تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ابن مسجح ونسبه

فيه ٢٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

سعيد بن مسجح أبو عثمان مولى بني جمح، وقيل: إنه مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب. مكيّ أسود، مغنّ متقدّم من فحول المغنّين وأكابرهم، وأوّل من صنع الغناء منهم، ونقل غناء الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشأم وأخذ ألحان الروم والبربطيّة والأسطو خوسيّة، وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرا وتعلّم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النّغم، وألقى منها ما استقبحه من النّبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب، وغنّى على هذا المذهب، فكان أوّل من أثبت ذلك ولحنّه وتبعه الناس بعد.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، والحسين بن يحيى قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن هشام بن المرّيّة: أنّ أوّل من غنّى هذا الغناء العربيّ بمكّة ابن مسجح مولى بني مخزوم، وذلك أنه مرّ بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام، فسمع غناءهم بالفارسيّة فقلبه في شعر عربيّ؛ وهو الذي علّم ابن سريج والغريض، وكان ابن مسجح مولّدا أسود يكنى بأبي عيسى.

أخبرني محمد بن عبيد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ، وذكر إسحاق عن المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: كان سبب بناء ابن الزّبير الكعبة لما احترقت، أنّ أهل الشأم لما حاصروه سمع أصواتا بالليل فوق الجبل فخاف أن يكون أهل الشأم قد وصلوا إليه، وكانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة صعبة ورعد وبرق، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها واستطالت فيها، وجهد الناس في إطفائها فلم يقدروا، وأصبحت الكعبة تتهافت وماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلّهم في جنازتها خوفا من أن ينزل العذاب عليهم، وأصبح ابن الزّبير ساجدا يدعو ويقول: اللهم إني لم أتعمّد ما جرى فلا تهلك عبادك بذنبي وهذه ناصيتي بين يديك؛ فلمّا تعالى النهار أمن وتراجع الناس، فقال لهم: اللّه اللّه أن ينهدم في بيت أحدكم حجر فيزول عن موضعه فيبنيه ويصلحه وأترك الكعبة خرابا؛ ثم هدمها مبتدئا بيده وتبعه الفعلة حتى بلغوا إلى قواعدها، ودعا ببنّائين من الفرس والروم فبناها.

قال إسحاق: وأخبرني ابن الكلبيّ عن أبي مسكين قال: كان سعيد بن مسجح أسود مولّدا يكنى أبا عيسى مولى لبني جمح، فرأى الفرس وهم يعملون الكعبة لابن الزّبير ويتغنّون بالفارسيّة فاشتقّ غناءه على ذلك.

قال إسحاق: وحدّثني محمد بن سلّام عن شعيب بن صخر وجرير قالا: كان سعيد بن مسجح أسود وهو مولى بني جمح يكنى أبا عيسى.

قال إسحاق: وحدّثني المدائني عن صخر بن جعفر عن أبي قبيل بمثل ذلك، وذكر أنه كان يكنى أبا عثمان.

قال: وهو مولى لبني نوفل بن الحارث كان هو وابن سريج لرجل واحد، ولذلك قبل عنه ابن سريج.

قال إسحاق: وحدّثني الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان فذكر مثل ما ذكر أبو قبيل من كنيته وولائه، وقال: كان ابن مسجح فطنا كيّسا ذكيّا، وكان أصفر حسن اللون، وكان مولاه معجبا به، وكان يقول في صغره: ليكوننّ لهذا الغلام شأن، وما منعني من عتقه إلا حسن فراستي فيه، ولئن عشت لأتعرّفنّ ذلك، وإن متّ فهو حرّ، فسمعه مولاه يوما وهو يتغنّى بشعر ابن الرّقاع العامليّ، وهو من الثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى:

صوت

ألمم على طلل عفا متقادمبين اللّكيك وبين غيب الناعم
لو لا الحياء وأنّ رأسي قد عثافيه المشيب لزرت أمّ القاسم

فدعا به مولاه فقال له: يا بنيّ أعد ما سمعته منك عليّ، فأعاده فإذا هو أحسن مما ابتدأ به، فقال: إن هذا لمن بعض ما كنت أقول، ثم قال: أنّى لك هذا؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنّى بالفارسيّة فثقفتها وقلبتها في هذا الشعر، قال له: فأنت حرّ لوجه اللّه، فلزم مولاه وكثر أدبه واتسع في غنائه ومهر بمكّة وأعجبوا به لظرفه وحسن ما سمعوه منه، فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج، وقال له: يا بنيّ علّمه واجتهد فيه؛ وكان ابن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلّم منه ثم برّز عليه حتى لم يعرف له نظير.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أخي هارون عن ابن الماجشون عن شيخ من أهل المدينة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان والحسين بن يحيى قالا أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر ابن الكلبيّ عن أبي مسكين عن شيخ من أهل المدينة قال: دخلت على رجل من قريش بالمدينة وعنده رجل ساكن الطّرف نبيل تأخذه العين، لا أعرفه؛ فقال له القرشيّ: أقسمت عليك إلّا ما غنّيت صوتا، فحوّل خاتمه من خنصره اليسرى إلى بنصره اليمنى، ثم تناول قدحا، فغنّاه لحن ابن سريج في شعر كعب بن جعيل:

إذا امتشطت عالوا لها بوسادةومدّت عسيب المتن أن يتعفّرا
ثوت نصف شهر تحسب الشهر ليلةتناغي غزالا ساجي الطرف أحورا
تزيّن حتى تسلب المرء عقلهوحتى يحار الطرف فيها ويسكرا

ثم غنّى في شعر توبة بن الحميّر:

وغيّرني إن كنت لمّا تغيّريهواجر تكتنّينها وأسيرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وأدماء من سرّ المهارى كأنهامهاة صوار غير ما مسّ كورها
قطعت بها أجواز كلّ تنوفةمخوف رداها كلّما استنّ مورها
ترى ضعفاء القوم فيها كأنهمدعاميص ماء نشّ عنها غديرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

قال: فقلت له إني لأروي هذا الشعر وما أعرف هذه الأبيات فيه، فقال: هكذا رويتها عن عبد اللّه بن جعفر، قال: وإذا هو نافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر.

الغناء في هذين اللحنين لابن مسجح ولم أجد لهما طريقة في شيء من الكتب التي مرّت. وذكر حبش أن في أبيات كعب بن جعيل لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى.

حدّثني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب وعمّي وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى الهاشميّ قال حدّثني أحمد بن موسى بن حمزة بن عمارة بن صفوان الجمحيّ عن أبيه قال: أوّل من نقل الغناء الفارسيّ من الفارسيّ إلى الغناء العربيّ سعيد بن مسجح مولى بني مخزوم. قال: وقد يختلف في ولائه إلا أن الأغلب عليه ولاء بني مخزوم، وذلك أنّ معاوية بن أبي سفيان لما بنى دوره التي يقال لها: «الرّقط» - وهي ما بين الدارين إلى الرّدم: أوّلها الدار البيضاء وآخرها دار الحمّام، وهي على يسار المصعد من المسجد إلى «ردم عمر» - حمل لها بنّائين فرسا من العراق فكانوا يبنونها بالجصّ والآجر، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع من غنائهم على بنيانهم، فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربيّ، ثم صاغ على نحو ذلك؛ وهو الذي علّم الغريض، فكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الأغاني:

صوت

أسلام إنّك قد ملكت فأسجحيقد يملك الحرّ الكريم فيسجح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»
منّي على عان أطلت عناءهفي الغلّ عندك والعناة تسرّح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»
إنّي لأنصحكم وأعلم أنهسيّان عندك من يغشّ وينصح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»
وإذا شكوت إلى سلامة حبّهاقالت أجدّ منك ذا أم تمزح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»

- الشعر للأحوص. والغناء لابن مسجح ثقيل أوّل بالبنصر. ولد حمان فيه ثقيل أوّل بالبنصر. ولمالك فيه خفيف ثقيل عن الهشاميّ - قال: وهو أوّل من غنّى الغناء العربيّ المنقول عن الفارسيّ. وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن عبد الملك.

حدّثني عمّي والحسين بن القاسم الكوفيّ قالا جميعا حدّثنا محمد بن سعيد الكرانيّ قال حدّثني النضر بن عمرو قال حدّثني أبو أميّة القرشيّ قال حدّثنا دحمان الأشقر قال: كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة فنمي إليه أنّ رجلا أسود يقال له: سعيد بن مسجح أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليّ: أن اقبض ماله وسيّره، ففعلت. فتوجّه ابن مسجح إلى الشأم فصحبه رجل له جوار مغنّيات في طريقه، فقال له: أين تريد؟ فأخبره خبره، وقال له: أريد الشأم، قال له: فتكون معي؟ قال: نعم، فصحبه حتى بلغا دمشق فدخلا مسجدها فسألا: من أخصّ الناس بأمير المؤمنين؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه، فوقف ابن مسجح عليهم وسلّم ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من نضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟

فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها: «برق الأفق» فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمّم فقال: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، قالوا: لا، بل تجيء أنت وضيفك، فذهبوا جميعا إلى بيت القينة، فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إني رجل أسود ولعلّ فيكم من يقذرني فأنا أجلس وآكل ناحية وقام، فاستحيوا منه وبعثوا إليه بما أكل، فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك، ففعلوا به، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما، فغنّتا إلى العشاء ثم دخلتا، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلست على السرير وجلستا أسفل منها عن يمين السرير وشماله، قال ابن مسجح: فتمثّلت هذا البيت:

فقلت أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السّجف أم أنت حالم

فغضبت الجارية وقالت: أيضرب هذا الأسود بي الأمثال! فنظروا إليّ نظرا منكرا ولم يزالوا يسكّنونها، ثم غنّت صوتا، فقال ابن مسجح: أحسنت واللّه، فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده: قم فانصرف إلى منزلي فقد ثقلت على القوم، فذهبت أقوم فتذمّم القوم وقالوا لي: بل أقم وأحسن أدبك فأقمت، وغنّت فقلت: أخطأت واللّه يا زانية وأسأت، ثم اندفعت فغنّيت الصوت فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا واللّه أبو عثمان سعيد بن مسجح، فقلت: إني واللّه أنا هو، واللّه لا أقيم عندكم، فوثب القرشيّون فقال هذا: يكون عندي، وقال هذا: يكون عندي، وقال هذا: بل عندي، فقلت: واللّه لا أقيم إلا عند سيّدكم - يعني الرجل الذي أنزله منهم - ثم سألوه عما أقدمه فأخبرهم الخبر، فقال له صاحبه: إني أسمر الليلة مع أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟ قال: لا، ولكني أستعمل حداء، قال: فإن منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين فإن وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك، ومضى إلى عبد الملك فلما رآه طيّب النفس أرسل إلى ابن مسجح وأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا:

إنك يا معاذ يابن الفضّلإن زلزل الأقدام لم تزلزل
عن دين موسى والكتاب المنزلتقيم أصداغ القرون الميّل
للحقّ حتى ينتحوا للأعدل

فقال عبد الملك للقرشيّ: من هذا؟ قال: رجل حجازيّ قدم عليّ، قال: أحضره فأحضره له، وقال له: أحد مجدّا، ثم قال له: هل تغنّي غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: غنّه، فتغنّى، فقال له: فهل تغنّي الغناء المتقن؟ قال: نعم، قال: غنّه، فتغنّى فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال له: أقسم إن لك في القوم لأسماء كثيرة، من أنت؟ ويلك! قال له: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه سعيد بن مسجح، قبض مالي عامل الحجاز ونفاني، فتبسّم عبد الملك ثم قال له: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم، وأمّنه ووصله وكتب إلى عامله بردّ ماله عليه وألّا يعرض له بسوء.

صوت من المائة المختارة

سلا دار ليلى هل تبين فتنطقوأنّى تردّ القول بيداء سملق
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وأنّى تردّ القول دار كأنهالطول بلاها والتقادم مهرق
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

عروضه من الطويل، الشّعر لابن المولى. وذكر يحيى بن عليّ بن يحيى عن إسحاق أن الشعر للأعشى؛ وذلك غلط، وقد التمسناه في شعر كل أعشى ذكر في شعراء العرب فلم نجده، ولا رواه أحد من الرّواة لأحد منهم، ووجدناه في شعر ابن المولى من قصيدة له طويلة جيّدة، وقد أثبتناها بعقب أخباره ليوقف على صحّة ما ذكرناه، إذ كان الغلط إذا وقع من مثل هذه الجهة احتيج إلى إيضاح الحجّة على ما خالفه والدّلالة على الصواب فيه. والغناء في اللحن المختار لعطرّد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق ويونس وعمرو، وفيه لأيّوب زهرة خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ وأحمد بن المكيّ. وفي غناء أيّوب زهرة زيادة بيتين وهما:

وقال خليلي والبكا لي غالبأقاض عليك ذا الأسى والتشوّق
وقد طال توقاني
أكفكف عبرةتكاد إذا ردّت لها النفس تزهق

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»