من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن المولى ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن عبد اللّه بن مسلم بن المولى مولى الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف، شاعر متقدّم مجيد من مخضرمي الدولتين ومدّاحي أهلهما، وقدم على المهديّ وامتدحه بعدّة قصائد فوصله بصلات سنّية، وكان ظريفا عفيفا نظيف الثياب حسن الهيئة.
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه الحزنبل قال قال لي محمد بن صالح بن النّطّاح: كان ابن المولى يسمّى محمدا مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان مسكنه بقباء، وكان يقدم على المهديّ فيمدحه، فقدم عليه فأنشده قوله:
سلا دار ليلى هل تبين فتنطقوأنّى تردّ القول بيداء سملق
وأنّى تردّ القول دار كأنهالطول بلاها والتقادم مهرق
وقال خليلي والبكالي غالبأقاض عليك ذا الأسى والتشوّق
وإنسان عيني في دوائر لجّةمن الدمع يبدو تارة ثم يغرق
يقول فيها:
إلى القائم المهديّ أعملت ناقتيبكل فلاة آلها يترقرق
إذا غال منها الركب صحراء برّحتبهم بعدها في السير صحراء دردق
رميت قراها بين يوم وليلةبفتلاء لم ينكب لها الزّور مرفق مزمّرة
سقبا كأن زمامهابجرداء من عمّ الصّنوبر معلق
موكّلة بالفادحات كأنهاوقد جعلت منها الثّميلة تخلق
بقيّ الملاهيق أمام رئالهأصمّ هجفّ أقرع الرأس نقنق
تراها إذا استعجلتها وكأنهاعلى الأين يعروها من الرّوع أولق
مورّكة أرض العذيب وقد بدافسرّ به للآئبين الخورنق
فاستحسنها المهديّ وأجزل صلته، وأمر فغنّي في نسيب القصيدة. فأمّا ما شرطت ذكره من تمام القصيدة فهو بعقب البيت الثاني منها:
عفتها الرياح الرامسات مع البلىبأذيالها والرائح المتبعّق
بكل شآبيب من الماء خلفهاشآبيب ماء مزنها متألّق
إذا ريّق منها هريقت سجالهأعيد لها كرفىء ماء وريّق
فأصبح يرمي بالرّباب كأنمابأرجله منه نعام معلّق
فلا تبك أطلال الديار فإنهاخبال لمن لا يدفع الشوق عولق
وإنّ سفاها أن ترى متفجّعابأطلال دار أو يقودك معلق
فلا تجزعن للبين كلّ جماعةوجدّك مكتوب عليها التفرّق
وخذ بالتعزّي كلّ ما أنت لابسجديدا على الأيام بال ومخلق
فصبر الفتى عما تولّى فإنهمن الأمر أولى بالسّداد وأوفق
ويروى: «أدنى للذي هو أوفق».
وإنك بالإشفاق لا تدفع الرّدىولا الحين مجلوب فما لك تشفق
كأنّ لم يرعك الدهر أو أنت آمنلأحداثه فيما يغادي ويطرق
وقال خليلي والبكالى غالبأقاض عليك ذا الأسى والتشوّق
وقد طال توقاني أكفكف عبرةعلى دمنة كادت لها النفس تزهق
وإنسان عيني في دوائر لجّةمن الماء يبدو تارة ثم يغرق
وللدّمع من عيني شريجا صبابةمرشّ الرّجا والجائل المترقرق
وكنت أخا عشق ولم يك صاحبيفيعذرني ممّا يصبّ ويعشق
وقد يعذر الصبّ السقيم ذوي الهوىويلحى المحبّين الصديق فيخرق
وعاب رجال أن علقت وقد بدالهم بعض ما أهوى وذو الحلم يعلق
والقصيدة طويلة. وفي بعض ما ذكرته منها دلالة على صحّة ما قلته.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: خرجت أنا وأبو السائب المخزوميّ وعبيد اللّه بن مسلم بن جندب وابن المولى وأصبغ بن عبد العزيز بن مروان إلى قباء، وابن المولى متنكّب قوسا عربية، فأنشد ابن المولى لنفسه:
وأبكي فلا ليلى بكت من صبابةإليّ ولا ليلى لذي الودّ تبذل
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصّل
فقال له أبو السائب وعبيد اللّه بن مسلم بن جندب: من ليلى هذه حتّى نقودها إليك؟ فقال لهما ابن المولى: ما هي واللّه إلّا قوّسي هذه سمّيتها ليلى.
في هذين البيتين ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى لخزرج، ويقال: إنه لهاشم بن سليمان.
أخبرني عمّي قال حدثنا أبو هفّان قال أخبرني أبو محلّم عن المفضّل الضّبيّ قال: وفد ابن المولى على يزيد بن حاتم وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها:
يا واحد العرب الذيأضحى وليس له نظير
لو كان مثلك آخرما كان في الدّنيا فقير
قال: فدعا بخازنه وقال: كم في بيت مالي؟ فقال له: من الورق والعين بقيّة عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى اللّه وإليك، واللّه لو أنّ في ملكي أكثر لما احتجبتها عنك.
أخبرني الحسن بن عليّ ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثنا مصعب الزّبيريّ عن عبد الملك بن الماجشون قال: كان ابن المولى مدّاحا لجعفر بن سليمان وقثم بن العبّاس الهاشميّين ويزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، واستفرغ مدحه في يزيد وقال فيه قصيدته التي يقول فيها:
يا واحد العرب الذي دانت لهقحطان قاطبة وساد نزارا
إنّي لأرجو إن لقيتك سالماألّا أعالج بعدك الأسفارا
رشت النّدى ولقد تكسّر ريشهفعلا النّدى فوق البلاد وطارا
ثم قصده بها إلى مصر وأنشده إيّاها؛ فأعطاه حتّى رضي. ومرض ابن المولى عنده مرضا طويلا وثقل حتّى أشفى، فلمّا أفاق من علّته ونهض، دخل عليه يزيد بن حاتم متعرّفا خبره، فقال: لوددت واللّه يا أبا عبد اللّه ألّا تعالج بعدي الأسفار حقا، ثم أضعف صلته.
أخبرني الحسن قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني الزّبير بن بكّار عن عبد الملك بن عبد العزيز قال أخبرني ابن المولى قال: كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولا ألقاه، فلما ولّاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فلقيته فأنشدته، وقد خرج من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن صار إلى مسجد الشّجرة، فأعطاني رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار فاشتريت بها ضياعا تغلّ ألف دينار، أقوم في أدناها وأصيح بقيّمي ولا يسمعني وهو في أقصاها.
أخبرني عمّي قال حدّثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو قال: بلغني أنّ الحسن ابن زيد دعا بابن المولى فأغلظ له وقال: أتشبّب بحرم المسلمين وتنشد ذلك في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الأسواق والمحافل ظاهرا! فحلف له بالطّلاق أنّه ما تعرّض لمحرّم قطّ ولا شبّب بامرأة مسلم ولا معاهد قطّ، قال: فمن ليلى هذه التي تذكر في شعرك؟ فقال له: امرأتي طالق إن كانت إلّا قوسي هذه، سمّيتها ليلى لأذكرها في شعري، فإن الشعر لا يحسن إلّا بالتشبيب، فضحك الحسن ثم قال: إذا كانت القصة هذه فقل ما شئت.
فقال الحزنبل: وحدّثت عن ابن عائشة محمد بن يحيى قال: قدم ابن المولى إلى العراق في بعض سنيه فأخفق وطال مقامه وغرض به وتشوّق إلى المدينة فقال في ذلك:
صوت
ذهب الرجال فلا أحسّ رجالاوأرى الإقامة بالعراق ضلالا
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكريوم الخميس فهاج لي بلبالا
فظللت أنظر في السماء كأنّنيأبغي بناحية السماء هلالا
طربا إلى أهل الحجاز وتارةأبكي بدمع مسبل إسبالا
غنّى في هذه الأربعة الأبيات ابن عائشة. ولحنه ثاني ثقيل عن الهشاميّ. وذكره حمّاد عن أبيه في أخباره ولم يذكر طريقته.
فيقال قد أضحى يحدّث نفسهوالعين تذرف في الرّداء سجالا
إنّ الغريب إذا تذكّر أوشكتمنه المدامع أن تفيض علالا
ولقد أقول لصاحبي وكأنّهممّا يعالج ضمّن الأغلالا
خفّض عليك فما يرد بك تلقهلا تكثرنّ وإن جزعت مقالا
قد كنت إذ تدع المدينة كالذيترك البحار ويمّم الأوشالا
فأجابني خاطر بنفسك لا تكنأبدا تعدّ مع العيال عيالا
واعلم بأنك لن تنال جسيمةحتّى تجشّم نفسك الأهوالا
إنّي وجدّك يوم أترك زاخرابحرا ينفّل سيبه الأنفالا
لأضلّ من جلب القوافي صعبةحتّى أذل متونها إذلالا
قال الحزنبل: وحدّثني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال حدّثني مولى للحسن بن زيد قال: قدم ابن المولى على المهديّ وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها:
وما قارع الأعداء مثل محمّدإذا الحرب أبدت عن حجول الكواعب
فتى ماجد الأعراق من آل هاشمتبحبح منها في الذّرى والذّوائب
أشمّ من الرّهط الذين كأنّهملدى حندس الظّلماء زهر الكواكب
إذا ذكرت يوما مناقب هاشمفإنكم منها بخير المناصب
ومن عيب في أخلاقه ونصابهفما في بني العبّاس عيب لعائب
وإنّ أمير المؤمنين ورهطهلأهل المعالي من لؤيّ بن غالب
أولئك أوتاد البلاد ووارثو النبيّ بأمر الحقّ غير التّكاذب
ثم ذكر فيها آل أبي طالب فقال:
وما نقموا إلا المودّة منهموأن غادروا فيهم جزيل المواهب
وأنهم نالوا لهم بدمائهمشفاء نفوس من قتيل وهارب
وقاموا لهم دون العدا وكفوهمبسمر القنا والمرهفات القواضب
وحاموا على أحسابهم وكرائمحسان الوجوه واضحات التّرائب
وإن أمير المؤمنين لعائدبإنعامه فيهم على كلّ تائب
إذا ما دنوا أدناهم وإذا هفواتجاوز عنهم ناظرا في العواقب
شفيق على الأقصين أن يركبوا الرّدىفكيف به في واشجات الأقارب
قال: فوصله المهديّ بصلة سنيّة، وقدم المدينة فأنفق وبنى داره ولبس ثيابا فاخرة، ولم يزل كذلك مدى حياته بعد ما حباه. ثم قدم على الحسن بن زيد وكانت له عليه وظيفة في كلّ سنة فدخل عليه فأنشده قوله يمدحه:
هاج شوقي تفرّق الجيرانواعترتني طوارق الأحزان
وتذكّرت ما مضى من زمانيحين صار الزمان شرّ زمان
يقول فيها يمدح الحسن بن زيد:
ولو أن امرأ ينال خلودابمحلّ ومنصب ومكان
أو ببيت ذراه تلصق بالنجم قرانا في غير برج قران
أو بمجد الحياة أو بسماحأو بحلم أوفى على ثهلان
أو بفضل لناله حسن الخير بفضل الرسول ذي البرهان
فضله واضح برهط أبي القاسم رهط اليقين والإيمان
هم ذوو النور والهدى ومدى الأمر وأهل البرهان والعرفان
معدن الحق والنبوّة والعدل إذا ما تنازع الخصمان
وابن زيد إذا الرجال تجاروايوم حفل وغاية ورهان
سابق مغلق جيز رهانورث السّبق من أبيه الهجان
قال: فلما أنشده إياها دعا به خاليا ثم قال له: يا عاضّ كذا من أمه، أمّا إذا جئت إلى الحجاز فتقول لي هذا، وأما إذا مضيت إلى العراق فتقول:
وإن أمير المؤمنين ورهطهلرهط المعالي من لؤيّ بن غالب
أولئك أوتاد البلاد ووارثو النبيّ بأمر الحقّ غير التّكاذب
فقال له: أتنصفني يابن الرسول أم لا؟ فقال: نعم، فقال: ألم أقل:
وإن أمير المؤمنين ورهطه
ألستم رهطه؟ فقال: دع هذا، ألم تقدر أن ينفق شعرك ومديحك إلا بتهجين أهلي والطعن عليهم والإغراء بهم حيث تقول:
وما نقموا إلا المودّة منهموأن غادروا فيهم جزيل المواهب
وأنهم نالوا لهم بدمائهمشفاء نفوس من قتيل وهارب
فوجم ابن المولى وأطرق ثم قال: يابن الرسول إن الشاعر يقول ويتقرّب بجهده، ثم قام فخرج من عنده منكسرا، فأمر الحسن وكيله أن يحمل إليه وظيفته ويزيده فيها ففعل، فقال ابن المولى: واللّه لا أقبلها وهو عليّ ساخط، فأما إن قرنها بالرضا فقبلتها، وأما إن أقام وهو عليّ ساخط البتّة فلا؛ فعاد الرسول إلى الحسن فأخبره؛ فقال له: قل له: قد رضيت فاقبلها. ودخل على الحسن فأنشده قوله فيه:
سألت فأعطاني وأعطى ولم أسلوجاد كما جادت غواد رواعد
فأقسم لا أنفكّ أنشد مدحهإذا جمعتني في الحجيج المشاهد
إذا قلت يوما في ثنائي قصيدةثنيت بأخرى حيث تجزى القصائد
قال الحزنبل: وحدّثني مالك بن وهب مولى يزيد بن حاتم المهلّبيّ قال: لما انصرف يزيد بن حاتم من حرب الأزارقة وقد ظفر، خلع عليه وعقد له لواء على كور الأهواز وسائر ما افتتحه، فدخل عليه ابن المولى وقد مدحه فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشده:
صوت
ألا يا لقومي هل لما فات مطلبوهل يعذرن ذو صبوة وهو أشيب
يحنّ إلى ليلى وقد شطّت النوىبليلى كما حنّ اليراع المثقّب
غنّى في هذين البيتين عطرّد، ولحنه رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة؛ وفيه ليونس لحن ذكره لنفسه في كتابه ولم يذكر طريقته.
تقرّبت ليلى كي تثيب فزادنيبعادا على بعد إليها التقرّب
فداويت وجدي باجتناب فلم يكندواء لما ألقاه منها التجنّب
فلا أنا عند النّأي سال لحبهاولا أنا منها مشتف حين تصقب
وما كنت بالراضي بما غيره الرّضاولكنني أنوي العزاء فأغلب
وليل خداريّ الرّواق جشمتهإذا هابه السارون لا أتهيّب
لأظفر يوما من يزيد بن حاتمبحبل جوار ذاك ما كنت أطلب
بلوت وقلّبت الرجال كما بلابكفّيه أوساط القداح مقلّب
وصعّدني همّي وصوّب مرّةوذو الهمّ يوما مصعد ومصوّب
لأعرف ما آتى فلم أر مثلهمن الناس فيما حاز شرق ومغرب
أكرّ على جيش وأعظم هيبةوأوهب في جود لما ليس يوهب
تصدّى رجال في المعالي ليلحقوامداك وما أدركته فتذّبذبوا
ورمت الذي راموا فأذللت صعبهوراموا الذي أذللت منه فأصعبوا
ومهما تناول من منال سنيّةيساعدك فيها المنتمى والمركّب
ومنصب آباء كرام نماهمإلى المجد آباء كرام ومنصب
صوت
كواكب دجن كلّما انقضّ كوكببدا منهم بدر منير وكوكب
أنار به آل المهلّب بعدماهوى منكب منهم بليل ومنكب
وما زال إلحاح الزمان عليهمبنائبة كادت لها الأرض تخرب
فلو أبقت الأيام حيّا نفاسةلأبقاهم للجود ناب ومخلب
وكنت ليومي نعمة ونكايةكما فيهما للنّاس كان المهلّب
ألا حبّذا الأحياء منكم وحبّذاقبور بها موتاكم حين غيّبوا
فأمر له يزيد بن حاتم بعشرة آلاف درهم وفرس بسرجه ولجامه وخلعة، وأقسم على من كان بحضرته أن يجيزوه كلّ واحد منهم بما يمكنه، فانصرف بملء يده.
قال الحزنبل: أنشدني عمرو بن أبي عمرو لابن المولى وكان يستحسنها:
صوت
حيّ المنازل قد بليناأقوين عن مرّ السنّينا
وسل الدّيار لعلّهاتخبرك عن أمّ البنينا
بانت وكلّ قرينةيوما مفارقة قرينا
وأخو الحياة من الحياة معالج غلظا ولينا
غنّى في هذه الأبيات نبية خفيف ثقيل بالبنصر.
وترى الموكّل بالغواني راكبا أبدا فنونا
ومن البليّة أن تدان بما كرهت ولن تدينا
والمرء تحرم نفسهما لا يزال به حزينا
وتراه يجمع مالهجمع الحريص لوارثينا
يسعى بأفضل سعيهفيصير ذاك لقاعدينا
لم يعط ذا النّسب القريب ولم يجد للابعدينا
قد حلّ منزله الذميم وفارق المتنصّحينا
قال الحزنبل: وذكر أحمد بن صالح بن النّطّاح عن المدائنيّ: أن المهديّ لمّا وليّ الخلافة وحجّ فرّق في قريش والأنصار وسائر الناس أموالا عظيمة ووصلهم صلات سنيّة، فحسنت أحوالهم بعد جهد أصاب الناس في أيّام أبيه، لتسرّعهم مع محمد بن عبد اللّه بن حسن، وكانت سنة ولايته سنة خصب ورخص، فأحبّه الناس وتبركّوا به، وقالوا: هذا هو المهديّ، وهذا ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسميّه، فلقوه فدعوا له وأثنوا عليه، ومدحته الشعراء، فمدّ عينه في الناس فرأى ابن المولى فأمر بتقريبه فقرّب منه؛ فقال له: هات يا مولى الأنصار ما عندك، فأنشده قوله فيه:
يا ليل لا تنجلي يا ليل بالزادواشفي بذلك داء الحائم الصادي
وأنجزي عدة كانت لنا أملاقد جاء ميعادها من بعد ميعاد
ما ضرّه غير أن أبدي مودّتهإنّ المحبّ هواه ظاهر بادي
ثم قال فيها يصف ناقته:
تطوي البلاد إلى جمّ منافعهفعّل خير لفعل الخير عوّاد
للمهتدين إليه من منافعهخير يروح وخير باكر غادي
أغنى قريشا وأنصار النبيّ ومنبالمسجدين بإسعاد وإحفاد
كانت منافعه في الأرض شائعةتترى وسيرته كالماء للصّادي
خليفة اللّه عبد اللّه والدهوأمّه حرّة تنمى لأمجاد
من خير ذي يمن في خير رابيةمن القبول إليها معقل النّادي
حتى أتى على آخرها؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم وكسوة، وأمر صاحب الجاري بأن يجري له ولعياله في كلّ سنة ما يكفيهم، وألحقهم في شرف العطاء.
قال: وذكر ابن النطّاح عن عبد اللّه بن مصعب الزبيريّ قال: وفدنا إلى المهديّ ونحن جماعة من قريش والأنصار، فلما دخلنا عليه سلّمنا ودعونا وأثنينا، فلما فرغنا من كلامنا أقبل على ابن المولى فقال: هات يا محمّد ما قلت، فأنشده:
صوت
نادى الأحبّة باحتمالإنّ المقيم إلى زوال
ردّ القيان عليهمذلل المطيّ من الجمال
فتحمّلوا بعقيلةزهراء آنسة الدّلال
كالشمس راق جمالهابين النّساء على الجمال
لمّا رأيت جمالهمفي الآل تغرق باللآلي
يا ليت ذلك بعد أنأظهرت أنّك لا تبالي
ولمثل ما جرّبت منإخلافهنّ لذي الوصل
أسلاك عن طلب الصّباوأخو الصّبا لا بدّ سالي
يابن الأطايب للأطايب ذا المكارم والمعالي
وابن الهداة بنى الهداة وكاشفي ظلم الضّلال
أصبحت أكرم غالبعند التّفاخر والنّضل
وإذا تحصّل هاشميعلو بمجدك كلّ عالي
ويكون بيتك منهمفي الشاهقات من القلال
هذا وأنت ثمالهاوابن الثّمال أخو الثّمال
ومآلها بأمورهاإنّ الأمور إلى مآل
قال: فأمر له خاصّة بعشرة آلاف درهم معجّلة، ثم ساواه بسائر الوفد بعد ذلك في الجائزة وأعطاه مثل ما أعطاهم، وقال: ذلك بحقّ المديح، وهذا بحقّ الوفادة.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ أبو أحمد وعمّي قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني إبراهيم بن إسحاق بن عبد الرحمن بن طلحة بن عمر بن عبيد اللّه قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة، وكان ابن المولى يكثر مدحه، وكان يسأل عنه من غير أن يكونا التقيا - قال: وابن المولى مولى الأنصار - فلما قدم عبد الملك المدينة قدم ابن المولى، لما بلغه من مسألة عبد الملك عنه، فوردها وقد رحل عبد الملك عنها، فأتبعه فأدركه بإضم بذي خشب بين عين مروان وعين الحديد، وهما جميعا لمروان، فالتفت عبد الملك إليه وابن المولى على نجيب متنكّبا قوسا عربية، فقال له عبد الملك: ابن المولى؟
قال: لبيّك يا أمير المؤمنين؛ قال: مرحبا بمن نالنا شكره ولم ينله منا فعل، ثم قال له: أخبرني عن ليلى التي تقول فيها:
وأبكى فلا ليلى بكت من صبابةإليّ ولا ليلى لذي الودّ تبذل
واللّه لئن كانت ليلى حرّة لأزوّجنّكها، ولئن كانت أمة لأبتاعنّها لك بما بلغت، فقال: كلّا يا أمير المؤمنين، واللّه ما كنت لأذكر حرمة حرّ أبدا ولا أمته، واللّه ما ليلى إلا قوسي هذه، سمّيتها ليلى لأشبّب بها، وإن الشاعر لا يستطاب إذا لم يتشبّب؛ فقال له عبد الملك: ذلك واللّه أظرف لك، فأقام عنده يومه وليلته ينشده ويسامره، ثم أمر له بمال وكسوة، وانصرف إلى المدينة.
أخبرني حبيب المهلّبيّ عن الزّبير وغيره عن محمد بن فضالة النحويّ قال: قدم ابن المولى البصرة، فأتى جعفر بن سليمان فوقف على طريقه وقد ركب فناداه:
كم صارخ يدعو وذي فاقةيا جعفر الخيرات يا جعفر
أنت الذي أحييت بذل الندىوكان قد مات فلا يذكر
سليل عبّاس وليّ الهدىومن به في المحل يستمطر
هذا امتداحيك عقيد الندىأشهد بالمجد لك الأشقر
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع