تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عطرّد ونسبه

فيه ٢٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

عطرّد مولى الأنصار، ثم مولى بن عمرو بن عوف، وقيل: إنه مولى مزينة، مدنيّ، يكنى أبا هارون، وكان ينزل قباء. وزعم إسحاق أنه كان جميل الوجه، حسن الغناء، طيّب الصوت، جيّد الصّنعة، حسن الرأي والمروءة، فقيها قارئا للقرآن، وكان يغنّي مرتجلا، وأدرك دولة بني أميّة، وبقي إلى أيام الرشيد، وذكر ابن خرداذبه فيما حدّثني به عليّ بن عبد العزيز عنه: أنه كان معدّل الشهادة بالمدينة؛ أخبره بذلك يحيى بن عليّ المنجم عن أبي أيّوب المدينيّ عن إسحاق.

وأخبرنا محمد بن خلف وكيع عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه: أن سلمة بن عبّاد ولي القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عبّاد بن سلمة عطّردا وهو بها مقيم قد قصد آل سليمان بن عليّ وأقام معهم؛ فأتى بابه ليلا فدقّ عليه ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطّرد إليه، فلما رآه ومن معه فزع؛ فقال: لا ترع.

إني قصدت إليك من أهليفي حاجة يأتي لها مثلي

فقال: وما هي أصلحك اللّه؟ قال:

لا طالبا شيئا إليك سوى«حيّ الحمول بجانب العزل»

فقال: انزلوا على بركة اللّه، فلم يزل يغنّيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.

نسبة هذا الصوت

صوت

حيّ الحمول بجانب العزلإذ لا يوافق شكلها شكلي
اللّه أنجح ما طلبت بهوالبرّ خير حقيبة الرّحل
إني بحبلك واصل حبليوبريش نبلك رائش نبلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»
وشمائلي ما قد علمت ومانبحت كلابك طارقا مثلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

الشعر لامرىء القيس بن عابس الكنديّ، هكذا روى أبو عمرو الشّيبانيّ، وقال: إن من يرويه

لامرىء القيس بن حجر يغلط. والغناء لعطّرد ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو بن بانة، وفيه لعمرو بن بانة ثقيل بالوسطى من روايته أيضا، وفيه لابن عائشة خفيف رمل بالبنصر، وفيه عنه وعن دنانير لمالك خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، وفيه عنه أيضا لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر.

وأخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ وأخبرني به الحسن بن عليّ قال: كتب إليّ أبو أيّوب المدينيّ، وخبره أتمّ، قال: حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه عن إبراهيم بن خالد المعيطيّ قال: دخلت على المهديّ، وقد كان وصف له غنائي، فسألني عن الغناء وعن علمي به، فجاذبته من ذلك طرفا؛ فقال لي: أتغنّي النواقيس؟ قلت: نعم، وأغنّي الصّلبان يا أمير المؤمنين، فتبسّم. والنواقيس لحن معبد، كان معبد وأهل الحجاز يسمونه النواقيس، وهو:

سلا دار ليلى هل تبين فتنطقوأنّي تردّ القول بيداء سملق
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

قال: ثم قال لي المهديّ وهو يضحك: غنّه، فغنّيته فأمر لي بمال جزيل وخلع عليّ وصرفني، ثم بلغني أنه قال: هذا معيطيّ وأنا لا آنس به، ولا حاجة لي إلى أن أدنيه من خلوتي وأنا لا آنس به. هكذا ذكر في هذا الخبر أن اللّحن لمعبد، وما ذكره أحد من رواة الغناء له، ولا وجد في ديوان من دواوينهم منسوبا إليه على انفراد به ولا شركة فيه، ولعلّه غلط.

وقد أخبرني هذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: كان إبراهيم بن خالد المعيطيّ يغنّي، فدخل يوما الحمّام وابن جامع فيه، وكان له شيء يجاوز ركبتيه، فقال له ابن جامع: يا إبراهيم أتبيع هذا البغل؟ قال: لا بل أحملك عليه يا أبا القاسم؛ فلما خرج ابن جامع من الحمّام رأى ثياب المعيطي رثّة فأمر له بخلعة من ثيابه، فقال له المعيطيّ: لو قبلت حملاني قبلت خلعتك، فضحك ابن جامع وقال له: مالك أخزاك اللّه! ويلك! أما تدع ولعك وبطالتك وشرّك! ودخل إلى الرشيد فحدّثه حديثه؛ فضحك وأمر بإحضاره، فأحضر، فقال له: أتغنّي النواقيس؟ قال: نعم، وأغنّي الصلبان أيضا. ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدّمه.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن إسحاق قال: كان عطّرد منقطعا في دولة بني هاشم إلى آل سليمان بن عليّ لم يخدم غيرهم، وتوفّي في خلافة المهديّ.

قال: وكان يوما يغنّي بين يدي سليمان بن عليّ، فغنّاه:

صوت

أله فكم من ماجد قد لهاومن كريم عرضه وافر

- الغناء لعطرّد ثاني ثقيل عن الهشاميّ - فقيل له: سرقت هذا من لحن الغريض:

يا ربع سلّامة بالمنحنىفخيف سلع جادك الوابل

فقال: لم أسرقه ولكنّ العقول تتوافق، وحلف أنه لم يسمعه قطّ.

نسبة هذا الصوت

صوت

يا ربع سلّامة بالمنحنىفخيف سلع جادك الوابل
إن تمس وحشا طالما قد ترىوأنت معمور بهم آهل
أيام سلّامة رعبوبةخود لعوب حبّها قاتل
محطوطة المتن هضيم الحشىلا يطّبيها الورع الواغل

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن يحيى المكيّ. قال: ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج.

أخبرني أحمد بن عليّ بن يحيى قال سمعت جدّي عليّ بن يحيى قال حدّثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال حدّثني خالد بن كلثوم قال: كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها؛ وهو من بني هاشم أحد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس عطرّد فيهم، فجلس ليعرضهم، وحضر رجال من أهل المدينة شفعوا لعطرّد، وأخبروه أنه من أهل الهيئة والمروءة والنّعمة والدّين، فدعا به فخلّى سبيله، وأمره برفع حوائجه إليه فدعا له، وخرج فإذا هو بالمغنّين أحضروا ليعرضوا، فعاد إليه عطرّد، فقال: أصلح اللّه الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟

قال: نعم؛ قال: فلا تظلمهم، فو اللّه ما أحسنوا منه شيئا قط! فضحك وخلّى سبيلهم.

أخبرني محمد بن مزيد وجحظة قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال قرأت على أبي عن محمد بن عبد الحميد بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى عن عمّه أيّوب بن إسماعيل قال: لما استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بالشخوص إليه بعطرّد المغنّي؛ قال عطرّد: فأقرأني العامل الكتاب وزوّدني نفقة وأشخصني إليه، فأدخلت عليه وهو جالس في قصره على شفير بركة مرصّصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها سباحة، فو اللّه ما تركني أسلّم عليه حتى قال: أعطّرد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: لقد كنت إليك مشتاقا يا أبا هارون. غنّني:

حيّ الحمول بجانب العزلإذ لا يلائم شكلها شكلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»
إني بحبلك واصل حبليوبريش نبلك رائش نبلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»
وشمائلي ما قد علمت ومانبحت كلابك طارقا مثلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

قال: فغنّيته إيّاه، فو اللّه ما أتممته حتى شقّ حلّة وشى كانت عليه لا أدري كم قيمتها، فتجرّد منها كما ولدته أمّه وألقاها نصفين، ورمى بنفسه في البركة فنهل منها حتى تبيّنت - علم اللّه - فيها أنها قد نقصت نقصانا بينا، وأخرج منها وهو كالمّيت سكرا، فأضجع وغطّي، فأخذت الحلّة وقمت، فو اللّه ما قال لي أحد: دعها ولا خذها، فانصرفت إلى منزلي متعجّبا مما رأيت من ظرفه وفعله وطربه؛ فلما كان من غد جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني، فلما دخلت عليه قال لي: يا عطرّد، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال غنّني:

أيذهب عمري هكذا لم أنل بهامجالس تشفي قرح قلبي من الوجد
وقالوا تداو إنّ في الطّبّ راحةفعلّلت نفسي بالدواء فلم يجد

فغنّيته إيّاه، فشقّ حلّة وشى كانت تلتمع عليه بالذهب التماعا احتقرت واللّه الأولى عندها، ثم ألقى نفسه في البركة فنهل فيها حتى تبيّنت - علم اللّه - نقصانها، وأخرج منها كالميّت سكرا، وألقي وغطّي فنام، وأخذت الحلّة فو اللّه ما قال لي أحد: دعها ولا خذها، وانصرفت؛ فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره، فكلّمني من وراء الستور وقال: يا عطرّد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كأني بك الآن قد أتيت المدينة فقمت بي في مجلسها ومحفلها وقعدت وقلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت إليه فاقترح عليّ فغنّيته وأطربته فشقّ ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل، واللّه يابن الزانية، لئن تحرّكت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربنّ عنقك، يا غلام أعطه ألف دينار، خذها وانصرف إلى المدينة؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده، ويزوّدني نظرة منه وأغنّيه صوتا! فقال: لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك، فانصرف. قال عطرّد: فخرجت من عنده وما علم اللّه أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدّة.

نسبة هذين الصوتين

الصوت الأوّل ممّا غنّاه عطرّد الوليد قد نسب في أوّل أخباره، والثاني الذي أوّله:

أيذهب عمري هكذا لم أنل بها

الغناء فيه لعطرّد ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه ليونس من كتابه لحن لم يذكر طريقته؛ وذكر عمرو بن بانة أنّ فيه لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

صوت من المائة المختارة

إن امرأ تعتاده ذكرمنها ثلاث منى لذو صبر
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
ومواقف بالمشعرين لهاومناظر الجمرات والنحر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إن امرءا تعتاده ذكر»
وإفاضة الرّكبان خلفهممثل الغمام أرذّ بالقطر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إن امرءا تعتاده ذكر»
حتى استلمن الركن في أنفمن ليلهنّ يطأن في الأزر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إن امرءا تعتاده ذكر»
يقعدن في التّطواف آونةويطفن أحيانا على فتر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إن امرءا تعتاده ذكر»
ففرغن من سبع وقد جهدتأحشاؤهنّ موائل الخمر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إن امرءا تعتاده ذكر»

الشعر للحارث بن خالد المخزوميّ، والغناء في اللحن المختار للأبجر، وإيقاعه من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأوّل والثاني والسادس من الأبيات عن إسحاق. وفيه للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج في الثالث والرابع رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»