من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر من قتل أبو العبّاس السفّاح من بني اميّة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني مسبّح بن حاتم العكليّ قال حدّثني الجهم بن السّبّاق عن صالح بن ميمون مولى عبد الصمد بن عليّ، قال: لمّا استمرّت الهزيمة بمروان، أقام عبد اللّه بن عليّ بالرّقّة، وأنفذ أخاه عبد الصمد في طلبه فصار إلى دمشق، وأتبعه جيشا عليهم أبو إسماعيل عامر الطويل من قوّاد خراسان، فلحقه وقد جاز مصر في قرية تدعى بوصير، فقتله، وذلك يوم الأحد ثلاث بقين من ذي الحجّة، ووجّه برأسه إلى عبد اللّه بن عليّ، فأنفذه عبد اللّه بن عليّ إلى أبي العباس. فلمّا وضع بين يديه خرّ للّه ساجدا، ثم رفع رأسه وقال: الحمد للّه الذي أظهرني عليك وأظفرن بك ولم يبق ثاري قبلك وقبل رهطك أعداء الدّين؛ ثم تمثّل قول ذي الإصبع العدوانيّ:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهمولا دماؤهم للغيظ ترويني
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني محمد بن يزيد قال: نظر عبد اللّه بن عليّ إلى فتى عليه أبّهة الشّرف وهو يقاتل مستنتلا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد. فقال: إلّا أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان من كنت. فأطرق ثم قال:
أذلّ الحياة وكره المماتوكلّا أرى لك شرّا وبيلا
- ويروى:
وكلّا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهمافسيرا إلى الموت سيرا جميلا
ثم قاتل حتى قتل. قال: فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثني النّضر بن عمرو عن المعيطيّ، وأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال قال أبو السائب سلّم بن جنادة السّوائيّ سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: دخل سديف - وهو مولى لآل أبي لهب - على أبي العبّاس بالحيرة. هكذا قال وكيع. وقال الكرانيّ في خبره واللفظ له: كان أبو العبّاس جالسا في مجلسه على سريره وبنو هاشم دونه على الكراسيّ، وبنو أميّة على الوسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيّام دولتهم يجلسون هم والخلفاء منهم على السرير، ويجلس بنو هاشم على الكراسيّ؛ فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل حجازيّ أسود راكب على نجيب متلثّم يستأذن ولا يحبر باسمه، ويحلف ألّا يحسر اللّثام عن وجهه حتّى يراك. قال: هذا مولاي سديف، يدخل، فدخل. فلمّا نظر إلى أبي العبّاس وبنو أميّة حوله، حدر اللّثام عن وجهه وأنشأ يقول:
أصبح الملك ثابت الآساسبالبهاليل من بني العبّاس
بالصدور المقدّمين قديماوالرّؤوس القماقم الرّؤاس
يا أمير المطّهرين من الذّمّ ويا رأس منتهى كلّ راس
أنت مهديّ هاشم وهداهاكم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلنّ بعد شمس عثاراواقطعن كلّ رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها اللّه بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التّودّد منهموبهم منكم كحزّ المواسي
أقصهم أيّها الخليفة واحسمعنك بالسّيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيدوقتيل بجانب المهراس
والإمام الذي بحرّان أمسىرهن قبر في غربة وتناسي
فلقد ساءني وساء سوائيقربهم من نمارق وكراسي
نعم كلب الهراش مولاك لو لاأود من حبائل الإفلاس
فتغيّر لون أبي العبّاس وأخذه زمع ورعدة؛ فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى رجل منهم، وكان إلى جنبه، فقال: قتلنا واللّه العبد. ثم أقبل أبو العبّاس عليهم فقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذّذون في الدنيا! خذوهم! فأخذتهم الخراسانيّة بالكافر كوبات، فأهمدوا، إلّا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنّه استجار بداود بن عليّ وقال له: إنّ أبي لم يكن كآبائهم وقد علمت صنيعته إليكم؛ فأجاره واستوهبه من السفّاح، وقال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنيع أبيه إلينا. فوهبه له وقال له: لا تريني وجهه، وليكن بحيث تأمنه؛ وكتب إلى عمّاله في النواحي بقتل بني أميّة.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمّه: أنّ سبب قتل بني أمية: أنّ السفاح أنشد قصيدة مدح بها، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به! فقال: هيهات! لا يقول واللّه أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرّقيّات فينا: ما نقموا من بني أميّة إلّا أنّهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك ولاتصلح إلّا عليهم العرب
فقال له: يا ماصّ كذا من أمّه! أو إنّ الخلافة لفي نفسك بعد! خذوهم! فأخذوا فقتلوا.
أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن النّضر بن عمرو عن المعيطيّ: أنّ أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا، وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته.
فلمّا فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قطّ أهنأ ولا أطيب لنفسي منها. فلمّا فرغ قال: جرّوا بأرجلهم؛ فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء. قال: فرأيت الكلاب تجرّ بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشى حتى أنتنوا؛ ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها.
أخبرني عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن معن الغفاريّ عن أبيه قال: لمّا أقبل داود بن عليّ من مكة أقبل معه بنو حسن جميعا وحسين بن عليّ بن حسين وعليّ بن عمر بن عليّ بن حسين وجعفر بن محمد والأرقط محمد بن عبد اللّه وحسين بن زيد ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان وعبد اللّه بن عنبسة بن سعيد بن العاصي وعروة وسعيد ابنا خالد بن سعيد بن عمرو بن عثمان، فعمل لداود مجلس بالرّويثة؛ فجلس عليه هو والهاشميّون، وجلس الأمويّون تحتهم؛ فأنشده إبراهيم بن هرمة قصيدة يقول فيها.
فلا عفا اللّه عن مروان مظلمةولا أميّة بئس المجلس النّادي
كانوا كعاد فأمسى اللّه أهلكهمبمثل ما أهلك الغاوين من عاد
فلن يكذّبني من هاشم أحدفيما أقول ولو أكثرت تعدادي
قال: فنبذ داود نحو ابن عنبسة ضحكة كالكشرة. فلمّا قام قال عبد اللّه ابن حسن لأخيه حسن: أما رأيت ضحكته إلى ابن عنبسة! الحمد للّه الذي صرفها عن أخي (يعني العثمانيّ)، قال: فما هو إلّا أن قدم المدينة حتّى قتل ابن عنبسة.
قال محمد بن معن حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان قال: استحلف أخي عبد اللّه بن حسن داود بن عليّ، وقد حجّ معه سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بطلاق امرأته مليكة بنت داود بن حسن ألّا يقتل أخويه محمدا والقاسم ابني عبد اللّه. قال: فكنت أختلف إليه آمنا وهو يقتل بني أميّة، وكان يكره أن يراني أهل خراسان ولا يستطيع إليّ سبيلا ليمينه. فاستدناني يوما فدنوت منه، فقال: ما أكثر الغفلة وأقلّ الحزمة! فأخبرت بها عبد اللّه بن حسن؛ فقال: يابن أمّ، تغيّب عن الرجل؛ فتغيّبت عنه حتّى مات.
أخبرني الحسن بن عليّ ومحمد بن يحيى قالا حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم عن الهيثم بن بشر مولى محمد بن عليّ قال: أنشد سديف أبا العبّاس، وعنده رجال من بني أميّة، قوله:
يا بن عمّ النبيّ أنت ضياءاستبنّا بك اليقين الجليّا
فلمّا بلغ قوله:
جرّد السّيف وارفع العفو حتّىلا ترى فوق ظهرها أمويا
لا يغرّنك ما ترى من رجالإنّ تحت الضّلوع داء دويا
بطن البغض في القديم فأضحىثاويا في قلوبهم مطويا
وهي طويلة، قال: يا سديف، خلق الإنسان من عجل، ثم قال:
أحيا الضغائن آباء لنا سلفوافلن تبيد وللآباء أبناء
ثم أمر بمن عنده منهم فقتلوا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ عن أبيه عن عمومته: أنّهم حضروا سليمان بن عليّ بالبصرة، وقد حضره جماعة من بني أميّة عليهم الثّياب الموشيّة المرتفعة، فكأنّي أنظر إلى أحدهم وقد اسودّ شيب في عارضيه من الغالية، فأمر بهم فقتلوا وجرّوا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، وإنّ عليهم لسراويلات الوشي والكلاب تجرّ بأرجلهم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا حديث السنّ كثير العيال منتشر المال، فما أكون في قبيلة إلّا شهر أمري وعرفت، وقد اعتزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن عليّ، فصر إليّ. فوافيته فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض وسراويل وشي مسدول، فقلت: يا سبحان اللّه! ما تصنع الحداثة بأهلها! أبهذا اللباس تلقى هؤلاء القوم لما تريد لقاءهم فيه! فقال: لا واللّه، ولكنّه ليس عندي ثوب إلّا أشهر مما ترى. فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه ولويت سراويله إلى ركبتيه؛ فدخل ثم خرج مسرورا. فقلت له: حدّثني ما جرى بينك وبين الأمير. قال: دخلت عليه ولم نتراء قطّ، فقلت: أصلح اللّه الأمير! لفظتني البلاد إليك، ودلّني فضلك عليك؛ فإمّا قتلتني غانما، وإمّا رددتني سالما. فقال:
ومن أنت؟ ما أعرفك؛ فانتسبت له. فقال: مرحبا بك، أقعد فتكلّم آمنا غانما؛ ثم أقبل عليّ فقال: ما حاجتك يابن أخي؟ فقلت: إنّ الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهنّ معنا وأولى الناس بهنّ بعدنا، قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فو اللّه ما أجابني إلّا بدموعه على خدّيه؛ ثم قال: يابن أخي، يحقن اللّه دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفّر عليك مالك. وو اللّه لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت، فكن متواريا كظاهر، وآمنا كخائف، ولتأتني رقاعك. قال: فكنت واللّه أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمّه. قال: فلمّا فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه؛ فقال: مهلا، فإنّ ثيابنا إذا فارقتنا لن ترجع إلينا.
أخبرني أحمد بن عبد اللّه قال حدّثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال سديف لأبي العبّاس يحضّه على بني أميّة ويذكر من قتل مروان وبنو أميّة من قومه:
كيف بالعفو عنهم وقديماقتلوكم وهتّكوا الحرمات
أين زيد وأين يحيى بن زيديا لها من مصيبة وترات
والإمام الذي أصيب بحرّانّ إمام الهدى ورأس الثّقات
قتلوا آل أحمد لا عفا الذّنب لمروان غافر السّيّئات
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمد بن يزيد لرجل من شيعة بني العبّاس يحرّضهم على بني أميّة:
إيّاكم أن تلينوا لاعتذارهمفليس ذلك إلّا الخوف والطّمع
لو أنّهم أمنوا أبدوا عداوتهملكنّهم قمعوا بالذلّ فانقمعوا
أليس في ألف شهر قد مضت لهمسقوكم جرعا من بعدها جرع
حتّى إذا ما انقضت أيّام مدّتهممتّوا إليكم بالأرحام التي قطعوا
هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهمريّا وأن يحصدوا الزّرع الذي زرعوا
إنّا وإخواننا الأنصار شيعتكمإذا تفرّقت الأهواء والشّيع
إيّاكم أن يقول الناس إنّهمقد ملّكوا ثم ما ضرّوا ولا نفعوا
وذكر ابن المعتزّ: أنّ جعفر بن إبراهيم حدّثه عن إسحاق بن منصور عن أبي الخصيب في قصّة سديف بمثل ما ذكره الكرانيّ عن النضر بن عمرو عن المعيطيّ، إلّا أنّه قال فيها: فلمّا أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال: يا ماصّ بظر أمّه! أتجبهنا بهذا ونحن سروات الناس! فغضب أبو العبّاس؛ وكان سليمان بن هشام صديقه قديما وحديثا يقضي حوائجه في أيّامهم ويبرّه؛ فلم يلتفت إلى ذلك، وصاح بالخراسانيّة: خذوهم؛ فقتلوا جميعا إلّا سليمان بن هشام، فأقبل عليه السفّاح فقال: يا أبا الغمر، ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا. قال: لا واللّه. فقال: اقتلوه، وكان إلى جنبه، فقتل؛ وصلبوا في بستانه، حتى تأذّى جلساؤه بروائحهم، فكلّموه في ذلك، فقال: واللّه لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك والعنبر، غيظا عليهم وحنقا.
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء
صوت
أصبح الدّين ثابت الآساسبالبهاليل من بني العبّاس
بالصّدور المقدّمين قديماوالرّؤوس القماقم الرّؤّاس
عروضه من الخفيف، الشعر لسديف. والغناء لعطرّد رمل بالبنصر عن حبش. قال: وفيه لحكم الواديّ ثاني ثقيل. وفيه ثقيل أوّل مجهول.
ومما قاله أبو سعيد مولى فائد في قتلى بني أميّة وغنّى فيه:
صوت
بكيت وماذا يردّ البكاءوقلّ البكاء لقتلى كداء
أصيبوا معا فتولّوا معاكذلك كانوا معا في رخاء
بكت لهم الأرض من بعدهموناحت عليهم نجوم السماء
وكانوا الضياء فلمّا انقضى الزّمان بقومي تولّى الضياء
عروضه من المتقارب. الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد، ولحنه من الثقيل الأوّل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة وإسحاق وغيرهما.
ومما قاله فيهم وغنّى فيه على أنّه قد نسب إلى غيره:
صوت
أثّر الدهر في رجالي فقلّوابعد جمع فراح عظمي مهيضا
ما تذكّرتهم فتملك عينيفيض غرب وحقّ لي أن تفيضا
الشعر والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكيّ والهشاميّ. وروى الشّيعيّ عن عمر بن شبّة عن إسحاق أنّ الشعر لسديف والغناء للغريض. ولعلّه وهم.
ومنها:
صوت
أولئك قومي بعد عزّ ومنعةتفانوا فإلّا تذرف العين أكمد
كأنّهم لا ناس للموت غيرهموإن كان فيهم منصفا غير معتدي
الشعر والغناء لأبي سعيد. وفيه لحن لمتيّم.
أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع قال حدّثنا أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدّثني عمّي طيّاب بن إبراهيم قال: ركب المأمون بدمشق يتصيّد حتّى بلغ جبل الثّلج، فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات لم ير أحسن منها ولا أعظم، فنزل المأمون وجعل ينظر إلى آثار بني أميّة ويعجب منها ويذكرهم، ثم دعا بطبق عليه بزماورد ورطل نبيذ؛ فقام علّويه فغنّى:
أولئك قومي بعد عزّ ومنعةتفانوا فإلّا تذرف العين أكمد
قال: فغضب المأمون وأمر برفع الطبق، وقال: يابن الزانية! ألم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلّا هذا الوقت! قال: نعم أبكي عليهم! مولاكم زرياب يركب معهم في مائة غلام، وأنا مولاهم معكم أموت جوعا!
فقام المأمون فركب وانصرف الناس، وغضب على علّويه عشرين يوما؛ فكلّمه فيه عبّاس أخو بحر؛ فرضي عنه، ووصله بعشرين ألف درهم.
صوت من المائة المختارة
مهاة لو أنّ الذّرّ تمشي ضعافهعلى متنها بضّت مدارجه دما
فقلن لها قومي فديناك فاركبيفأومت بلالا غير أن تتكلّما
عروضه من الطويل. بضّت: سالت. يقول: لو مشى الذرّ على جلدها لجرى منه الدّم من رقّته. وروى الأصمعيّ:
منعّمة لو يصبح الذّرّ سارياعلى متنها بضّت مدارجه دما
الشعر لحميد بن ثور الهلاليّ. والغناء في اللحن المختار لفليح بن أبي العوراء، ولحنه من الثقيل الأوّل بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أنّ لحن فليح من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى، وأنّ الثقيل الأوّل للهذليّ.
ومما يغنّى فيه من هذه القصيدة:
صوت
إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشةأو النّخل من تثليث أو من يلملما
مطوّقة طوقا وليس بحليةولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
تبكّي على فرح لها ثمّ تغتديمولّهة تبغي لها الدّهر مطعما
تؤمّل منه مؤنسا لانفرادهاوتبكي عليه إن زقا أو ترنّما
وغنّاه محمد الرّفّ خفيف رمل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع