تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار فريدة

فيه ١٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قال مؤلف هذا الكتاب: هما اثنتان محسنتان لهما صنعة تسمّيان بفريدة. فأمّا إحداهما، وهي الكبرى، فكانت مولّدة نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل الربيع، فعلّمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة. فلمّا قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت، وطلبها الرشيد فلم يجدها، ثم صارت إلى الأمين، فلمّا قتل خرجت، فتزوّجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد اللّه، ثم مات عنها، فتزوّجها السّنديّ بن الحرشيّ وماتت عنده. ولها صنعة جيّدة، منها في شعر الوليد بن يزيد: بعض الشعر الذي لها فيه صنعة:

صوت

ويح سلمى لو ترانيلعناها ما عناني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
واقفا في الدّار أبكيعاشقا حور الغواني

ولحنها فيه خفيف رمل.

ومن صنعتها:

صوت

ألا أيّها الرّكب ألا هبّوانسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ
ألا ربّ ركب قد وقفت مطيّهمعليك ولو لا أنت لم يقف الرّكب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «تذكر أنسا من بثينة ذا القلب»

لحنها فيه ثاني ثقيل. وفيه لابن جامع خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى.

فحدّثني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثني العمريّ قال حدّثني الهيثم بن عديّ قال: قال صالح بن حسّان يوما: ما نصف بيت كأنّه أعرابيّ في شملة، والنصف الآخر كأنّه مخنّث مفكّك؟ قلت: لا أدري. فقال: قد أجّلتك حولا. فقلت: لو أجّلتني عشرة أحوال ما عرفته. فقال: أوّه! أفّ لك! قد كنت أحسبك أجود ذهنا مما أرى. فقلت: فما هو الآن؟ قال: قول جميل.

ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّوا

هذا كلام أعرابيّ، ثم قال:

أسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ

كأنّه واللّه من مخنثي العقيق.

وأمّا فريدة الأخرى فهي الّتي أرى بل لا أشكّ في أنّ اللّحن المختار لها؛ لأنّ إسحاق اختار هذه المائة الصوت للواثق، فاختار فيها لمتيّم لحنا، ولأبي دلف لحنا، ولسليم بن سلّام لحنا، ولرياض جارية أبي حمّاد لحنا. وكانت فريدة أثيرة عند الواثق وحظيّة لديه جدّا، فاختار لها هذا الصوت، لمكانها من الواثق، ولأنّها ليست دون من اختار له من نظرائها.

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا الحسين بن يحيى عن ريّق: أنّها اجتمعت هي وخشف الواضحيّة يوما، فتذاكرتا أحسن ما سمعتاه من المغنّيات؛ فقالت ريّق: شارية أحسنهنّ غناء ومتيّم، وقالت خشف: عريب وفريدة؛ ثم اجتمعنا على تساويهنّ، وتقديم متيّم في الصّنعة، وعريب في الغزارة والكثرة، وشارية وفريدة في الطّيب وإحكام الغناء.

حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال: كانت فريدة جارية الواثق لعمرو بن بانة، وهو أهداها إلى الواثق، وكانت من الموصوفات المحسنات، وربّيت عند عمرو بن بانة مع صاحبة لها اسمها «خلّ»، وكانت حسنة الوجه، حسنة الغناء، حادّة الفطنة والفهم.

قال الهشاميّ فحدّثني عمرو بن بانة قال: غنّيت الواثق:

قلت حلّا فاقبلي معذرتيما كذا يجزي محبّ من أحبّ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلي وتعناني الطرب»

فقال لي: تقدّم إلى السّتارة فألقه على فريدة، فألقيته عليها؛ فقالت: هو حلّ أو خلّ كيف هو؟ فعلمت أنها سألتني عن صاحبتها في خفاء من الواثق.

ولمّا تزوّجها المتوكل أرادها على الغناء، فأبت أن تغنّي وفاء للواثق، فأقام على رأسها خادما وأمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغنّي؛ فاندفعت وغنّت:

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار؛ فإن نشط إلى الشّرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت. وكان رسمنا ألّا يحضر أحد منّا إلّا في يوم نوبته. فإنّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا عليّ وقالوا لي: احضر. فقلت: ألخير؟ قالوا: خير. فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطّ، ولعلكم غلطتم. فقالوا: اللّه المستعان، لا تطل وبادر؛ فقد أمرنا ألّا ندعك تستقرّ على الأرض. فداخلني فزع شديد؛ وخفت أن يكون ساع قد سعى بي، أو بليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ؛ فتقدّمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار؛ فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل، فمنعت، وأخذ بيدي الخدم فأدخلوني وعدلوا بي إلى ممرّات لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي وغمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن، ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود. فلمّا رآني قال: جوّدت واللّه يا محمد إلينا. فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين خيرا! قال: خيرا، أما ترانا! طلبت واللّه ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئا وبادر إلينا. فقلت: قد واللّه يا سيّدي أكلت وشربت أيضا. قال: فاجلس فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغنّي:

أهابك إجلالا وما بك قدرةعليّ ولكن ملء عين حبيبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أهابك إجلالا وما بك قدرة»
وما هجرتك النّفس يا ليل أنّهاقلتك ولا أن قلّ منك نصيبها
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «دعا المحرمون الله يستغفرونه»

فجاءت واللّه بالسّحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، وأغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض وتفتّت عودها ومرّت تعدو وتصيح، وبقيت أنا كالمنزوع الرّوح؛ ولم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ وقد نظرت إليها ونظرت إليّ؛ فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّرا وأطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإنّي لكذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت. فقال: ويحك! أرأيت أغرب مما تهيّأ علينا! فقلت: يا سيّدي، الساعة واللّه تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنة اللّه! فما كان السبب؟ ألذنب؟ قال: لا واللّه! ولكن فكرت أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد ويقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسري عنّي وقلت: بل يقتل اللّه جعفرا، ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيّدي اللّه اللّه! ارحمها ومر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: من يجيء بها؟ فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها وعليها غير الثياب التي كانت عليها. فلما رآها جذبها وعانقها، فبكت وجعل هو يبكي، واندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي ويا سيّدي؟ وبأيّ شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي تبكي. فقالت: سألتك باللّه يا أمير المؤمنين إلّا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت قلبك من الهمّ بي، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما ورجعت إلى مكانها؛ وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، فألبسها إيّاه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن مما كنا؛ فلم نزل كذلك إلى الليل، ثم تفرّقنا.

وضرب الدهر ضربه وتقلّد المتوكل. فو اللّه إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدّار، فأدخلت واللّه الحجرة بعينها، وإذا المتوكّل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة. فلمّا رآني قال: ويحك! أما ترى ما أنا فيه من هذه! أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنّيني فتأبى ذلك! فقلت لها: يا سبحان اللّه! أتخالفين سيّدك وسيّدنا وسيد البشر! بحياته غنّي! فعرفت واللّه ثم اندفعت تغنّي:

مقيم بالمجازة من قنونيوأهلك بالأجيفر فالثّماد
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

ثم ضربت بالعود الأرض، ثم رمت بنفسها عن السرير ومرّت تعدو وهي تصيح وا سيّداه! فقال لي: ويحك! ما هذا؟ فقلت: لا أدري واللّه يا سيّدي. فقال: فما ترى؟ فقلت: أرى أن أنصرف أنا وتحضر هذه ومعها غيرها؛ فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ اللّه! فانصرفت ولم أدر ما كانت القصة.

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد الملك قال: سمعت فريدة تغنّي:

أخلّاي بي شجو وليس بكم شجووكلّ امرىء مما بصاحبه خلو
أذاب الهوى لحمي وجسمي ومفصليفلم يبق إلّا الرّوح والجسد النّضو

فما سمعت قبله ولا بعده غناء أحسن منه.

الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ، وله أيضا فيه خفيف ثقيل بالسبّابة والبنصر عن ابن المكيّ. وفيه لعمرو بن بانة رمل بالوسطى من مجموع أغانيه. وفيه لعريب خفيف ثقيل آخر صحيح في غنائها من جمع ابن المعتزّ وعليّ بن يحيى. وتمام هذه الأبيات:

وما من محبّ نال ممن يحبّههوى صادقا إلّا سيدخله زهو
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أخلاي بي شجو وليس بكم شجو»

- وفيها كلّها غناء مفترق الألحان في أبياته -:

بليت وكان المزح بدء بليّتيفأحببت جهلا والبلايا لها بدو
وعلّقت من يزهو عليّ تجبّراوإنّي في كلّ الخصال له كفو

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه

باتت همومي تسري طوارقهاأكفّ عيني والدمع سابقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»
لما أتاها من اليقين ولمتكنّ تراه يلمّ طارقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»

الشعر لأميّة بن أبي الصّلت، والغناء للهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. وفيه لابن محرز لحنان: هزج وثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش. وذكر يونس: أنّ فيه لابن محرز لحنا واحدا مجنّسا.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»