تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار الابجر ونسبه

فيه ١٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الأبجر لقب غلب عليه، واسمه عبيد اللّه بن القاسم بن ضبية، ويكنى أبا طالب، هكذا روى محمد بن عبد اللّه بن مالك عن إسحاق، وروى هارون بن الزيّات عن حمّاد عن أبيه: أن اسمه محمد بن القاسم بن ضبية، وهو مولى لكنانة ثم لبني بكر، ويقال: إنه مولى لبني ليث.

أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن مالك وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه وهارون بن الزّيات قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن محمد بن عبد اللّه بن مالك قال: كنا يوما جلوسا عند إسحاق، فغنّتنا جارية يقال لها «سمحة»:

إنّ العيون التي في طرفها مرضقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»

فهبت إسحاق أن أسأله لمن الغناء، فقلت لبعض من كان معنا: سله، فسأله فقال له إسحاق: ما كان عهدي بك في شبيبتك لتسألنا عن هذا، فقال: أحببته لمّا أسننت، فقال: لا ولكنّ هذا النّقب عمل هذا اللّص، وضرب بيده إلى تلابيبي، فقال له الرجل: صدقت يا أبا محمد، فأقبل عليّ فقال لي: ألم أقل لك إذا اشتهيت شيئا فسل عنه، أما لأعطينّك فيه ما تعابي به من شئت منهم، أتدري لمن الشعر؟ فقلت: لجرير، فقال لي: والغناء للأبجر، وكان مدنيّا منشؤه بمكّة، أو مكيّا منشؤه بالمدينة، أتدري ما اسمه؟ قلت: لا، قال: اسمه عبيد اللّه بن القاسم بن ضبية، أتدري ما كنيته؟ قلت: لا، قال: أبو طالب، ثم قال: اذهب فعاي بهذا من شئت منهم فإنك تظفر به.

وقال هارون: حدّثني حمّاد عن أبيه قال: الأبجر اسمه محمد بن القاسم بن ضبية وقال مرّة أخرى: عبيد اللّه بن القاسم، مولى لبني بكر بن كنانة، وقيل: إنه مولى لبني ليث، يلقّب بالحسحاس.

قال هارون: وحدّثني حماد عن أبيه قال حدّثني عورك اللّهبيّ قال: لم يكن بمكّة أحد أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة من الأبجر، كانت حلّته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار، وكان يقف بين المأزمين فيرفع صوته فيقف الناس له يركب بعضهم بعضا.

أخبرني عليّ بن عبد العزيز الكاتب عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، قالا: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحجّ على قريب من التّنعيم فإذا عسكر جرّار قد أقبل في آخر الليل، وفيه دوابّ تجنب وفيها فرس أدهم عليه سرج حليته ذهب فاندفع، فغنّى:

عرفت ديار الحيّ خالية قفراكأن بها لمّا توهمتها سطرا

فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا، وصاح صائح: ويحك! أعد الصوت، فقال: لا واللّه! إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار، فإذا الوليد بن يزيد صاحب الإبل، فنودي: أين منزلك ومن أنت؟

فقال: أنا الأبجر ومنزلي على باب زقاق الخرّازين، فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت من ثياب وشى وغير ذلك، ثم أتى به الوليد فأقام عنده، وراح مع أصحابه عشيّة التّروية وهو أحسنهم هيئة، وخرج معه أو بعده إلى الشأم.

قال إسحاق: وحدّثني عورك اللّهبيّ أن خروجه كان معه، وذلك في ولاية محمد بن هشام بن إسماعيل مكّة، وفي تلك السنة حجّ الوليد، لأن هشاما أمره بذلك ليهتكه عند أهل الحرم، فيجد السبيل إلى خلعه، فظهر منه أكثر مما أراد به من التّشاغل بالمغنّين واللهو، وأقبل الأبجر معه حتى قتل الوليد، ثم خرج إلى مصر فمات بها.

نسبة الصوت المذكور في هذا الخبر

صوت

عرفت ديار الحيّ خالية قفراكأنّ بها لمّا توهّمتها سطرا
وقفت بها كيما تردّ جوابهافما بيّنت لي الدار عن أهلها خبرا

الغناء لأبي عبّاد ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو، وفيه لسياط خفيف رمل بالبنصر.

قال إسحاق: وحدّثت أنّ الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا ثم دخل في الطواف حين أصبح، فرأى عطاء بن أبي رباح يطوف بالبيت، فقال: يا أبا محمد، اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض؛ قال له: ويحك! أفي هذا الموضع! فقال: كفرت بربّ هذا البيت لئن لم تسمعه منّي سرّا لأجهرنّ به؛ فقال: هاته، فغنّاه:

صوت

عوجي علينا ربّة الهودجإنّك إلّا تفعلي تحرجي
للشاعر العرجي، من قصيدة «عوجي علينا ربة الهودج»
إنّي أتيحت لي يمانيةإحدى بني الحارث من مذحج
للشاعر العرجي، من قصيدة «عوجي علينا ربة الهودج»
نلبث حولا كاملا كلّهلا نلتقي إلا على منهج
للشاعر العرجي، من قصيدة «عوجي علينا ربة الهودج»
في الحجّ إن حجّت وماذا منىوأهله إن هي لم تحجج
للشاعر العرجي، من قصيدة «عوجي علينا ربة الهودج»

فقال له عطاء: الخير الكثير واللّه في منى وأهله حجّت أو لم تحجّ، فاذهب الآن. وقد مرّت نسبة هذا الصوت وخبره في أخبار العرجيّ والغريض.

قال إسحاق: وذكر عمرو بن الحارث عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: ختن عطاء بن أبي رباح بنيه أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغنّي لهم.

قال هارون بن محمد حدّثني حمّاد بن إسحاق قال نسخت من كتاب ابن أبي نجيح بخطّه: حدّثني غرير بن طلحة الأرقميّ عن يحيى بن عمران عن عمر بن حفص بن أبي كلاب قال: كان الأبجر مولانا وكان مكّيّا، فكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يوما: أسمعوني غناء ابن عائشتيكم هذا، فأرسلنا فيه فجمعنا بينهما في بيت ابن هبّار فتغنّى ابن عائشة، فقال الأبجر: كلّ مملوك لي حرّ إن تغنّيت معك إلّا بنصف صوتي، ثم أدخل إصبعه في شدقه فتغنّى، فسمع صوته من في السّوق فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما؛ قال: وكان ابن عائشة حديدا جاهلا.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال وحدّثني ابن أبي سعد قال حدّثني القطرانيّ المغنّي عن محمد بن جبر عن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني ابن أشعب عن أبيه قال: دعي ذات يوم المغنّون للوليد بن يزيد، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم؛ قال: لم أومر بذلك وإنما أمرت بإحضار المغنّين وأنت بطّال لا تدخل في جملتهم؛ فقلت: أنا واللّه أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنّيته؛ فقال: لقد سمعت حسنا ولكنّي أخاف؛ فقلت: لا خوف عليك، ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟

قلت: كلّ ما أصبته فلك شطره؛ فقال للجماعة: اشهدوا عليه، فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس، فغنّاه المغنّون في كل فنّ من خفيف وثقيل، فلم يتحرّك ولا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره، وبأيّ سبب هو خاثر؟ فقال: بينه وبين امرأته شرّ، لأنه عشق أختها فغضبت عليه فهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألّا يذكرها أبدا بمراسلة ولا مخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها؛ فعاد الأبجر إلينا وما حلس حتى اندفع فغنّى:

صوت

فبيني فإنّي لا أبالي وأيقنيأصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمي أنّي عزوف عن الهوىإذا صاحبي من غير شيء تغضّبا

فطرب الوليد وارتاح وقال: أصبت يا عبيد واللّه ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر، ولم يحظ بشيء أحد سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك! فضحك وقال: قبّحك اللّه! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول وقلت: إنه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتصل عليّ إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة ويضرب بعدي مثلها، فقال له: لقد لطفت، أعطوه مائة دينار وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها؛ فقبضتها وما حظي أحد بشيء غيري وغير الرسول. والشعر الذي غنّى فيه الأبجر الوليد بن يزيد لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم، والغناء للأبجر ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لغيره عدّة ألحان نسبت.

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة

حمزة المبتاع بالمال الثّناويرى في بيعه أن قد غبن
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
فهو إن أعطى عطاء فاضلاذا إخاء لم يكدّره بمنّ
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
وإذا ما سنة مجدبةبرت الناس كبري بالسّفن
كان للناس ربيعا مغدقاساقط الأكناف إن راح أرجحنّ
نور شرق بيّن في وجههلم يصب أثوابه لون الدّرن

عروضه من الرمل. الشعر لموسى شهوات. والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»