من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر زيد بن عمرو ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّي بن رياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب. وأمه جيداء بنت خالد بن جابر بن أبي حبيب بن فهم. وكانت جيداء عند نفيل بن عبد العزّي فولدت له الخطّاب أبا عمر بن الخطّاب وعبدنهم، ثم مات عنها نفيل فتزوّجها ابنه عمرو فولدت له زيدا، وكان هذا نكاحا ينكحه أهل الجاهليّة.
وكان زيد بن عمرو أحد من اعتزل عبادة الأوثان وامتنع من أكل ذبائحهم، وكان يقول: يا معشر قريش، أيرسل اللّه قطر السماء وينبت بقل الأرض ويخلق السائمة فترعى فيه وتذبحوها لغيره! واللّه ما أعلم على ظهر الأرض أحدا على دين إبراهيم غيري.
أخبرنا الطّوسيّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب بن عبد اللّه ومحمد بن الضحّاك عن أبيه، قالا: كان الخطّاب بن نفيل قد أخرج زيد بن عمرو من مكة وجماعة من قريش ومنعوه أن يدخلها حين فارق أهل الأوثان، وكان أشدّهم عليه الخطّاب بن نفيل. وكان زيد بن عمرو إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال: لبّيك حقّا حقّا؛ تعبّدا ورقّا؛ البرّ أرجو لا الخال، وهل مهجّر كمن قال! ثم يقول:
عدت بما عاذ به إبراهيممستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغممهما تجشّمني فإنّي جاشم
ثم يسجد. قال محمد بن الضحّاك عن أبيه: وهو الذي يقول:
لا همّ إنّي حرم لا حلّهوإنّ داري أوسط المحلّه
قال الزبير وحدّثني مصعب بن عبد اللّه عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل:
عزلت الجنّ والجنّان عنّيكذلك يفعل الجلد الصّبور
فلا العزّى أدين ولا ابنتيهاولا صنمي بني غنم أزور
ولا هبلا أدين وكان ربّالنا في الدهر إذ حلمي صغير
أربّا واحدا أم ألف ربّأدين إذا تقسّمت الأمور
ألم تعلم بأنّ اللّه أفنىرجالا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببرّ قومفيربو منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوماكما يتروّح الغصن النّضير
فقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو بن نفيل:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنماتجنّبت تنّورا من النار حاميا
بدينك ربّا ليس رب كمثلهوتركك جنّان الجبال كما هيا
أقول إذا ما زرت أرضا مخوفةحنانيك لا تظهر عليّ الأعاديا
حنانيك إنّ الجنّ كانت رجاءهموأنت إلهي ربّنا ورجائيا
أدين لربّ يستجيب ولا أرىأدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إذا صلّيت في كلّ بيعةتباركت قد أكثرت باسمك داعيا
يقول: خلقت خلقا كثيرا يدعون باسمك.
قال الزّبير وحدّثني مصعب بن عبد اللّه قال حدّثني الضحّاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن موسى بن عقبة قال سمعت من أرضى يحدّث:
أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها اللّه وأنزل من السماء ماء وأنبت لها من الأرض نباتا ثم تذبحونها على غير اسم اللّه! إنكارا لذلك وإعظاما له.
قال الزبير: وحدّثني مصعب بن عبد اللّه عن الضحّاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد اللّه أنه سمع عبد اللّه بن عمر يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وكان قبل أن ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي، فقدّم إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل، وقال: إنّي لا آكل إلّا ما ذكر اسم اللّه عليه.
قال الزبير وحدّثني مصعب بن عبد اللّه عن الضحّاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد اللّه قال - قال موسى: لا أراه إلّا حدّثه عن عبد اللّه بن عمر -: إن زيد بن عمرو خرج إلى الشّأم يسأل عن الدّين ويتّبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: لعلّي أدين بدينكم فأخبرني بدينكم؛ فقال اليهوديّ: إنّك لا تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من غضب اللّه؛ فقال زيد بن عمرو: لا أفرّ إلّا من غضب اللّه وما أحمل من غضب اللّه شيئا أبدا وأنا أستطيع، فهل تدلّني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا؛ قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم؛ فخرج من عنده وتركه.
فأتى عالما من علماء النّصارى فقال له نحوا ممّا قال لليهوديّ، فقال له النّصرانيّ: إنك لن تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من لعنة اللّه؛ فقال: إني لا أمل من لعنة اللّه ولا من غضبه شيئا أبدا وأنا أستطيع، فهل تدلّني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحوا مما قال اليهوديّ: لا أعلمه إلا أن يكون حنيفا؛ فخرج من عندهما وقد رضي بما أخبراه واتّفقا عليه من دين إبراهيم، فلما برز رفع يديه وقال؛ اللّهم إنّي على دين إبراهيم.
قال الزبير وحدّثني مصعب بن عبد اللّه عن الضّحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال قال هشام بن عروة: بلغنا أنّ زيد بن عمرو كان بالشأم، فلما بلغه خبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أقبل يريده فقتله أهل ميفعة.
قال الزّبير وحدّثني مصعب بن عبد اللّه عن الضّحاك بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو قال: سألت أنا وعمر بن الخطّاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن زيد فقال: «يأتي يوم القيامة أمّة وحده».
وأنشد محمد بن الضحّاك عن الحزاميّ عن أبيه لزيد بن عمرو:
أسلمت وجهي لمن أسلمتله المزن تحمل عذبا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمتله الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت شدّهاسواء وأرسى عليها الجبالا
وأما زهير بن جناب الكلبيّ فإنّه أحد المعمّرين، يقال: إنه عمّر مائة وخمسين سنة وهو - فيما ذكر - أحد الذين شربوا الخمر في الجاهليّة حتّى قتلتهم؛ وكان قد بلغ من السنّ الغاية التي ذكرناها، فقال ذات يوم: إنّ الحيّ ظاعن، فقال عبد اللّه ابن عليم بن جناب: إن الحي مقيم؛ فقال زهير: إن الحيّ مقيم؛ فقال عبد اللّه: إنّ الحيّ ظاعن؛ فقال: من هذا الذي يخالفني منذ اليوم! قيل: ابن أخيك عبد اللّه بن عليم؛ فقال: أو ما هاهنا أحد ينهاه عن ذلك! قالوا: لا؛ فغضب وقال: لا أراني قد خولفت، ثم دعا بالخمر فشربها صرفا بغير مزاج وعلى غير طعام حتّى قتلته. وهو الذي يقول في ذمّ الكبر وطول الحياة:
الموت خير للفتىفليهلكن وبه بقيّة
من أن يرى الشّيخ البجال إذا تهادى بالعشيّة
أبنيّ إن أهلك فقدأورثتكم مجدا بنيّه
وتركتكم أبناء سادات زنادكم وريّه
بل كلّ ما نال الفتىقد نلته إلا التّحيّه
وأمّا مدرج الرّيح فاسمه عامر بن المجنون الجرميّ، وإنما سمّي مدرج الريح بشعر قاله في امرأة كان يزعم أنّه يهواها من الجنّ وأنّها تسكن الهواء وتتراءى له، وكان محمّقا؛ وشعره هذا:
صوت
لابنة الجنّيّ في الجوّ طللدارس الآيات عاف كالخلل
درسته الرّيح من بين صباوجنوب درجت حينا وطلّ
الغناء فيه لحنين ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وابن المكيّ، وذكر حبش أنّه لمعبد، وذكر عمرو بن بانة أنّ لحن حنين من خفيف الثّقيل الأوّل بالبنصر. وأخبار عامر بن المجنون تذكر في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى.
وأما سعية بن غريض فقد كان ذكر خبر جدّه السّموءل بن غريض بن عاديا في موضع غير هذا. وكان سعية بن غريض شاعرا، وهو الذي يقول لمّا حضرته الوفاة يرثي نفسه:
صوت
يا ليت شعري حين يذكر صالحيماذا تؤبّنني به أنواحي
أيقلن لا تبعد، فربّ كريهةفرّجتها ببشارة وسماح
وإذا دعيت لصعبة سهّلتهاأدعى بأفلح تارة ونجاح
- غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو - وأسلم سعية وعمّر عمرا طويلا، ويقال: إنّه مات في آخر خلافة معاوية.
فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية عن الهيثم بن عديّ قال: حجّ معاوية حجّتين في خلافته، وكانت له ثلاثون بغلة يحجّ عليها نساؤه وجواريه. قال: فحجّ في إحداهما فرأى شيخا يصلّي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان، فقال: من هذا؟ قالوا: سعية بن غريض، وكان من اليهود، فأرسل إليه يدعوه، فأتاه رسوله فقال: أجب أمير المؤمنين؛ قال: أو ليس قد مات أمير المؤمنين! قيل: فأجب معاوية؛ فأتاه فلم يسلّم عليه بالخلافة؛ فقال له معاوية: ما فعلت أرضك التي بتيماء؟ قال: يكسى منها العاري ويردّ فضلها على الجار؛ قال: أفتبيعها؟ قال: نعم؛ قال: بكم؟ قال: بستّين ألف دينار، ولو لا خلّة أصابت الحيّ لم أبعها؛ قال: لقد أغليت! قال: أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثم لم تبل! قال: أجل، وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي به نفسه؛ فقال: قال أبي:
يا ليت شعري حين أندب هالكاماذا تؤبّنني به أنواحي
أيقلن لا تبعد، فربّ كريهةفرّجتها بشجاعة وسماح
ولقد ضربت بفضل مالي حقّهعند الشّتاء وهبّة الأرواح
ولقد أخذت الحقّ غير مخاصمولقد رددت الحقّ غير ملاحي
وإذا دعيت لصعبة سهّلتهاأدعى بأفلح مرّة ونجاح
فقال: أنا كنت بهذا الشعر أولى من أبيك؛ قال: كذبت ولؤمت؛ قال: أما كذبت فنعم، وأمّا لؤمت فلم، قال: لأنك كنت ميّت الحقّ في الجاهلية وميّته في الإسلام، أمّا في الجاهلية فقاتلت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والوحي حتى جعل اللّه عزّوجلّ كيدك المردود، وأمّا في الإسلام فمنعت ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخلافة، وما أنت وهي! وأنت طليق ابن طليق! فقال معاوية: قد خرف الشيخ فأقيموه، فأخذ بيده فأقيم.
وسعية هذا هو الذي يقول:
صوت
يا دار سعدى بأقصى تلعة النّعمحيّيت دارا على الإقواء والقدم
وما بجزعك إلا الوحش ساكنةوهامد من رماد القدر والحمم
عجنا فما كلّمتنا الدار إذ سئلتوما بها عن جواب خلت من صمم
الشعر لسعية بن غريض، والغناء لابن محرز ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع