تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار يزيد حوراء

فيه ٢٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

يزيد حوراء رجل من أهل المدينة ثم من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويكنى أبا خالد، مغنّ محسن كثير الصّناعة، من طبقة ابن جامع وإبراهيم الموصليّ، وكان ممن قدم على المهديّ في خلافته فغنّاه، وكان حسن الصّوت حلو الشمائل.

وذكر ابن خرداذبه أنه بلغه أن إبراهيم الموصليّ حسده على شمائله وإشارته في الغناء، فاشترى عدّة جوار وشاركه فيهنّ، وقال له: علّمهن فما رزق اللّه فيهن من ربح فهو بيننا، وأمرهن أن يجعلن وكدهنّ أخذ إشارته ففعلن ذلك، وكان إبراهيم يأخذها عنهن هو وابنه ويأمرهن بتعليم كلّ من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس؛ فأبطل عليه ما كان منفردا به من ذلك.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثني جماعة من موالي الرشيد: أن يزيد حوراء كان صديقا لأبي العتاهية، فقال أبو العتاهية أبياتا في أمر عتبة يتنجّز فيها المهديّ ما وعد إيّاه من تزويجها، فإذا وجد المهديّ طيّب النفس غنّاه بها، وهي:

ولقد تنسّمت الرياح حاجتيفإذا لها من راحتيك نسيم
أشربت نفسي من رجائك ما لهعنق يخبّ إليك بي ورسيم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولقد تنسمت الرياح لحاجتي»
ورميت نحو سماء جودك ناظريأرعى مخايل برقه وأشيم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولقد تنسمت الرياح لحاجتي»
ولربّما استيأست ثم أقول لا،إنّ الّذي ضمن النجاح كريم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولقد تنسمت الرياح لحاجتي»

فصنع فيها لحنا وتوخّى لها وقتا وجد المهديّ فيه طيّب النفس فغنّاه بها، فدعا بأبي العتاهية وقال له: أمّا عتبة فلا سبيل إليها لأن مولاتها منعت من ذلك. ولكن هذه خمسون ألف درهم فاشتر ببعضها خيرا من عتبة، فحملت إليه وانصرف.

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن المرزبان قال حدّثنا شيبة بن هشام عن عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ قال: كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن الوجه شكلا، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف ولا أشكل منه، وما كنت تشاء أن ترى خصلة جميلة فيه لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه، وكان يتعصّب لإبراهيم الموصليّ على ابن جامع، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبّه على مواضع تقدّمه وإحسانه ويبعث بابنه إسحاق إليه يأخذ عنه.

وكان صديقا لأبي مالك الأعرج التّميميّ لا يكاد أن يفارقه، فمرض مرضا شديدا واحتضر، فاغتمّ عليه الرشيد وبعث بمسرور الخادم يسأل عنه، ثم مات؛ فقال أبو مالك يرثيه:

صوت

لم يمتّع من الشباب يزيدصار في التّرب وهو غضّ جديد
للشاعر النضر بن أبي النضر التميمي، اقرأ القصيدة
خانه دهره وقابله منه بنحس ودابرته السّعود
حين زفّت دنياه من كل وجهوتدانى إليه منه البعيد
فكأن لم يكن يزيد ولم يشج نديما يهزّه التّغريد
للشاعر النضر بن أبي النضر التميمي، اقرأ القصيدة

وفي هذه الأبيات لحسين بن محرز لحن من الثقيل الثاني بالبنصر، من نسخة عمرو بن بانة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن أبي يوسف قال حدّثني الحسين بن جمهور بن زياد بن طرخان مولى المنصور قال حدّثني أبو محمد عبد الرحمن بن عيينة بن شارية الدّؤليّ قال حدّثني محمد بن ميمون أبو زيد قال حدّثني يزيد حوراء المغنّي قال: كلّمني أبو العتاهية في أن أكلّم له المهديّ في عتبة، فقلت له: إن الكلام لا يمكنني ولكن قل شعرا أغنّه به، فقال:

صوت

نفسي بشيء من الدنيا معلّقةاللّه والقائم المهديّ يكفيها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «نفسي بشيء من الدنيا معلقة»
إني لأيأس منها ثم يطمعنيفيها احتقارك للدنيا وما فيها

قال: فعملت فيه لحنا وغنيّته به، فقال: ما هذا؟ فأخبرته خبر أبي العتاهية، فقال: ننظر فيما سأل، فأخبرت أبا العتاهية، ثم مضى شهر فجاءني وقال: هل حدث خبر؟ فقلت: لا، قال: فاذكرني للمهديّ، قلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحرّكه وتذكّره وعده حتى أغنّيه به، فقال:

صوت

ليت شعري ما عندكم ليت شعريفلقد أخّر الجواب لأمر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ليت شعري ما عندكم ليت شعري»
ما جواب أولى بكلّ جميلمن جواب يردّ من بعد شهر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ليت شعري ما عندكم ليت شعري»

قال يزيد: فغنّيت به المهديّ فقال: عليّ بعتبة فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمني فيك، فما تقولين، ولك وله عندي ما تحبّان مما لا تبلغه أمانيكما؟ فقالت له: قد علم أمير المؤمنين ما أوجب اللّه عليّ من حقّ مولاتي، وأريد أن أذكر لها هذا، قال: فافعلي؛ قال: وأعلمت أبا العتاهية، ومضت أيّام فسألني معاودة المهديّ، فقلت: قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنّيه به، فقال:

صوت

أشربت قلبي من رجائك ما لهعنق يخبّ إليك بي ورسيم
وأملت نحو سماء جودك ناظريأرعى مخايل برقها وأشيم
ولربّما استيأست ثم أقول لاإنّ الذي وعد النجاح كريم

قال يزيد: فغنّيته المهديّ، فقال: عليّ بعتبة فجاءت، فقال: ما صنعت؟ فقالت: ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبته، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه، فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:

قطّعت منك حبائل الآمالوأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتليوبنات وعدك يعتلجن ببالي
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «قطعت منك حبائل الآمال»
ولئن طمعت لربّ برقة خلّبمالت بذي طمع ولمعة آل

أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش، فكانت تمرّ بي جارية تختلف إلى الزرقاء تتعلّم منها الغناء، فقلت لها يوما: افهمي قولي وردّي جوابي وكوني عند ظنّي، فقالت: هات ما عندك، فقلت: باللّه ما اسمك؟ فقالت: ممنّعة؛ فأطرقت طيرة من اسمها مع طمعي فيها، فقلت: بل باذلة أو مبذولة إن شاء اللّه، فاسمعي منّي، فقالت وهي تتبسّم: إن كان عندك شيء فقل، فقلت:

ليهنك منّى أنني لست مفشياهواك إلى غيري ولو متّ من كرب
ولا مانحا خلقا سواك مودّتيولا قائلا ما عشت من حبّكم حسي

قال: فنظرت إليّ طويلا، ثم قالت: أنشدك اللّه، أعن فرط محبّة أم اهتياج غلمة تكلّمت؟ فقلت: لا واللّه ولكن عن فرط محبّة، فقالت:

فو اللّه ربّ الناس لا خنتك الهوىولا زلت مخصوص المحبّة من قلبي
فثق بي فإنّي قد وثقت ولا تكنعلى غير ما أظهرت لي يا أخا الحبّ

قال: فو اللّه لكأنما أضرمت في قلبي نارا، فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدّثني وأتفرّج بها، ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء، فكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا طويلا.

صوت من المائة المختارة

يا ليلة جمعت لنا الأحبابالو شئت دام لنا النعيم وطابا
للشاعر عكاشة العمي، اقرأ القصيدة
بتنا نسقّاها شمولا قرقفاتدع الصحيح بعقله مرتابا
للشاعر عكاشة العمي، اقرأ القصيدة
حمراء مثل دم الغزال وتارةعند المزاج تخالها زريابا
للشاعر عكاشة العمي، اقرأ القصيدة
من كفّ جارية كأنّ بنانهامن فضّة قد قمّعت عنّابا
للشاعر عكاشة العمي، اقرأ القصيدة
وكأنّ يمناها إذا نقرت بهاتلقي على الكفّ الشّمال حسابا
للشاعر عكاشة العمي، اقرأ القصيدة

عروضه من الكامل. الشعر لعكّاشة العمّيّ، والغناء لعبد الرحيم الدّفّاف، ولحنه المختار هزج بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»