تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار موسى شهوات ونسبه وخبره في هذا الشعر

ديوان موسى شهواتفيه ٧٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو موسى بن يسار مولى قريش، ويختلف في ولائه فيقال: إنه مولى بني سهم، ويقال: مولى بني تيم بن مرّة، ويقال: مولى بني عديّ بن كعب؛ ويكنى أبا محمد، وشهوات لقب غلب عليه.

وحدّثني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: إنما لقّب موسى شهوات لأنه كان سؤولا ملحفا، فكان كلّما رأى مع أحد شيئا يعجبه من مال أو متاع أو ثوب أو فرس، تباكى، فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أشتهي هذا؛ فسمّي موسى شهوات. قال: وذكر آخرون أنه كان من أهل أذربيجان وأنه نشأ بالمدينة وكان يجلب إليه القند والسكّر، فقالت له امرأة من أهله: ما يزال موسى يجيئنا بالشهوات؛ فغلبت عليه.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: كان محمد بن يحيى يقول: موسى شهوات مولى بني عديّ بن كعب، وليس ذاك بصحيح، هو مولى تيم بن مرّة. وذكر عبد اللّه بن شبيب عن الحزاميّ: أنه مولى بني سهم.

وأخبرني وكيع عن أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب ومحمد بن سلّام قال: موسى شهوات مولى بني سهم.

وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: هوي موسى شهوات جارية بالمدينة فاستهيم بها وساوم مولاها فيها فاستام بها عشرة آلاف درهم، فجمع كلّ ما يملكه واستماح إخوانه فبلغ أربعة آلاف درهم، فأتى إلى سعيد بن خالد العثمانيّ فأخبره بحاله واستعان به، وكان صديقه وأوثق الناس عنده، فدافعه واعتلّ عليه فخرج من عنده؛ فلما ولّى تمثّل سعيد قول الشاعر:

كتبت إليّ تستهدي الجواريلقد أنعظت من بلد بعيد

فأتى سعيد بن خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فأخبره بقصّته فأمر له بستة آلاف درهم، فلما قبضها ونهض قال له: اجلس، إذا ابتعتها بهذا المال وقد أنفدت كلّ ما تملك فبأيّ حال تعيشان! ثم دفع إليه ألفي درهم وكسوة وطيبا، وقال: أصلح بهذا شأنكما؛ فقال فيه:

أبا خالد أعني سعيد بن خالدأخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
ولكنّني أعني ابن عائشة الذيأبو أبويه خالد بن أسيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
عقيد الندى ما عاش يرضى به النّدىفإن مات لم يرض النّدى بعقيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
دعوه دعوه إنكم قد رقدتموما هو عن أحسابكم برقود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
قتلت أناسا هكذا في جلودهممن الغيظ لم تقتلهم بحديد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

قال: فشكاه العثمانيّ إلى سليمان بن عبد الملك، فأحصر موسى وقال له: يا عاضّ كذا وكذا، أتهجو سعيد بن خالد! فقال: واللّه يا أمير المؤمنين ما هجوته ولكنّي مدحت ابن عمّه فغضب هو، ثم أخبره بالقصّة؛ فقال للعثمانيّ: قد صدق، إنما نسب من مدحه إلى أبيه ليعرف. قال: وكان سليمان إذا نظر إلى سعيد بن خالد بن عبد اللّه يقول: لعمري واللّه ما أنت عن أحسابنا برقود.

وأخبرني محمد بن عبد اللّه اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه بهذا الحديث فذكر نحو ما ذكره أبو عبيدة وقال فيه: وكان سعيد بن خالد هذا تأخذه الموتة في كلّ سنة، فأرادوا علاجه، فتكلّمت صاحبته على لسانه وقالت: أنا كريمة بنت ملحان سيّد الجنّ، وإن عالجتموه قتلتموه، فو اللّه لو وجدت أكرم منه لهويته.

أخبرني وكيع عن أبي حمزة أنس بن خالد الأنصاريّ عن قبيصة بن عمر بن حفص المهلّبيّ عن أبي عبيدة قال حدّثني الحارث بن سليمان الهجيميّ، - وهو أبو خالد بن الحارث المحدّث - قال: وكان عنده رؤبة بن العجّاج، قال: شهدت مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وأتاه سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعديا، قال: ومن بك؟ قال: موسى شهوات، قال: وماله؟ قال: سمّع بي واستطال في عرضي، فقال: يا غلام، عليّ بموسى فأتني به فأتي به، فقال: ويلك! أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين ولكنّي مدحت ابن عمّه فغضب هو، قال: وكيف ذلك؟ قال: علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده شيئا، فأتيت ابن عمّه سعيد بن خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فشكوت إليه ما شكوته إلى هذا، فقال: تعود إليّ، فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهّل من إذني، فلما استقرّ بي المجلس قال: يا غلام، قل لقيّمتي: هاتي وديعتي، ففتح بابا بين بيتين وإذا بجارية، فقال لي: أهذه بغيتك؟ قلت: نعم فداك أبي وأمّي! قال: اجلس ثم قال: يا غلام، قل لقيّمتي: هاتي ظبية نفقتي، فأتي بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس فيها غيرها فردّت في الظّبية، ثم قال: عتيدة طيبي، فأتي بها، فقال: ملحفة فراشي، فأتي بها، فصيّر ما في الظبية وما في العتيدة في حواشي الملحفة، ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا؟ قال: قلت: ذكر طائفة من أبيات القصيدة التي مدح بها سعيد بن خالد:

أنا خالد أعني سعيد بن خالدأخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذيأبو أبويه خالد بن أسيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندىفإن مات لم يرض الندى بعقيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
دعوه دعوه إنكم قد رقدتموما هو عن أحسابكم برقود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فقال سليمان: عليّ يا غلام بسعيد بن خالد، فأتي به، فقال: أحقّ ما وصفك به موسى؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فما طوّقتك هذه الأفعال؟ قال: دين ثلاثين ألف دينار؛ فقال له: قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها وبثلث مثلها، فحملت إليه مائة ألف دينار؛ قال: فلقيت سعيد بن خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان؟ قال: ما أصبحت واللّه أملك منه إلا خمسين دينارا؛ قلت: ما اغتاله؟ قال: خلّة من صديق أو فاقة من ذي رحم.

أخبرني وكيع قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيريّ ومحمد بن سلّام قال: عشق موسى شهوات جارية بالمدينة فأعطى بها عشرة آلاف درهم؛ ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث سليمان بن أبي شيخ؛ وقال وفيه: أما واللّه لئن مدحته وهو سميّك وأبوه سميّ أبيك ولم أفرّق بينكما ليقولن للناس: أهذا أم هذا، ولكن واللّه لأقولنّ قولا لا يشكّ فيه. وتمام هذه الأبيات التي مدح بها سعيدا بعد الأربعة المذكورة منها:

فدى للكريم العبشميّ ابن خالدبنيّ ومالي طارفي وتليدي
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
على وجهه تلقى الأيامن واسمهوكلّ جواري طيره بسعود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أبان وما استغنى عن الثّدي خيرهأبان به في المهد قبل قعود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
دعوه دعوه إنكم قد رقدتموما هو عن أحسابكم برقود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
ترى الجند والجنّاب يغشون بابهبحاجاتهم من سيّد ومسود
فيعطي ولا يعطى ويغشى ويجتدىوما بابه للمجتدي بسديد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
قتلت أناسا هكذا في جلودهممن الغيظ لم تقتلهم بحديد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
يعيشون ما عاشوا بغيظ وإن تحنمناياهم يوما تحن بحقود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فقل لبغاة العرف قد مات خالدومات الندى إلا فضول سعيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

قال وكيع في خبره: أمّا قوله: «لا أعني ابن بنت سعيد» فإنّ أمّ سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان آمنة بنت سعيد بن العاصي، وعائشة أمّ عقيد الندى بنت عبد اللّه بن خلف الخزاعيّة أخت طلحة الطّلحات، وأمّها صفيّة بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار بن قصيّ، وأمّ أبي عقيد الندى رملة بنت معاوية بن أبي سفيان.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: لما أنشد موسى شهوات سليمان بن عبد الملك شعره في سعيد بن خالد قال له: اتّفق اسماهما واسما أبويهما، فتخوّفت أن يذهب شعري باطلا ففرّقت بينهما بأمّهما، فأغضبه أن مدحت ابن عمّه، فقال له سليمان: بلى واللّه لقد هجوته وما خفي عليّ ولكني لا أجد إليك سبيلا، فأطلقه.

أخبرني وكيع قال حدّثني أحمد بن زهير قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثنا محمد بن مسلمة الثقفيّ قال: قال موسى شهوات لمعبد: أأمدح حمزة بن عبد اللّه بن الزبير بأبيات وتغنّي فيها ويكون ما يعطينا بيني وبينك؟

قال: نعم؛ فقال موسى:

حمزة المبتاع بالمال الثّناويرى في بيعه أن قد غبن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فهو إن أعطى عطاء فاضلاذا إخاء لم يكدّره بمنّ
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
وإذا ما سنة مجحفةبرت الناس كبري بالسّفن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
حسرت عنه نقيّا عرضهذا بلاء عند مخناها حسن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
نور صدق بين في وجههلم يدنّس ثوبه لون الدّرن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
كنت للناس ربيعا مغدقاساقط الأكناف إن راح ارجحنّ
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

قال أحمد بن زهير: وأوّل هذه القصيدة عن غير ابن سلّام:

شاقني اليوم حبيب قد ظعنففؤادي مستهام مرتهن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
إنّ هندا تيمتني حقبةثم بانت وهي للنفس شجن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فتنة ألحقها اللّه بناعائذ باللّه من شرّ الفتن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرني الطّلحي قال أخبرني عبد الرحمن بن حمّاد عن عمران بن موسى بن طلحة قال: لما زفّت فاطمة بنت الحسين رضوان اللّه عليه إلى عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان، عارضها موسى شهوات:

طلحة الخير جدّكمولخير الفواطم
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أنت للطاهرات منفرع تيم وهاشم
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أرتجيكم لنفعكمولدفع المظالم
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فأمر له بكسوة ودنانير وطيب.

قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العنزيّ عن العتبيّ قال: كانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوّجها داود بن سليمان بن مروان وكان قبيح الوجه، فقال في ذلك موسى شهوات:

أبعد الأغرّ ابن عبد العزيزقريع قريش إذا يذكر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أبعد الأغر ابن عبد العزيز»
تزوّجت داود مختارةألا ذلك الخلف الأعور
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فكانت إذا سخطت عليه تقول: صدق واللّه موسى، إنك لأنت الخلف الأعور، فيشتمه داود.

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن لقيط قال: أقام موسى شهوات ليزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية على بابه بدمشق، وكان فتى جوادا سمحا، فلما ركب وثب إليه فأخذ بعنان دابّته، ثم قال:

قم فصوّت إذا أتيت دمشقا:يا يزيد بن خالد بن يزيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
يا يزيد بن خالد إن تجبنييلقني طائري بنجم السّعود
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة، وقال له: كلما شئت فنادنا نجبك.

أخبرنا وكيع قال حدّثني أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب الزّبيريّ قال: زوّج موسى شهوات بنت مولى لمعن بن عبد الرحمن بن عوف يقال له: داود بن أبي حميدة، فلما جليت عليه قال داود: ما للجلوة؟ فأنشأ يقول:

تقول لي النساء غداة تجلىحميدة يا فتى للجلاء
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فقلت لهم سمرقند وبلخوما بالصين من نعم وشاء
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أبوها حاتم إن سيل خيراوليث كريهة عند اللقاء
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

أخبرني وكيع قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب قال: قضى أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب على موسى شهوات بقضيّة، وكان خالد بن عبد الملك استقضاه في أيام هشام بن عبد الملك، فقال موسى يهجوه:

وجدتك فهّا في القضاء مخلّطافقدتك من قاض ومن متأمّر
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فدع عنك ما شيدته ذات رخةأذى الناس لا تحشرهم كلّ محشر
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

ثم ولي القضاء سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاريّ، فقال يمدحه:

من سرّه الحكم صرفا لا مزاج لهمن القضاة وعدل غير مغموز
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فليأت دار سعيد الخير إنّ بهاأمضى على الحقّ من سيف ابن جرموز
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

قال: وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قد ولي المدينة واشتدّ على السفهاء والشعراء والمغنّين، ولحق موسى شهوات بعض ذلك منه، وكان قبيح الوجه، فقال موسى يهجوه:

قل لسعد وجه العجوز لقد كنت لما قد أوتيت سعدا مخيلا
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
إن تكن ظالما جهولا فقد كان أبوك الأدنى ظلوما جهولا
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

وقال يهجوه:

لعن اللّه والعباد ثطيط الوجه لا يرتجى قبيح الجوار
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
يتّقي الناس فحشه وأذاهمثل ما يتّقون بول الحمار
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
لا تغرّنك سجدة بين عينيه حذار منها ومنه حذار
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
إنها سجدة بها يخدع الناس، عليها من سجدة بالدّبار
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

أخبرني عمّي قال أخبرني ثعلب عن عبد اللّه بن شبيب قال: ذكر الحزاميّ أنّ موسى شهوات سأل بعض آل الزبير حاجة فدفعه عنها، وبلغ ذلك عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، فبعث إليه بما كان التمسه من الزّبيريّ من غير مسألة؛ فوقف عليه موسى وهو جالس في المسجد، ثم أنشأ يقول:

ليس فيما بدا لنا منك عيبعابه الناس غير أنك فاني
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أنت نعم المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
للشاعر هارون بن علي المنجم، اقرأ القصيدة

والشعر المذكور فيه الغناء، يقوله موسى شهوات في حمزة بن عبد اللّه بن الزبير، وكان فتى كريما جوادا على هوج كان فيه، وولّاه أبوه العراقين وعزل مصعبا لمّا تزوّج سكينة بنت الحسين رضي اللّه عنه وعائشة بنت طلحة وأمهر كلّ واحدة منهما ألف ألف درهم.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ عن مصعب الزبيريّ، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرني عبيد اللّه بن محمد الرّازي والحسين بن علي: قال عبيد اللّه حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ، وقال الحسين حدّثنا الحارث بن أبي أسامة عن المدائنيّ عن أبي محنف: أن أنس بن زنيم اللّيثيّ كتب إلى عبد اللّه بن الزّبير:

أبلغ أمير المؤمنين رسالةمن ناصح لك لا يريك خداعا
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة
بضع الفتاة بألف ألف كاملوتبيت قادات الجيوش جياعا
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة
لو لأبي حفص أقول مقالتيوأبثّ ما أبثثتكم لارتاعا
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة

فلما وصلت الأبيات إليه جزع ثم قال: صدق واللّه، لو لأبي حفص يقول: إنّ مصعبا تزوج امرأتين بألفي ألف درهم لارتاع، إنّا بعثنا مصعبا إلى العراق فأغمد سيفه وسلّ أيره وسنعزله، فدعا بابنه حمزة، وأمّه بنت منظور بن زبّان الفزاريّ وكان لها منه محلّ لطيف، فولّاه البصرة وعزل مصعبا. فبلغ قوله عبد الملك في أخيه مصعب، فقال: لكنّ أبا خبيب أغمد سيفه وأيره وخيره.

وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال: هذه الأبيات لعبد اللّه بن همّام السّلوليّ.

قالوا جميعا: فلما ولي ابنه حمزة البصرة أساء السّيرة وخلّط تخليطا شديدا، وكان جوادا شجاعا أهوج، فوفدت إلى أبيه الوفود في أمره، وكتب إليه الأحنف بأمره وما ينكره الناس منه وأنه يخشى أن تفسد عليه طاعتهم؛ فعزله عن البصرة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا المدائنيّ قال: لما قدم حمزة بن عبد اللّه البصرة واليا عليها، وكان جوادا شجاعا مخلّطا: يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه إلا وهبه ويمنع أحيانا ما لا يمنع من مثله، فظهرت منه بالبصرة خفّة وضعف. وركب يوما إلى فيض البصرة، فلما رآه قال: إنّ هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينّهم صيفتهم هذه، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازرا فقال: قد رأيته ذات يوم فظننت أن لن يكفيهم؛ فقال له الأحنف: إنّ هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنّا ثم يعود. وشخص إلى الأهواز فرأى جبلها، فقال: هذا قعيقعان - وقعيقعان: جبل بمكّة - فلقّب ذلك الجبل بقعيقعان.

قال أبو زيد: وحدّثني غير المدائنيّ أنه سمع بذكر الجبل بالبصرة، فدعا بعامله فقال له: ابعث فأتنا بخراج الجبل؛ فقال له: إن الجبل ليس ببلد فآتيك بخراجه. وبعث إلى مردانشاه فاستحثّه بالخراج فأبطأ به، فقام إليه بسيفه فقتله؛ فقال له الأحنف: ما أحدّ سيفك أيّها الأمير! وهمّ بعبد العزيز بن شبيب بن خيّاط أن يضربه بالسّياط؛ فكتب إلى ابن الزبير بذلك وقال له: إذا كانت لك بالبصرة حاجة فاصرف ابنك عنها وأعد إليها مصعبا؛ ففعل ذلك. وقال بعض الشعراء يهجو حمزة ويعيبه بقوله في أمر الماء الذي رآه قد جزر:

يا بن الزّبير بعثت حمزة عاملايا ليت حمزة كان خلف عمان
أزرى بدجلة حين عبّ عبابهاوتقاذفت بزواخر الطّوفان

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: خطب النّوار ابنة أعين المجاشعيّة رجل من قومها، فجعلت أمرها إلى الفرزدق، وكان ابن عمها دنية، ليزوّجها منه، فأشهد عليها بذلك وبأنّ أمرها إليه شهودا عدولا؛ فلما أشهدتهم على نفسها قال لهم الفرزدق: فإني أشهدكم أنّي قد تزوّجتها، فمنعته النّوار نفسها وخرجت إلى الحجاز إلى عبد اللّه بن الزّبير، فاستجارت بامرأته بنت منظور بن زبّان، وخرج الفرزدق فعاذ بابنه حمزة، وقال يمدحه:

يا حمز هل لك في ذي حاجة، غرضتأنضاؤه بمكان غير ممطور
فأنت أولى قريش أن تكون لهاوأنت بين أبي بكر ومنظور

فجعل أمر النّوار يقوى وأمر الفرزدق يضعف؛ فقال الفرزدق في ذلك:

أمّا بنوه فلم تنفع شفاعتهموشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

فبلغ ابن الزّبير شعره، ولقيه على باب المسجد وهو خارج منه فضغط حلقه حتى كاد يقتله، ثم خلّاه وقال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

ثم دخل إلى النّوار فقال لها: إن شئت فرّقت بينك وبينه ثم ضربت عنقه فلا يهجونا أبدا، وإن شئت أمضيت نكاحه فهو ابن عمّك وأقرب الناس إليك، وكانت امرأة صالحة، فقالت: أو ما غير هذا؟ قال: لا؛ قالت: ما أحبّ أن يقتل ولكني أمضي أمره فلعلّ اللّه أن يجعل في كرهي إيّاه خيرا؛ فمضت إليه وخرجت معه إلى البصرة.

أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبيريّ: أن حمزة بن عبد اللّه كان جوادا، فدخل إليه معبد يوما وقد أرسله ابن قطن مولاه يقترض له من حمزة ألف دينار فأعطاه ألف الدينار، فلما خرج من عنده قيل له: هذا عبد ابن قطن وهو يروي فيك شعر موسى شهوات فيحسن روايته، فأمر بردّه فردّ، وقال له ما حكاه القوم عنه، فغنّاه معبد الصوت فأعطاه أربعين دينارا؛ ولما كان بعد ذلك ردّ ابن قطن عليه المال فلم يقبله، وقال له: إنه إذا خرج عنّي مال لم يعد إلى ملكي. وقد روي أنّ الداخل على حمزة والمخاطب في أمره بهذه المخاطبة ابن سريج، وليس ذلك بثبت، هذا هو الصحيح، والغناء لمعبد.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن يحيى الغسّانيّ: أن موسى شهوات أملق، فقال لمعبد: قد قلت في حمزة بن عبد اللّه شعرا فغنّ فيه حتى يكون أجزل لصلتنا؛ ففعل ذلك معبد وغنّى في هذه الأبيات، ثم دخلا على حمزة فأنشده إيّاها موسى ثم غنّاه فيها معبد، فأمر لكل واحد منهما بمائتي دينار.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن عيّاش قال: كان موسى شهوات مولى لسليمان بن أبي خيثمة بن حذيفة العدويّ، وكان شاعرا من شعراء أهل الحجاز، وكان الخلفاء من بني أميّة يحسنون إليه ويدرّون عطاءه وتجيئه صلاتهم إلى الحجاز.

وكانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوّجها داود بن سليمان بن مروان وكان دميما قبيحا، فقال موسى شهوات في ذلك:

أبعد الأغرّ ابن عبد العزيزقريع قريش إذا يذكر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أبعد الأغر ابن عبد العزيز»
تزوّجت داود مختارةألا ذلك الخلف الأعور
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة

فغلب عليه ذلك في بني مروان، فكان يقال له: الخلف الأعور.

صوت من المائة المختارة

عوجا خليليّ على المحضروالربع من سلّامة المقفر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عوجا خليلي على المحضر»
عوجا به فاستنطقاه فقدذكّرني ما كنت لم أذكر
ذكّرني سلمى وأيامهاإذ جاورتنا بلوى عسجر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عوجا خليلي على المحضر»
بالربع من ودّان مبدا لناومحورا ناهيك من محور
في محضر كنّا به نلتقييا حبّذا ذلك من محضر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عوجا خليلي على المحضر»
إذ نحن والحيّ به جيرةفيما مضى من سالف الأعصر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عوجا خليلي على المحضر»

الشعر للوليد بن يزيد، وقيل: إنه لعمر بن أبي ربيعة، وقيل: إنه للعرجيّ، وهو للوليد صحيح، والغناء واللحن المختار لابن سريج خفيف رمل بالبنصر في مجراها، وفيه لشارية خفيف رمل آخر عن ابن المعتزّ، وذكر الهشاميّ أنّ فيه لحكم الواديّ خفيف رمل أيضا.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائنيّ قال: كان زيد بن عمرو بن عثمان قد تزوّج سكينة بنت الحسين رضي اللّه تعالى عنه، فعتب عليها يوما، فخرج إلى مال له، فذكر أشعب أن سكينة دعته فقالت له: إن ابن عثمان خرج عاتبا عليّ فاعلم لي حاله، قلت: لا أستطيع أن أذهب إليه الساعة، فقالت: أنا أعطيك ثلاثين دينارا، فأعطتني إياها فأتيته ليلا دخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا: أشعب، فنزل عن فرشه وصار إلى الأرض فقال: أشعيب؟ قلت: نعم، قال: ما جاء بك؟

قلت: أرسلتني سكينة لأعلم خبرك، أتذكّرت منها ما تذكّرت منك؟ وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض، قال: دعني من هذا وغنّني:

عوجا به فاستنطقاه فقدذكّرني ما كنت لم أذكر

فغنّيته فلم يطرب، ثم قال: غنّني ويحك غير هذا، فإن أصبت ما في نفسي فلك حلّتي هذه وقد اشتريتها آنفا بثلاثمائة دينار، فغنّيته:

صوت

علق القلب بعض ما قد شجاهمن حبيب أمسى هوانا هواه
ما ضراري نفسي بهجران من ليس مسيئا ولا بعيدا نواه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخلد بأشهى إليّ من أن أراه
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عاود القلب بعض ما قد شجاه»

فقال: ما عدوت ما في نفسي، خذ الحلّة، فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصّة، فقالت: وأين الحلّة؟ قلت: معي، فقالت: وأنت الآن تريد أن تلبس حلّة ابن عثمان! لا واللّه ولا كرامة! فقلت: قد أعطانيها، فأي شيء تريدين منّي! فقالت: أنا أشتريها منك، فبعتها إياها بثلاثمائة دينار.

الشعر المذكور في هذا الخبر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء للدارمي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكر عمرو بن بانة أنه للهذليّ، وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه أن رجلا كانت له جارية يهواها وتهواه فغاضبها يوما وتمادى ذلك بينهما، واتّفق أنّ مغنية دخلت فغنتهما:

ما ضراري نفسي بهجران من ليس مسيئا ولا بعيدا نواه

فقالت الجارية: لا شيء واللّه إلا الحمق، ثم قامت إلى مولاها فقبّلت رأسه واصطلحا.

صوت من المائة المختارة

يا ويح نفسي لو أنه أقصرما كان عيشي كما أرى أكدر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ويح نفسي لو أنه أقصر»
يا من عديري ممن كلفت بهيشهد قلبي بأنه يسحر
يا ربّ يوم رأيتني مرحاآخذ في اللهو مسبل المئزر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ويح نفسي لو أنه أقصر»
بين ندامى تحثّ كأسهمعليهم كفّ شادن أحور
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ويح نفسي لو أنه أقصر»

الشعر لأبي العتاهية والغناء لفريدة خفيف رمل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»