال: جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان فجلس إليّ. فقلت: يا أبا إسحاق، أما يصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة؟ قال لا. فقلت له: إنّي لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السّهلة. قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة.
فقلت: قل أبياتا على مثل البلاغ. فقال من ساعته:
أيّ عيش يكون أبلغ من عيش كفاف قوت بقدر البلاغ
صاحب البغي ليس يسلم منهوعلى نفسه بغى كلّ باغي
ربّ ذي نعمة تعرّض منهاحائل بينه وبين المساغ
أبلغ الدهر في مواعظه بلزاد فيهنّ لي على الإبلاغ
غبنتني الأيّام عقلي وماليوشبابي وصحّتي وفراغي
أخبرنا يحيى إجازة قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثني أبو عليّ اليقطيني قال حدّثني أبو خارجة بن مسلم قال:
قال مسلم بن الوليد: كنت مستخفّا بشعر أبي العتاهية، فلقيني يوما فسألني أن أصير إليه، فصرت إليه فجاءني بلون واحد فأكلناه، وأحضرني تمرا فأكلناه، وجلسنا نتحدّث، وأنشدته أشعارا لي في الغزل، وسألته أن ينشدني؛ فأنشدني قوله:
باللّه يا قرّة العينين زورينيقبل الممات وإلّا فاستزيريني
إنّي لأعجب من حبّ يقرّبنيممن يباعدني منه ويقصيني
أمّا الكثير فما أرجوه منك ولوأطمعتني في قليل كان يكفيني
ثم أنشدني أيضا:
رأيت الهوى جمر الغضى غير أنّهعلى حرّه في صدر صاحبه حلو
صوت
أخلّاي بي شجو وليس بكم شجووكلّ امرىء عن شجو صاحبه خلو
وما من محبّ نال ممن يحبّههوى صادقا إلّا سيدخله زهو
بليت وكان المزح بدء بليّتيفأحببت حقّا والبلاء له بدو
وعلّقت من يزهو عليّ تجبّراوإنّي في كلّ الخصال له كفو
رأيت الهوى جمر الغضى غير أنّهعلى كل حال عند صاحبه حلو
- الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. ولعمرو بن بانة رمل بالوسطى من كتابه. ولعريب فيه خفيف ثقيل من كتاب ابن المعتزّ - قال مسلم: ثم أنشدني أبو العتاهية:
صوت
خليليّ مالي لا تزال مضرّتيتكون على الأقدار حتما من الحتم
يصاب فؤادي حين أرمي ورميتيتعود إلى نحري ويسلم من أرمي
صبرت ولا واللّه ما بي جلادةعلى الصبر لكنّي صبرت على رغمي
ألا في سبيل اللّه جسمي وقوّتيألا مسعد حتى أنوح على جسمي
تعدّ عظامي واحدا بعد واحدبمنحى من العذّال عظما على عظم
كفاك بحقّ اللّه ما قد ظلمتنيفهذا مقام المستجير من الظّلم
- الغناء لسياط في هذه الأبيات، وإيقاعه من خفيف الثّقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق - قال مسلم: فقلت له: لا واللّه يا أبا إسحاق ما يبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشّعر ما فاته من الدنيا! فقال: يا بن أخي، لا تقولنّ مثل هذا؛ فإن الشعر أيضا من بعض مصايد الدنيا.
أخبرنا يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن الفضل قال حدّثني ابن الأعرابيّ قال: اجتمعت الشعراء على باب الرشيد، فأذن لهم فدخلوا وأنشدوا؛ فأنشد أبو العتاهية:
يا من تبغّى زمنا صالحاصلاح هارون صلاح الزمن
كلّ لسان هو في ملكهبالشكر في إحسانه مرتهن
قال: فاهتزّ له الرشيد، وقال له: أحسنت واللّه! وما خرج في ذلك اليوم أحد من الشعراء بصلة غيره.
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عامر بن عمران الضّبيّ قال حدّثني ابن الأعرابيّ قال: أجرى هارون الرشيد الخيل، فجاءه فرس يقال له المشمّر سابقا، وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس، فأمر الشعراء أن يقولوا فيه؛ فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمّر والأفراس يقدمهاهونا على رسله وما انبهرا
وخلّف الريح حسرى وهي جاهدةومرّ يختطف الأبصار والنظرا
فأجزل صلته، وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول فيه شيئا.
أخبرني يحيى إجازة قال حدّثني الفضل بن عبّاس بن عقبة بن جعفر قال: كان عليّ بن ثابت صديقا لأبي العتاهية وبينهما مجاوبات كثيرة في الزهد والحكمة، فتوفّي عليّ بن ثابت قبله، فقال يرثيه:
مؤنس كان لي هلكوالسبيل التي سلك
يا عليّ بن ثابتغفر اللّه لي ولك
كلّ حيّ مملّكسوف يفنى وما ملك
قال الفضل: وحضر أبو العتاهية عليّ بن ثابت وهو يجود بنفسه، فلم يزل ملتزمه حتى فاض؛ فلما شدّ لحياه بكى طويلا، ثم أنشد يقول:
يا شريكي في الخير قرّبك اللّه فنعم الشّريك في الخير كنتا
قد لعمري حكيت لي غصص الموت فحرّكتني لها وسكنتا
قال: ولمّا دفن وقف على قبره يبكي طويلا أحرّ بكاء، ويردّد هذه الأبيات:
ألا من لي بأنسك يا أخيّاومن لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشركذاك خطوبه نشزا وطيّا
فلو نشرت قواك لي المناياشكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك يا عليّ بدمع عينيفما أغنى البكاء عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظاتوأنت اليوم أوعظ منك حيّا
قال عليّ بن الحسين مؤلّف هذا الكتاب: هذه المعاني أخذها كلّها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لمّا حضروا تابوت الإسكندر، وقد أخرج الإسكندر ليدفن: قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال آخر: سكنت حركة الملك في لذّاته، وقد حرّكنا اليوم في سكونه جزعا لفقده. وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين المهلّبيّ قال: لقينا أبو العتاهية فقلنا له: يا أبا إسحاق، من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
اللّه أنجح ما طلبت بهوالبرّ خير حقيبة الرّحل
فقلت: أنشدني شيئا من شعرك؛ فأنشدني:
يا صاحب الرّوح ذي الأنفاس في البدنبين النهار وبين الليل مرتهن
لقلّما يتخطّاك اختلافهماحتى يفرّق بين الرّوح والبدن
لتجذبنّي يد الدّنيا بقوّتهاإلى المنايا وإن نازعتها رسني
للّه دنيا أناس دائبين لهاقد ارتعوا في رياض الغيّ والفتن
كسائمات رتاع تبتغي سمناوحتفها لو درت في ذلك السّمن
قال: فكتبتها، ثم قلت له: أنشدني شيئا من شعرك في الغزل؛ فقال: يا ابن أخي، إنّ الغزل يسرع إلى مثلك.
فقلت له: أرجو عصمة اللّه جل وعزّ. فأنشدني:
كأنّها من حسنها درّةأخرجها اليمّ إلى الساحل
كأن في فيها وفي طرفهاسواخرا أقبلن من بابل
لم يبق منّي حبّها ما خلاحشاشة في بدن ناحل
يا من رأى قبلي قتيلا بكىمن شدّة الوجد على القاتل
فقلت له: يا أبا إسحاق، هذا قول صاحبنا جميل:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
فقال: هو ذاك يا بن أخي وتبسّم.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي قال حدّثني أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد:
لهفي على ورق الشبابوغصونه الخضر الرّطاب
ذهب الشباب وبان عنّي غير منتظر الإياب
فلأبكينّ على الشّباب وطيب أيّام التّصابي
ولأبكينّ من البلىولأبكينّ من الخضاب
إنّي لآمل أن أخلّد والمنيّة في طلابي
قال: فجعل ينشدها وإنّ دموعه لتسيل على خدّيه. فلمّا رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها. وسألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العتاهية.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أبو العباس محمد بن أحمد قال: كان ابن الأعرابيّ يعيب أبا العتاهية ويثلبه، فأنشدته:
كم من سفيه غاظني سفهافشفيت نفسي منه بالحلم
وكفيت نفسي ظلم عاديتيومنحت صفو مودّتي سلمي
ولقد رزقت لظالمي غلظاورحمته إذ لجّ في ظلمي
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني محمد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن أحمد الأزديّ قال: قال لي أبو العتاهية: لم أقل شيئا قطّ أحبّ إليّ من هذين البيتين في معناهما:
ليت شعري فإنّني لست أدريأيّ يوم يكون آخر عمري
وبأيّ البلاد يقبض روحيوبأيّ البقاع يحفر قبري
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني محمد بن الفضل قال حدّثنا محمد بن عبد الجبّار الفزاريّ قال: اجتاز أبو العتاهية في أوّل أمره وعلى ظهره قفص فيه فخّار يدور به في الكوفة ويبيع منه، فمرّ بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشدونه، فسلّم ووضع القفص عن ظهره، ثم قال: يا فتيان أراكم تذاكرون الشعر، فأقول شيئا منه فتجيزونه، فإن فعلتم فلكم عشرة دراهم، وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم؛ فهزئوا منه وسخروا به وقالوا نعم. قال: لا بدّ أن يشترى بأحد القمارين رطب يؤكل فإنه قمار حاصل، وجعل رهنه تحت يد أحدهم، ففعلوا. فقال: أجيزوا:
ساكني الأجداث أنتم
وجعل بينه وبينهم وقتا في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس ولم يجيزوا البيت، غرّموا الخطر؛ وجعل يهزأ بهم وتمّمه:
مثلنا بالأمس كنتمليت شعري ما صنعتم
أربحتم أم خسرتم
وهي قصيدة طويلة في شعره.
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه عن أبي خيثم العنزيّ قال: لمّا حبس الرشيد أبا العتاهية وحلف ألّا يطلقه أو يقول شعرا، قال لي أبو حبش: أسمعت بأعجب من هذا الأمر، تقول الشعراء الشعر الجيّد النادر فلا يسمع منهم، ويقول هذا المخنّث المفكّك تلك الأشعار بالشفاعة! ثم أنشدني:
أبا إسحاق راجعت الجماعهوعدت إلى القوافي والصّناعه
وكنت كجامح في الغيّ عاصوأنت اليوم ذو سمع وطاعه
فجرّ الخزّ مما كنت تكسىودع عنك التّقشّف والبشاعه
وشبّب بالتي تهوى وخبّربأنّك ميّت في كلّ ساعه
كسدنا ما نراد وإن أجدناوأنت تقول شعرك بالشّفاعه
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه قال حدّثني أبو خيثم العنزيّ، وكان صديقا لأبي العتاهية، قال حدّثني أبو العتاهية قال: أخرجني المهديّ معه إلى الصّيد، فوقعنا منه على شيء كثير، فتفرّق أصحابه في طلبه وأخذ هو في طريق غير طريقهم فلم يلتقوا، وعرض لنا واد جرّار وتغيّمت السماء وبدأت تمطر فتحيّرنا، وأشرفنا على الوادي فإذا فيه ملّاح يعبّر النّاس، فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق، فجعل يضعّف رأينا ويعجّزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا، ثم أدخلنا كوخا له. وكاد المهديّ يموت بردا؛ فقال له: أغطّيك بجبّتي هذه الصوف؟ فقال نعم؛ فغطّاه بها، فتماسك قليلا ونام. فافتقده غلمانه وتبعوا أثره حتى جاءونا. فلمّا رأى الملّاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، وتبادر الغلمان فنحّوا الجبّة عنه وألقوا عليه الخزّ والوشي. فلما انتبه قال لي: ويحك! ما فعل الملّاح؟ فقد واللّه وجب حقّه علينا. فقلت: هرب واللّه خوفا من قبح ما خاطبنا به. قال: إنّا للّه! واللّه لقد أردت أن أغنيه، وبأيّ شي ء خاطبنا! نحن واللّه مستحقّون لأقبح مما خاطبنا به! بحياتي عليك إلّا ما هجوتني. فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك! قال: واللّه لتفعلنّ؛ فإني ضعيف الرأي مغرم بالصّيد. فقلت:
يا لابس الوشي على ثوبهما أقبح الأشيب في الراح
فقال: زدني بحياتي؛ فقلت:
لو شئت أيضا جلت في خامةوفي وشاحين وأوضاح
فقال: ويلك! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، وأنا استأهل. زدني شيئا آخر. فقلت: أخاف أن تغضب.
قال: لا واللّه. فقلت:
كم من عظيم القدر في نفسهقد نام في جبّة ملّاح
فقال: معنى سوء عليك لعنة اللّه! وقمنا وركبنا وانصرفنا.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال حدّثنا جماعة من كتّاب الحسن بن سهل قالوا: وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون؛ فجيء بها إلى مجاشع بن مسعدة، فقال: هذا كلام أبي العتاهية، وهو صديقي، وليست المخاطبة لي ولكنّها للأمير الفضل بن سهل. فذهبوا بها، فقرأها وقال: ما أعرف هذه العلامة. فبلغ المأمون خبرها فقال: هذه إليّ وأنا أعرف العلامة. والبيتان:
صوت
ما على ذا كنّا افترقنا بسندان وما هكذا عهدنا الإخاء
تضرب الناس بالمهنّدة البيض على غدرهم وتنسى الوفاء
قال: فبعث إليه المأمون بمال.
في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكّل رمل من رواية ابن المعتزّ.
قال: وكان عليّ بن يقطين صديقا لأبي العتاهية، وكان يبرّه في كل سنة ببرّ واسع، فأبطأ عليه بالبرّ في سنة من السنين، وكان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسرّ به ويرفع مجلسه ولا يزيده على ذلك. فلقيه ذات يوم وهو يريد دار الخليفة، فاستوقفه فوقف له، فأنشده:
حتّى متى ليت شعري يا بن يقطينأثني عليك بما لا منك توليني
إنّ السّلام وإنّ البشر من رجلفي مثل ما أنت فيه ليس يكفيني
هذا زمان ألحّ الناس فيه علىتيه الملوك وأخلاق المساكين
أما علمت جزاك اللّه صالحةوزادك اللّه فضلا يا بن يقطين
أنّي أريدك للدّنيا وعاجلهاولا أريدك يوم الدّين للدين
فقال عليّ بن يقطين: لست واللّه أبرح ولا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا، وأمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة، فحمل من وقته وعليّ واقف إلى أن تسلّمه.
وأخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال حدّثنا محمد بن يزيد قال: بلغني من غير وجه: أنّ الرشيد لمّا ضرب أبا العتاهية وحبسه، وكّل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه. فكتب إليه أنه سمعه ينشد:
أما واللّه إنّ الظلم لوموما زال المسيء هو الظّلوم
إلى ديّان يوم الدين نمضيوعند اللّه تجتمع الخصوم
قال: فبكى الرشيد، وأمر بإحضار أبي العتاهية وإطلاقه، وأمر له بألفي دينار.
أخبرني محمد بن جعفر قال حدّثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال: لمّا قال أبي في عتبة:
كأنّ عتابة من حسنهادمية قسّ فتنت قسّها
يا ربّ لو أنسيتنيها بمافي جنّة الفردوس لم أنسها
شنّع عليه منصور بن عمّار بالزندقة، وقال: يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون! وشنّع عليه أيضا بقوله:
إنّ المليك رآك أحسن خلقه ورأى جمالك
فحذا بقدرة نفسهحور الجنان على مثالك
وقال: أيصوّر الحور على مثال امرأة آدميّة واللّه لا يحتاج إلى مثال! وأوقع له هذا على ألسنة العامّة؛ فلقي منهم بلاء.
حدّثني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا خليل بن أسد قال حدّثني أبو سلمة الباذغيسيّ قال:
الناس في غفلاتهمورحا المنيّة تطحن
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني يحيى بن عبد اللّه القرشيّ قال حدّثني المعلّى بن أيّوب قال: دخلت على المأمون يوما وهو مقبل على شيخ حسن اللّحية خضيب شديد بياض الثياب على رأسه لاطئة، فقلت للحسن بن أبي سعيد - قال: وهو ابن خالة المعلّى بن أيوب. وكان الحسن كاتب المأمون على العامّة -: من هذا؟ فقال: أما تعرفه؟ فقلت: لو عرفته ما سألتك عنه. فقال: هذا أبو العتاهية. فسمعت المأمون يقول له: أنشدني أحسن ما قلت في الموت؛ فأنشده:
أنساك محياك المماتافطلبت في الدنيا الثبّاتا
أوثقت بالدنيا وأنت ترى جماعتها شتاتا
وعزمت منك على الحياة وطولها عزما بتاتا
يا من رأى أبويه فيمن قد رأى كانا فماتا
هل فيهما لك عبرةأم خلت أنّ لك انفلاتا
ومن الذي طلب التّفلّت من منيّته ففاتا
كلّ تصبّحه المنيّة أو تبيّته بياتا
قال: فلمّا نهض تبعته فقبضت عليه في الصّحن أو في الدّهليز، فكتبتها عنه.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الجاحظ عن ثمامة قال: دخل أبو العتاهية على المأمون فأنشده:
ما أحسن الدنيا وإقبالهاإذا أطاع اللّه من نالها
من لم يواس الناس من فضلهاعرّض للإدبار إقبالها
فقال له المأمون: ما أجود البيت الأوّل! فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضنّ بها، وإنما يوجب السماحة بها الأجر، والضنّ بها الوزر. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل، وأهل النقص أولى بالنقص. فقال المأمون: ادفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق. فلمّا كان بعد أيام عاد فأنشده:
كم غافل أودى به الموتلم يأخذ الأهبة للفوت
من لم تزل نعمته قبلهزال عن النعمة بالموت
فقال له: أحسنت! الآن طيّبت المعنى؛ وأمر له بعشرين ألف درهم.
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني ابن سنان العجليّ عن الحسن بن عائذ قال: كان أبو العتاهية يحجّ في كلّ سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا ومطرفا ونعلا سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم. وكان يوصّل الهديّة من جهته منجاب مولى المأمون ويجيئه بالمال. فأهدى مرّة له كما كان يهدي كلّ سنة إذا قدم، فلم يثبه ولا بعث إليه بالوظيفة. فكتب إليه أبو العتاهية:
خبّروني أنّ من ضرب السّنهجددا بيضا وصفرا حسنه
أحدثت لكنّني لم أرهامثل ما كنت أرى كلّ سنه
فأمر المأمون بحمل العشرين ألف درهم، وقال: أغفلناه حتى ذكّرنا.
حدّثنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني عروة بن يوسف الثقفيّ قال: لمّا ولي الهادي الخلافة كان واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون وانقطاعه إليه وتركه موسى، وكان أيضا قد أمر أن يخرج معه إلى الرّيّ فأبى ذلك؛ فخافه وقال يستعطفه:
ألا شافع عند الخليفة يشفعفيدفع عنّا شرّ ما يتوقّع
وإنّي على عظم الرجاء لخائفكأنّ على رأسي الأسنّة تشرع
يروّعني موسى على غير عثرةومالي أرى موسى من العفو أوسع
وما آمن يمسي ويصبح عائذابعفو أمير المؤمنين يروّع
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عليّ بن الصبّاح قال حدّثني محمد بن أبي العتاهية قال: دخل أبي على الهادي فأنشده:
يا أمين اللّه ما ليلست أدري اليوم ما لي
لم أنل منك الذي قدنال غيري من نوال
تبذل الحقّ وتعطيعن يمين وشمال
وأنا البائس لا تنظر في رقّة حالي
قال: فأمر المعلّى الخازن أن يعطيه عشرة آلاف درهم. قال أبو العتاهية: فأتيته فأبى أن يعطيها. ذلك أنّ الهادي امتحنني في شيء من الشعر، وكان مهيبا، فكنت أخافه فلم يطعني طبعي، فأمر لي بهذا المال، فخرجت.
فلمّا منعنيه المعلّى صرت إلى أبي الوليد أحمد بن عقال، وكان يجالس الهادي، فقلت له:
أبلغ سلمت أبا الوليد سلاميعنّي أمير المؤمنين إمامي
وإذا فرغت من السّلام فقل لهقد كان ما شاهدت من إفحامي
وإذا حصرت فليس ذاك بمبطلما قد مضى من حرمتي وذمامي
ولطالما وفدت إليك مدائحيمخطوطة فليأت كلّ ملام
أيّام لي لسن ورقّة جدّةوالمرء قد يبلى مع الأيّام
قال: فاستخرج لي الدراهم وأنفذها إليّ.
حدّثني الصوليّ ومحمد بن عمران الصيرفيّ قالا حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال: ولهد للهادي ولد في أوّل يوم ولي الخلافة؛ فدخل أبو العتاهية فأنشده:
أكثر موسى غيظ حسّادهوزيّن الأرض بأولاده
وجاءنا من صلبه سيّدأصيد في تقطيع أجداده
فاكتست الأرض به بهجةواستبشر الملك بميلاده
وابتسم المنبر عن فرحةعلت بها ذروة أعواده
كأنّني بعد قليل بهبين مواليه وقوّاده
في محفل تخفق راياتهقد طبّق الأرض بأجناده
قال: فأمر له موسى بألف دينار وطيب كثير، وكان ساخطا عليه فرضي عنه.
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عليّ بن يزيد الخزرجيّ الشاعر عن يحيى بن الرّبيع قال: دخل أبو عبيد اللّه على المهديّ، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهديّ يشتم أبا عبيد اللّه ويتغيّظ عليه، ثم أمر به فجرّ برجله وحبس، ثم أطرق المهديّ طويلا. فلمّا سكن أنشده أبو العتاهية:
أرى الدّنيا لمن هي في يديهعذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغروتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعهوخذ ما أنت محتاج إليه
فتبسّم المهديّ وقال لأبي العتاهية: أحسنت! فقام أبو العتاهية ثم قال: واللّه يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدا أشدّ إكراما للدّنيا ولا أصون لها ولا أشحّ عليها من هذا الذي جرّ برجله الساعة. ولقد دخلت إلى أمير المؤمنين ودخل هو وهو أعزّ الناس، فما برحت حتى رأيته أذلّ الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسّم المهديّ ودعا بأبي عبيد اللّه فرضي عنه. فكان أبو عبيد اللّه يشكر ذلك لأبي العتاهية.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن الحسن قال حدّثني إسحاق بن حفص قال: أنشدني هارون بن مخلّد الرازيّ لأبي العتاهية:
ما إن يطيب لذي الرعاية للأيّام لا لعب ولا لهو
إذ كان يطرب في مسرّتهفيموت من أجزائه جزو
فقلت: ما أحسنهما! فقال: أهكذا تقول! واللّه لهما روحانيّان يطيران بين السماء والأرض.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازنيّ قال: لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام؟ فقال: أترى من إذا شئت هزل، وإذا شئت جدّ؟
قلت: من؟ قال: مثل جرير حين يقول في النّسيب:
إنّ الذين غدّوا بلبّك غادرواوشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
ثم قال حين جدّ:
إنّ الّذي حرم المكارم تغلباجعل النّبوّة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكميا آل تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمّي في دمشق خليفةلو شئت ساقكم إليّ قطينا
ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره من كمّه. فقلت: من؟ قال: أبو العتاهية. قلت: في ماذا؟
قال: قوله:
اللّه بيني وبين مولاتيأبدت لي الصّدّ والملالات
لا تغفر الذنب إن أسأت ولاتقبل عذري ولا مواتاتي
منحتها مهجتي وخالصتيفكان هجرانها مكافاتي
أقلقني حبّها وصيّرنيأحدوثة في جميع جاراتي
ثم قال حين جدّ:
ومهمه قد قطعت طامسهقفر على الهول والمحاماة
بحرّة جسرة عذافرةخوصاء عيرانة علنداة
تبادر الشمس كلّما طلعتبالسّير تبغي بذاك مرضاتي
يا ناق خبّي بنا ولا تعدينفسك مما ترين راحات
حتّى تناخي بنا إلى ملكتوّجه اللّه بالمهابات
عليه تاجان فوق مفرقهتاج جلال وتاج إخبات
يقول للرّيح كلّما عصفتهل لك يا ريح في مباراتي
من مثل من عمّه الرسول ومنأخواله أكرم الخؤولات
أخبرني وكيع قال: قال الزّبير بن بكّار حدّثني أبو غزيّة، وكان قاضيا على المدينة، قال: كان إسحاق بن عزيز يتعشّق عبّادة جارية المهلّبيّة، وكانت المهلبيّة منقطعة إلى الخيزران. فركب إسحاق يوما ومعه عبد اللّه بن مصعب يريدان المهديّ، فلقيا عبّادة؛ فقال إسحاق: يا أبا بكر، هذه عبّادة، وحرّك دابّته حتى سبقها فنظر إليها، فجعل عبد اللّه بن مصعب يتعجّب من فعله. ومضيا فدخلا على المهديّ، فحدّثه عبد اللّه بن مصعب بحديث إسحاق وما فعل. فقال: أنا أشتريها لك يا إسحاق. ودخل على الخيزران فدعا بالمهلبيّة فحضرت، فأعطاها بعبّادة خمسين ألف درهم. فقالت له: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريدها لنفسك فبها فداك اللّه، وهي لك. فقال: إنما أريدها لإسحاق بن عزيز. فبكت وقالت: أتؤثر عليّ إسحاق بن عزيز وهي يدي ورجلي ولساني في جميع حوائجي! فقالت لها الخيزران عند ذلك: ما يبكيك؟ واللّه لا وصل إليها ابن عزيز أبدا، صار يتعشّق جواري الناس! فخرج المهديّ فأخبر ابن عزيز بما جرى، وقال له: الخمسون ألف درهم لك مكانها، وأمر له بها، فأخذها عن عبّادة. فقال أبو العتاهية يعيّره بذلك:
من صدق الحبّ لأحبابهفإنّ حبّ ابن عزيز غرور
أنساه عبّادة ذات الهوىوأذهب الحبّ الذي في الضمير
خمسون ألفا كلّها راجححسنا لها في كل كيس صرير
وقال أبو العتاهية في ذلك أيضا:
حبّك للمال لا كحبك عبّادة يا فاضح المحبّينا
لو كنت أصفيتها الوداد كماقلت لما بعتها بخمسينا
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال: رأيت أبا العتاهية بعد ما تخلّص من حبس المهديّ وهو يلزم طبيبا على بابنا ليكحل عينه. فقيل له: قد طال وجع عينك؛ فأنشأ يقول:
صوت
أيا ويح نفسي ويحها ثم ويحهاأما من خلاص من شباك الحبائل
أيا ويح عيني قد أضرّ بها البكافلم يغن عنها طبّ ما في المكاحل
في هذين البيتين لإبراهيم الموصليّ لحن من الثقيل الأوّل.
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان الهادي واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهديّ، فلمّا ولي موسى الخلافة، قال أبو العتاهية يمدحه:
صوت
يضطرب الخوف والرجاء إذاحرّك موسى القضيب أو فكّر
ما أبين الفضل في مغيّب ماأورد من رأيه وما أصدر
- في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل لحن من الثقيل الأوّل في نهاية الجودة، وما بان به فضله في الصّناعة -:
فكم ترى عزّ عند ذلك منمعشر قوم وذلّ من معشر
يثمر من مسّه القضيب ولويمسّه غيره لما أثمر
من مثل موسى ومثل والده المهديّ أو جدّه أبي جعفر
قال: فرضي عنه. فلمّا دخل عليه أنشده:
لهفي على الزمن القصيربين الخورنق والسّدير
إذ نحن في غرف الجنان نعوم في بحرّ السّرور
في فتية ملكو عنان الدهر أمثال الصّقور
ما منهم إلّا الجسور على الهوى غير الحصور
يتعاورون مدامةصهباء من حلب العصير
عذراء ربّاها شعاع الشمس في حرّ الهجير
لم تدن من نار ولميعلق بها وضر القدور
ومقرطق يمشي أمام القوم كالرّشأ الغرير
بزجاجة تستخرج السرّ الدّفين من الضمير
زهراء مثل الكوكب الدّرّيّ في كفّ المدير
تدع الكريم وليس يدري ما قبيل من دبير
ومخصّرات زرننابعد الهدوّ من الخدور
ريّا روادفهنّ يلبسن الخواتم في الخصور
غرّ الوجوه محجّبات قاصرات الطّرف حور
متنعّمات في النّعيم مضمّخات بالعبير
برفلن في حلل المحاسن والمجاسد والحرير
ما إن يرين الشمسإلّا الفرط من خلل السّتور
وإلى أمين اللّه مهر بنا من الدّهر العثور
وإليه أتعبنا المطايا بالرّواح وبالبكور
صعر الخدود كأنّماجنّحن أجنحة النّسور
متسربلات بالظّلام على السّهولة والوعور
حتّى وصلن بنا إلىربّ المدائن والقصور
ما زال قبل فطامهفي سنّ مكتهل كبير
- قال: قيل لو كان جزل اللفظ لكان أشعر الناس - فأجزل صلته. وعاد إلى أفضل ما كان له عليه.
أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال: قدم علينا أبو العتاهية في خلافة المأمون. فصار إليه أصحابنا فاستنشدوه، فكان أوّل ما أنشدهم:
ألم تر ريب الدّهر في كلّ ساعةله عارض فيه المنيّة تلمع
أيا باني الدّنيا لغيرك تبتنيويا جامع الدنيا لغيرك تجمع
أرى المرء وثّابا على كل فرصةوللمرء يوما لا محالة مصرع
تبارك من لا يملك الملك غيرهمتى تنقضي حاجات من ليس يشبع
وأيّ امرىء في غاية ليس نفسهإلى غاية أخرى سواها تطلّع
قال: وكان أصحابنا يقولون: لو أنّ طبع أبي العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني سليمان بن جعفر الجزريّ قال حدّثني أحمد بن عبد اللّه قال: كانت مرتبة أبي العتاهية مع الفضل بن الربيع في موضع واحد في دار المأمون. فقال الفضل لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق، ما أحسن بيتين لك وأصدقهما! قال: وما هما؟ قال: قولك:
ما النّاس إلا للكثير المال أولمسلّط ما دام في سلطانه
فإذا الزمان رماهما ببليّةكان الثّقات هناك من أعوانه
يعني: من أعوان الزمان. قال: وإنما تمثّل الفضل بن الرّبيع بهذين البيتين لانحطاط مرتبته في دار المأمون وتقدّم غيره. وكان المأمون أمر بذلك لتحريره مع أخيه.
أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: قال لي محمد بن أبي العتاهية: كان أبي لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحجّ، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون. فلمّا قدم الرشيد الرّقّة، لبس أبي الصوف وتزهّد وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه فحبس؛ فكتب إليه من وقته:
صوت
أنا اليوم لي والحمد للّه أشهريروح عليّ الهمّ منكم ويبكر
تذكّر أمين اللّه حقّي وحرمتيوما كنت توليني لعلك تذكر
ليالي تدني منك بالقرب مجلسيووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرّةإليّ بها في سالف الدهر تنظر
قال: فلمّا قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لا بأس عليك. فكتب إليه:
صوت
أرقت وطار عن عيني النّعاسونام السامرون ولم يواسوا
أمين اللّه أمنك خير أمنعليك من التّقى فيه لباس
تساس من السماء بكلّ برّوأنت به تسوس كما تساس
كأنّ الخلق ركّب فيه روحله جسد وأنت عليه رأس
أمين اللّه إنّ الحبس بأسوقد أرسلت: ليس عليك باس
- غنّى في هذه الأبيات إبراهيم، ولحنه ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وفيه أيضا ثقيل أوّل عن الهشاميّ - قال: وكتب إليه أيضا في الحبس:
وكلّفتني ما حلت بيني وبينهوقلت سأبغي ما تريد وما تهوى
فلو كان لي قلبان كلّفت واحداهواك وكلفت الخليّ لما يهوى
قال: فأمر بإطلاقه.
حدّثني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني الزبير بن بكّار قال حدّثني ثابت بن الزّبير بن حبيب قال حدّثني ابن أخت أبي خالد الحربيّ قال: قال لي الرشيد: احبس أبا العتاهية وضيّق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول. فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها؛ فصاح: الموت، أخرجوني، فأنا أقول كلّ ما شئتم. فقلت: قل. فقال: حتى أتنفّس.
فأخرجته وأعطيته دواة وقرطاسا؛ فقال أبياته التي أوّلها:
صوت
من لعبد أذلّه مولاهما له شافع إليه سواه
يشتكي ما به إليه ويخشاه ويرجوه مثل ما يخشاه
قال: فدفعتها إلى مسرور الخادم فأوصلها، وتقدّم الرشيد إلى إبراهيم الموصليّ فغنّى فيها، وأمر بإحضار أبي العتاهية فأحضر. فلما أحضر قال له: أنشدني قولك:
صوت
يا عتب سيّدتي أما لك دينحتّى متى قلبي لديك رهين
وأنا الذّلول لكلّ ما حمّلتنيوأنا الشقيّ البائس المسكين
وأنا الغداة لكلّ باك مسعدولكلّ صبّ صاحب وخدين
لا بأس إنّ لذاك عندي راحةللصّبّ أن يلقى الحزين حزين
يا عتب أين أفرّ منك أميرتيوعليّ حصن من هواك حصين
- لإبراهيم في هذه الأبيات هزج عن الهشاميّ - فأمر له الرشيد بخمسين ألف درهم.
ولأبي العتاهية في الرشيد لمّا حبسه أشعار كثيرة، منها قوله:
يا رشيد الأمر أرشدني إلىوجه نجحي لاعدمت الرّشدا
لا أراك اللّه سوءا أبداما رأت مثلك عين أحدا
أعن الخائف وارحم صوتهرافعا نحوك يدعوك يدا
وابلائي من دعاوى أملكلّما قلت تداني بعدا
كم أمنّي بغد بعد غدينفد العمر ولم ألق غدا
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: مرّ القاسم بن الرشيد في موكب عظيم وكان من أتيه الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاما له، فلم يزل قائما حتى جاز، فأجازه ولم يلتفت إليه؛ فقال أبو العتاهية:
يتيه ابن آدم من جهلهكأنّ رحا الموت لا تطحنه
فسمع بعض من في موكبه ذلك فأخبر به القاسم؛ فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة، وقال له: يا ابن الفاعلة! أتعرّض بي في مثل ذلك الموضع! وحبسه في داره. فدسّ أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر، وكانت توجب له، هذه الأبيات:
حتّى متى ذو التّيه في تيههأصلحه اللّه وعافاه
يتيه أهل التّيه من جهلهموهم يموتون وإن تاهوا
من طلب العزّ ليبقى بهفإنّ عزّ المرء تقواه
لم يعتصم باللّه من خلقهمن ليس يرجوه ويخشاه
وكتب إليها بحالة وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه، فرثت له وأخبرت الرشيد بأمره وكلّمته فيه؛ فأحضره وكساه ووصله، ولم يرض عن القاسم حتى برّ أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه.
ونسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال: بعث الرشيد بالحرشيّ إلى ناحية الموصل، فجبى له منها مالا عظيما من بقايا الخراج، فوافى به باب الرشيد، فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك وتحدّثوا به؛ فرأيت أبا العتاهية وقد أخذه شبه الجنون، فقلت له: مالك ويحك؟! فقال لي: سبحان اللّه! أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، ولا تتعلّق كفّي بشيء منه! ثم دخل إلى الرشيد بعد أيّام فأنشده:
اللّه هوّن عندك الدنيا وبغّضها إليكا
فأبيت إلّا أن تصغّر كلّ شيء في يديكا
ما هانت الدّنيا علىأحدكما هانت عليكا
فقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، ما مدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح. فقال: يا فضل، أعطه عشرين ألف درهم. فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده:
إذا ما كنت متّخدا خليلافمثل الفضل فاتّخذ الخليلا
يرى الشّكر القليل له عظيماويعطي من مواهبه الجزيلا
أراني حيثما يمّمت طرفيوجدت على مكارمه دليلا
فقال له الفضل: واللّه لو لا أنّ أساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها، ولكن سأوصلها إليك في دفعات، ثم أعطاه ما أمر له به الرشيد، وزاد له خمسة آلاف درهم من عنده.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا المبرّد قال حدّثني عبد الصمد بن المعذّل قال: سمعت الأمير عليّ بن عيسى بن جعفر يقول: كنت صبيّا في دار الرشيد، فرأيت شيخا ينشد والناس حوله:
ليس للإنسان إلّا ما رزقأستعين اللّه باللّه أثق
علق الهمّ بقلبي كلّهوإذا ما علق الهمّ علق
بأبي من كان لي من قلبهمرّة ودّ قليل فسرق
يا بني الإسلام فيكم ملكجامع الإسلام عنه يفترق
لندى هارون فيكم ولهفيكم صوب هطول وورق
لم يزل هارون خيرا كلّهقتل الشّرّ به يوم خلق
فقلت لبعض الهاشميّين: أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل؟ فقال: يا بنيّ، إنّ الأعناق لتقطع دون هذا الطبع. قال: ثم كان الشيخ أبا العتاهية، والذي سأله إبراهيم بن المهديّ.
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثني عبد القويّ بن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال: لبس أبو العتاهية كساء صوف ودرّاعة صوف، وآلى على نفسه ألّا يقول شعرا في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه؛ فقال:
صوت
يا بن عمّ النبي سمعا وطاعهقد خلعنا الكساء والدّرّاعه
ورجعنا إلى الصّناعة لمّاكان سخط الإمام ترك الصّناعه
وقال أيضا:
أما رحمتني يوم ولّت فأسرعتوقد تركتني واقفا أتلفّت
أقلّب طرفي كي أراها فلا أرىوأحلب عيني درّها وأصوّت
فلم يزل الرشيد متوانيا في إخراجه إلى أن قال:
أما واللّه إنّ الظلم لوموما زال المسيء هو الظّلوم
إلى ديّان يوم الدّين نمضيوعند اللّه تجتمع الخصوم
لأمر ما تصرّفت اللياليوأمر ما تولّيت النّجوم
تموت غدا وأنت قرير عينمن الغفلات في لجج تعوم
تنام ولم تنم عنك المناياتنبّه للمنيّة يا نؤوم
سل الأيّام عن أمم تقضّتستخبرك المعالم والرّسوم
تروم الخلد في دار المناياوكم قد رام غيرك ما تروم
ألا يا أيّها الملك المرجّىعليه نواهض الدنيا تحوم
أقلني زلّة لم أجر منهاإلى لوم وما مثلي ملوم
وخلّصني تخلّص يوم بعثإذا للناس برّزت الجحيم
فرقّ له وأمر بإطلاقه.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني ابن أبي الأبيض قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له: إنّي رجل أقول الشعر في الزّهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب أستحسنه؛ لأني أرجو ألّا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحبّ أن تنشدني من جيّد ما قلت؛ فقال: اعلم أنّ ما قلته رديء. قلت: وكيف؟ قال: لأنّ الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدّمين أو مثل شعر بشّار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزّهد؛ فإن الزّهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلّاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزّهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرّياء والعامّة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه. فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:
لدوا للموت وابنوا للخرابفكلّكم يصير إلى تباب
ألا يا موت لم أر منك بدّاأتيت وما تحيف وما تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبيكما هجم المشيب على شبابي
قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا؛ فقال: واللّه ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا آخر.
فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس؛ فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:
طول التّعاشر بين النّاس مملولما لابن آدم إن فتّشت معقول
يا راعي الشّاء لا تغفل رعايتهافأنت عن كلّ ما استرعيت مسؤول
إنّي لفي منزل ما زلت أعمرهعلى يقين بأنّي عنه منقول
وليس من موضع يأتيه ذو نفسإلّا وللموت سيف فيه مسلول
لم يشغل الموت عنّا مذ أعدّ لناوكلّنا عنه باللذّات مشغول
ومن يمت فهو مقطوع ومجتنبوالحيّ ما عاش مغشيّ وموصول
كل ما بدا لك فالآكال فانيةوكلّ ذي أكل لا بدّ مأكول
قال: ثم أنشدني عدّة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته؛ فتغيّر لونه وقال: لم خبّرته بما قلت! قد واللّه أجاد! ولم يقل فيه سوءا.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن عبد اللّه بن سعد قال حدّثني هارون بن سعدان مولى البجليّين قال: كنت مع أبي نواس قريبا من دور بني نيبخت بنهر طابق وعنده جماعة، فجعل يمرّ به القوّاد والكتّاب وبنو هاشم فيسلّمون عليه وهو متّكىء ممدود الرجل لا يتحرّك لأحد منهم، حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه ووثب وقام إلى شيخ قد أقبل على حمار له، فاعتنق أبا نواس ووقف أبو نواس يحادثه، فلم يزل واقفا معه يراوح بين رجليه يرفع رجلا ويضع أخرى، ثم مضى الشيخ ورجع إلينا أبو نواس وهو يتأوّه. فقال له بعض من حضر: واللّه لأنت أشعر منه. فقال: واللّه ما رأيته قطّ إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض.
قال محمد بن القاسم حدّثني عليّ بن محمد بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثني السّريّ بن الصّبّاح مولى ثوبان بن عليّ قال: كنت عند بشّار فقلت له: من أشعر أهل زماننا؟ فقال: مخنّث أهل بغداد (يعني أبا العتاهية).
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم إجازة: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الخزرجيّ الشاعر قال حدّثني عبد اللّه بن أيّوب الأنصاريّ قال حدّثني أبو العتاهية قال: ماتت بنت المهديّ فحزن عليها حزنا شديدا حتى امتنع من الطعام والشراب، فقلت أبياتا أعزّيه بها؛ فوافيته وقد سلا وضحك وأكل وهو يقول: لا بدّ من الصبر على ما لا بدّ منه، ولئن سلونا عمن فقدنا ليسلونّ عنّا من يفقدنا، وما يأتي الليل والنهار على شيء إلا أبلياه. فلمّا سمعت هذا منه قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أنشدك؟ قال هات؛ فأنشدته:
ما للجديدين لا يبلى اختلافهماوكلّ غضّ جديد فيهما بالي
يا من سلا عن حبيب بعد ميتتهكم بعد موتك أيضا عنك من سالي
كأنّ كلّ نعيم أنت ذائقهمن لذّة العيش يحكي لمعة الآل
لا تلعبنّ بك الدنيا وأنت ترىما شئت من عبر فيها وأمثال
ما حيلة الموت إلّا كلّ صالحةأولا فما حيلة فيه لمحتال
فقال لي: أحسنت ويحك! وأصبت ما في نفسي ووعظت وأوجزت! ثم أمر لي لكلّ بيت بألف درهم.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني أحمد بن خلّاد قال حدّثني أبي قال: لمّا مات موسى الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية: قل شعرا في الغزل؛ فقال: لا أقول شعرا بعد موسى أبدا، فحبسه. وأمر إبراهيم الموصليّ أن يغنّي؛ فقال: لا أغنّي بعد موسى أبدا، وكان محسنا إليهما، فحبسه. فلمّا شخص إلى الرّقّة حفر لهما حفيرة واسعة وقطع بينهما بحائط، وقال: كونا بهذا المكان لا تخرجا منه حتى تشعر أنت ويغنّي هذا. فصبرا على ذلك برهة. وكان الرشيد يشرب ذات يوم وجعفر بن يحيى معه، فغنّت جارية صوتا فاستحسناه وطربا عليه طربا شديدا، وكان بيتا واحدا. فقال الرشيد: ما كان أحوجه إلى بيت ثان ليطول الغناء فيه فنستمتع مدّة طويلة به! فقال له جعفر: قد أصبته. قال: من أين؟ قال: تبعث إلى أبي العتاهية فيلحقه به لقدرته على الشعر وسرعته. قال: هو أنكد من ذلك، لا يجيبنا وهو محبوس ونحن في نعيم وطرب. قال: بلى! فاكتب إليه حتى تعلم صحّة ما قلت لك. فكتب إليه بالقصّة وقال: ألحق لنا بالبيت بيتا ثانيا. فكتب إليه أبو العتاهية:
شغل المسكين عن تلك المحنفارق الرّوح وأخلى من بدن
ولقد كلّفت أمرا عجباأسأل التّفريح من بيت الحزن
فلمّا وصلت قال الرشيد: قد عرّفتك أنه لا يفعل. قال: فتخرجه حتى يفعل. قال: لا! حتى يشعر؛ فقد حلفت. فأقام أياما لا يفعل. قال: ثم قال أبو العتاهية لإبراهيم: إلى كم هذا نلاجّ الخلفاء! هلمّ أقل شعرا وتغنّ فيه. فقال أبو العتاهية:
بأبي من كان في قلبي لهمرّة حبّ قليل فسرق
يا بني العبّاس فيكم ملكشعب الإحسان منه تفترق
إنّما هارون خير كلّهمات كلّ الشرّمذ يوم خلق
وغنّى فيه إبراهيم. فدعا بهما الرشيد؛ فأنشده أبو العتاهية وغناه إبراهيم، فأعطى كلّ واحد منهما مائة ألف درهم ومائة ثوب.
حدّثني الصّوليّ بهذا الحديث عن الحسين بن يحيى عن عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، فقال فيه: غضب الرشيد على جارية له فحلف ألّا يدخل إليها أيّاما، ثم ندم فقال:
صدّ عنّي إذ رآني مفتتنوأطال الصّدّ لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكيإنّ هذا من أعاجيب الزّمن
وقال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد على هذين البيتين. فقال له: ليس غير أبي العتاهية. فبعث إليه فأجاب بالجواب المذكور، فأمر بإطلاقه وصلته. فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال:
عزّة الحبّ أرته ذلّتيفي هواه وله وجه حسن
ولهذا صرت مملوكا لهولهذا شاع ما بي وعلن
فقال: أحسنت واللّه وأصبت ما في نفسي! وأضعف صلته.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الهيثم بن عثمان قال حدّثني شبيب بن منصور قال: كنت في الموقف واقفا على باب الرشيد، فإذا رجل بشع الهيئة على بغل قد جاء فوقف، وجعل الناس يسلّمون عليه ويسائلونه ويضاحكونه، ثم وقف في الموقف، فأقبل الناس يشكون أحوالهم: فواحد يقول: كنت منقطعا إلى فلان فلم يصنع بي خيرا، ويقول آخر: أمّلت فلانا فخاب أملي وفعل بي، ويشكو آخر من حاله؛ فقال الرجل:
فتّشت ذي الدنيا فليس بهاأحد أراه لآخر حامد
حتّى كأنّ الناس كلّهمقد أفرغوا في قالب واحد
فسألت عنه فقيل: هو أبو العتاهية.
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلّاد عن أبيه عن عبد اللّه بن الحسن قال: أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما الخاسر:
تعالى اللّه يا سلّم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال
فقال المأمون: إنّ الحرص لمفسد للدّين والمروءة، واللّه ما عرفت من رجل قطّ حرصا ولا شرها فرأيت فيه مصطنعا. فبلغ ذلك سلما فقال: ويلي على المخنّث الجرّار الزنديق! جمع الأموال وكنزها وعبّأ البدور في بيته ثم تزهّد مراءاة ونفاقا، فأخذ يهتف بي إذا تصدّيت للطلب.
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ المؤدّب ومحمد بن عمران الصّيرفيّ قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن أحمد بن سليمان العتكيّ قال حدّثني العبّاس بن عبيد اللّه بن سنان بن عبد الملك بن مسمع قال: كنّا عند قثم بن جعفر بن سلمان وعنده أبو العتاهية ينشد في الزهد، فقال قثم: يا عبّاس، اطلب الساعة الجمّاز حيث كان، ولك عندي سبق. فطلبته فوجدته عند ركن دار جعفر بن سليمان، فقلت: أجب الأمير؛ فقام معي حتّى أتى قثم؛ فجلس في ناحية مجلسه وأبو العتاهية ينشده؛ فأنشأ الجمّاز يقول:
ما أقبح التّزهيد من واعظيزهّد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقاأضحى وأمسى بيته المسجد
يخاف أن تنفد أرزاقهوالرزق عند اللّه لا ينفد
والرزق مقسوم على من ترىيناله الأبيض والأسود
قال: فالتفت أبو العتاهية إليه فقال: من هذا؟ قالوا: هذا الجمّاز وهو ابن أخت سلّم الحاسر، اقتصّ لخاله منك. فأقبل عليه وقال: يا بن أخي، إني لم أذهب حيث ظننت ولا ظنّ خالك، ولا أردت أن أهتف به؛ وإنما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه، فاللّه يغفر لكما، ثم قام.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن أحمد بن خلف الشّمريّ عن أبيه قال: كنت عند مخارق، فجاء أبو العتاهية في يوم جمعة فقال: لي حاجة وأريد الصلاة؛ فقال مخارق: لا أبرح حتّى تعود. قال: فرجع وطرح ثيابه، وهي صوف، وغسل وجهه، ثم قال له: غنّني:
صوت
قال لي أحمد ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حبّا جرى في العروق عرقا فعرقا
فجذب مخارق دواة كانت بين يديه فأوقع عليها ثم غنّاه؛ فاستعاده ثلاث مرّات فأعاده عليه، ثم قام وهو يقول: لا يسمع واللّه هذا الغناء أحد فيفلح. وهذا الخبر رواية محمد بن القاسم بن مهرويه عنه.
وحدّثنا به أيضا في كتاب هارون بن عليّ بن يحيى عن ابن مهرويه عن ابن عمّار قال حدّثني أحمد بن يعقوب عن محمد بن حسّان الضّبّيّ قال حدّثنا مخارق قال: لقيني أبو العتاهية فقال: بلغني أنك خرّجت قولي:
قال لي أحمد ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فقلت نعم. فقال: غنّه. فملت معه إلى خراب، فيه قوم فقراء سكّان، فغنّيته إياه؛ فقال: أحسنت واللّه! منذ ابتدأت حتّى سكتّ؛ ثم قال لي: أما ترى ما فعل الملك بأهل هذا الخراب!
أخبرني جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال: قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، فقلت له: يا أبا إسحاق، أتنشدني قولك في تبخيلك الناس كلّهم؟ فضحك وقال لي: هاهنا؟ قلت نعم. فأنشدني:
إن كنت متّخذا خليلافتنقّ وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفافي الودّ فآبغ به بديلا
ولربّما سئل البخيل الشيء لا يسوى فتيلا
فيقول لا أجد السّبيل إليه يكره أن ينيلا
فلذاك لا جعل الإله له إلى خير سبيلا
فاضرب بطرفك حيث شئت فلن ترى إلّا بخيلا
فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق! فقال: فديتك! فأكذبنيّ بجواد واحد. فأحببت موافقته، فالتفتّ يمينا وشمالا ثم قلت: ما أجد. فقبّل بين عينيّ وقال: فديتك يا بنيّ! لقد رفقت حتى كدت تسرف.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق قال: كان أبو العتاهية لمّا نسك يقول لي: يا بنيّ، حدّثني؛ فإن ألفاظك تطرب كما يطرب غناؤك.
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ قال حدّثني أبو هفّان قال حدّثني موسى بن عبد الملك قال: كان أحمد بن يوسف صديقا لأبي العتاهية، فلمّا خدم المأمون وخصّ به، رأى منه أبو العتاهية جفوة، فكتب إليه:
أبا جعفر إنّ الشريف يشينهتتايهه على الأخلّاء بالوفر
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنىوأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
فإن نلت تيها بالذي نهلت من غنىفإنّ غناي في التجمّل والصبر
قال: فبعث إليه بألفي درهم، وكتب إليه يعتذر مما أنكره.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الكوفيّ قال حدّثني أبو جعفر المعبديّ قال: قلت لأبي العتاهية: أجز لي قول الشاعر:
وكان المال يأتينا فكنّانبذّره وليس لنا عقول
فلمّا أن تولّى المال عنّاعقلنا حين ليس لنا فضول
قال: فقال أبو العتاهية على المكان:
فقصّر ما ترى بالصّبر حقّافكلّ إن صبرت له مزيل
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني الحسن بن الفضل الزّعفرانيّ قال: حدّثني من سمع أبا العتاهية يقول لابنه وقد غضب عليه: اذهب فإنك ثقيل الظلّ جامد الهواء.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني يحيى بن خليفة الرّازيّ قال حدّثنا حبيب بن الجهم النّميريّ قال: حضرت الفضل بن الربيع متنجّزا جائزتي وفرضي، فلم يدخل عليه أحد قبلي، فإذا عون حاجبه قد جاء فقال: هذا أبو العتاهية يسلّم عليك وقد قدم من مكة؛ فقال: أعفني منه الساعة يشغلني عن ركوبي. فخرج إليه عون فقال: إنّه على الرّكوب إلى أمير المؤمنين. فأخرج من كمّه نعلا عليها شراك فقال: قل له إنّ أبا العتاهية أهداها إليك جعلت فداءك. قال: فدخل بها؛ فقال: ما هذه؟ فقال: نعل وعلى شراكها مكتوب كتاب. فقال: يا حبيب، اقرأ ما عليها فقرأته فإذا هو:
نعل بعثت بها ليلبسهاقرم بها يمشي إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرّكهاخدّي جعلت شراكها خدّي
فقال لحاجبه عون: احملها معنا، فحملها. فلمّا دخل على الأمين قال له: يا عبّاسيّ، ما هذه النّعل؟
فقال: أهداها إليّ أبو العتاهية وكتب عليها بيتين، وكان أمير المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لابسها. فقال: وما هما؟ فقرأهما. فقال: أجاد واللّه! وما سبقه إلى هذا المعنى أحد، هبوا له عشرة آلاف درهم. فأخرجت واللّه في بدرة وهو راكب على حماره، فقبضها وانصرف.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا إسماعيل بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثنا عمروس صاحب الطعام وكان جار أبي العتاهية، قال: كان أبو العتاهية من أقلّ الناس معرفة، سمعت بشرا المرّيسيّ يقول له: يا أبا إسحاق، لا تصلّ خلف فلان جارك وإمام مسجدكم؛ فإنه مشبّه. قال: كلّا! إنّه قرأ بنا البارحة في الصّلاة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
؛ وإذا هو يظنّ أنّ المشبّه لا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن يعقوب الهاشميّ قال حدّثني أبو شيخ منصور بن سليمان عن أبيه قال: كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية يشكو إليه ضيق القيد وغمّ الحبس؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
هي الأيّام والعبروأمر اللّه ينتظر
أتيأس أن ترى فرجافأين اللّه والقدر
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كنت أمشي مع أبي العتاهية يده في يدي وهو متكىء عليّ ينظر إلى الناس يذهبون ويجيئون، فقال: أما تراهم هذا يتيه فلا يتكلم، وهذا يتكلم بصلف! ثم قال لي: مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار وهو يخطر، فقال: يا بنيّ، لو خفّضت بعض هذه الخيلاء ألم يكن أحسن بك من هذه الشّهرة التي قد شهرت بها نفسك؟! فقال له الفتى: أو ما تعرف من أنا! فقال له: بلى! واللّه أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذينك حامل عذرة. قال: فأرخى الفتى أذنيه وكفّ عما كان يفعل وطأطأ رأسه ومشى مسترسلا. ثم أنشدني أبو العتاهية:
أيا واها لذكر اللّه يا واها له واها
لقد طيّب ذكر اللّه بالتسبيح أفواها
فيا أنتن من حشّعلى حشّ إذا تاها
أرى قوما يتيهونحشوشا رزقوا جاها
حدّثني اليزيديّ عن عمه إسماعيل بن محمد بن أبي محمد قال.
قلت لأبي العتاهية وقد جاءنا: يا أبا إسحاق، شعرك كلّه حسن عجيب، ولقد مرّت بي منذ أيام أبيات لك استحسنتها جدّا؛ وذلك أنها مقلوبة أيضا، فأواخرها كأنها رأسها، لو كتبها الإنسان إلى صديق له كتابا واللّه لقد كان حسنا أرفع ما يكون شعرا. قال: وما هي؟ قلت:
المرء في تأخير مدّتهكالثوب يخلق بعبد جدّته
وحياته نفس يعدّ لهووفاته استكمال عدّته
ومصيره من بعد مدّتهلبلى وذا من بعد وحدته
من مات مال ذوو مودّتهعنه وحالوا عن مودّته
أزف الرحيل ونحن في لعبما نستعدّ له بعدّته
ولقلّما تبقي الخطوب علىأشر الشّباب وحرّ وقدته
عجبا لمنتبه يضيّع مايحتاج فيه ليوم رقدته
قال اليزيديّ: قال عمّي وحدّثني الحسين بن الضحّاك قال: كنت مع أبي نواس فأنشدني أبياته التي يقول فيها:
يا بني النقص والغيروبني الضعف والخور
فلمّا فرغ منها قال لي: يا أبا عليّ، واللّه لكأنها من كلام صاحبك (يعني أبا العتاهية).
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني حذيفة بن محمد الطائيّ قال حدّثني أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ قال: حججت فرأيت أبا العتاهية واقفا على أعرابيّ في ظل ميل وعليه شملة إذا غطّى بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّى رجليه بدا رأسه. فقال له أبو العتاهية: كيف اخترت هذا البلد القفر على البلدان المخصبة؟ فقال له: يا هذا، لو لا أن اللّه أقنع بعض العباد بشرّ البلاد، ما وسع خير البلاد جميع العباد. فقال له: فمن أين معاشكم؟
فقال: منكم معشر الحاجّ، تمرّون بنا فننال من فضولكم، وتنصرفون فيكون ذلك. فقال له: إنما نمرّ وننصرف في وقت من السنة، فمن أين معاشكم؟ فأطرق الأعرابيّ ثم قال: لا واللّه لا أدري ما أقول إلا أنّا نرزق من حيث لا نحتسب أكثر مما نرزق من حيث نحتسب. فولّى أبو العتاهية وهو يقول:
ألا يا طالب الدّنيادع الدنيا لشانيكا
وما تصنع بالدنياوظلّ الميل يكفيكا
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: لمّا قال أبو العتاهية:
تعالى اللّه يا سلّم بن عمرأذلّ الحرص أعناق الرجال
قال سلم: ويلي على ابن الفاعلة! كنز البدور ويزعم أنّي حريص وأنا في ثوبيّ هذين!
أخبرني محمد بن مزيد والحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمرو بن أدعج قال:
مرّت اليوم شاطرهبضّة الجسم ساخره
إنّ دنيا هي التيمرّت اليوم سافره
سرقوا نصف اسمهافهي دنيا وآخره
فقال عبد اللّه بن عبد العزيز: وكله اللّه إلى آخرتها. قال: وما سمع بعد ذلك يتمثّل ببيت من شعره.
قال عليّ بن الحسين مؤلف هذا الكتاب: هذه الأبيات لأبي عيينة المهلّبيّ، وكان يشبّب بدنيا في شعره، فإما أن يكون الخبر غلطا، وإما أن يكون الرجل أنشدها العمريّ لأبي العتاهية وهو لا يعلم أنّها ليست له.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل قال: قال لي الحرمازيّ: شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس، وكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جوابا عند البديهة، وكان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر؛ فإذا تعاطيا جميعا السرعة فضله أبو العتاهية، وإذا توقّفا وتمهّلا فضله أبو نواس.
أخبرني أحمد بن العبّاس عن ابن عليل العنزيّ قال حدّثنا أبو أنس كثير بن محمد الحزاميّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار عن معروف العامليّ قال: قال أبو العتاهية: كنت منقطعا إلى صالح المسكين، وهو ابن أبي جعفر المنصور، فأصبت في ناحيته مائة ألف درهم، وكان لي ودودا وصديقا، فجئته يوما، وكان لي في مجلسه مرتبة لا يجلس فيها غيري، فنظرت إليه قد قصّر بي عنها، وعاودته ثانية فكانت حاله تلك، ورأيت نظره إليّ ثقيلا، فنهضت وقلت:
أراني صالح بغضافأظهرت له بغضا
ولا واللّه لا ينقض إلا زدته نقضا
وإلّا زدته مقتاوإلا زدته رفضا
ألا يا مفسد الودّوقد كان له محضا
تغضبت من الريحفما أطلب أن ترضى
لئن كان لك المال المصفى إنّ لي عرضا
قال أبو العتاهية: فنمي الكلام إلى صالح فنادى بالعداوة؛ فقلت فيه:
مددت لمعرض حبلا طويلاكأطول ما يكون من الحبال
حبال بالصّريمة ليس تفنىموصّلة على عدد الرمال
فلا تنظر إليّ ولا تردنيولا تقرب حبالك من حبالي
فليت الرّدم من يأجوج بينيوبينك مثبتا أخرى الليالي
فكرش إن أردت لنا كلاماونقطع قحف رأسك بالقذال
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن سليمان النّوفليّ قال: قال مساور السبّاق، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير عن مساور السبّاق قال: شهدت جنازة في أيّام الحاجّ وقت خروج الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن المقتول بفخّ، فرأيت رجلا قد حضر الجنازة معنا وقد قال لآخر: هذا الرجل الذي صفته كذا وكذا أبو العتاهية.
فالتفت إليه فقلت له: أنت أبو العتاهية؟ فقال: لا، أنا أبو إسحاق. فقلت له: أنشدني شيئا من شعرك؛ فقال لي: ما أحمقك! نحن على سفر وعلى شفير قبر، وفي أيام العشر، وببلدكم هذا تستنشدني الشعر! ثم أدبر عنّي ثم عاد إليّ فقال: وأخرى أزيدكها، لا واللّه ما رأيت في بني آدم قطّ أسمج منك وجها! قال النوفليّ في خبره: وصدق أبو العتاهية، كان مساور هذا مقبّحا طويل الوجه كأنّه ينظر في سيف.
أخبرني عمّي الحسن بن محمد وجحظة قالا حدّثنا ميمون بن هارون قال: قدم أبو العتاهية يوما منزل يحيى بن خاقان، فلمّا قام بادر له الحاجب فانصرف. وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل، فسلّم عليه ودخل إلى منزله ولم يأذن له؛ فأخذ قرطاسا وكتب إليه:
أراك تراع حين ترى خياليفما هذا يروعك من خيالي
لعلّك خائف منّي سؤالألا فلك الأمان من السؤال
كفيتك إنّ حالك لم تمل بيلأطلب مثلها بدلا بحالي
وإنّ اليسر مثل العسر عنديبأيّهما منيت فلا أبالي
فلمّا قرأ الرّقعة أمر الحاجب بإدخاله إليه، فطلبه فأبى أن يرجع معه، ولم يلتقيا بعد ذلك.
أخبرني عبد اللّه بن محمد الرّازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث قال حدّثنا المدائنيّ قال: اجتمع أبو نواس وأبو الشّمقمق في بيت ابن أذين، وكان بين أبي العتاهية وبين أبي الشّمقمق شرّ، فخّبؤه من أبي العتاهية في بيت. ودخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فظنّ أنّه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه الجارية؟ فقال: قريبا يا أبا إسحاق، فقال: قل فيها ما حضر؛ فمدّ أبو العتاهية يده إليه وقال:
مددت كفّي نحوكم سائلاماذا تردّون على السائل
فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت:
نردّ في كفّك ذا فيشةيشفي جوى في استك من داخل
فقال أبو العتاهية: شمقمق واللّه! وقام مغضبا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني سليمان بن عبّاد قال حدّثنا سليمان بن مناذر قال: كنّا عند جعفر بن يحيى وأبو العتاهية حاضر في وسط المجلس؛ فقال أبو العتاهية لجعفر: جعلني اللّه فداك!
معكم شاعر يعرف بابن أبي أميّة أحبّ أن أسمعه ينشد؛ فقال له جعفر: هو أقرب الناس منك. فأقبل أبو العتاهية على محمد، وكان إلى جانبه، وسأله أن ينشده، فكأنّه حصر ثم أنشده:
صوت
ربّ وعد منك لا أنساه ليأوجب الشكر وإن لم تفعل
أقطع الدهر بوعد حسنوأجلّي غمرة ما تنجلي
كلّما أمّلت وعدا صالحاعرض المكروه دون الأمل
وأرى الأيّام لا تدني الذيأرتجي منك وتدني أجلي
- في هذه الأبيات لأبي حبشة رمل - قال: فأقبل أبو العتاهية يردّد البيت الأخير ويقبّل رأس ابن أبي أميّة ويبكي، وقال: وددت واللّه أنّه لي بكثير من شعري.
أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: كانت لأبي العتاهية بنتان، اسم إحداهما «للّه»، والأخرى «باللّه»؛ فخطب منصور بن المهديّ «للّه» فلم يزوّجه، وقال: إنما طلبها لأنّها بنت أبي العتاهية، وكأنّي بها قد ملّها، فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوّجها إلا بائع خزف وجرار، ولكنّي أختاره لها موسرا.
وكان لأبي العتاهية ابن يقال له محمد وكان شاعرا، وهو القائل:
قد أفلح السّالم الصّموتكلام راعي الكلام قوت
ما كلّ نطف له جوابجواب ما يكره السّكوت
يا عجبا لامرىء ظلوممستيقن أنّه يموت
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثنا زكريّا بن الحسين عن عبد اللّه بن الحسن بن سهل الكاتب قال: قلت لأبي العتاهية: أنشدني من شعرك ما تستحسن، فأنشدني:
ما أسرع الأيّام في الشّهروأسرع الأشهر في العمر
صوت
ليس لمن ليست له حيلةموجودة خير من الصّبر
فاخط مع الدهر إذا ما خطاواجر مع الدهر كما يجري
من سابق الدهر كبا كبوةلم يستقلها آخر الدهر
لإبراهيم في هذه الأبيات خفيف ثقيل وثقيل أوّل.
قال عبد اللّه بن الحسن: وسمعت أبا العتاهية يحدّث قال: ما زال الفضل بن الربيع من أميل النّاس إليّ، فلمّا رجع من خراسان بعد موت الرشيد دخلت إليه، فاستنشدني فأنشدته:
أفنيت عمرك إدبارا وإقبالاتبغي البنين وتبغي الأهل والمالا
الموت هول فكن ما شئت ملتمسامن هوله حيلة إن كنت محتالا
ألم تر الملك الأمسيّ حين مضىهل نال حيّ من الدنيا كما نالا
أفناه من لم يزل يفني القرون فقدأضحى وأصبح عنه الملك قد زالا
كم من ملوك مضى ريب الزمان بهمفأصبحوا عبرا فينا وأمثالا
فاستحسنها وقال: أنت تعرف شغلي، فعد إليّ في وقت فراغي اقعد معك وآنس بك. فلم أزل أراقب أيّامه حتى كان يوم فراغه فصرت إليه؛ فبينما هو مقبل عليّ يستنشدني ويسألني فأحدّثه، إذ أنشدته:
ولّى الشباب فما له من حيلةوكسا ذؤابتي المشيب حمارا
أين البرامكة الذين عهدتهمبالأمس أعظم أهلها أخطارا
فلمّا سمع ذكرى البرامكة تغيّر لونه ورأيت الكراهية في وجهه، فما رأيت منه خيرا بعد ذلك.
قال: وكان أبو العتاهية يحدّث هذا الحديث ابن الحسن بن سهل؛ فقال له: لئن كان ذلك ضرّك عند الفضل بن الربيع لقد نفعك عندنا؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب وأجرى له كلّ شهر ثلاثة آلاف درهم، فلم يزل يقبلها دارّة إلى أن مات.
قال عبد اللّه بن الحسن بن سهل: وسمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لي أخي مجاشع: بينما أنا في بيتي إذ جاءتني رقعة من أبي العتاهية فيها:
خليل لي أكاتمهأراني لا ألائمه
خليل لا تهبّ الرّيح إلّا هبّ لائمه
كذا من نال سلطاناومن كثرت دراهمه
قال: فبعثت إليه فأتاني، فقلت له: أما رعيت حقّا ولا ذماما ولا مودّة! فقال لي: ما قلت سوءا. قلت: فما حملك على هذا؟ قال: أغيب عنك عشرة أيّام فلا تسأل عنّي ولا تبعث إليّ رسولا! فقلت: يا أبا إسحاق، أنسيت قولك:
يأبى المعلّق بالمنىإلّا رواحا وادّلاجا
ارفق فعمرك عود ذيأود رأيت به اعوجاجا
من عاج من شيء إلىشيء أصاب له معاجا
فقال: حسبك! حسبك! أوسعتني عذرا.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ الزّارع قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عمران بن عبد الصّمد الزّارع قال حدّثنا ابن عائشة قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: شعرك مهجّن لا يلحق بالفحول، وأنت خارج عن طبقة المحدثين. فإن كنت تشّبهت بالعجّاج ورؤبة فما لحقتهما ولا أنت في طريقهما، وإن كنت تذهب مذهب المحدثين فما صنعت شيئا.
أخبرني عن قولك:
ومن عاداك لاقى المرمريسا
أخبرني عن المرمريس ما هو؟ قال: فخجل ابن مناذر وما راجعه حرفا. قال: وكان بينهما تناغر.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى قال حدّثني الحسين بن إسماعيل المهديّ قال حدّثني رجاء بن سلمة قال: وجد المأمون عليّ في شيء، فاستأذنته في الحجّ فأذن لي، فقدمت البصرة وعبيد اللّه بن إسحاق بن الفضل الهاشميّ عليها وإليه أمر الحجّ، فزاملته إلى مكة. فبينا نحن في الطّواف رأيت أبا العتاهية، فقلت لعبيد اللّه: جعلت فداك! أتحبّ أن ترى أبا العتاهية؟ فقال: واللّه إنّي لأحبّ أن أراه وأعاشره. قلت: فافرغ من طوافك واخرج، ففعل. فأخذت بيد أبي العتاهية فقلت له: يا أبا إسحاق، هل لك في رجل من أهل البصرة شاعر أديب ظريف؟
قال: وكيف لي بذلك؟ فأخذت بيده فجئت به إلى عبيد اللّه، وكان لا يعرفه، فتحدّثا ساعة، ثم قال له أبو العتاهية: هل لك في بيتين تجيزهما؟ فقال له عبيد اللّه: إنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ. فقال له: لا نرفث ولا نفسق ولا نجادل. فقال: هات إذا. فقال أبو العتاهية:
إنّ المنون غدوّها ورواحهافي الناس دائبة تجيل قداحها
يا ساكر الدنيا لقد أوطنتهاولتنزحنّ وإن كرهت نزاحها
فأطرق عبيد اللّه ينظر إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه فقال:
خذ لا أبالك للمنيّة عدّةواحتل لنفسك إن أردت صلاحها
لا تغترر فكأنّني بعقاب ريب الموت قد نشرت عليك جناحها
قال: ثم سمعت الناس ينحلون أبا العتاهية هذه الأربعة الأبيات كلّها، وليس له إلّا البيتان الأوّلان.
أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا ميمون بن هارون قال حدّثني إبراهيم بن رباح قال أخبرني إبراهيم بن عبد اللّه، وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هارون بن مخارق قال حدّثني إبراهيم بن دسكرة، وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: قال أبو العتاهية: حبسني الرشيد لمّا تركت قول الشعر، فأدخلت السجن وأغلق الباب عليّ، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال، وإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيّد، فجعلت أنظر إليه ساعة، ثم تمثّل:
صوت
تعوّدت مرّ الصبر حتى ألفتهوأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيّرني يأسي من النّاس راجيالحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري
فقلت له: أعد، يرحمك اللّه، هذين البيتين. فقال لي: ويلك أبا العتاهية! ما أسوأ أدبك وأقلّ عقلك! دخلت عليّ الحبس فما سلّمت تسليم المسلم على المسلم، ولا سألت مسألة الحرّ للحرّ، ولا توجّعت توجّع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضل فيك غيره، لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدّم قبل مسألتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما! فقلت: يا أخي إنّي دهشت لهذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضّلا بذلك. فقال: أنا واللّه أولى بالدّهش والحيرة منك؛ لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت وبلغت، فإذا قلت أمّنت، وأنا مأخوذ بأن أدلّ على ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليقتل أو أقتل دونه، وو اللّه لا أدلّ عليه أبدا، والساعة يدعى بي فأقتل، فأيّنا أحقّ بالدّهش؟ فقلت له: أنت واللّه أولى، سلّمك اللّه وكفاك، ولو علمت أنّ هذه حالك ما سألتك.
قال: فلا نبخل عليك إذا، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما. قال: فسألته من هو؟ فقال: أنا خاصّ داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. ولم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرّه، ولبس ثوبا نظيفا كان عنده، ودخل الحرس والجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا، وقدّم قبلي إلى الرشد. فسأله عن أحمد بن عيسى؛ فقال: لا تسألني عنه واصنع ما أنت صانع، فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه. وأمر بضرب عنقه فضرب. ثم قال لي: أظنّك قد ارتعت يا إسماعيل! فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس. فقال: ردّوه إلى محبسه فرددت، وانتحلت هذين البيتين وزدت فيهما:
إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّ ماتكرّهت منه طال عتبي على الدهر
لزرزور غلام المارقيّ في هذين البيتين المذكورين خفيف رمل. وفيهما لعريب خفيف ثقيل.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني ناجية بن عبد الواحد قال: قال لي أبو العبّاس الخزيميّ: كان أبو العتاهية خلفا في الشعر، بينما هو يقول في موسى الهادي:
لهفي على الزمن القصيربين الخورنق والسّدير
إذ قال:
أيا ذوي الوخامهأكثرتم الملامه
فليس لي على ذاصبر ولا قلامه
نعم عشقت موقاهل قامت القيامه
لأركبنّ فيمنهويته الصّرامه
ونسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني أحمد بن عيسى قال حدّثني الجمّاز قال: قال سلّم الخاسر: صار إليّ أبو العتاهية فقال: جئتك زائرا؛ فقلت: مقبول منك ومشكور أنت عليه، فأقم.
فقال: إنّ هذا مما يشتدّ عليّ. قلت: ولم يشتدّ عليك ما يسهل على أهل الأدب؟ فقال: لمعرفتي بضيق صدرك.
فقلت له وأنا أضحك وأعجب من مكابرته: «رمتني بدائها وانسلّت». فقال: دعني من هذا واسمع منّي أبياتا.
فقلت: هات؛ فأنشدني:
نغّص الموت كلّ لذّة عيشيا لقومي للموت ما أوحاه
عجبا أنّه إذا مات ميتصدّ عنه حبيبه وجفاه
حيثما وجّه امرؤ ليفوت الموت فالموت واقف بحذاه
إنّما الشّيب لابن آدم ناعقام في عارضيه ثم نعاه
من تمنّى المنى فأغرق فيهامات من قبل أن ينال مناه
ما أذلّ المقلّ في أعين النّاس لإقلاله وما أقماه
إنما تنظر العيون من الناس إلى من ترجوه أو تخشاه
ثم قال لي: كيف رأيتها؟ فقلت له: لقد جوّدتها لو لم تكن ألفاظها سوقيّة. فقال: واللّه ما يرغّبنيّ فيها إلّا الذي زهّدك فيها.
ونسخت من كتابه: عن عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد اللّه بن عطيّة عن محمد بن عيسى الحربيّ قال: كنت جالسا مع أبي العتاهية، إذ مرّ بنا حميد الطّوسيّ في موكبه وبين يديه الفرسان والرّجّالة، وكان بقرب أبي العتاهية سواديّ على أتان، فضربوا وجه الأتان ونحّوه عن الطريق، وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لا يلتفت تيها؛ فقال أبو العتاهية:
للموت أبناء بهمما شئت من صلف وتيه
وكأنّني بالموت قددارت رحاه على بنيه
قال: فلمّا جاز حميد مع صاحب الأتان قال أبو العتاهية:
ما أذلّ المقلّ في أعين الناس لإقلاله وما أقماه
إنما تنظر العيون من الناس إلى من ترجوه أو تخشاه
قال عليّ بن مهديّ وحدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: قيل لأبي العتاهية: مالك تبخل بما رزقك اللّه؟ قال: واللّه ما بخلت بما رزقني اللّه قطّ. قيل له: وكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا يحصى؟ قال: ليس ذلك رزقي، ولو كان رزقي لأنفقته.
قال عليّ بن مهديّ وحدّثني محمد بن جعفر الشّهرزوريّ قال حدّثني رجاء مولى صالح الشّهرزوريّ قال: كان أبو العتاهية صديقا لصالح الشهرزوريّ وآنس الناس به، فسأله أن يكلّم الفضل بن يحيى في حاجة له؛ فقال له صالح: لست أكلّمه في أشباه هذا، ولكن حمّلني ما شئت في مالي. فانصرف عنه أبو العتاهية وأقام أيّاما لا يأتيه؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
أقلل زيارتك الصديق ولا تطلإتيانه فتلجّ في هجرانه
إنّ الصديق يلجّ في غشيانهلصديقه فيملّ من غشيانه
حتّى تراه بعد طول مسرّةبمكانه متبرّما بمكانه
وأقلّ ما يلفى الفتى ثقلا علىإخوانه ما كفّ عن إخوانه
وإذا توانى عن صيانة نفسهرجل تنقص واستخفّ بشانه
فلمّا قرأ الأبيات قال: سبحان اللّه! أتهجرني لمنعي إيّاك شيئا تعلم أنّي ما ابتذلت نفسي له قطّ، وتنسى مودّتي وأخوّتي، ومن دون ما بيني وبينك ما أوجب عليك أن تعذرني! فكتب إليه:
أهل التّخلّق لو يدوم تخلّقلسكنت ظلّ جناح من يتخلّق
ما الناس في الإمساك إلا واحدفبأيّهم إن حصّلوا أتعلّق
هذا زمان قد تعوّد أهلهتيه الملوك وفعل من يتصدّق
فلمّا أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى وحدّثه بالحديث؛ فقال له: لا واللّه ما على الأرض أبغض إليّ من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية؛ لأنه ممن ليس يظهر عليه أثر صنيعة، وقد قضيت حاجته لك؛ فرجع وأرسلني إليه بقضاء حاجته. فقال أبو العتاهية:
جزى اللّه عنّي صالحا بوفائهوأضعف أضعافا له في جزائه
بلوت رجالا بعده في إخائهمفما ازددت إلّا رغبة في إخائه
صديق إذا ما جئت أبغيه حاجةرجعت بما أبغي ووجهي بمائه
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني أحمد بن حرب قال: أنشدني محمد بن أبي العتاهية لأبيه يعاتب صالحا هذا في تأخيره قضاء حاجته:
صوت
أعينيّ جودا وابكيا ودّ صالحوهيجا عليه معولات النّوائح
فما زال سلطانا أخ لي أودّهفيقطعني جرما قطيعة صالح
الغناء في هذين البيتين لإبراهيم ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.
أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه قال: كان الرشيد معجبا بشعر أبي العتاهية، فخرج إلينا يوما وفي يده رقعتان على نسخة واحدة، فبعث بإحداهما إلى مؤدّب لولده وقال: ليروّهم ما فيها، ودفع الأخرى إليّ وقال: غنّ في هذه الأبيات. ففتحتها فإذا فيها:
صوت
قل لمن ضنّ بودّهوكوى القلب بصدّه
ما ابتلى اللّه فؤاديبك إلّا شؤم جدّه
أيّها السارق عقليلا تضنّنّ بردّه
ما أرى حبّك إلّابالغا بي فوق حدّه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الأمويّ العتبيّ قال قال لي محمد بن عبد الملك الزيّات: لمّا أحسّ المعتصم بالموت قال لابنه الواثق: ذهب واللّه أبوك يا هارون! للّه درّ أبي العتاهية حيث يقول:
الموت بين الخلق مشتركلا سوقة يبقى ولا ملك
ما ضرّ أصحاب القليل وماأغنى عن الأملاك ما ملكوا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ وعمّي الحسن والكوكبيّ قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: قال لي أبو تمام الطائيّ: لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد، ولا قدر على مثلها متقدّم ولا متأخّر، وهو قوله:
الناس في غفلاتهمورحى المنيّة تطحن
وقوله لأحمد بن يوسف:
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنىوأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
وقوله في موسى الهادي:
ولمّا استقلّوا بأثقالهموقد أزمعوا للّذي أزمعوا
قرنت التفاتي بآثارهموأتبعتهم مقلة تدمع
وقوله:
هب الدنيا تصير إليك عفواأليس مصير ذاك إلى زوال
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن سعيد المهديّ عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال: مات شيخ لنا ببغداد، فلمّا دفنّاه أقبل الناس على أخيه يعزّونه، فجاء أبو العتاهية إليه وبه جزع شديد، فعزّاه ثم أنشده:
لا تأمن الدّهر والبسلكلّ حين لباسا
ليدفنّنا أناسكما دفنّا أناسا
قال: فانصرف الناس، وما حفظوا غير قول أبي العتاهية.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني حبيب بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه: قال: كنت في مجلس خزيمة، فجرى حديث ما يسفك من الدماء، فقال: واللّه ما لنا عند اللّه عذر ولا حجّة إلّا رجاء عفوه ومغفرته. ولو لا عزّ السلطان وكراهة الذلّة، وأن أصير بعد الرياسة سوقة وتابعا بعد ما كنت متبوعا، ما كان في الأرض أزهد ولا أعبد منّي؛ فإذا هو بالحاجب قد دخل عليه برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب:
أراك امرأ ترجو من اللّه عفوهوأنت على ما لا يحبّ مقيم
تدلّ على التقوى وأنت مقصّرأيا من يداوي الناس وهو سقيم
وإنّ امرأ لم يلهه اليوم عن غدتخوّف ما يأتي به لحكيم
وإنّ امرأ لم يجعل البرّ كنزهوإن كانت الدنيا له لعديم
فغضب خزيمة وقال: واللّه ما المعروف عند هذا المعتوه الملحف من كنوز البرّ فيرغب فيه حرّ. فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: لأنّه من الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه.
ونسخت من كتابه: عن عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال قال لي الفضل بن العبّاس: قال لي أبو العتاهية: دخلت على يزيد بن مزيد، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:
وما ذاك إلّا أنّني واثق بمالديك وأنّي عالم بوفائكا
كأنّك في صدري إذا جئت زائراتقدّر فيه حاجتي بابتدائكا
وإنّ أمير المؤمنين وغيرهليعلم في الهيجاء فضل غنائكا
كأنّك عند الكرّ في الحرب إنّماتفرّ من السّلم الذي من ورائكا
فما آفة الأملاك غيرك في الوغىولا آفة الأموال غير حبائكا
قال: فأعطاني عشرة آلاف درهم، ودابة بسرجها ولجامها… وعظ راهب رجلا عابدا بشعره: وأخبرني عيسى بن الحسين الورّاق وعمّي الحسن بن محمد وحبيب بن نصر المهلّبي قالوا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: مرّ عابد براهب في صومعة؛ فقال له: عظني. فقال: أعظك وعليكم نزل القرآن، ونبيّكم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قريب العهد بكم؟ قلت نعم. قال: فأتّعظ ببيت من شعر شاعركم أبي العتاهية حين يقول:
تجرّد من الدنيا فإنّك إنّماوقعت إلى الدنيا وأنت مجرّد
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني الفضل بن محمد الزّارع قال حدّثني جعفر بن جميل قال: قدم العتّابي الشاعر على المأمون، فأنزله على إسحاق بن إبراهيم، فأنزله على كاتبه ثوابة بن يونس، وكنّا نختلف إليه نكتب عنه. فجرى ذات يوم ذكر الشعراء؛ فقال: لكم يا أهل العراق شاعر منوّه الكنية، ما فعل؟ فذكر القوم أبا نواس؛ فانتهرهم ونفض يده وقال: ليس ذلك، حتى طال الكلام. فقلت: لعلّك تريد أبا العتاهية. فقال: نعم! ذاك أشعر الأوّلين والآخرين في وقته.
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني محمد بن إسحاق عن عليّ بن عبد اللّه الكنديّ قال: جلس أبو العتاهية يوما يعذل أبا نواس ويلومه في استماع الغناء ومجالسته لأصحابه؛ فقال له أبو نواس:
أتراني يا عتاهيتاركا تلك الملاهي
أتراني مفسدا بالنّسك عند القوم جاهي
قال: فوثب أبو العتاهية وقال: لا بارك اللّه عليك! وجعل أبو نواس يضحك.
أخبرني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال: بلغ أبا العتاهية أنّ أبي رماه في مجلسه بالزندقة وذكره بها؛ فبعث إليه يعاتبه على لسان إسحاق الموصلي، فأدّى إليه إسحاق الرسالة؛ فكتب إليه أبي:
إنّ المنيّة أمهلتك عتاهيوالموت لا يسهو وقلبك ساهي
يا ويح ذي السنّ الضعيف أمالهعن غيّه قبل الممات تناهي
وكّلت بالدنيا تبكّيها وتندبها وأنت عن القيامة لاهي
والعيش حلو والمنون مريرةوالدّار دار تفاخر وتباهى فاختر
لنفسك دونها سبلا ولاتتحامقنّ لها فإنّك لاهي
لا يعجبنّك أن يقال مفوّهحسن البلاغة أو عريض الجاه
أصلح جهولا من سريرتك الّتيتخلو بها وارهب مقام اللّه
إنّي رأيتك مظهرا لزهادةتحتاج منك لها إلى أشباه
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى الصوليّ قال حدّثني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قال:
صوت
أحمد قال لي ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حببّا جرى في العروق عرقا فعرقا
لو تجسّين يا عتيبة قلبيلوجدت الفؤاد قرحا تفقّا
قد لعمري ملّ الطبيب وملّالأهل منّي مما أقاسي وألقى
ليتني متّ فاسترحت فإنّيأبدا ما حييت منها ملقّى
ولا سيما من مخارق، وكان يغنّي فيه رملا لإبراهيم أخذه عنه. وفيه لحن لفريدة رمل. هكذا قال الصّولي: «فريدة» بالياء، وغيره يقول: «فرندة» بالنون.
حدّثني الصّولي قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا محمد بن صالح العدويّ قال أخبرني أبو العتاهية قال: كان الرشيد مما يعجبه غناء الملّاحين في الزّلّالات إذا ركبها، وكان يتأذّى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنّون فيه. فقيل له: ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس. قال: فوجّه إليّ الرشيد: قل شعرا حتّى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقي؛ فغاظني ذلك فقلت: واللّه لأقولنّ شعرا يحزنه ولا يسرّ به، فعملت شعرا ودفعته إلى من حفّظه الملّاحين. فلمّا ركب الحرّاقة سمعه، وهو:
خانك الطّرف الطّموحأيّها القلب الجموح
لدواعي الخير والشّرّ دنوّ ونزوح
هل لمطلوب بذنبتوبة منه نصوح
كيف إصلاح قلوبإنّما هنّ قروح
أحسن اللّه بناأنّ الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منّابين ثوبيه نضوح
كم رأينا من عزيزطويت عنه الكشوح
صاح منه برحيلصائح الدّهر الصّدوح
موت بعض الناس في الأرض على قوم فتوح
سيصير المرء يوماجسدا ما فيه روح
بين عيني كلّ حيّعلم الموت يلوح
كلّنا في غفلة والموت يغدو ويروح
لبني الدّنيا من الدّنيا غبوق وصبوح
رحن في الوشى وأصبحن عليهنّ المسوح
كلّ نطّاح من الدّهر له يوم نطوح
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
لتموتنّ وإن عمّرت ما عمّر نوح
قال: فلمّا سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، وأشدّهم عسفا في وقت الغضب والغلظة. فلمّا رأى الفضل بن الرّبيع كثرة بكائه، أومأ إلى الملّاحين أن يسكتوا.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسن بن جابر كاتب الحسن بن رجاء قال: لمّا حبس الرشيد أبا العتاهية دفعه إلى منجاب، فكان يعنف به؛ فقال أبو العتاهية:
منجاب مات بدائهفاعجل له بدوائه
إنّ الإمام أعلّهظلما بحدّ شقائه
لا تعنفنّ سياقهما كلّ ذاك برائه
ما شمت هذا في مخايل بارقات سمائه
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني أحمد بن معاوية القرشيّ قال: لمّا عقد الرشيد ولاية العهد لبنيه الثلاثة: الأمين، والمأمون، والمؤتمن، قال أبو العتاهية:
رحلت عن الرّبع المحيل قعوديإلى ذي زحوف جمّة وجنود
وراع يراعي اللّيل في حفظ أمّةيدافع عنها الشرّ غير رقود
بألوية جبريل يقدم أهلهاورايات نصر حوله وبنود
تجافى عن الدّنيا وأيقن أنّهامفارقة ليست بدار خلود
وشدّ عرا الإسلام منه بفتيةثلاثة أملاك ولاة عهود
هم خير أولاد، لهم خير والدله خير آباء مضت وجدود
بنو المصطفى هارون حول سريرهفخير قيام حوله وقعود
تقلّب ألحاظ المهابة بينهمعيون ظباء في قلوب أسود
جدودهم شمس أتت في أهلّةتبدّت لراء في نجوم سعود
قال: فوصله الرشيد بصلة ما وصل بمثلها شاعرا قطّ.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ إجازة قال حدّثني الرّياشيّ قال: قدم رسول لملك الرّوم إلى الرشيد، فسأل عن أبي العتاهية وأنشده شيئا من شعره، وكان يحسن العربيّة، فمضى إلى ملك الرّوم وذكره له؛ فكتب ملك الرّوم إليه، وردّ رسوله يسأل الرشيد أن يوجّه بأبي العتاهية ويأخذ فيه رهائن من أراد، وألحّ في ذلك. فكلّم الرشيد أبا العتاهية في ذلك، فاستعفى منه وأباه. واتّصل بالرشيد أنّ ملك الرّوم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه وباب مدينته، وهما:
صوت
ما اختلف اللّيل والنّهار ولادارت نجوم السماء في الفلك
إلّا لنقل السّلطان عن ملكقد انقضى ملكه إلى ملك
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا الرّبيع بن محمد الختّليّ الورّاق قال أخبرني ابن أبي العتاهية: أنّ الرشيد لمّا أطلق أباه من الحبس، لزم بيته وقطع الناس؛ فذكره الرشيد فعرّف خبره، فقال: قولوا له: صرت زير نساء وحلس بيت؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
برمت بالنّاس وأخلاقهمفصرت أستأنس بالوحده
ما أكثر النّاس لعمري وماأقلّهم في منتهى العدّه
ثم قال: لا ينبغي أن يمضي شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له، فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها، وهي:
صوت
عاد لي من ذكرها نصبفدموع العين تنسكب
وكذاك الحبّ صاحبهيعتريه الهمّ والوصب
خير من يرجى ومن يهبملك دانت له العرب
وحقيق أن يدان لهمن أبوه للنّبيّ أب
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا عون بن محمد قال حدّثنا محمد بن أبي العتاهية قال: قال الرشيد لأبي: عظني؛ فقال له: أخافك. فقال له: أنت آمن. فأنشده:
لا تأمن الموت في طرف ولا نفسإذا تستّرت بالأبواب والحرس
واعلم بأنّ سهام الموت قاصدةلكلّ مدّرع منّا ومتّرس
ترجو النجاة ولم تسلك طريقتهاإنّ السفينة لا تجري على اليبس
قال: فبكى الرشيد حتى بل كمّه.
حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: قال لي أحمد بن أبي فنن: تناظرت أنا والفتح بن خاقان في منزله: أيّما الرجلين أشعر: أبو نواس أم أبو العتاهية. فقال الفتح: أبو نواس، وقلت: أبو العتاهية. ثم قلت: لو وضعت أشعار العرب كلّها بإزاء شعر أبي العتاهية لفضلها، وليس بيننا خلاف في أنّ له في كلّ قصيدة جيّدا ووسطا وضعيفا، فإذا جمع جيّده كان أكثر من جيّد كلّ مجوّد. ثم قلت له: بمن ترضى؟ قال: بالحسين بن الضحّاك. فما انقطع كلامنا حتّى دخل الحسين بن الضحّاك؛ فقلت: ما تقول في رجلين تشاجرا، فضّل أحدهما أبا نواس وفضّل الآخر أبا العتاهية؟ فقال الحسين: أمّ من فضّل أبا نواس على أبي العتاهية زانية؛ فخجل الفتح حتى تبيّن ذلك فيه، ثم لم يعاودني في شيء من ذكرهما حتّى افترقنا.
وقد حدّثني الحسن بن محمد بهذا الخبر على خلاف ما ذكره إبراهيم بن المهديّ فيما تقدّم، فقال: حدّثني هارون بن مخارق قال حدّثني أبي قال: جاءني أبو العتاهية فقال: قد عزمت على أن أتزوّد منك يوما تهبه لي، فمتى تنشط؟ فقلت: متى شئت.
فقال: أخاف أن تقطع بي. فقلت: واللّه لا فعلت وإن طلبني الخليفة. فقال: يكون ذلك في غد. فقلت: أفعل.
فلمّا كان من غد باكرني رسوله فجئته، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخلّ وبقل وملح وجدي مشويّ فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشويّ فأصبنا منه حتى اكتفينا، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا، وجاؤونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك منّها؛ فاخترت وشربت؛ وصبّ قدحا ثم قال: غنّني في قولي:
أحمد قال لي ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فغنّيته، فشرب قدحا وهو يبكي أحرّ بكاء. ثم قال: غنّني في قولي:
ليس لمن ليست له حيلةموجودة خير من الصّبر
فغنّيته وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحا آخر ثم قال: غنّني، فديتك، في قولي:
خليليّ ما لي لا تزال مضرّتيتكون مع الأقدار ختما من الحتم
فغنّيته إيّاه. وما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه ويشرب ويبكي حتى صار العتمة. فقال: أحبّ أن تصبر حتّى ترى ما أصنع فجلست. فأمر ابنه وغلامه فكسرا كلّ ما بين أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النّبيذ وآلته، فأخرج جميعه، فما زال يكسره ويصبّ النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل، ثم لبس ثيابا بيضا من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيبي وفرحي من الناس كلّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛ وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا؛ فظننت أنّها بعض حماقاته، فانصرفت، وما لقيته زمانا. ثم تشوّقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب الأخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السّراويل. فلمّا رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه والوحشة لعشرته، وضحكت واللّه ضحكا ما ضحكت مثله قطّ. فقال: من أيّ شيء تضحك؟ فقلت: أسخن اللّه عينك! هذا أيّ شيء هو؟ من بلغك عنه أنّه فعل مثل هذا من الأنبياء والزّهّاد والصحابة والمجانين، انزع عنك هذا يا سخين العين! فكأنه استحيا منّي. ثم بلغني أنّه جلس حجّاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره. ثم مرض، فبلغني أنه اشتهى أن أغنّيه، فأتيته عائدا، فخرج إليّ رسوله يقول: إن دخلت إليّ جدّدت لي حزنا وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك اللّه وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به.
حدّثني جحظة قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: قيل لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنّيني.
سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتيويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عنّي من الدّهر مدّتيفإنّ غناء الباكيات قليل
وأخبرني به أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطّاح قال: قال بشر بن الوليد لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟ فذكر مثل الأوّل.
وأخبرني به ابن عمّار أبو العبّاس عن ابن أبي سعد عن محمد بن صالح: أنّ بشرا قال ذلك لأبي العتاهية عند الموت، فأجابه بهذا الجواب.
نسخت من كتاب هارون بن عليّ: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد اللّه بن عطيّة قال حدّثني محمد بن أبي العتاهية قال: آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه:
إلهي لا تعذّبني فإنّيمقرّ بالّذي قد كان منّي
فما لي حيلة إلّا رجائيلعفوك إن عفوت وحسن ظنّي
وكم من زلة لي في الخطاياوأنت عليّ ذو فضل ومنّ
إذا فكّرت في ندمي عليهاعضضت أناملي وقرعت سنّي
اجنّ بزهرة الدّنيا جنوناوأقطع طول عمري بالتمنّي
ولو أنّي صدقت الزّهد عنهاقلبت لأهلها ظهر المجنّ
يظنّ الناس بي خيرا وإنّيلشرّ الخلق إن لم تعف عنّي
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثني أحمد بن حمزة الضّبعيّ قال أخبرني أبو محمد المؤدّب قال: قال أبو العتاهية لابنته رقيّة في علّته التي مات فيها: قومي يا بنيّة فاندبي أباك بهذه الأبيات؛ فقامت فندبته بقوله:
لعب البلى بمعالمي ورسوميوقبرت حيّا تحت ردم همومي
لزم البلى جسمي فأوهن قوّتيإن البلى لموكّل بلزومي
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني عليّ بن محمد قال حدّثني مخارق المغني قال: توفّي أبو العتاهية، وإبراهيم الموصليّ، وأبو عمرو الشّيباني عبد السلام في يوم واحد في خلافة المأمون، وذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه عن أحمد بن يوسف عن أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبي قتيبة قال: مات أبو العتاهية، وراشد الخنّاق، وهشيمة الخمّارة في يوم واحد سنة تسع ومائتين.
وذكر الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن سعد كاتب الواقديّ: أنّ أبا العتاهية مات في يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة ومائتين، ودفن حيال قنطرة الزيّاتين في الجانب الغربيّ ببغداد.
أخبرني الصّوليّ عن محمد بن موسى عن أبي محمد الشّيباني عن محمد بن أبي العتاهية: أنّ أباه توفّي سنة عشر ومائتين.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى عن محمد بن القاسم عن إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد عن إسحاق بن عبد اللّه بن شعيب قال: أمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره:
أذن حيّ تسمّعياسمعي ثمّ عي وعي
أنا رهن بمضجعيفاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين حجّةأسلمتني لمضجعي
كم ترى الحيّ ثابتافي ديار التزعزع
ليس زاد سوى التّقىفخذي منه أو دعي
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: لمّا مات أبو العتاهية رثاه ابنه محمد بن أبي العتاهية فقال:
يا أبي ضمّك الثّرىوطوى الموت أجمعك
ليتني يوم متّ صرت إلى حفرة معك
رحم اللّه مصرعكبرّد اللّه مضجعك
أخبرني الحسن قال حدّثني أحمد بن زهير قال: قال محمد بن أبي العتاهية: لقيني محمد بن أبي محمد اليزيديّ فقال: أنشدني الأبيات التي أوصى أبوك أن تكتب على قبره؛ فأنشأت أقول له:
كذبت على أخ لك في مماتهوكم كذب فشا لك في حياته
وأكذب ما تكون على صديقكذبت عليه حيّا في مماته
فخجل وانصرف. قال: والنّاس يقولون: إنّه أوصى أن يكتب على قبره شعر له، وكان ابنه ينكر ذلك.
وذكر هارون بن عليّ بن مهديّ عن عبد الرحمن بن الفضل أنّه قرأ الأبيات العينيّة التي أوّلها:
أذن حيّ تسمّعي
على حجر عند قبر أبي العتاهية.
ولم أذكر هاهنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة، وهي من أعظم أخباره؛ لأنّها طويلة، وفيها أغان كثيرة، وقد طالت أخباره هاهنا فأفردتها.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع