تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أخبار يونس الكاتب

فيه ٣٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار، من ولد هرمز. وقيل: إنّه مولى لعمرو بن الزّبير. ومنشؤه ومنزله بالمدينة. وكان أبوه فقيها، فأسلمه في الديوان فكان من كتّابه. وأخذ الغناء عن معبد وابن سريج وابن محرز والغريض، وكان أكثر روايته عن معبد؛ ولم يكن في أصحاب معبد أحذق ولا أقوم بما أخذ عنه منه. وله غناء حسن، وصنعة كثيرة، وشعر جيّد. وكتابه في الأغاني ونسبها إلى من غنّى فيها هو الأصل الذي يعمل عليه ويرجع إليه. وهو أوّل من دوّن الغناء.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا حماد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال أنشدني مسعود بن خالد الموريانيّ لنفسه في يونس:

يا يونس الكاتب يا يونسطاب لنا اليوم بك المجلس
إنّ المغنّين إذا ما همجاروك أخنى بهم المقبس
تنشر ديباجا وأشباههوهم إذا ما نشروا كربسوا

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: ذكر إبراهيم بن قدامة الجمحيّ قال: اجتمع فتيان من فتيان أهل المدينة فيهم يونس الكاتب وجماعة ممن يغنّي، فخرجوا إلى واد يقال له دومة من بطن العقيق، في أصحاب لهم فتغنّوا، واجتمع إليهم نساء أهل الوادي - قال بعض من كان معهم: فرأيت حولنا مثل مراح الضأن - وأقبل محمد بن عائشة ومعه صاحب له؛ فلمّا رأى جماعة النساء عندهم حسدهم، فالتفت إلى صاحبه فقال: أما واللّه لأفرّقنّ هذه الجماعة! فأتى قصرا من قصور العقيق، فعلا سطحه وألقى رداءه واتّكأ عليه وتغنّى:

صوت

هذا مقام مطرّدهدمت منازله ودوره
رقّى عليه عداتهظلما فعاقبه أميره

- الغناء لابن عائشة رمل بالوسطى، والشعر لعبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطّاب، وقيل: إنّه لعبد اللّه بن أبي كثير مولى بني مخزوم - قال: فو اللّه ما قضى صوته حتّى ما بقيت امرأة منهنّ إلّا جلست تحت القصر الذي هو عليه وتفرّق عامّة أصحابهم. فقال يونس وأصحابه: هذا عمل ابن عائشة وحسده.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى عن أبيه قال: تزوّج عبد اللّه بن أبي كثير مولى بني مخزوم بالعراق في ولاية مصعب بن الزّبير امرأة من بني عبد بن بغيض بن عامر بن لؤيّ، ففرّق مصعب بينهما. فخرج حتّى قدم على عبد اللّه بن الزّبير بمكة فقال:

هذا مقام مطردهدمت منازله ودوره
رقّت عليه عداتهكذبا فعاقبه أميره
في أن شربت بجمّ ماء كان حلّا لي غديره
فلقد قطعت الخرق بعد الخرق معتسفا أسيره
حتّى أتيت خليفة الرّحمن ممهودا سريره
حيّيته بتحيّةفي مجلس حضرت صقوره

فكتب عبد اللّه إلى مصعب: أن اردد عليه امرأته؛ فإنّي لا أحرّم ما أحلّ اللّه عزّ وجلّ؛ فردّها عليه. هذه رواية عمر بن شبّة.

وأخبرني الحسن بن عليّ عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائنيّ عن سحيم بن حفص: أنّ المتزوّج بهذه المرأة عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطّاب، وأنّ المفرّق. بينهما الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة الذي يقال له القباع؛ وذكر باقي الخبر مثل الأوّل.

أخبرني عمّي قال حدّثني طلحة بن عبد اللّه الطّلحيّ قال حدّثني أحمد بن الهيثم قال: خرج يونس الكاتب من المدينة إلى الشأم في تجارة؛ فبلغ الوليد بن يزيد مكانه؛ فلم يشعر يونس إلّا برسله قد دخلوا عليه الخان، فقالوا له: أجب الأمير - والوليد إذ ذاك أمير - قال: فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير، لا أدري من هو، إلّا أنّه من أحسن الناس وجها وأنبلهم، فسلمت عليه، فأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجواري؛ فكنّا يومنا وليلتنا في أمر عجيب. وغنيّته فأعجب بغنائي إلى أن غنّيته:

إن يعش مصعب فنحن بخيرقد أتانا من عيشنا ما نرجّي

ثم تنبّهت فقطعت الصوت. فقال: ما لك؟ فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب. فضحك وقال: إنّ مصعبا قد مضى وانقطع أثره ولا عداوة بيني وبينه، وإنّما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنّيته. فلم يزل يستعيدنيه حتى أصبح، فشرب مصطبحا وهو يستعيدني هذا الصوت ما يتجاوزه حتى مضت ثلاثة أيّام. ثم قلت له: جعلني اللّه فداء الأمير! أنا رجل تاجر خرجت مع تجّار وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي. فقال لي: أنت تغدو غدا؛ وشرب باقي ليلته، وأمر لي بثلاثة آلاف دينار فحملت إليّ، وغدوت إلى أصحابي. فلمّا خرجت من عنده سألت عنه، فقيل لي: هذا الأمير الوليد بن يزيد وليّ عهد أمير المؤمنين هشام. فلمّا استخلف بعث إليّ فأتيته، فلم أزل معه حتى قتل.

صوت من المائة المختارة

أقصدت زينب قلبي بعد ماذهب الباطل عنّي والغزل
وعلا المفرق شيب شاملواضح في الرأس منّي واشتعل

الشعر لابن رهيمة المدنيّ. والغناء في اللحن المختار لعمر الواديّ ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق.

وفيه ليونس الكاتب لحنان: أحدهما خفيف ثقيل أوّل بالبنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عنه أيضا. وفيه رملان بالوسطى والبنصر: أحدهما لابن المكّيّ، والآخر لحكم، وقيل:

إنه لإسحاق من رواية الهشاميّ. ولحن يونس في هذا الشعر من أصواته المعروفة بالزّيانب، والشعر فيها كلّها لابن رهيمة في زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وهي سبعة: أحدها قد مضى. والآخر:

صوت

أقصدت زينب قلبيوسبت عقلي ولبّي
تركتني مستهاماأستغيث اللّه ربّي
ليس لي ذنب إليهافتجازيني بذنبي
ولها عندي ذنوبفي تنائيها وقربي

غنّاه يونس رملا بالبنصر. وفيه لحكم هزج خفيف بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:

صوت

وجد الفؤاد بزينباوجدا شديدا متعبا
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
أصبحت من وجدي بهاأدعى سقيما مسهبا
وجعلت زينب سترةوأتيت أمرا معجبا
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

غنّاه يونس ثقيلا أوّل مطلقا في مجرى البنصر عن عمرو وإسحاق، وهو مما يشكّ فيه من غناء يونس. ولعليّة بنت المهديّ فيه ثقيل أوّل آخر لا يشكّ فيه أنّه لها، كنت فيه عن رشأ الخادم - وذكر أحمد بن عبيد أنّ فيه من الغناء لحنين هما جميعا من الثقيل الأوّل ليونس - ومن لا يعلم يزعم أنّ الشّعر لها.

ومنها:

صوت

إنّما زينب المنىوهي الهمّ والهوى
ذات دلّ تضني الصّحيح وتبري من الجوى
لا يغرّنك أن دعوت فؤادي فما التوى
واحذري هجرة الحبيب إذا ملّ وانزوى

غنّاه يونس رملا بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

ومنها:

صوت

إنّما زينب همّيبأبي تلك وأمّي
بأبي زينب لا أكني ولكنّي أسمّي
بأبي زينب من قاض قضى عمدا بظلمي
بأبي من ليس لي فيقلبه قيراط رحم

غنّاه يونس رملا بالبنصر عن عمرو، وله فيه لحن آخر.

ومنها:

صوت

يا زينب الحسناء يا زينبيا أكرم النّاس إذا تنسب
تقيك نفسي حادثات الرّدىوالأم تفديك معا والأب
هل لك في ودّ امرىء صادقلا يمذق الودّ ولا يكذب
لا يبتغي في ودّه محرماهيهات منك العمل الأريب

غنّاه يونس ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

ومنها:

صوت

فليت الذي يلحى على زينب المنىتعلّقه مما لقيت عشير
فحسبي له بالعشر ممّا لقيتهوذلك فيما قد تراه يسير

غنّاه يونس ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن الهشامي.

هذه سبعة أصوات قد مضت وهي المعروفة بالزيانب. ومن الناس من يجعلها ثمانية، ويزيد فيها لحن يونس في:

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب

وليس هذا منها؛ وإن كان ليونس لحنه، فإنّ شعره لحجيّة بن المضرّب الكنديّ، وقد كتب في موضع آخر؛ وإنّما الزيانب في شعر ابن رهيمة. ومنهم من يعدّها تسعة ويضيف إليها:

قولا لزينب لو رأيت تشوّقي لك واشترافي
للشاعر محمد بن أبى العباس السفاح، من قصيدة «قولا لزينب لو رأي»

وهذا اللحن لحكم. والشعر لمحمد بن أبي العبّاس السفّاح في زينب بنت سليمان بن عليّ، وقد كتب في موضع آخر.

انقضت أخبار يونس الكاتب.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»