تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار الوليد بن يزيد ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا العبّاس. وأمّه أم الحجّاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثّقفيّ، وهي بنت أخي الحجّاج. وفيه يقول أبو نخيلة:

بين أبي العاصي وبين الحجّاجيا لكما نورا سراج وهّاج
عليه بعد عمّه عقد التّاج

وأم يزيد بن عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة. وأمّها أم كلثوم بنت عبد اللّه بن عامر. وأمّ عبد اللّه بن عامر أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم؛ ولذلك قال الوليد بن يزيد:

نبيّ الهدى خالي ومن يك خالهنبيّ الهدى يقهر به من يفاخر

وكان الوليد بن يزيد من فتيان بني أميّة وظرفائهم وشعرائهم وأجوادهم وأشدّائهم، وكان فاسقا خليعا متّهما في دينه مرميّا بالزندقة؛ وشاع ذلك من أمره وظهر حتى أنكره الناس فقتل. وله أشعار كثيرة تدلّ على خبثه وكفره. ومن الناس من ينفي ذلك عنه وينكره، ويقول: إنه نحله وألصق إليه. والأغلب الأشهر غير ذلك.

أخبرني الحسن بن عليّ وأحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن إسحاق بن أيّوب القرشيّ وجويرية بن أسماء وعامر بن الأسود والمنهال بن عبد الملك وأبي عمرو بن المبارك وسحيم بن حفص وغيرهم: أن يزيد بن عبد الملك لما وجّه الجيوش إلى يزيد بن المهلّب وعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وبعث العبّاس بن الوليد بن عبد الملك وعقد له على أهل دمشق، قال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق أهل غدر وإرجاف، وقد وجهتنا محاربين والأحداث تحدث، ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين ولم يعهد، فيفتّ ذلك في أعضاد أهل الشأم؛ فلو عهدت عهدا لعبد العزيز بن الوليد! قال: غدا.

وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أيّما أحبّ إليك: ولد عبد الملك أو ولد الوليد؟ فقال: بل ولد عبد الملك. قال: أفأخوك أحقّ بالخلافة أم ابن أخيك؟ قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحقّ بها من ابن أخي. قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم لابنك بعد هشام - قال: والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة - قال: غدا أبايع له. فلما أصبح فعل ذلك وبايع لهشام، وأخذ العهد عليه ألّا يخلع الوليد بعده ولا يغيّر عهده ولا يحتال عليه. فلما أدرك الوليد ندم أبوه، فكان ينظر إليه ويقول: اللّه بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك.

وتوفّي يزيد سنة خمس ومائة وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة. قالوا: فلم يزل الوليد مكرّما عند هشام رفيع المنزلة مدّة، ثم طمع في خلعه وعقد العهد بعده لابنه مسلمة بن هشام، فجعل يذكر الوليد بن يزيد وتهتّكه وإدمانه على الشراب، ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به، وولّاه الحجّ ليظهر ذلك منه بالحرمين فيسقط؛ فحجّ وظهر منه فعل كثير مذموم، وتشاغل بالمغنّين وبالشّراب، وأمر مولّى له فحجّ بالناس. فلما حجّ طالبه هشام بأن يخلع نفسه فأبى ذلك؛ فحرمه العطاء وحرم سائر مواليه وأسبابه وجفاه جفاء شديدا. فخرج متبدّيا وخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّبه، وكان يرمى بالزندقة. ودعا هشام الناس إلى خلعه والبيعة لمسلمة بن هشام - وأمّه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي. وكان مسلمة يكنى أبا شاكر؛ كني بذلك لمولّى كان لمروان يكنى أبا شاكر، كان ذا رأي وفضل وكانوا يعظّمونه ويتبركون به - فأجابه إلى خلع الوليد والبيعة لمسلمة بن هشام محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ والوليد وعبد العزيز وخالد بن القعقاع بن خويلد العبسيّ وغيرهم من خاصّة هشام. وكتب إلى الوليد: ما تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته وارتكبته غير متحاش ولا مستتر، فليت شعري ما دينك؟! أعلى الإسلام أنت أم لا؟! فكتب إليه الوليد بن يزيد - ويقال: بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إيّاه -:

صوت

يأيّها السائل عن ديننانحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجةبالسّخن أحيانا وبالفاتر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا أيها السائل عن ديننا نحن»

- غنّاه عمر الوادي رملا بالبنصر - فغضب هشام على ابنه مسلمة، وقال: يعيّرني بك الوليد وأنا أرشّحك للخلافة! فألزم الأدب، واحضر الصلوات. وولّاه الموسم سنة سبع عشرة ومائة، فأظهر النّسك وقسم بمكة والمدينة أموالا. فقال رجل من موالي أهل المدينة:

يأيّها السائل عن ديننانحن على دين أبي شاكر
الواهب البزل بأرسانهاليس بزنديق ولا كافر

قال المدائنيّ: وبلغ خالدا القسريّ ما عزم عليه هشام، فقال: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر؛ فبلغت هشاما عنه هذه، فكان ذلك سبب إيقاعه به.

أخبرني محمد بن الحسن الكنديّ المؤدّب قال حدّثني أبي عن العباس بن هشام قال: دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام بن عبد الملك وقد كان في ذكره قبل أن يدخل، فحمّقه من حضر من بني أميّة. فلما جلس قال له العباس بن الوليد وعمر بن عبد الوليد: كيف حبّك يا وليد للروميّات، فإنّ أباك كان بهنّ مشغوفا؟ قال: إني لأحبهنّ؛ وكيف لا أحبهنّ ولن تزال الواحدة منهن قد جاءت بالهجين مثلك - وكانت أمّ العباس روميّة - قال: اسكت فليس الفحل يأتي عسبه بمثلي؛ فقال له الوليد: اسكت يا بن البظراء! قال: أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك. وأقبل هشام على الوليد فقال له: ما شرابك؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين؛ وقام مغضبا فخرج. فقال هشام: أهذا الذي تزعمون أنّه أحمق! ما هو أحمق، ولكني لا أظنّه على الملّة.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام بن عبد الملك وفيه سعيد بن هشام بن عبد الملك وأبو الزّبير مولى مروان وليس هشام حاضرا؛ فجلس الوليد مجلس هشام، ثم أقبل على سعيد بن هشام فقال له: من أنت؟ وهو به عارف؛ قال: سعيد ابن أمير المؤمنين؛ قال: مرحبا بك. ثم نظر إلى أبي الزبير فقال: من أنت؟ قال: أبو الزبير مولاك أيها الأمير؛ قال: أنسطاس أنت؟ مرحبا بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت؟ قال: إبراهيم بن هشام.

قال: من إبراهيم بن هشام؟ وهو يعرفه؛ قال: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: من إسماعيل؟ وهو يعرفه؛ قال: إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. قال: من الوليد بن المغيرة؟ قال: الذي لم يكن جدّك يرى أنه في شيء حتى زوّجه أبي وهو بعض ولد ابنته. قال: يا بن اللّخناء! أتقول هذا! وائتخذا. وأقبل هشام؛ فقيل لهما: قد جاء أمير المؤمنين، فجلسا وكفّا. ودخل هشام؛ فما كاد الوليد يتنحّى له عن صدر مجلسه، إلا أنه زحل له قليلا؛ فجلس هشام وقال له: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح. قال: ما فعلت برابطك؟ قال: معملة أو مستعملة. قال: فما فعل ندماؤك؟ قال: صالحون، ولعنهم اللّه إن كانوا شرّا ممّن حضرك؛ وقام؛ فقال له هشام: يا بن اللّخناء! جئوا عنقه؛ فلم يفعلوا ودفعوه رويدا. فقال الوليد:

أنا ابن أبي العاصي وعثمان والديومروان جدّي ذو الفعال وعامر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي»
أنا ابن عظيم القريتين وعرّهاثقيف وفهر والعصاة الأكابر
نبيّ الهدى خالي ومن يك خالهنبيّ الهدى يقهر به من يفاخر

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال: كان هشام بن عبد الملك يكثر تنقّص الوليد بن يزيد؛ فكان مسلمة يعاتب هشاما ويكفّه؛ فمات مسلمة؛ فغمّ الوليد ورثاه فقال:

صوت

أنانا بريدان من واسطيخبّان بالكتب المعجمة
أقول وما البعد إلّا الرّدىأمسلم لا تبعدن مسلمة
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتانا بريدان من واسط»
فقد كنت نورا لنا في البلادتضيء فقد أصبحت مظلمة
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتانا بريدان من واسط»
كتمنا نعيّك نخشى اليقينفجلّى اليقين عن الجمجمة
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتانا بريدان من واسط»
وكم من يتيم تلافيتهبأرض العدوّ وكم أيّمه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتانا بريدان من واسط»
وكنت إذا الحرب درّت دمانصبت لها راية معلمه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتانا بريدان من واسط»

غنّى في هذه الأبيات التي أوّلها:

أقول وما البعد إلا الرّدى

يونس خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشاميّ أن فيه ثقيلا أوّل ينسب إلى أبي كامل وعمر الوادي. وذكر حبش أن ليونس فيه رملا بالبنصر.

أخبرني الطّوسيّ والحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني موسى بن زهير بن مضرّس بن منظور بن زبّان بن سيّار عن أبيه قال: رأيت هشام بن عبد الملك وأنا في عسكره يوم توفّي مسلمة بن عبد الملك وهشام في شرطته، إذ طلع الوليد بن يزيد على الناس وهو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه؛ فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى؛ وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن يرى، واختلّ الثغر فوهى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف؛ فتزوّدوا، فإنّ خير الزاد التّقوى. فأعرض عنه هشام ولم يردّ جوابا؛ ووجم الناس فما همس أحد بشيء.

قال: فمضى الوليد وهو يقول:

أهينمة حديث القوم أم همسكوت بعد ما متع النهار
عزيز كان بينهم نبيّافقول القوم وحي لا يحار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أهينمة حديث أم هم»
كأنّا بعد مسلمة المرجّىشروب طوّحت بهم عقار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أهينمة حديث أم هم»
أوالّاف هجان في قيودتلفّت كلّما حنّت ظؤار
فليتك لم تمت وفداك قومتريح غبيّهم عنّا الدّيار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أهينمة حديث أم هم»
سقيم الصّدر أو شكس نكيدوآخر لا يزور ولا يزار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أهينمة حديث أم هم»

يعني بالسّقيم الصدر يزيد بن الوليد، ويعني بالشّكس هشاما، والذي لا يزور ولا يزار مروان بن محمد.

قال الزّبير وحدّثني محمد بن الضّحاك عن أبيه قال: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده؛ فقال الوليد:

كفرت يدا من منعم لو شكرتهاجزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي»
رأيتك تبني جاهدا في قطعيتيولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبنى
أراك على الباقين تجني ضغينةفيا ويحهم إن متّ من شرّ ما تجني
كأنّي بهم يوما وأكثر قولهمأيا ليت أنّا، حين «يا ليت» لا تغي

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: عتب هشام على الوليد وخاصّته. فخرج الوليد ومعه قوم من خاصّته ومواليه فنزل بالأبرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدف، وخلّف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك ليكاتبه بما يحدث، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى. فشربوا يوما؛ فقال له الوليد: يا أبا وهب، قل أبياتا نغنّي فيها؛ فقال أبياتا، وأمر عمر الوادي فغنّى فيها وهي:

صوت

ألم تر للنّجم إذ سبّعايبادر في برجه المرجعا
تحيّر عن قصد مجراتهإلى الغور والتمس المطلعا
فقلت وأعجبني شأنهوقد لاح إذ لاح لي مطمعا
لعلّ الوليد دنا ملكهفأمسى إليه قد استجمعا
وكنّا نؤمّل في ملكهكتأميل ذي الجذب أن يمرعا
عقدنا له محكمات الأمور طوعا وكان لها موضعا

فروي هذا الشعر، وبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه وعلى أصحابه وحرمهم؛ وكتب إلى الوليد: قد بلغني أنّك اتّخذت عبد الصمد خذنا ومحدّثا ونديما؛ وقد حقّق ذلك ما بلغني عنك، ولن أبرّئك من سوء؛ فأخرج عبد الصمد مذموما. قال: فأخرجه الوليد وقال:

لقد قذفوا أبا وهب بأمركبير بل يزيد على الكبير
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «لقد قذفوا أبا وهب بأمر»
وأشهد أنهم كذبوا عليهشهادة عالم بهم خبير
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «لقد قذفوا أبا وهب بأمر»

فكتب الوليد إلى هشام بأنه قد أخرج عبد الصمد، واعتذر إليه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان من خاصّة الوليد - فضرب هشام ابن سهيل ونفاه وسيّره - وكان ابن سهيل من أهل النّباهة، وقد ولي الولايات، ولي دمشق مرارا وولي غيرها - وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه ضربا مبرّحا وألبسه المسوح وقيّده وحبسه، فغمّ ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس! ومن يصنع المعروف! هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي على ولده وأهل بيته وولّاه وهو يصنع بي ما ترون، ولا يعلم أنّ لي في أحد هوى إلّا أضرّ به؛ كتب إليّ بأن أخرج عبد الصمد فأخرجته، وكتبت إليه في أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ فضربه وطرده وقد علم رأيي فيه؛ وعرف مكان عياض منّي وانقطاعه إليّ فضربه وحبسه، يضارّني بذلك؛ اللهمّ أجرني منه. ثم قال الوليد:

صوت

أنا النّذير لمسدي نعمة أبداإلى المقاريف لمّا يخبر الدّخلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا النذير لمسدي نعمة أبدا»
إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرواوإن أهنتهم ألفيتهم ذللا
أتشمخون ومنّا رأس نعمتكمستعلمون إذا أبصرتم الدّولا
انظر فإن أنت لم تقدر على مثللهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا النذير لمسدي نعمة أبدا»
بينا يسمّنه للصيد صاحبهحتى إذا ما استوى من بعد ما هزلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا النذير لمسدي نعمة أبدا»
عدا عليه فلم تضرره عدوتهولو أطاق له أكلا لقد أكلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا النذير لمسدي نعمة أبدا»

غنّاه مالك خفيف ثقيل من رواية الهشاميّ.

قال: وقال الوليد أيضا يفتخر على هشام:

صوت

أنا الوليد أبو العباس قد علمتعليا معدّ مدى كرّي وإقدامي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا الوليد أبو العباس قد علمت»
إني لفي الذّروة العليا إذا انتسبوامقابل بين أخوالي وأعمامي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا الوليد أبو العباس قد علمت»
بنى لي المجد بان لم يكن وكلاعلى منار مضيئات وأعلام
حللت من جوهر الأعياض قد علموافي باذخ مشمخرّ العزّ قمقام
صعب المرام يسامي النّجم مطلعهيسمو إلى فرع طود شامخ سامي

غنّاه عمر الوادي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثني مصعب الزّبيريّ قال: بعث الوليد بن يزيد إلى هشام بن عبد الملك راويته فأنشده قوله:

أنا الوليد أبو العباس قد علمتعليا معدّ مدى كرّي وإقدامي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا الوليد أبو العباس قد علمت»

فقال هشام: واللّه ما علمت له معدّ كرّا ولا إقداما، إلا أنه شرب مرّة مع عمّه بكّار بن عبد الملك فعربد عليه وعلى جواريه؛ فإن كان يعني ذلك بكّره وإقدامه فعسى.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو ابن أبي سعد قال حدّثت أن أبا الزّناد قال: دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده الزّهريّ وهما يعيبان الوليد، فأعرضت ولم أدخل في شيء من ذكره.

فلم ألبث أن استؤذن للوليد فأذن له، فدخل وهو مغضب فجلس قليلا ثم نهض. فلما مات هشام وولي الوليد كتب إلى المدينة فحملت فدخلت عليه؛ فقال: أتذكر قول الأحول والزهريّ؟ قلت: نعم، وما عرضت في شيء من أمرك؛ قال: صدقت؛ أتدري من أبلغني ذلك؟ قلت لا؛ قال: الخادم الواقف على رأسه، وايم اللّه لو بقي الفاسق الزهريّ لقتلته. ثم قال: ذهب هشام بعمري؛ فقلت: بل يبقيك اللّه يا أمير المؤمنين، وقام وصلّى العصر. ثم جلس يتحدّث إلى المغرب ثم صلّى المغرب ودعا بالعشاء فتعشيّت معه ثم جلس يتحدّث حتى صلّى العتمة، ثم تحدّثنا قليلا ثم قال: اسقينني فأتينه بإناء مغطّى، وجاء جوار فقمن بيني وبينه فشرب وانصرفن؛ ومكث قليلا ثم قال: اسقينني ففعلن مثل ذلك. وما زال واللّه ذلك دأبه حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا.

وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب عن أبي الزّناد قال: أجمع الزّهريّ على أن يدخل إلى بلاد الروم إن ولي الوليد بن يزيد؛ فمات الزهريّ قبل ذلك.

قال المدائنيّ: وبلغ الوليد أنّ العباس بن الوليد وغيره من بني مروان يعيبونه بالشّراب؛ فلعنهم وقال: إنهم ليعيبون عليّ ما لو كانت لهم فيه لذّة ما تركوه، وقال هذا الشعر، وأمر عمر الوادي أن يغنّي فيه - وهو من جيّد شعره ومختاره. وفيه غناء قديم ذكره يونس لعمر الوادي غير مجنّس -:

صوت

ولقد قضيت - وإن تجلّل لمّتيشيب - على رغم العدا لذّاتي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
من كاعبات كالدّمى ومناصفومراكب للصيد والنّشوات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
في فتية تأبى الهوان وجوههمشمّ الأنوف جحاجح سادات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بهاأو يطلبوا لا يدركوا بترات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»

حدّثني المنهال بن عبد الملك قال: كتب الوليد إلى هشام: «قد بلغني أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنّي ومحو من محا من أصحابي، وأنّه حرمني وأهلي. ولم أكن أخاف أن يبتلي اللّه أمير المؤمنين بذلك فيّ ولا ينالني مثله منه، ولم يبلغ استصحابي لابن سهيل ومسئلتي في أمره أن يجري عليّ ما جرى. وإن كان ابن سهيل على ما ذكره أمير المؤمنين، فبحسب العير أن يقرب من الذئب. وعلى ذلك فقد عقد اللّه لي من العهد وكتب لي من العمر وسبّب لي من الرزق ما لا يقدر أحد دونه تبارك وتعالى على قطعه عنّي دون مدّته ولا صرفه عن مواقعه المحتومة له. فقدر اللّه يجري على ما قدّره فيما أحبّ الناس وكرهوا، لا تعجيل لآجله ولا تأخير لعاجله؛ والناس بعد ذلك يحتسبون الأوزار ويقترفون الآثام على أنفسهم من اللّه بما يستوجبون العقوبة عليه. وأمير المؤمنين أحقّ بالنظر في ذلك والحفظ له. واللّه يوفّق أمير المؤمنين لطاعته، ويحسن القضاء له في الأمور بقدرته. وكتب إليه الوليد في آخر كتابه:

أليس عظيما أن أرى كلّ واردحياضك يوما صادرا بالنّوافل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أليس عظيما أن أرى كل وارد»
فأرجع محمود الرّجاء مصرّدابتحلئة عن ورد تلك المناهل
فأصبحت مما كنت آمل منكموليس بلاق ما رجا كلّ آمل
كمقتبض يوما على عرض هبوةيشدّ عليها كفّه بالأنامل

فكتب إليه هشام: «قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع وغير ذلك. وأمير المؤمنين يستغفر اللّه من إجرائه ما كان يجري عليك، ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدهما فإنّ أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك.

وأما الآخر فإثبات صحابتك وأرزاقهم دارّة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم وهم معك تجول بهم في سفهك. وأمير المؤمنين يرجو أن يكفّر اللّه عنه ما سلف من إعطائه إيّاك باستئنافه قطعه عنك. وأما ابن سهيل، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوءك ما جرى عليه لما جعله اللّه لذلك أهلا. وهل زاد ابن سهيل، للّه أبوك، على أن كان زفّانا مغنيّا قد بلغ في السّفه غايته! وليس مع ذلك ابن سهيل بشرّ ممّن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزّه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه. وأما ما ذكرت ممّا سبّبه اللّه لك، فإن اللّه قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له، واللّه بالغ أمره. ولقد أصبح أمير المؤمنين وهو على يقين من رأيه إلّا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه اللّه من كرامته ضرّا ولا نفعا، وإن اللّه وليّ ذلك منه وإنه لا بدّ له من مفارقته، وإنّ اللّه أرأف بعباده وأرحم من أن يولّي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم. وإن أمير المؤمنين مع حسن ظنّه بربّه لعلى أحسن الرجاء لأن يولّيه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرّضا به لهم؛ فإنّ بلاء اللّه عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلّا بعون منه. ولئن كان قد قدر اللّه لأمير المؤمنين وفاة تعجيل، فإن في الذي هو مفض وصائر إليه من كرامة اللّه لخلفا من الدنيا. ولعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فأبق على نفسك وقصّر من غلوائها واربع على ظلعك؛ فإنّ للّه سطوات وغيرا يصيب بها من يشاء من عباده.

وأمير المؤمنين يسأل اللّه العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له. وكتب في أسفل الكتاب:

إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك مقال

والسلام.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيّوب كلّهم عن أبي الزّبير المنذر بن عمرو - قال: وكان كاتبا للوليد بن يزيد - قال: أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته؛ فقال لي: يا أبا الزّبير، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة، عرضتني أمور وحدّثت نفسي فيها بأمور، وهذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفّس. فركب وسرت معه، فسار ميلين ووقف على تلّ فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج قد أقبل - قال عمر بن شبّة في حديثه - وسمع قعقعة البريد، فتعوّذ باللّه من شرّ هشام، وقال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحيّ أو بملك عاجل.

فقلت: لا يسوءك اللّه أيها الأمير بل يسرّك ويبقيك، إذ بدا رجلان على البريد يقبلان، أحدهما مولّى لآل أبي سفيان بن حرب؛ فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلّما عليه بالخلافة فوجم، وجعلا يكرران عليه التسليم بالخلافة؛ فقال: ويحكم! ما الخبر؟ أمات هشام؟ قالا نعم؛ قال: فمرحبا بكما! ما معكما؟ قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن؛ فقرأ الكتاب وانصرفنا. وسأل عن عيّاض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه وحبسه، فقالا: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر اللّه، فلمّا صار إلى حال لا تزجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد إلى شيء. وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد؛ وقضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب والخزائن؛ وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنعهم أن يكفّنوه من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام، ولم يجدوا قمقما حتى استعاروه. وأمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فأخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك؛ فقال الوليد: ما أراه إلّا قد نجا؛ فقال له يحيى بن عروة بن الزّبير وأخوه عبد اللّه: إن اللّه لم يجعل قبر أبيك معاذا للظالمين، فخذه برّد ما في يده من مال اللّه؛ فقال: صدقت، وأخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وكتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا، ففعل ذلك بهما وماتا جميعا في العذاب بعد أن أقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا منه المظالم.

وقال عمر بن شبّة في خبره: إنه لمّا نعي له هشام قال: واللّه لأتلقّينّ هذه النعمة بسكرة قبل الظهر؛ ثم أنشأ يقول:

طاب يومي ولذّ شرب السّلافهإذ أتاني نعيّ من بالرّصافه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاب يومي ولذ شرب السلافه»
وأتانا البريد ينعي هشاماوأتانا بخاتم للخلافه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاب يومي ولذ شرب السلافه»
فاصطبحنا من خمر عانة صرفاولهونا بقينة عزّافه

ثم خلف ألّا يبرح موضعه حتى يغنّى في هذا الشعر ويشرب عليه؛ فغنّي له فيه وشرب وسكر، ثم دخل فبويع له بالخلافة.

قال: وسمع صياحا، فسأل عنه، فقيل له: هذا من دار هشام يبكيه بناته؛ فقال:

إني سمعت بليلورا المصلّى برنّه
إذا بنات هشاميندبن والدهنّه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أني سمعت خليلي»
يندبن فرما جليلاقد كان يعضدهنّه
أنا المخنّت حقّاإن لم أنيكنّهنّه

وقال المدائنيّ في خبر أحمد بن الحارث: وشرب الوليد يوما، فلما طابت نفسه تذكّر هشاما، فقال لعمر الوادي غنّني:

إنّي سمعت بليلورا المصلّى برنّه

فغنّاه فيه، فشرب عليه ثلاثة أرطال، ثم قال: واللّه لئن سمعه منك أحد أبدا لأقبلنّك. قال: فما سمع منه بعدها ولا عرف.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

طاب يومي ولذّ شرب السّلافهإذ أتانا نعيّ من في الرّصافه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاب يومي ولذ شرب السلافه»

غنّاه عمر الوادي خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني أبو غسّان قال قال حكم الوادي: كنّا عند الوليد بن يزيد وهو يشرب، إذ جاءنا خصيّ فشقّ جيبه وعزّاه عن عمه هشام وهنأه بالخلافة وفي يده قضيب وخاتم وطومار؛ فأمسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة؛ فقال: غنّوني، غنّياني: قد طاب شرب السلافه... البيتين؛ فلم نزل نغنّيه بهما الليل كلّه.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدّثني مروان بن أبي حفصة قال: دخلت على الرشيد أمير المؤمنين فسألني عن الوليد بن يزيد فذهبت أتزحزح، فقال: إن أمير المؤمنين لا ينكر ما تقول فقل؛ قلت: كان من أصبح الناس وأظرف الناس وأشعر الناس. فقال: أتروى من شعره شيئا؟ قلت: نعم، دخلت عليه مع عمومتي وفي يده قضيب ولي جمّة فينانة فجعل يدخل القضيب في جمّتي وجعل يقول: يا غلام، ولدتك سكّر (وهي أمّ ولد كانت لمروان بن الحكم فزوّجها أبا حفصة) قال: فسمعته يومئذ ينشد:

ليت هشاما عاش حتى يرىمكياله الأوفر قد أترعا
كلنا له الصاع التي كالهافما ظلمناه بها أصوعا
لم نأت ما نأتيه عن بدعةأحلّه القرآن لي أجمعا

قال: فأمر الرشيد بكتابتها فكتبت.

وللوليد أشعار جياد فوق هذا الشعر الذي اختاره مروان. فمنها - وهو ما برّز فيه وجوّده وتبعه الناس جميعا فيه وأخذوه منه - قوله في صفة الخمر - أنشدنيه الحسن بن عليّ قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسّان محمد بن يحيى وغيره للوليد. قال: وكان أبو غسّان يكاد يرقص إذا أنشدها -:

اصدع نجيّ الهموم بالطربوانعم على الدهر بابنة العنب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
واستقبل العيش في غضارتهلا تقف منه آثار معتقب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
من قهوة زانها تقادمهافهي عجوز تعلو على الحقب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
أشهى إلى الشّرب يوم جلوتهامن الفتاة الكريمة النّسب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
فقد تجلّت ورقّ جوهرهاحتى تبدّت في منظر عجب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
فهي بغير المزاج من شرروهي لدى المزج سائل الذهب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
كأنها في زجاجها قبستذكو ضياء في عين مرتقب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
في فتية من بني أميّة أهل المجد والمأثرات والحسب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»
ما في الورى مثلهم ولا فيهممثلي ولا منتم لمثل أبي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»

قال المدائنيّ في خبره: وقال الوليد حين أتاه نعي هشام:

طال ليلي فبتّ أسقى المداماإذ أتاني البريد ينعي هشاما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طال ليلى فبت أسقى المداما»
وأتاني بحلّة وقضيبوأتاني بخاتم ثم قاما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طال ليلى فبت أسقى المداما»
فجعلت الوليّ من بعد فقدييفضل الناس ناشئا وغلاما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طال ليلى فبت أسقى المداما»
ذلك ابني وذاك قرم قريشخير قرم وخيرهم أعماما

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائنيّ عن جرير قال قال لي عمر الوادي: كنت يوما أغنّي الوليد إذ ذكر هشاما؛ فقال لي: غنّني بهذه الأبيات؛ قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فأنشأ يقول:

هلك الأحول المشوم فقد أرسل المطر
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «هلك الأحول المشوم»
ثمّت استخلف الوليد فقد أورق الشجر

وللولى في ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة قد أخذها الشعراء فأدخلوها في أشعارهم، سلخوا معانيها، وأبو نواس خاصّة سلخ معانيه كلّها وجعلها في شعره فكررّها في عدّة مواضع منه. ولو لا كراهة التطويل لذكرتها هاهنا، على أنها تنبىء عن نفسها.

وله أبيات أنشدنيها الحسن بن عليّ قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسّان وغيره للوليد - وكان أبو غسان يكاد أن يرقص إذا أنشدها -:

اصدع نجيّ الهموم بالطربوانعم على الدهر بابنة العنب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إصدع نجي الهموم بالطرب»

الأبيات التي مضت متقدّما. وهذا من بديع الكلام ونادره؛ وقد جوّد فيه منذ ابتدأ إلى أن ختم. وقد نقلها أبو نواس والحسين بن الضحاك في أشعارهما.

ومن جيّد معانيه قوله:

رأيتك تبني جاهدا في قطيعتيولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني

وقد مضت في أخباره مع هشام.

وأنشدني الحسن بن عليّ عن الحسين بن فهم قال أنشدني عمرو بن أبي عمرو للوليد بن يزيد وكان يستجيده فقال:

إذا لم يكن خير مع الشرّ لم تجدنصيحا ولا ذا حاجة حين تفزع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد»
وكانوا إذا همّوا بإحدى هناتهمحسرت لهم رأسي فلا أتقنّع

ومن نادر شعره قوله لهشام:

فإن تك قد مللت القرب منّيفسوف ترى مجانبتي وبعدي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فإن تك قد مللت القرب مني»
وسوف تلوم نفسك إن بقيناوتبلو الناس والأحوال بعدي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فإن تك قد مللت القرب مني»
فتندم في الذي فرّطت فيهإذا قايست في ذمّي وحمدي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فإن تك قد مللت القرب مني»

أخبرني الحسين بن يحيى قال حدّثنا ابن مهرويه وعبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قالا حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن الحارث الحرشيّ قال حدّثنا محمد بن عائذ قال حدّثني الهيثم بن عمران قال سمعته يقول: لما بويع الوليد سمعته على المنبر يقول بدمشق:

ضمنت لكم إن لم ترعني منيّتيبأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: لمّا ولى الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة والشعر له:

محرّمكم ديوانكم وعطاؤكمبه يكتب الكتّاب والكتب تطبع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»
ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتيبأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع

وأوّل هذه الأبيات:

ألا أيّها الركب المخبّون أبلغواسلامي سكّان البلاد فأسمعوا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»
وقولوا أتاكم أشبه الناس سنّةبوالده فاستبشروا وتوقّعوا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»
سيوشك إلحاق بكم وزيادةوأعطية تأتي تباعا فتشفع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أيها الركب المخبون أبلغوا»

وكان سبب مكاتبته أهل الحرمين بذلك أنّ هشاما لمّا خرج عليه زيد بن عليّ رضي اللّه عنه منع أهل مكة وأهل المدينة أعطياتهم سنة. فقال حمزة بن بيض يردّ على الوليد لمّا فعل خلاف ما قال:

وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعد مازعمت سماء الضرّ عنّا ستقلع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فليت هشاما كان حيّا يسوسناوكنّا كما كنا نرجّي ونطمع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد قال حدّثني عمر بن شبّة قال روى جرير بن حازم عن الفضل بن سويد قال: بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لمّا ولي الخلافة فقال: أتدرون لم دعوتكم؟ قالوا لا، قال: ليقل قائلكم؛ فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدّد اللّه لك من نعمته وإحسانه؛ فقال: نعم، ولكني:

أشهد اللّه والملائكة الأبرار والعابدين أهل الصلاح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أشهد الله والملائكة الأبرار»
أنني أشتهي السّماع وشرب الكأس والعض للخدود الملاح
والنديم الكريم والخادم الفاره يسعى عليّ بالأقداح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أشهد الله والملائكة الأبرار»

قوموا إذا شئتم.

أخبرني إسماعيل بن يونس وأحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: عرضت على الوليد بن يزيد جارية صفراء كوفيّة مولّدة يقال لها سعاد، فقال لها: أيّ شيء تحسنين؟ فقال: أنا مغنّية؛ فقال لها: غنّيني، فغنّت:

صوت

لو لا الذي حمّلت من حبّكملكان في إظهاره مخرج
أو مذهب في الأرض ذو فسحةأجل ومن حجّت له مذحج
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لكن سباني منكم شادنمربّب ذو غنّة أدعج
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
أغرّ ممكور هضيم الحشىقد ضاق عنه الحجل والدّملج
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

- الشعر للحارث بن خالد. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وفيه لدحمان هزج بالوسطى؛ وذكر الهشاميّ أن الهزج ليحيى المكيّ - فطرب طربا شديدا وقال: يا غلام اسقني، فسقاه عشرين قدحا وهو يستعيدها.

ثم قال لها: لمن هذا الشعر؟ قالت: للحارث بن خالد. قال: وممّن أخذتيه؟ قالت: من حنين. قال: وأين لقيته؟

قالت: ربيت بالعراق وكان أهلي يجيؤن به فيطارحني. فدعا صاحبه فقال: اذهب فابتعها بما بلغت ولا تراجعني في ثمنها ففعل؛ ولم تزل عنده حظيّة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عبيد اللّه بن أحمد بن الحارث القرشيّ قال حدّثنا العباس بن الوليد قال حدّثنا ضمرة قال: خرج عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام يوما إلى بعض الدّيارات فنزل فيه وهو وال على الرّملة؛ فسأل صاحب الدّير: هل نزل بك أحد من بني أميّة؟ قال: نعم، نزل بي الوليد بن يزيد ومحمد بن سليمان بن عبد الملك. قال: فأيّ شيء صنعا؟ قال: شربا في ذلك الموضع، ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: هلمّ نشرب بهذا الجرن - وأومأ إلى جرن عظيم من رخام - قال: أفعل؛ فلم يزالا يتعاطيانه بينهما وينسربان ويشربان به حتى ثملا. فقال عبد الوهاب لمولى له أسود: هاته. قال ضمرة: وقد رأيته وكان يوصف بالشدّة، فذهب يحرّكه فلم يقدر. فقال الراهب: واللّه لقد رأيتهما يتعاطيانه وكلّ واحد منهما يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشربه غير مكترث.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى قال: وفد سعد بن مرّة بن جبير مولى آل كثير بن الصّلت، وكان شاعرا، على الوليد بن يزيد، فعرض له في يوم من أيام الربيع وقد خرج إلى متنزّه له، فصاح به: يا أمير المؤمنين، وافدك وزائرك ومؤمّلك؛ فتبادر الحرس إليه ليصدّوه عنه، فقال: دعوه، أدن إليّ فدنا إليه؛ فقال: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الحجاز شاعر؛ قال: تريد ما ذا؟

قال: تسمع منّي أربعة أبيات؛ قال: هات.

صوت

شمن المخايل نحو أرضك بالحياولقين ركبانا بعرفك قفّلا

قال: ثم مه؛ قال:

فعمدن نحوك لم ينخن لحاجةإلّا وقوع الطير حتى ترحلا

قال: إن هذا السير حثيث؛ ثم ما ذا؟ قال:

يعمدن نحو موطّىء حجراتهكرما ولم تعدل بذلك معدلا

قال: فقد وصلت إليه، فمه؛ قال:

لاحت لها نيران حيّي قسطلفاخترن نارك في المنازل منزلا

قال: فهل غير هذا؟ قال لا؛ قال: أنجحت وفادتك، ووجبت ضيافتك؛ أعطوه أربعة آلاف دينار؛ فقبضها ورحل.

الغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو والهشاميّ.

رجعت الرواية إلى الحديث المدائنيّ قال: لمّا قدم العباس بن الوليد لإحصاء ما في خزائن هشام وولده سوى مسلمة بن هشام فإنه كان كثيرا ما يكفّ أباه عن الوليد ويكلّمه فيه ألّا يعرض له ولا يدخل منزله. وكانت عند مسلمة أمّ سلمة بنت يعقوب المخزوميّة، وكان مسلمة يشرب. فلمّا قدم العبّاس لإحصاء ما كتب إليه الوليد، كتبت إليه أم سلمة: ما يفيق من الشّراب ولا يهتمّ بشيء مما فيه إخوته ولا بموت أبيه. فلما راح مسلمة بن هشام إلى العباس قال له: يا مسلمة، كان أبوك يرشّحك للخلافة ونحن نرجوك لما بلغني عنك، وأنّبه وعاتبه على الشراب؛ فأنكر مسلمة ذلك وقال: من أخبرك بهذا؟ قال: كتبت إليّ به أمّ سلمة؛ فطلّقها في ذلك المجلس، فخرجت إلى فلسطين، وبها كانت تنزل، وتزوّجها أبو العباس السفّاح هناك.

وسلمى التي عناها الوليد هناك هي سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ وأمها أمّ عمرو بنت مروان بن الحكم، وأمّها بنت عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ.

فأخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلّام وعن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء: أن يزيد بن عبد الملك كان خرج إلى قرين متبدّيا به، وكان هناك قصر لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان؛ وكانت بنته أمّ عبد الملك، واسمها سعدة، تحت الوليد بن يزيد. فمرض سعيد في ذلك الوقت، وجاءه الوليد عائدا، فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته وسترها حواضنها وأختها فقامت ففرعتهن طولا، فوقعت بقلب الوليد. فلما مات أبوه طلّق أمّ عبد الملك زوجته وخطب سلمى إلى أبيها. وكانت لها أخت يقال لها أمّ عثمان تحت هشام بن عبد الملك؛ فبعثت إلى أبيها - وقيل: بعث إليه هشام -: أتريد أن تستفحل الوليد لبناتك يطلّق هذه وينكح هذه! فلم يزوّجه سعيد وردّه أقبح ردّ. وهويها الوليد ورام السلوّ عنها فلم يسل؛ وكان يقول: العجب لسعيد! خطبت إليه فردّني، ولو قد مات هشام ووليت لزوّجني! وهي طالق ثلاثا إن تزوّجتها حينئذ وإن كنت أهواها. فيقال: إنه لما طلّق سعدة ندم على ذلك وغمّه. وكان لها من قلبه محلّ ولم تحصل له سلمى؛ فاهتمّ لذلك وجزع. وراسل سعدة، وقد كانت زوّجت غيره فلم ينتفع بذلك.

فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ والحسن بن عليّ قالا حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم قال حدّثنا المدائنيّ قال: بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلّق امرأته، فقال: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة؛ فقال: أحضر العشرة الآلاف الدرهم حتى أنظر إليها؛ فأحضرها الوليد؛ فوضعها أشعب على عنقه وقال: هات رسالتك؛ قال: قل لها يقول لك أمير المؤمنين:

أسعدة هل إليك لنا سبيلوهل حتى القيامة من تلاقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسعدة هل إليك لنا سبيل»
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتيبموت من حليلك أو طلاق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسعدة هل إليك لنا سبيل»
فأصبح شامتا وتقرّ عينيويجمع شملنا بعد افتراق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسعدة هل إليك لنا سبيل»

فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت لها ففرشت وجلست وأذنت له. فلما دخل أنشدها ما أمره؛ فقالت لخدمها: خذوا الفاسق! فقال: يا سيّدتي إنها بعشرة آلاف درهم. قالت: واللّه لأقتلنك أو تبلّغه كما بلّغتني؛ قال: وما تهبين لي؟ قالت: بساطي الذي تحتي؛ قال: قومي عنه؛ فقامت فطواه وجعله إلى جانبه، ثم قال: هات رسالتك جعلت فداك؛ قالت: قل له:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهافقد ذهبت لبنى فما أنت صانع

فأقبل أشعب فدخل على الوليد؛ فقال: فأنشده البيت؛ أوّه قتلتني يا بن الزانية! ما أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع يا بن الزانية، إمّا أن أدلّيك على رأسك منكّسا في بئر أو أرمي بك منكّسا من فوق القصر أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع؛ فقال: ما كنت لتفعل شيئا من ذلك؛ قال: ولم يا بن الزانية؟ قال: لم تكن عينين نظرتا إلى سعدة. قال: أوّه! أفلتّ واللّه بهذا يا بن الزانية! اخرج عنّي. وقال الحسن في روايته: إنها قالت له أنشده:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهاوأنت عليها بالملا كنت أقدر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر»

وفي هذه الأبيات غناء هذه نسبته:

صوت

أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجروهجران لبنى يا لك الخير منكر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر»
فإن تكن الدنيا بلبنى تغيّرتفللدّهر والدنيا بطون وأظهر
أتبكي على لبنى وأنت تركتهاوأنت عليها بالحرا كنت أقدر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر»

عروضه من الطويل. والشعر لقيس بن ذريح. والغناء في الثاني والثالث للغريض ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو والهشاميّ.، وفيهما لعريب رمل بالبنصر. وفيه لشارية خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ. وفي الأوّل خفيف ثقيل مجهول.

قال ابن سلّام والمدائنيّ في خبرهما: وخرج الوليد بن يزيد يريد فرتنى لعلّه يراها؛ فلقيه زيّات معه حمار عليه زيت؛ فقال له: هل لك أن تأخذ فرسي هذا وتعطيني حمارك هذا بما عليه وتأخذ ثيابي وتعطيني ثيابك؟

ففعل الزيات ذلك. وجاء الوليد وعليه الثياب وبين يديه الحمار يسوقه متنكّرا حتى دخل قصر سعيد، فنادى: من يشتري الزيت، فاطّلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى وقلن: إن بالباب زيّاتا أشبه الناس بالوليد، فاخرجي فانظري إليه؛ فخرجت فرأته ورآها، فرجعت القهقرى وقالت: هو واللّه الفاسق الوليد! وقد رآني! فقلن له: لا حاجة بنا إلى زيتك؛ فانصرف وقال:

إنني أبصرت شيخاحسن الوجه مليح
ولباسي ثوب شيخمن عباء مسوح
وأبيع الزيت بيعاخاسرا غير ربيح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إنني أبصرت شخصا حسن»

وقال أيضا:

فما مسك يعلّ بزنجبيلولا عسل بألبان اللقاح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فما مسك يعل بزنجبيل»
بأشهى من مجاجة ريق سلمىولا ما في الزّقاق من القراح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فما مسك يعل بزنجبيل»
ولا واللّه لا أنسى حياتيوثاق الباب دوني واطّراحي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فما مسك يعل بزنجبيل»

قال: فلما ولى الخلافة أشخص إلى المغنّين فحضروه وفيهم معبد وابن عائشة وذووهما. فقال لابن عائشة: يا محمد، إن غنّيتني صوتين في نفسي فلك عندي مائة ألف درهم؛ فغنّاه قوله:

إنني أبصرت شيخا

وغنّاه:

فما مسك يعلّ بزنجبيل

الأبيات، فقال الوليد: ما عدوت ما في نفسي؛ وأمر له بمائة ألف درهم وألطاف وخلع، وأمر لسائر المغنّين بدون ذلك.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

فما مسك يعلّ بزنجبيلولا عسل بألبان اللّقاح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فما مسك يعل بزنجبيل»
بأطيب من مجاجة ريق سلمىولا ما في الزّقاق من القراح

غنّاه ابن عائشة، ولحنه ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وحماد بن إسحاق.

قال المدائنيّ وابن سلّام: فلمّا طال بالوليد ما به كتب إلى أبيها سعيد:

أبا عثمان هل لك في صنيعتصيب الرشد في صلتي هديتا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أبا عثمان هل لك في صنيع»
فأشكر منك ما تسدى وتحيىأبا عثمان ميّتة وميتا

قالوا: فلم يجبه إلى ذلك حتى ولى الخلافة، فلما وليها زوّجه إياها؛ فلم يلبث إلّا مدّة يسيرة حتى ماتت.

وقال فيها ليلة زفّت إليه:

خفّ من دار جيرتييا بن داود أنسها

وهي طويلة. وفيها ممّا يغنّى به:

أو لا تخرج العروس فقد طال حبسها
قد دنا الصبح أو بداوهي لم يقض لبسها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خف من دار جيرتي»
برزت كالهلال فيليلة غاب نحسها
بين خمس كواعبأكرم الخمس جنسها

غناء ابن سريج، فيما ذكره حبش، رمل بالبنصر، أوّله:

خفّ من دار جيرتي

وغناء معبد فيه خفيف ثقيل، أوّله:

ومتى تخرج العروس

في رواية الهشاميّ وابن المكيّ. وغناء عمر الواديّ في الأربعة الأبيات الأخر خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وذكر في النسخة الثانية ووافقه الهشاميّ أنّ فيه هزجا بالوسطى ينسب إلى حكم وإلى أبي كامل وإلى عمر.

وقد أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال: رأيت حكما الوادي قد تعرّض للمهديّ وهو يريد الحجّ، فوقف له في الطريق وكانت له شهرة، فأخرج دفّا له فنقر فيه وقال: أنا، أطال اللّه بقاءك، القائل:

ومتى تخرج العروس فقد طال حبسها
قد دنا الصبح أو بداوهي لم يقض لبسها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خف من دار جيرتي»

قال: فتسرّع إليه الحرس، فصيح بهم، وإذا هو حكم الوادي؛ فأدخل إليه المضرب فوصله وانصرف.

نسبة أو لا تخرج العروس - قال: الشعر للوليد بن يزيد. والغناء لعمر الواديّ. وفيه لحنان هزج خفيف بالخنصر في مجرى البنصر وخفيف رمل بالخنصر في مجرى البنصر جميعا عن إسحاق؛ وذكر حكم الواديّ أنّ الهزج له؛ وذكر إسحاق أن لحن حكم خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى. وقال في كتاب يحيى: إن هذا اللحن لعمر الواديّ. وذكر الهشاميّ أنّ فيه خفيف ثقيل لمعبد ورملا لابن سريج. وذكر عمرو بن بانة أنّ فيه للدّلال خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.

وقال المدائنيّ: مكثت عنده سلمى أربعين يوما ثم ماتت؛ فقال:

ألمّا تعلما سلمى أقامتمضمّنة من الصحراء لحدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألما تعلما سلمى أقامت»
لعمرك يا وليد لقد أجنّوابها حسبا ومكرمة ومجدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألما تعلما سلمى أقامت»
ووجها كان يقصر عن مداهشعاع الشمس أهل أن يفدّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألما تعلما سلمى أقامت»
فلم أر ميّتا أبكى لعينوأكثر جازعا وأجلّ فقدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألما تعلما سلمى أقامت»
وأجدر أن تكون لديه ملكايريك جلادة ويسرّ وجدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألما تعلما سلمى أقامت»

ذكر أشعار الوليد التي قالها في سلمى وغنّى المغنّون فيها منها:

صوت

عرفت المنزل الخاليعفا من بعد أحوال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»
عفاه كلّ حنّانعسوف الوبل هطّال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»
لسلمى قرّة العينوبنت العمّ والخال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»
بذلت اليوم في سلمىخطارا أتلفت مالي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»
كأنّ الريق من فيهاسحيق بين جريال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»

غنّاه عمر الواديّ هزجا بالوسطى عن عمرو. وذكر ابن خرداذبه أنّ هذا اللحن للوليد بن يزيد. وفيه رمل ذكر الهشاميّ أنه لابن سريج.

ومنها وهو الصوت الذي غنّاه أبو كامل فأعطاه الوليد قلنسيته:

صوت

منازل قد تحلّ بها سليمىدوارس قد أضرّ بها السّنون
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «منازل قد تحل بها سليمى»
أميت السرّ حفظا يا سليمىإذا ما السرّ باح به الحزون
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «منازل قد تحل بها سليمى»

غنّاه أبو كامل من الثقيل الأوّل. وفيه لابن سريج، ويقال للغريض، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، وقيل: إنه لحكم أو لعمر الوادي.

ومنها:

صوت

أراني قد تصابيتوقد كنت تناهيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
ولو يتركني الحبّلقد صمت وصلّيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
إذا شئت تصبّرتولا أصبر إن شيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
ولا واللّه لا يصبر في الدّيمومة الحوت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
سليمى ليس لي صبروإن رخّصت لي جيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
فقبّلتك ألفينوفدّيت وحيّيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
ألا أحبب بزور زار من سلمى ببيروت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»
غزال أدعج العيننقيّ الجيد واللّيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني قد تصابيت وقد»

غنّاه ابن جامع في البيتين الأوّلين هزجا بالوسطى، وغنّاه أبو كامل في الأبيات كلها على ما ذكرت بذل ولم تجنّسه. وغنّى حكم الوادي في الثالث والرابع والسابع والثامن خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشاميّ.

ومنها:

صوت

عتبت سلمى علينا سفاهاأن سببت اليوم فيها أباها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»
كان حقّ العتب يا قوم منّيليس منها كان قلبي فداها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»
فلئن كنت أردت بقلبيلأبي سلمى خلاف هواها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»
فثكلت اليوم سلمى فسلمىملأت أرضي معا وسماها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»
غير أني لا أظن عدوّاقد أتاها كاشحا بأذاها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»
فلها العتبى لدينا وقلّتأبدا حتى أنال رضاها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عتبت سلمى علينا سفاها»

غنّاه أبو كامل خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل من رواية عليّ بن يحيى. وفيه رمل يقال: إنه لابن جامع، ويقال: بل لحن ابن جامع خفيف رمل أيضا.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال: لقي سعيد بن خالد الوليد بن يزيد وهو ممل؛ فقال له: يا أبا عثمان، أتردّني على سلمى! وكأني بك لو قد وليت الخلافة خطبتني فلم أجبك؛ وإن تزوّجتها حينئذ فهي طالق ثلاثا. فقال له سعيد: إن المرء يجعل كريمته عند مثلك لحقيق بأكثر مما قلت؛ فأمضّه الوليد وشتمه وتسامعا وافترقا. وبلغ الوليد أنّ سلمى جزعت لما جرى وبكت وسبّت الوليد ونالت منه؛ فقال:

عتبت سلمى علينا سفاهاأن هجوت اليوم فيها أباها

وذكر الأبيات. وقال أيضا في ذلك:

صوت

على الدّور التي بليت سفاهاقفا يا صاحبيّ فسائلاها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «على الدور التي بليت سفاها»
دعتك صبابة ودعاك شوقوأخضل دمع عينك مأقياها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «على الدور التي بليت سفاها»
وقالت عند هجوتنا أباهاأردت الصّرم فانتده انتداها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «على الدور التي بليت سفاها»
أردت بعادنا بهجاء شيخيوعندك خلّة تبغي هواها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «على الدور التي بليت سفاها»
فإن رضيت فذاك وإن تمادتفهبها خطّة بلغت مداها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «على الدور التي بليت سفاها»

- غنّاه مالك بن أبي السّمح خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وللهذلي فيه ثاني ثقيل بالوسطى عن يونس والهشاميّ؛ وذكر حبش: أنّ الثقيل الثاني لإسحاق - يعني بقوله:

أردت بعادنا بهجاء شيخي

أنه كان هجا سعيد بن خالد، فقال:

ومن يك مفتاحا لخير يريدهفإنك قفل يا سعيد بن خالد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ومن يك مفتاحا لخير يريده»

قال المدائنيّ: لمّا غضبت سلمى من هجائه أباها قال يعتذر إليه بقوله:

ألا أبلغ أبا عثمان عذرة معتب أسفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»
فلست كمن يودّك باللسان ويكثر الحلفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»
عتبت عليّ في أشياء كانت بيننا سرفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»
فلا تشمت بي الأعداء والجيران ملتهفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»
تودّ لو أنّني لحمرأته الطير فاختطفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»
ولا ترفع به رأساعفا الرحمن ما سلفا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألا أبلغ أبا عثمان»

ومنها وهو من سخيف شعره:

صوت

خبّروني أن سلمىخرجت يوم المصلّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»
فإذا طير مليحفوق غصن يتفلّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»
قلت من يعرف سلمىقال ها ثم تعلّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»
قلت يا طير ادن منّيقال ها ثم تدلّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»
قلت هل أبصرت سلمىقال لا ثم تولّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»
فنكا في القلب كلماباطنا ثم تعلّى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خبروني أن سلمى»

فيه ثقيل أوّل بالبنصر مطلق، ذكر الهشاميّ أنه لأبي كامل ولعمر الوادي، وذكر حبش أنه لدحمان.

ومنها:

صوت

اسقني يابن سالم قد أناراكوكب الصبح وانجلى واستنارا
اسقني من سلاف ريق سليمىواسق هذا النديم كأسا عقارا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إسقني يا ابن سالم قد أنارا»

غنّاه ابن قدح ثاني ثقيل بالوسطى من رواية حبش.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي عبيد اللّه قال حدّثني أبي: أنّ المأمون قال لمن حضره من جلسائه: أنشدوني بيتا لملك يدلّ البيت وإن لم يعرف قائله أنه شعر ملك؛ فأنشده بعضهم قول امرىء القيس:

أمن أجل أعرابيّة حلّ أهلهاجنوب الملا عيناك تبتدران

قال: وما في هذا مما يدلّ على ملكه! قد يجوز أن يقول هذا سوقة من أهل الحضر، فكأنه يؤنّب نفسه على التعلّق بأعرابيّة؛ ثم قال: الشعر الذي يدلّ على أن قائله ملك قول الوليد:

اسقني من سلاف ريق سليمىواسق هذا النديم كأسا عقارا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إسقني يا ابن سالم قد أنارا»

أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم وأنها إشارة ملك. ومثل قوله:

لي المحض من ودّهمويغمرهم نائلي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سقيت أبا كامل»

وهذا قول من يقدر بالملك على طويّات الرجال، يبذل المعروف لهم ويمكنه استخلاصها لنفسه.

وفي هذا البيت مع أبيات قبله غناء وهو قوله:

صوت

سقيت أبا كاملمن الأصفر البابلي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سقيت أبا كامل»
وسقّيتها معبداوكلّ فتى بازل
لي المحض من ودّهمويغمرهم نائلي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سقيت أبا كامل»
فما لا مني فيهمسوى حاسد جاهل

غنّاه أبو كامل ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

ومنها وهو من ملح شعره:

صوت

أراني اللّه يا سلمى حياتيوفي يوم الحساب كما أراك
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني الله يا سلمى حياتي»
ألا تجزين من تيّمت عصراومن لو تطلبين لقد قضاك
ومن لو متّ مات ولا تموتيولو أنسي له أجل بكاك
ومن حقّا لو اعطي ما تمنّىمن الدنيا العريضة ما عداك
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أراني الله يا سلمى حياتي»
ومن لو قلت مت فأطاق موتاإذا ذاق الممات وما عصاك
أثيبي عاشقا كلفا معنّىإذا خدرت له رجل دعاك

كانت العرب تقول: إن الإنسان إذا خدرت قدمه دعا باسم أحبّ الناس إليه فسكنت. في الخبر أن رجل عبد اللّه بن عمر خدرت؛ فقيل له: ادع باسم أحبّ الناس إليك؛ فقال: يا رسول اللّه، صلى اللّه على رسول اللّه وعلى آله وسلّم. ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات لحنا لسنان الكاتب، وذكرت دنانير أنه لحكم ولم تجنّسه.

ومنها:

صوت

ويح سلمى لو ترانيلعناها ما عناني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
متلفا في اللهو ماليعاشقا حور القيان
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
إنما أحزن قلبيقول سلمى إذ أتاني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
ولقد كنت زماناخالي الذّرع لشاني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
شاق قلبي وعنانيحبّ سلمى وبراني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»
ولكم لام نصيحفي سليمى ونهاني
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ويح سلمى لو تراني»

غنّته فريدة خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيل أوّل ينسب إلى معبد؛ وهو فيما يذكر إسحاق يشبه غناءه وليس تعرف صحّته له، وذكر كثير الكبير أنه له، وذكر الهشاميّ أنه لابن المكيّ. وفيه لحكم هزج صحيح.

ومنها:

صوت

بلّغا عنّي سليمىوسلاها لي عمّا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «بلغا عني سليمى»
فعلت في شأن صبّدنف أشعرهمّا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «بلغا عني سليمى»
ولقد قلت لسلمىإذ قتلت البين علما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «بلغا عني سليمى»
أنت همّي يا سليمىقد قضاه الربّ حتما
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «بلغا عني سليمى»
نزلت في القلب قسرامنزلا قد كان يحمى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «بلغا عني سليمى»

غنّاه حكم خفيف ثقيل. ولعمر الوادي فيه خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

ومنها:

صوت

يا سليمى يا سليمىكنت للقلب عذابا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سليمى يا سليمى»
يا سليمى ابنة عمّيبرد الليل وطابا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سليمى يا سليمى»
أيّما واش وشى بيفاملئي فاه ترابا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سليمى يا سليمى»
ريقها في الصبح مسكباشر العذب الرّضابا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سليمى يا سليمى»

غنّاه عمر الوادي هزجا بالبنصر عن الهشاميّ، وذكر ابن المكيّ أنّه لمعان. وفي كتاب إبراهيم أنه لعطرّد.

ومنها:

صوت

أسلمى تلك حيّيتقفي نخبرك إن شيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسلمى تلك حييت»
وقيلي ساعة نشكإليك الحبّ أو بيتي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسلمى تلك حييت»
فما صهباء لم تكسقذى من خمر بيروت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسلمى تلك حييت»
ثوت في الدّنّ أعواماختيما عند حانوت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسلمى تلك حييت»

غنّاه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو.

ومنها:

صوت

يا من لقلب في الهوى متشعببل من لقلب بالحبيب عميد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا من لقلب في الهوى متشعب»
سلمى هواه ليس يعرف غيرهادون الطّريف ودون كلّ تليد
إن القرابة والسعادة ألّفابين الوليد وبين بنت سعيد
يا قلب كم كلف الفؤاد بغادةممكورة ريّا العظام خريد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا من لقلب في الهوى متشعب»

غنّاه عمر الوادي رملا بالبنصر عن عمرو.

ومنها:

صوت

قد تمنّى معشر إذا أطربوامن عقار وسوام وذهب
ثم قالوا لي تمنّ واستمعكيف ننحو في الأماني والطلب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قد تمنى معشر إذ أطربوا»
فتمنّيت سليمى إنهابنت عمّي من لهاميم العرب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قد تمنى معشر إذ أطربوا»

فيه للهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشاميّ أن هذا الخفيف الثقيل لخالد صامة.

وذكر ابن المكيّ أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى.

ومنها:

صوت

هل إلى أمّ سعيدمن رسول أو سبيل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «هل إلى أم سعيد»
ناصح يخبر أنّيحافظ ودّ خليل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «هل إلى أم سعيد»
يبذل الودّ لغيريوأكافي بالجميل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «هل إلى أم سعيد»
لست أرضى لخليليمن وصالي بالقليل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «هل إلى أم سعيد»

غنّاه عمر الوادي هزجا خفيفا بالسبّابة في مجرى الوسطى.

ومنها:

صوت

طاف من سلمى خيالبعد ما نمت فهاجا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاف من سلمى خيال»
قلت عج نحوي أسائلك عن الحبّ فعاجا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاف من سلمى خيال»
يا خليلي يا نديميقم فأنفث لي سراجا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاف من سلمى خيال»
بفلاة ليس ترعىأنبتت شيحا وحاجا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طاف من سلمى خيال»

غنّاه عمر الوادي ثانيّ ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج فيه خفيف رمل بالوسطى عن حبش. ولأبي سلمى المدنيّ ثقيل أوّل عن ابن خرداذبه.

ومنها:

صوت

أمّ سلّام أثيبي عاشقايعلم اللّه يقينا ربّه
أنّكم من عيشه في نفسهيا سليمى فاعلميه حسبه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أم سلام أيثبي عاشقا»
فارحميه إنه يهذي بكمهائم صبّ قد أودى قلبه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أم سلام أيثبي عاشقا»
أنت لو كنت له راحمةلم يكدّر يا سليمى شربه
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أم سلام أيثبي عاشقا»

غنّاه حكم رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن سريج رملا بالوسطى.

ومنها:

صوت

ربّ بيت كأنه متن سهمسوف نأتيه من قرى بيروت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رب بيت كأنه متن سهم»
من بلاد ليست لنا ببلادكلما جئت نحوها حييت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رب بيت كأنه متن سهم»
أمّ سلّام لا برحت بخيرثم لا زلت جنّتي ما حييت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رب بيت كأنه متن سهم»
طربا نحوكم وتوقا وشوقالادّ كاريكم وطيب المبيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رب بيت كأنه متن سهم»
حيثما كنت من بلاد وسرتمفوقاك الإله ما قد خشيت
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «رب بيت كأنه متن سهم»

في البيت الأوّل والثاني لابن عائشة ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر عن الهشاميّ، وذكر غيره أنه لإبراهيم. وفي الثالث وما بعده والثاني لابن عائشة أيضا رمل بالوسطى، ولابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وقيل: إن الرّمل لعمر الوادي، وهو أن يكون له أشبه.

ومنها:

صوت

طرقتني وصحابي هجوعظبية أدماء مثل الهلال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرقتني وصحابي هجوع»
مثل قرن الشمس لما تبدّتواستقلّت في رؤوس الجبال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرقتني وصحابي هجوع»
تقطع الأهوال نحوي وكانتعندنا سلمى ألوف الحجال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرقتني وصحابي هجوع»
كم أجازت نحونا من بلادوحشة قتّالة للرجال
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرقتني وصحابي هجوع»

لابن محرز فيه ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق في الثاني والثالث. ولابن سريج في الأوّل وما بعده خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لحن لابن عائشة ذكر الهشاميّ أنه رمل بالوسطى. وفيه خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وعمر الوادي.

ومنها:

صوت

أنا الوليد الإمام مفتخراأنعم بالي وأتبع الغزلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا الوليد الإمام مفتخرا»
أهوى سليمى وهي تصرمنيوليس حقّا جفاء من وصلا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أنا الوليد الإمام مفتخرا»
أسحب بردى إلى منازلهاولا أبالي مقال من عذلا

غنّى فيه أبو كامل رملا بالبنصر. وغنّى عمر الوادي فيه خفيف رمل بالوسطى، ويقال إن هذا اللحن للوليد.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال الوليد على لسان سلمى:

صوت

اقر منّي على الوليد السلاماعدد النجم قلّ ذا للوليد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إقر مني على الوليد السلاما»
حسدا ما حسدت أختي عليهربّنا بيننا وبين سعيد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إقر مني على الوليد السلاما»

غنّاه الهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن ابن المكيّ.

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا خالد بن النّضر القرشيّ بالبصرة قال حدّثنا أبو حاتم السّجستانيّ قال حدّثنا العتبيّ قال: كانت للوليد بن يزيد جارية يقال لها صدوف؛ فغاضبها، ثم لم يطعه قلبه فجعل يتسبّب لصلحها، فدخل عليه رجل قرشيّ من أهل المدينة فكلّمه في حاجة وقد عرف خبره، فبرم به؛ فأنشده:

أعتبت أن عتبت عليك صدوفوعتاب مثلك مثلها تشريف
لا تقعدنّ تلوم نفسك دائمافيها وأنت بحبّها مشغوف
إن القطيعة لا يقوم لمثلهاإلا القويّ، ومن يحبّ ضعيف
الحبّ أملك بالفتى من نفسهوالذلّ فيه مسلك مألوف

قال: فضحك وجعل ذلك سببا لصلحها، وأمر بقضاء حوائج القرشيّ كلّها.

أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال قال حمّاد الرّاوية: استدعاني الوليد بن يزيد وأمر لي بألفين لنفقتي وألفين لعيالي، فقدمت عليه. فلما دخلت داره قال لي الخدم: أمير المؤمنين من خلف الستارة الحمراء، فسلّمت بالخلافة؛ فقال لي: يا حمّاد؛ قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: «ثم ثاروا»؛ فلم أدر ما يعني فقال: ويحك يا حمّاد! «ثم ثاروا»؛ فقلت في نفسي: راوية أهل العراق لا يدري عمّا يسأل! ثم انتبهت فقلت:

ثم ثاروا إلى الصّبوح فقامتقينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعينالدّيك صفّى سلافها الرّاووق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»
ثم فضّ الختام عن حاجب الدّنّ وقامت لدى اليهوديّ سوق
فسباها منه أشمّ عزيزأريحيّ غذاه عيش رقيق

- الشعر لعديّ بن زيد. والغناء لحنين خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. وفيه لمالك خفيف رمل. ولعبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ رمل، كل ذلك عن الهشاميّ - قال: فإذا جارية قد أخرجت كفّا لطيفة من تحت الستر في يدها قدح، واللّه ما أدري أيّهما أحسن الكفّ أم القدح؛ فقال: ردّيه فما أنصفناه! تغدّينا ولم نغدّه! فأتيت بالغداء، وحضر أبو كامل مولاه فغنّاه:

صوت

أدر الكأس يمينالا تدرها ليسار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أدر الكأس يمينا»
اسق هذا ثم هذاصاحب العود النّضار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أدر الكأس يمينا»
من كميت عتّقوهامنذ دهر في جرار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أدر الكأس يمينا»
ختموها بالأفاويه وكافور وقار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أدر الكأس يمينا»
فلقد أيقنت أنّيغير مبعوث لنار
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أدر الكأس يمينا»
سأروض الناس حتىيركبوا أير الحمار
وذروا من يطلب الجنة يسعى لتبار

- فيه هزجان بالوسطى والبنصر لعمر الوادي وأبي كامل - فطرب وبرز إلينا وعليه غلالة مورّدة، وشرب حتى سكر. فأقمت عنده مدّة ثم أذن بالانصراف؛ وكتب لي إلى عامله بالعراق بعشرة آلاف درهم.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: لما ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء والشّراب والصيد، وحمل المغنّين من المدينة وغيرها إليه وأرسل إلى أشعب فجاء به، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال له: ارقص وغنّني شعرا يعجبني؛ فإن فعلت فلك ألف درهم؛ فغنّاه فأعجبه فأعطاه ألف درهم.

ودخل إليه يوما، فلما رآه الوليد كشف عن أيره وهو منعظ - قال أشعب: فرأيته كأنه مزمار آبنوس مدهون - فقال لي: أرأيت مثله قطّ؟ قلت: لا يا سيّدي؛ قال: فاسجد له، فسجدت ثلاثا؛ فقال: ما هذا؟ قلت: واحدة لأيرك وثنتين لخصيتيك. قال: فضحك وأمر لي بجائزة.

قال: وتكلم بعض جلسائه والمغنّية تغنّي، فكره ذلك وأضجره؛ فقال لبعض جلسائه: قم فنكه، فقام فناكه والناس حضور وهو يضحك.

وذكرت جارية أنه واقعها يوما وهو سكران؛ فلما تنحّى عنها آذنه المؤذّن بالصلاة، فحلف ألّا يصلّي بالناس غيرها؛ فخرجت متلّثمة فصلّت بالناس.

قال: ونزل على غدير ماء فاستحسنه. فلما سكر حلف ألّا يبرح حتى يشرب ذلك الغدير كلّه ونام، فأمر العلاء بن البندار بالقرب والرّوايا فأحضرت، فجعل ينزحه ويصبّه على الأرض والكثب التي حولهم حتى لم يبق فيه شي ء؛ فلما أصبح الوليد رآه قد نشف فطرب وقال: أنا أبو العباس! ارتحلوا. فارتحل الناس.

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال النّضر بن حديد حدّثني ابن أبي جناح قال أخبرني عمر بن جبلة: أنّ الوليد بن يزيد بات عند امرأة وعدته المبيت؛ فقال حين انصرف:

قامت إليّ بتقبيل تعانقنيريّا العظام كأن المسك في فيها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قامت إلي بتقبيل تعانقني»
أدخل فديتك لا يشعر بنا أحدنفسي لنفسك من داء تفدّيها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قامت إلي بتقبيل تعانقني»
بتنا كذلك لا نوم على سررمن شدّة الوجد تدنيني وأدنيها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قامت إلي بتقبيل تعانقني»
حتى إذا ما بدا الخيطان قلت لهاحان الفراق فكاد الحزن يشجيها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قامت إلي بتقبيل تعانقني»
ثم انصرفت ولم يشعر بنا أحدواللّه عنّي بحسن الفعل يجزيها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قامت إلي بتقبيل تعانقني»

وحدّثني النّضر بن حديد قال حدّثنا هشام بن الكلبيّ عن خالد بن سعيد قال: مرّ الوليد بن يزيد وهو متصيّد بنسوة من بني كلب من بني المنجاب، فوقف عليهن واستسقاهنّ وحدّثهن وأمر لهنّ بصلة، ثم مضى وهو يقول:

ولقد مررت بنسوة أعشيننيحور المدامع من بني المنجاب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد مررت بنسوة أعشينني»
فيهنّ خرعبة مليح دلّهاغرثى الوشاح دقيقة الأنياب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد مررت بنسوة أعشينني»
زين الحواضر ما ثوت في حضرهاوتزين باديها من الأعراب

قال النّضر وحدّثني ابن الكلبيّ عن أبيه: أن الوليد خرج يتصيّد ذات يوم، فصادت كلابه غزالا، فأتي به فقال: خلّوه، فما رأيت أشبه منه جيدا وعينين بسلمى. ثم أنشأ يقول:

ولقد صدنا غزالا سانحاقد أردنا ذبحه لما سنح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد صدنا غزالا سانحا»
فإذا شبهك ما ننكرهحين أزجى طرفه ثم لمح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد صدنا غزالا سانحا»
فتركناه ولو لا حبّكمفاعلمي ذاك لقد كان انذبح
أنت يا ظبي طليق آمنفاغد في الغزلان مسرورا ورح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد صدنا غزالا سانحا»

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال أخبرني عمرو عن أبيه عن عمرو بن واقد الدمشقيّ قال: بعث الوليد بن يزيد إلى شراعة بن الزّندبوذ، فلما قدم عليه قال: يا شراعة، إني لم أستحضرك لأسألك عن العلم ولا لأستفتيك في الفقه ولا لتحدّثني ولا لتقرئني القرآن؛ قال: لو سألتني عن هذا لوجدتني فيه حمارا.

قال: فكيف علمك بالفتوّة؟ قال: ابن بجدتها، وعلى الخبير بها سقطت، فسل عما شئت. قال: فكيف علمك بالأشربة؟ قال: ليسألني أمير المؤمنين عما أحبّ. قال: ما قولك في الماء؟ قال: هو الحياة، ويشركني فيه الحمار.

قال: فاللّبن؟ قال: ما رأيته قطّ إلا ذكرت أميّ فاستحيت. قال: فالخمر؟ قال: تلك السارّة البارّة وشراب أهل الجنة. قال: للّه درّك! فأيّ شيء أحسن ما يشرب عليه؟ قال: عجبت لمن قدر أن يشرب على وجه السماء في كنّ من الحرّ والقرّ كيف يختار عليها شيئا!.

قال وأخبرنا عمرو عن أبيه عن يحيى بن سليم قال: دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة بمصحف؛ فلما فتحه وافق ورقة فيها: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ

، فقال: أسجعا سجعا! علّقوه؛ ثم أخذ القوس والنّبل فرماه حتى مزّقه؛ ثم قال:

أتوعد كلّ جبّار عنيدفها أنا ذاك جبار عنيد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتوعد كل جبار عنيد»
إذا لاقيت ربّك يوم حشرفقل للّه مزّقني الوليد

قال: فما لبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال حدّثني معاوية بن بكر عن يعقوب بن عيّاش المروزيّ (من أهل ذي المروة) أن أباه حمل عدّة جوار إلى الوليد بن يزيد؛ فدخل إليه وعنده أخوه عبد الجبار وكان حسن الوجه والشّعرة وفيّها؛ فأمر الوليد جارية منهنّ أن تغنّي:

لو كنت من هاشم أو من بني أسدأو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لو كنت من هاشم أو من بني أسد»

وأمرها أخوه أن تغنّي:

أتعجب أن طربت لصوت حادحدا بزلا يسرن ببطن واد
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتعجب أن طربت لصوت حاد»

فغنّت ما أمرها به الغمر؛ فغضب الوليد واحمرّ وجهه، وظن أنها فعلت ذلك ميلا إلى أخيه. وعرفت الشرّ في وجهه، فاندفعت فغنّت:

صوت

أيها العاتب الذي خاف هجريوبعادي وما عمدت لذاكا
أترى أنّني بغيرك صبّجعل اللّه من تظنّ فداكا
أنت كنت الملول في غير شيءبئس ما قلت ليس ذاك كذاكا
ولو أنّ الذي عتبت عليهخيّر الناس واحدا ما عداكا
فارض عنّي جعلت نعليك إنّيوالعظيم الجليل أهوى رضاكا

- الشعر لعمر. والغناء لمعبد من روايتي يونس وإسحاق، ولحنه من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر حماد في أخبار ابن عائشة أن له فيه لحنا - قال: فسرّي عن الوليد وقال لها: ما منعك أن تغنّي ما دعوتك إليه؟ قالت: لم أكن أحسنه، وكنت أحسن الصوت الذي سألنيه، أخذته من ابن عائشة؛ فلما تبيّنت غضبك غنّيت هذا الصوت وكنت أخذته من معبد. تعني الذي اعتذرت به إليه.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

لو كنت من هاشم أو من بني أسدأو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لو كنت من هاشم أو من بني أسد»
أو من بني نوفل أو آل مطّلبأو من بني جمح الخضر الجلاعيد
أو من بني زهرة الأبطال قد عرفواللّه درّك لم تهمم بتهديد

الشعر لحسّان بن ثابت، يقوله لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرّة، وخبره يذكر بعد هذا. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالخنصر، وقيل: إنه لمالك.

ومنها:

صوت

أتعجب أن طربت لصوت حادحدا بزلا يسرن ببطن واد
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتعجب أن طربت لصوت حاد»
فلا تعجب فإن الحبّ أمسىلبثنة في السّواد من الفؤاد
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتعجب أن طربت لصوت حاد»

الشعر لجميل. والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال: عرضت على الوليد بن يزيد جارية مغنيّة؛ فقال لها: غنّي؛ فغنّت:

صوت

لو لا الذي حمّلت من حبّكملكان من إظهاره مخرج
أو مذهب في الأرض ذو فسحةأجل ومن حجّت له مذحج
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لكن سباني منهم شادنمربّب بينهم أدعج
أغرّ ممكور هضيم الحشىقد ضاق عنه الحجل والدّملج
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

فقال لها الوليد: لمن هذا الشعر؟ قالت: للوليد بن يزيد المخزوميّ. قال: فممّن أخذت الغناء؟ قالت: من حنين. فقال: أعيديه، فأعادته فأجادت؛ فطرب الوليد ونعر وقال: أحسنت وأبى وجمعت كلّ ما يحتاج إليه في غنائك، وأمر بابتياعها، وحظيت عنده.

غنّى في هذا الصوت ابن سريج ولحنه رمل بالبنصر. وغنّى فيه إسحاق فيما ذكر الهشاميّ خفيف ثقيل.

وممّا يغنّى به من هذه القصيدة:

صوت

قد صرّح القوم وما لجلجوالجّوا علينا ليت لم يلججوا
باتوا وفيهم كالمها طفلةقد زانها الخلخال والدّملج

غنّاه صباح الخيّاط خفيف ثقيل بالبنصر. وغنّى فيه ابن أبي الكنّات خفيف ثقيل بالوسطى.

فأمّا خبر الشعر الذي قاله حسّان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرّة، فأخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن: أنّ عبيد اللّه بن معمر وعبد اللّه بن عامر بن كريز اشتريا من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رقيقا ممّن سبي، ففضل عليهما ثمانون ألف درهم؛ فأمر بهما عمر أن يلزما. فمرّ بهما طلحة بن عبيد اللّه وهو يريد الصلاة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما لابن معمر يلازم؟ فأخبر خبره؛ فأمر له بالأربعين ألفا التي عليه تقضى عنه. فقال ابن معمر لابن عامر: إنها إن قضيت عنّي بقيت ملازما، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عنّي؛ فدفع إليه الأربعين ألفا درهم فقضاها ابن عامر عن نفسه وخلّيت سبيله. فمرّ طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر يلازم فقال: ما لابن معمر؟ ألم آمر بالقضاء عنه! فأخبر بما صنع؛ فقال: أمّا ابن معمر فعلم أنّ له ابن عم لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلّي سبيله. فقال حسّان بن ثابت لمسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة:

يا آل تيم ألا تنهون جاهلكمقبل القذاف بصمّ كالجلاميد
فنهنهوه فإنّي غير تارككمإن عاد ما اهتزّ ماء في ثرى عود
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لو كنت من هاشم أو من بني أسد»
لو كنت من هاشم أو من بني أسدأو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لو كنت من هاشم أو من بني أسد»
أو من بني نوفل أو آل مطّلبأو من بني جمح الخضر الجلاعيد
أو من بني زهرة الأبطال قد عرفواللّه درّك لم تهمم بتهديد
أو في الدّؤابة من تيم إذا انتسبواأو من بني الحارث البيض الأماجيد
لكن سأصرفها عنكم وأعدلهالطلحة بن عبيد اللّه ذي الجود

رجع الخبر إلى سياقة أخبار الوليد:

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال قال الهيثم حدّثني ابن عيّاش قال: دخل أبو الأقرع على الوليد بن يزيد؛ فقال له: أنشدني قولك في الخمر؛ فأنشده قوله:

كميت إذا شجّت وفي الكأس وردةلها في عظام الشاربين دبيب
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، من قصيدة «تُرِيْكَ القَذَى مِنْ دُوْنِهَا وَهْيَ دُوْنَهُ»
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوب
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فقال الوليد: شربتها يا أبا الأقرع وربّ الكعبة! فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابني معرفتك بها.

أخبرني الحسن قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال قال المدائنيّ: نظر الوليد بن يزيد إلى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وقد مرّوا بين يديها بالشمع ليلا؛ فلما رآها أعجبته وراعه جمالها وحسنها؛ فسأل عنها فقيل له: إن لها زوجا؛ فأنشأ يقول:

صوت

إنما هاج لقلبيشجوه بعد المشيب
للشاعر الوليد بن يزيد، اقرأ القصيدة
نظرة قد وقرت في القلب من أمّ حبيب
للشاعر الوليد بن يزيد، اقرأ القصيدة
فإذا ما ذقت فاهاذقت عذبا ذا غروب
للشاعر الوليد بن يزيد، اقرأ القصيدة
خالط الراح بمسكخالص غير مشوب
للشاعر الوليد بن يزيد، اقرأ القصيدة

غنّاه ابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ؛ وذكر عمرو بن بانة أنه للأبجر، وهو الصحيح.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن النّضر بن عمرو عن العتبيّ قال: لمّا ظهرت المسوّدة بخراسان كتب نصر بن سيّار إلى الوليد يستمدّه، فتشاغل عنه؛ فكتب إليه كتابا وكتب في أسفله يقول:

أرى خلل الرّماد وميض جمروأحر بأن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكىوإنّ الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجّب ليت شعريأأيقاظ أميّة أم نيام

فكتب إليه الوليد: قد أقطعتك خراسان، فاعمل لنفسك أودع، فإني مشغول عنك بابن سريج ومعبد والغريض.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن ابن الصبّاح عن ابن الكلبيّ عن حمّاد الراوية قال: دخلت يوما على الوليد وكان آخر يوم لقيته فيه، فاستنشدني فأنشدته كلّ ضرب من شعر أهل الجاهليّة والإسلام؛ فما هشّ لشيء منه حتى أخذت في السّخف فأنشدته لعمّار ذي مجنبذا:

أشتهي منك منك منك مكانا مجنبذا
للشاعر عمار ذو كِنار، اقرأ القصيدة
فأجا فيه فيه فيه بأير كمثل ذا
ليت أيري وحرك يوما جميعا تجابذا
فأخذ ذا بشعر ذاوأخذ ذا بقعر ذا

فضحك حتى استلقى وطرب، ودعا بالشراب فشرب؛ وجعل يستعيدني الأبيات فأعيدها حتى سكر وأمر لي بجائزة؛ فعلمت أن أمره قد أدبر. ثم أدخلت على أبي مسلم فاستنشدني فأنشدته، قول الأفوه:

لنا معاشر لم يبنوا لقومهم

فلما بلغت إلى قوله:

تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحتوإن تولّت فبالأشرار تنقاد

قال: أنا ذلك الذي تنقاد به الناس؛ فأيقنت حينئذ أنّ أمره مقبل.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: وجدت في كتاب عن عبيد اللّه بن سعيد الزّهريّ عن عمر عن أبيه قال: خرج الوليد بن يزيد وكان مع أصحابه على شراب؛ فقيل له: إن اليوم الجمعة؛ فقال: واللّه لأخطبنّهم اليوم بشعر؛ فصعد المنبر فخطب فقال:

الحمد للّه وليّ الحمدأحمده في يسرنا والجهد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
وهو الذي في الكرب أستعينوهو الذي ليس له قرين
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
أشهد في الدنيا وما سواهاأن لا إله غيره إلها
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
ما إن له في خلقه شريكقد خضعت لملكه الملوك
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
أشهد أن الدّين دين أحمدفليس من خالفه بمهتدي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
وأنّه رسول ربّ العرشالقادر الفرد الشديد البطش
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
أرسله في خلقه نذيراوبالكتاب واعظا بشيرا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
ليظهر اللّه بذاك الدّيناوقد جعلنا قبل مشركينا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
من يطع اللّه فقد أصاباأو يعصه أو الرسول خابا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
ثم القران والهدى السبيلقد بقيا لمّا مضى الرسول
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
كأنّه لما بقى لديكمحيّ صحيح لا يزال فيكم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
إنّكم من بعد إن تزلّواعن قصده أو نهجه تضلّوا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
لا تتركن نصحي فإني ناصحإنّ الطريق فاعلمنّ واضح
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
من يتقّ اللّه يجد غبّ التّقىيوم الحساب صائرا إلى الهدى
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
إن التّقى أفضل شيء في العملأرى جماع البرّ فيه قد دخل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
خافوا الجحيم إخوتي لعلّكميوم اللقاء تعرفوا ما سرّكم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
قد قيل في الأمثال لو علمتمفانتفعوا بذاك إن عقلتم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
ما يزرع الزارع يوما يحصدهوما يقدّم من صلاح يحمده
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»
فاستغفروا ربّكم وتوبوافالموت منكم فاعلموا قريب
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «الحمد لله ولي الحمد»

ثم نزل.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه عن الوليد البندار قال: حججت مع الوليد بن يزيد؛ فقلت له لما أراد أن يخطب الناس: أيها الأمير، إن اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق، وأريد أن تشرّفني بشيء. قال: وما هو؟ قلت: إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدّث الناس بذلك وبأنك أسررت إليّ شيئا؛ فقال: أفعل. فلما جلس على المنبر قال: الوليد البندار؛ فقمت إليه؛ فقال: ادن منّي فدنوت؛ فأخذ بأذني ثم قال: البندار ولد زنا، والوليد ولد زنا، وكلّ من ترى حولنا ولد زنا، أفهمت؟ قلت: نعم؛ قال: انزل الآن، فنزلت.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن أشعب قال: دخلت على الوليد بن يزيد الخاسر وقد تناول نبيذا، فقال لي: تمنّ؛ فقلت: يتمنّي أمير المؤمنين ثم أتمنّي؛ قال: فإنما أردت أن تغلبني، فإني لأتمنّى ضعف ما تتمنّى به كائنا ما كان؛ قلت: فإني أتمنّى كفلين من العذاب؛ فضحك ثم قال: إذا نوفّرهما عليك. ثم قال لي: ما أشياء تبلغني عنك؟ قلت: يكذبون عليّ. قال: متى عهدك بالأصمّ؟ قلت: لا عهد لي به. فأخرج أيره كأنه ناي مدهون، فسجدت له ثلاث سجدات؛ فقال: ويلك إنما يسجد الناس سجدة واحدة؛ فقلت: واحدة للأصمّ واثنتين لخصيتيك.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة قال حدّثني عبد الصمد بن موسى الهاشميّ قال: إنما أغلى الجوهر بنو أميّة؛ ولقد كان الوليد بن يزيد يلبس منه العقود ويغيّرها في اليوم مرارا كما تغيّر الثياب شغفا؛ فكان يجمعه من كلّ وجه ويغالي به.

قال: وكان يوما داره على فرس له وجارية تضرب بطبل قدّامه؛ فأخذه منها ووضعه على رقبته، ونفر الفرس من صوت الطبل فخرج به على أصحابه في هذه الهيئة، وكان خليعا.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء قال: قدم الوليد بن يزيد المدينة؛ فقلت لإسماعيل بن يسار: أحذنا ممّا أعطاك اللّه؛ فقال: هلمّ أقاسمك إن قبلت، بعث إليّ براوية من خمر.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني رجل قال: كان الوليد بن يزيد إذا أصبح يوم الاثنين تغدّى وشرب رطلين ثم جلس للناس. قال: فحدّثني عمر الوادي قال: دخلت عليه وعنده أصحابه وقد تغدّى وهو يشرب؛ فقال لي: اشرب فشربت، وطرب، وغنّى صوتا واحدا وأخذ دفّافة فدفف بها، فأخذ كلّ واحد منا دفافة فدفف بها، وقام وقمنا حتى بلغنا إلى الحاجب؛ فلما رآنا الحاجب صاح بالناس: الحرم الحرم؛ اخرجوا. ودخل الحاجب فقال: جعلني اللّه فداءك، اليوم يحضر فيه الناس؛ فقال له: اجلس واشرب؛ فقال: إنما أنا حاجب فلا تحملني على الشّراب فما شربته قطّ؛ قال: اجلس فاشرب، فامتنع؛ فما فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع وقام وهو سكران.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن شريك قال حدّثني عمّي علي بن عمرو قرقارة قال حدّثني أنيف بن هشام بن الكلبيّ ومات قبل أبيه قال حدّثني أبي قال: خرج الوليد بن يزيد بن مقصورة له إلى مقصورة؛ فإذا هو ببنت له معها حاضنتها، فوثب عليها فاقترعها؛ فقالت له الحاضنة: إنها المجوسيّة؛ قال: اسكتي! ثم قال:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذّة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

وأحسب أنا أنّ هذا الخبر باطل؛ لأنّ هذا الشعر لسلم الخاسر، ولم يدرك زمن الوليد.

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال أخبرني مسلمة بن سلّم الكاتب قال: قال الوليد بن يزيد: وددت أنّ كل كأس تشرب من خمر بدينار، وأن كلّ حر في جبهة أسد، فلا يشرب إلا سخيّ، ولا ينكح إلا شجاع.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال: سمعت رجلا يحدّث أبي بالكوفة قال: أرسلت إلى الوليد جفنة مملوءة قوارير فرعونيّة لم ير مثلها قطّ. فلما أمسينا صببنا فيها الشراب في ليلة أربع عشرة، حتى إذا استوى القمر على رؤوسنا وصار في الجفنة قال الوليد: في أيّ منزلة القمر الليلة؟ فقال بعضهم: في الحمل، وقال بعضهم: في منزلة كذا وكذا من منازل القمر؛ فقال بعض جلسائه: القمر في الجفنة؛ قال: قاتلك اللّه! أصبت ما في نفسي! لتشربنّ الهفتجنّة. فقال مصعب: فسأل أبي عن الهفتجنّة فقال: شرب كانت الفرس تشربه سبعة أسابيع. فشرب تسعة وأربعين يوما.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال أخبرني خالد صامة المغنّي وكان من أحسن الناس غناء على عود، قال: بعث إليّ الوليد بن يزيد، فقدمت عليه، فوجدت عنده معبدا ومالكا والهذليّ وعمر الوادي وأبا كامل؛ فغنّى القوم ونحن في مجلس يا له من مجلس! وغلام للوليد يقال له سبرة يسقي القوم الطّلاء، إذ جاءت نوبة الغناء إليّ، فأخذت عودي فغنّيت بأبيات قالها عروة بن أذينة يرثي أخاه بكرا:

صوت

سرى همّي وهمّ المرء يسريوغار النجم إلا قيد فتر
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سرى همّي وهمُّ المرءِ يسري»
أراقب في المجرّة كلّ نجمتعرّض في المجرّة كيف يجري
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
بحزن ما أزال له مديماكأنّ القلب أسعر حرّ جمر
على بكر أخي ولّى حميداوأيّ العيش يحسن بعد بكر

- غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وغنّى فيه ابن عبّاد الكاتب ولحنه رمل بالوسطى عن الهشاميّ - قال خالد: فقال لي الوليد: أعد يا صام فأعدت؛ فقال: من يقوله ويحك؟ قلت: ابن أذينة؛ قال: هذا واللّه العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه، لقد تحجّر واسعا. قال عبد الرحمن بن عبد اللّه قال عبد اللّه بن أبي فروة: وأنشدها ابن أذينة ابن أبي عتيق؛ فضحك ابن أبي عتيق وقال: كلّ العيش يحسن حتى الخبز والزيت؛ فحلف ابن أذينة لا يكلّمه أبدا؛ فمات ابن أبي عتيق وابن أذينة مهاجر له.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال: بلغني أن سكينة بنت الحسين رضي اللّه عنها أنشدت، وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير عن مصعب قال: أنشدت سكينة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن عبّاد عن أبيه عن أبي يحيى العباديّ: أنّ سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذينة في أخيه بكر؛ فلما انتهت إلى قوله:

على بكر أخي ولّى حميداوأيّ العيش يحسن بعد بكر

قالت سكينة: ومن أخوه بكر! أليس الدّحداح الأسيّد القصير الذي كان يمرّ بنا صباحا ومساء؟ قالوا: نعم؛ قالت: كلّ العيش واللّه يصلح ويحسن بعد بكر حتى الخبز والزيت.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ عن إسحاق قال: قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فجمع المغنّين وسبّق بينهم ببدرة، وقال: أيّكم كان أحسن غناء فهي له؛ فاجتمعوا. فبلغ الخبر ابن سريج، فجاء وقد أغلق الباب؛ فقال للحاجب: استأذن لي؛ قال: لا يمكن وقد أغلق الباب، ولو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك. قال: فدعني أغنّ من شقّ الباب؛ قال نعم. فسكت حتى فرغ جميع المغنّين من غنائهم ثم اندفع فغنّى:

سرى همّي وهمّ المرء يسري

فنظر المغنّون بعضهم إلى بعض وعرفوه؛ فلما فرغ قال سليمان: أحسن واللّه! هذا واللّه أحسن منكم غناء، أخرج يا غلام إليه بالبدرة، فأخرجها إليه.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن ابن جعدبة: أنّ رجلا أهدى إلى هشام بن عبد الملك خيلا، فكان فيها فرس مربوع قريب الرّكاب؛ فعرف الوليد منه ما لم يعرف هشام، فنهر الرجل وشتمه وقال. أتجيء بمثل هذا إلى أمير المؤمنين! ردّوه عليه، فردّوه. فلما خرج وجّه إليه بثلاثين ألف درهم وأخذه منه؛ فهو فرسه الذي يسمّيه السّنديّ.

فأخبرني بعض أصحابي أن الوليد خرج يوما يتصيّد وحده؛ فانتدب إليه مولّى لهشام يريد الفتك به. فلما بصر به الوليد حاوله فقهره بفرسه الذي كان تحته فقتله. وقال في ذلك:

ألم تر أنّي بين ما أنا آمنيخبّ بي السّنديّ قفرا فيافيا
تطلّعت من غور فأبصرت فارسافأوجست منه خيفة أن يرانيا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألم تر أني بينما أنا آمن»
ولما بدا لي أنما هو فارسوقفت له حتى أتى فرمانيا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ألم تر أني بينما أنا آمن»
رماني ثلاثا ثم إنّي طعنتهفروّيت منه صعدتي وسنانيا

غنّاه أبو كامل لحنا من الماخوريّ بالبنصر. ولإبراهيم فيه ثقيل أوّل، وقيل: إن له فيه ماخوريّا آخر. وفيه لعمر الواديّ ثاني ثقيل. ولمالك رمل من رواية الهشاميّ.

قال: وقال الوليد أيضا في فرسه السّنديّ:

قد أغتدي بذي سبيب هيكلمشرّب مثل الغراب أرجل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قد أغتدي بذي سبيب هيكل»
أعددته لحلبات الأحولوكلّ نقع ثائر لجحفل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «قد أغتدي بذي سبيب هيكل»
وكلّ خطب ذي شؤون معضل

فقال هشام: لكنّا أعددنا له ما يسوءه، نخلعه ونقصيه، فيكون مهانا مدحورا مطّرحا.

نسخت من كتاب أحمد بن أبي طاهر حدّثني أبو الحسن العقيليّ: أنّ الوليد لمّا ولي الخلافة خطب سلمى التي كان ينسب بها، فزوّجها لمّا مضى صدر من خلافته؛ فقامت عنده سبعة أيام فماتت؛ فقال يرثيها:

يا سلّم كنت كجنّة قد أطعمتأفنانها دان جناها موضّع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سلم كنت كجنة قد أطمعت»
أربابها شفقا عليها نومهمتحليل موضعها ولمّا يهجعوا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا سلم كنت كجنة قد أطمعت»
حتى إذا فسح الربيع طنونهمنثر الخريف ثمارها فتصدّعوا

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي العالية، وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار عن عمّه: أنّ الوليد بن يزيد لمّا انهمك على شربه ولذّاته ورفض الآخرة وراء ظهره وأقبل على القصف والعسف مع المغنّين مثل مالك ومعبد وابن عائشة وذويهم، كان نديمه القاسم بن الطويل العباديّ، وكان أديبا ظريفا شاعرا، فكان لا يصبر عنه؛ فغنّاه معبد ذات يوم شعر عديّ:

صوت

بكر العاذلون في وضح الصبح يقولون لي ألا تستفيق
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
لست أدري وقد جفاني خليليأعدوّ يلومني أم صديق
ثم قالوا ألا اصبحونا فقامتقينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين الدّيك صفّى سلافها الرّاووق
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «بكر العاذلون في وضح الصب»

- فيه لمعبد ثقيل ويقال إنه لحنين. وفيه لمالك خفيف رمل. وفيه لعبد اللّه بن العباس رمل كلّ ذلك عن الهشاميّ - قال: فاستحسنه الوليد وأعجب به وطرب عليه وجعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر فنام في موضعه، فانصرف ابن الطويل. فلما أفاق الوليد سأل عنه، فعرّف حين انصرافه؛ فغضب وقال وهو سكران لغلام كان واقفا على رأسه يقال له سبرة: اثنتي برأسه، فمضى الغلام حتى ضرب عنقه وأتاه برأسه فجعله في طست بين يديه؛ فلما رآه أنكره وسأل عن الخبر فعرّفه، فاسترجع وندم على ما فرط منه، وجعل يقلّب الرأس بيده. ثم قال يرثيه:

صوت

عينيّ للحدث الجليلجودا بأربعة همول
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»
جودا بدمع إنّهيشفي الفؤاد من الغليل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»
للّه قبر ضمّنتفيه عظام ابن الطويل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»
ماذا تضمّن إذ ثوىفيه من اللّبّ الأصيل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»
قد كنت آوي من هواك إلى ذرى كهف ظليل
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»
أصبحت بعدك واحدافردا بمدرجة السيول
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عيني للحدث الجليل»

- غنّاه الغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وغنّى فيه سليم لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر عن الهشاميّ، وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان، وذكر حبش أنّه لأبي كامل، وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان - قال: ثم دخل إلى جواريه فقال: واللّه ما أبالي متى جاءني الموت بعد الخليل ابن الطويل. فيقال: إنه لم يعش بعده إلا مديدة حتى قتل. واللّه أعلم.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال روى الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن حمّاد الراوية قال: دعاني الوليد يوما من الأيام في السّحر والقمر طالع وعنده جماعة من ندمائه وقد اصطبح؛ فقال: أنشدني في النّسيب؛ فأنشدته أشعارا كثيرة، فلم يهشّ لشيء منها، حتى أنشدته قول عمّار ذي كناز:

اصبح القوم قهوةفي الأباريق تحتذى
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
من كميت مدامةحبّذا تلك حبّذا
للشاعر عمار ذو كِنار، اقرأ القصيدة

فطرب. ثم رفع رأسه إلى خادم وكان قائما كأنه الشمس، فأومأ إليه فكشف سترا خلف ظهره، فطلع منه أربعون وصيفا ووصيفة كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق والمناديل؛ فقال: أسقوهم، فما بقي أحد إلا أسقي، وأنا في خلال ذلك أنشده الشعر؛ فما زال يشرب ويسقى إلى طلوع الفجر. ثم لم نخرج عن حضرته حتى حملنا الفرّاشون في البسط فألقونا في دار الضيافة، فما أفقنا حتى طلعت الشمس. قال حمّاد: ثم أحضرني فخلع عليّ خلعا من فاخر ثيابه وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحملني على فرس.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: كان بين الحكم بن الزّبير أخي أبي بكر بن كلاب وبين بكر بن نوفل أحد بني جعفر بن كلاب شيء في وكالة للوليد بن يزيد يخاصم الجعفريّ في الرّحبة من أرض دمشق، وكان الجعفريّ قد استولى عليها فقطع شفره الأعلى، فاستعدى عليه هشاما فلم يعده؛ فقال الوليد في ذلك:

صوت

أيا حكم المتبول لو كنت تعتزىإلى أسرة ليسوا بسود زعانف
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أيا حكم المتبول لو كنت تعتزي»
لأيقنت قد أدركت وترك عنوةبلا حكم قاض بل بضرب السوالف
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أيا حكم المتبول لو كنت تعتزي»

- غنّاه الهذليّ ثقيلا أوّل عن الهشاميّ ويونس - قال: فلما استخلف الوليد بعث إلى بكر بن نوفل الجعفريّ فقال: ألا تعطي حكم بن الزّبير حقّه! قال: لا؛ فأمر به فشترت عينه. ثم قال:

يا ربّ أمر ذي شؤون جحفلقاسيت فيه جلبات الأحول
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «يا رب أمر ذي شؤون جحفل»

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال: خرج الوليد إلى متصيّد له فأقام به، ومات له ابن يقال له مؤمن بن الوليد، فلم يقدر أحد أن ينعاه إليه، حتى ثمل فنعاه إليه سنان الكاتب وكان مغنّيا؛ فقال الوليد - وفي هذا الشعر غناء من الأصوات التي أختيرت للواثق والرشيد قبله -:

صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى

أتاني سنان بالوداع لمؤمنفقلت له إني إلى اللّه راجع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتاني سنان بالوداع لمؤمن»
ألا أيّها الحاثي عليه ترابههبلت وشلّت من يديك الأصابع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتاني سنان بالوداع لمؤمن»
يقولون لا تجزع وأظهر جلادةفكيف بما تحنى عليه الأضالع
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أتاني سنان بالوداع لمؤمن»

عروضه من الطويل. غنّاه سنان الكاتب، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لأبي كامل خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وقيل: إن فيه لحنا لعبد اللّه بن يونس صاحب أيلة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عقيل بن عمرو قال: قال يزيد بن أبي مساحق السّلميّ مؤدّب الوليد شعرا وبعث به إلى النّوار جارية الوليد، فغنّته به، وهو:

مضى الخلفاء بالأمر الحميدوأصبحت المذمّة للوليد
تشاغل عن رعيّته بلهووخالف فعل ذي الرأي الرشيد

فكتب إليه الوليد: ليت حظّي اليوم من كلّ معاش لي وزاد

قهوة أبذل فيهاطارفي ثم تلادي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ليت حظي اليوم من كل»
فيظلّ القلب منهاهائما في كلّ واد
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ليت حظي اليوم من كل»
إنّ في ذاك صلاحيوفلاحي ورشادي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ليت حظي اليوم من كل»

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إبراهيم بن الوليد الحمصيّ قال حدّثنا هارون بن الحسن العنبريّ قال: قال الوليد بن يزيد: يا بني أميّة، إياكم والغناء فإنّه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ويثوّر على الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين، فجنّبوه النساء فإنّ الغناء رقية الزّنا. وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحبّ إليّ من كل لذّة وأشهى إليّ من الماء البارد إلى ذي الغلّة، ولكن الحقّ أحقّ أن يقال.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال حدّثني بعض موالي الوليد قال: دخلت إليه وقد عقد لابنيه بعده وقدّم عثمان؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين، أقول قول الموثوق بنصيحته أو يسعني السكوت؟ قال: بل قل قول الموثوق به؛ فقلت: إن الناس قد أنكروا ما فعلت وقالوا: يبايع لمن لم يحتلم؛ وقد سمعت ما أكره فيك؛ فقال: عضّوا ببظور أمهاتكم، أفأدخل بيني وبين ابني غيري؛ فيلقى منه كما لقيت من الأحول بعد أبي! ثم أنشأ يقول:

صوت

سرى طيف ذا الظبي بالعاقدان ليلا فهيّج قلبا عميدا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سرى طيف ذا الظبي بالعاقدان»
وأرّق عيني على غرّةفباتت بحزن تقاسى السّهودا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سرى طيف ذا الظبي بالعاقدان»
نؤمل عثمان بعد الوليد للعهد فينا ونرجو سعيدا
كما كان إذ كان في دهرهيزيد يرجّي لتلك الوليدا
على أنها شسعت شسعةفنحن نرجّي لها أن تعودا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سرى طيف ذا الظبي بالعاقدان»
فإن هي عادت فعاص القريب منها لتؤيس منها البعيدا

- غنّاه أبو كامل ثاني ثقيل بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لعمر الوادي لحنا من الماخوريّ بالوسطى. وذكر الهشاميّ أن فيه خفيف رمل لحكم، وذكرت دنانير عن حكم أنه لعمر الوادي، وذكر حبش أن الثقيل الثاني لمالك وأن فيه لفضل النجّار رملا بالبنصر - أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار قال: هو:

سرى طيف ظبي بأعلى الغوير

ولكن هذا تصحيف سليمان السّوادي أو قال: خليد.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: كان الوليد قد بايع لابنيه الحكم وعثمان، وهو أوّل من بايع لابن سرّيّة أمة، ولم يكونوا يفعلون ذلك، وأخذهما يزيد بن الوليد الناقص، فحبسهما ثم قتلهما؛ وفيهما يقول ابن أبي عقب:

إذا قتل الخلف المديم لسكرهبقفر من البخراء أسّس في الرّمل
للشاعر ابن أبي العقب، اقرأ القصيدة
وسيق بلا جرم إلى الحتف والرّدىبنيّاه حتى يذبحا مذبح السّخل
فويل بني مروان ماذا أصابهمبأيدي بني العباس بالأسر والقتل
للشاعر ابن أبي العقب، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني علي بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبي عن العلاء البندار قال: كان الوليد زنديقا، وكان رجل من كلب يقول بمقالته مقالة الثّنويّة؛ فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبيّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه فإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء فدنوت، فرفع الحريرة فإذا في السّفط صورة إنسان وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجنفه يطرف كأنه يتحرّك؛ فقال: يا علاء، هذا ماني، لم يبتعث اللّه نبيّا قبله ولا يبتعث نبيّا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتّق اللّه ولا يغرّنّك هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، ألم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: ومكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبيّ عنده، إذ نزل من عنده وقد كان الولد حمله على برذون هملاج أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلّا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسخة عنقه ميّتا وبرذونه يقاد حتى أسلموه.

فبلغني ذلك، فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وقد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو اللّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدقّ عنقه ثم غاب عن عيوننا؛ فاحتملناه فجئنا به.

وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال: لما أكثر الوليد بن يزيد التهتّك وانهمك في اللذّات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيّه، ملّ الناس أيامه وكرهوه. وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا؛ فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، وكان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس - وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أميّة مثله، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز - فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد؛ فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملّوا بني مروان، وإنّ مشى بعضكم في أمر بعض أكلتم، وللّه أجل لا بدّ أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده ومشى إلى غيره، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه؛ فعاد إلى أخيه ومعه مولّى له وأعاد عليه القول وعرّض له بأنه قد دعي إلى الخلافة؛ فقال له: واللّه لو لا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجّهت بك إليه مشدودا؛ فنشدتك اللّه ألّا تسعى في شيء من هذا. فانصرف من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه. وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشى بعضهم إلى بعض في خلعه:

صوت

سلّ همّ النفس عنهابعلنداة علاة
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سل هم النفس عنها»
تتّقي الأرض وتهويبخفاف مدمجات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سل هم النفس عنها»
ذاك أم ما بال قوميكسروا سنّ قناتي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سل هم النفس عنها»
واستخفّوا بي وصارواكقرود خاسئات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «سل هم النفس عنها»

الشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك. والغناء لأبي كامل غزيّل الدّمشقيّ ماخوريّ بالبنصر. وفي هذه القصيدة يقول الوليد بن يزيد:

أصبح اليوم وليدهائما بالفتيات
عنده راح وإبريق وكأس بالفلاة
ابعثوا خيلا لخيلورماة لرماة

وأخبرني بالسبب في مقتله الحسن بن عليّ قال أخبرنا أحمد بن الحارث قال حدّثني المدائنيّ عن جويرية بن أسماء، وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: لمّا أظهر الوليد بن يزيد أمره وأدمن على اللهو والصيد واحتجب عن الناس ووالى بين الشرب وانهمك في اللذّات، سئمه الناس ووعظه من أشفق عليه من أهله؛ فلما لم يقلع دبّوا في خلعه. فدخل أبي بشر بن الوليد على عمّي العباس بن الوليد وأنا معه، فجعل يكلّم عمّي في أن يخلع الوليد بن يزيد ومعه عمي يزيد بن الوليد، فكان العبّاس ينهاه وأبي يردّ عليه؛ فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترىء أن يكلّم عمّي ويردّ عليه؛ فقال العباس: يا بني مروان، أظن أن اللّه قد أذن في هلاككم. ثم قال العباس:

إني أعيذكم باللّه من فتنمثل الجبال تسامى ثم تندفع
إنّ البريّة قد ملّت سياستكمفاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا
لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكمإنّ الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمفثمّ لا فدية تغني ولا جزع

قال المدائنيّ عن رجاله: فلما استجمع ليزيد أمره وهو متبدّ أقبل إلى دمشق، وبين مكانه الذي كان متبدّيا فيه وبين دمشق أربع ليال، فأقبل إلى دمشق متنكّرا في سبعة أنفس على حمر وقد بايع له أكثر أهل دمشق وبايع له أكثر أهل المزّة. فقال مولّى لعبّاد بن زياد: إني لبجرود - وبين جرود ودمشق مرحلة - إذ طلع علينا سبعة معتمّون على حمر فنزلوا، وفيهم رجل طويل جسيم، فرمى بنفسه فنام وألقوا عليه ثوبا، وقالوا لي: هل عندك شيء نشتريه من طعام؟ فقلت: أمّا بيع فلا، وعندي من قراكم ما يشبعكم؛ فقالوا: فعجّله؛ فذبحت لهم دجاجا وفراخا وأتيتهم بما حضر من عسل وسمن وشوانيز، وقلت: أيقظوا صاحبكم للغداء؛ فقالوا: هو محموم لا يأكل؛ فسفروا للغداء فعرفت بعضهم، وسفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد، فعرفته فلم يكلمني. ومضوا ليدخلوا دمشق ليلا في نفر من أصحابه مشاة إلى معاوية بن مصاد وهو بالمزّة - وبينها وبين دمشق ميل - فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه وقالوا: يزيد بن الوليد؛ فقال له معاوية: الفراش، ادخل أصلحك اللّه؛ قال: في رجلي طين وأكره أن أفسد عليك بساطك؛ فقال: ما تريدني عليه أفسد. فمشى على البساط وجلس على الفراش، ثم كلّم معاوية فبايعه. وخرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسنيّ مستخفيا، وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف، فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطنا، واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد اللّه السّلميّ. وتمّ ليزيد أمره فأجمع على الظهور. وقيل لعامل دمشق: إنّ يزيد خارج فلم يصدّق.

وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فكمنوا في ميضأة عند باب الفراديس؛ حتى إذا أذّنوا العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلّوا. وللمسجد حرس قد وكلّوا بإخراج الناس من المسجد بالليل؛ فإذا خرج الناس خرج الحرس وأغلق صاحب المسجد الأبواب، ودخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها ويخرج. فلما صلّى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا، وتباطأ أصحاب يزيد الناقص، فجعلوا يخرجونهم من باب ويدخلون من باب، حتى لم يبق في المسجد إلا الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس. ومضى يزيد بن عنبسة السّكسكيّ إلى يزيد فأخبره وأخذه بيده وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بعون اللّه ونصره؛ فأقبل وأقبلنا ونحن اثنا عشر رجلا. فلما كنّا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم، فمضوا حتى دخلوا المسجد وأتوا باب المقصورة، وقالوا: نحن رسل الوليد، ففتح لهم خادم الباب، ودخلوا فأخذوا الخادم، وإذا أبو العاج سكران فأخذوه وأخذوا خزّان البيت وصاحب البريد؛ وأرسل إلى كلّ من كان يحذره فأخذه. وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد بن العاص وهو على بعلبكّ، وإلى عبد الملك بن محمد بن الحجّاج فأخذهما. وبعث أصحابه إلى الخشبيّة فأتوه؛ وقال للبوّابين: لا تفتحوا الأبواب غدوة إلّا لمن أخبركم بشعار كذا وكذا. قال: فتركوا الأبواب في السلاسل. وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، فلم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا فأخذوه وأصبحوا، وجاء أهل المزّة مع حريث بن أبي الجهم. فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد وهو يتمثّل قول النابغة:

إذا استنزلوا عنهنّ للطعن أرقلواإلى الموت إرقال الجمال المصاعب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

فجعل أصحابه يتعجّبون ويقولون: انظروا إلى هذا! كان قبيل الصبح يسبّح وهو الآن ينشد الشعر.

قال: وأمر يزيد عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك بن مروان فوقف بباب الجابية فنادى: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة؛ فبايع له الناس وأمر بالعطاء. قال: وندب يزيد بن الوليد الناس إلى قتال الوليد بن يزيد مع عبد العزيز، وقال: من انتدب معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل؛ فأعطاهم وقال: موعدكم ذنبة؛ فوافى ذنبة ألف ومائتا رجل؛ فقال: ميعادكم مصنعة بالبرّيّة وهي لبنى عبد العزيز بن الوليد؛ فوافاه ثمانمائة رجل، فسار فوافاهم ثقل الوليد فأخذوه ومع عبد العزيز فرسان منهم منصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن السّلميّ والأصبغ بن ذؤالة وشبيب بن أبي مالك الغسّانيّ وحميد بن نصر اللّخميّ، فأقبلوا فنزلوا قريبا من الوليد. فقال الوليد: أخرجوا لي سريرا فأخرجوه فصعد عليه. وأتاه خبر العباس بن الوليد: إنّي أجيئك. وأتي الوليد بفرسين الذائد والسّنديّ؛ وقال: أعليّ يتواثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتخصّر الأفاعي!. وهم ينتظرون العباس أن يأتيهم ولم يكن بينهم كبير قتال، فقتل عثمان الخشبيّ، وكان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار. وبلغ عبد العزيز بن الحجّاج أن العباس بن الوليد يأتي الوليد؛ فأرسل منصور بن جمهور في جريدة خيل وقال: إنكم تلقون العباس بن الوليد ومعه بنوه في الشّعب فخذوه. وخرج منصور في تلك الخيل وتقدّموا إلى الشّعب، وإذا العبّاس ومعه ثلاثون قد تقدّموا أصحابه؛ فقال له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم؛ فقال له منصور: واللّه لئن تقدّمت لأنفذنّ حصينك بالرّمح؛ فقال: إنا للّه! فأقبلوا به يسوقونه إلى عبد العزيز، فقال له عبد العزيز: بايع ليزيد؛ فبايع ووقف؛ ونصبوا راية وقالوا: هذا العباس قد بايع. ونادى منادي عبد العزيز؛ من لحق بالعباس بن الوليد فهو آمن؛ فقال العباس: إنا للّه! خدعة من خدع الشيطان! هلك واللّه بنو مروان!. فتفرّق الناس عن الوليد وأتوا العباس. وظاهر الوليد في درعين وقاتلهم. وقال الوليد: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء جماعة بعدّة رؤوس، فقال: اكتبوا أسماءهم؛ فقال له رجل من مواليه: ليس هذا يا أمير المؤمنين يوما يعامل فيه بالنّسيئة. وناداهم رجال: اقتلوا اللّوطيّ قتلة قوم لوط، فرموه بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب وقال:

صوت

دعوا لي سليمى والطّلاء وقينةوكأسا ألا حسبي بذلك مالا
إذا ما صفا عيش برملة عالجوعانقت سلمى لا أريد بدالا
خذوا ملككم لا ثبّت اللّه ملككمثباتا يساوي ما حييت عقالا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم»
وخلّوا عناني قبل عير وما جرىولا تحسدوني أن أموت هزالا
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم»

- غنّاه عمر الوادي رملا بالوسطى عن حبش - ثم قال لعمر الوادي: يا جامع لذتي، غنّني بهذا الشعر. وقد أحاط الجند بالقصر؛ فقال لهم الوليد من وراء الباب: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه؟! فقال له يزيد بن عنبسة السّكسكيّ: كلّمني؛ فقال له الوليد: يا أخا السّكاسك، ما تنقمون منّي؟ ألم أزد في أعطياتكم وأعطية فقرائكم وأخدمت زمناكم ودفعت عنكم المؤن!؟ فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرّم اللّه وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر اللّه. قال: حسبك يا أخا السّكاسك! فلعمري لقد أغرقت فأكثرت، وإنّ فيما أحلّ اللّه لسعة عمّا ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ المصحف وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ؛ فعلوا الحائط؛ فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة، فنزل وسيف الوليد إلى جنبه؛ فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة غير هذه. فأخذ بيده وهو يريد أن يدخله بيتا ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور وعبد الرحمن وقيس مولى يزيد بن عبد الملك والسّريّ بن زياد بن أبي كبشة، فضربه عبد الرحمن السّلميّ على رأسه ضربة وضربه السّريّ بن زياد على وجهه، وجرّوه بين خمسة ليخرجوه؛ فصاحت امرأة كانت معه في الدار فكفّوا عنه فلم يخرجوه، واحتزّ رأسه

أبو علاقة القضاعيّ وخاط الضربة التي في وجهه بالعقب، وقدم بالرأس على يزيد، قدم به روح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق، فاستتمّ الأمر له وأحسن صلته. ثم كان من خلع يزيد بعد ذلك ما ليس هذا موضع ذكره.

قال: ولما قتل الوليد بن يزيد جعل أبو محجن مولى خالد القسريّ يدخل سيفه في است الوليد وهو مقتول.

فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ في قتل الوليد وأخذهم ابنيه:

من مبلغ قيسا وخندف كلّهاوساداتهم من عبد شمس وهاشم
للشاعر الأصبغ بن ذؤالة، اقرأ القصيدة
قتلنا أمير المؤمنين بخالدوبعنا وليّ عهده بالدراهم
للشاعر الأصبغ بن ذؤالة، اقرأ القصيدة

وقال أبو محجن مولى خالد:

لو شاهدوا حدّ سيفي حين أدخلهفي است الوليد لماتوا عنده كمدا

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن هشام بن الكلبيّ عن جرير قال: قال لي عمر الوادي: كنت أغنّي الوليد أقول:

صوت

كذبتك نفسك أم رأيت بواسطغلس الظلام من الرّباب خيالا

قال: فما أتممت الصوت حتى رأيت رأسه قد فارق بدنه ورأيته يتشحّط في دمه. يقال: إن اللحن في هذا الشعر لعمر الوادي، ويقال: لابن جامع.

قالوا: وكان عثمان والحكم ابنا الوليد قد بايعهما بالعهد بعده، فتغيّبا فأخذهما يزيد بعد ذلك فحبسهما في الخضراء ودخل عليهما يزيد الأفقم بن هشام فجعل يشتم أباهما الوليد وكان قد ضربه وحلقه، فبكى الحكم، فقال عثمان أخوه: اسكت يا أخي؛ وأقبل على يزيد فقال: أتشتم أبي! قال: نعم؛ قال: لكني لا أشتم عمّي هشاما، وو اللّه لو كنت من بني مروان ما شتمت أحدا منهم، فانظر إلى وجهك فإن كنت رأيت حكميّا يشبهك أوله مثل وجهك فأنت منهم، لا واللّه ما في الأرض حكميّ يشبهك.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن مسلمة بن محارب قال: لما قتل الوليد قال أيّوب السّختيانيّ: ليت القوم تركوا لنا خليفتنا لم يقتلوه. قال: وإنما قال ذلك تخوّفا من الفتنة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ: أن ابنا للغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل على الرشيد، فقال: ممّن أنت؟ قال: من قريش، قال: من أيّها؟

فأمسك قال: قل وأنت آمن، ولو أنك مروانيّ، قال: أنا ابن الغمر بن يزيد. قال: رحم اللّه عمّك ولعن يزيد الناقص وقتلة عمّك جميعا، فإنهم قتلوا خليفة مجمعا عليه، ارفع إليّ حوائجك، فقضاها.

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا العلاء بن سويد المنقريّ قال: ذكر ليلة المهديّ أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فقال: كان ظريفا أديبا. فقال له شبيب بن شيبة: يا أمير المؤمنين إن رأيت ألّا تجري ذكره على سمعك ولسانك فافعل فإنه كان زنديقا؛ فقال: اسكت، فما كان اللّه ليضع خلافته عند من يكفر به. هكذا رواه الصّوليّ.

وقد أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز إجازة قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا عقيل بن عمرو قال أخبرني شبيب بن شيبة عن أبيه قال: كنّا جلوسا عند المهديّ فذكروا الوليد بن يزيد، فقال المهديّ: أحسبه كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، اللّه عزّ وجلّ أعظم من أن يولّي خلافة النبوة وأمر الأمّة من لا يؤمن باللّه، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته، وحدّثني أنه كان إذا حضرت الصلاة يطرح ثيابا كانت عليه من مطيّبة ومصبّغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظاف من ثياب الخلافة فيصلّي فيها أحسن صلاة بأحسن قراءة وأحسن سكوت وسكون وركوع وسجود، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب التي كانت عليه قبل ذلك، ثم يعود إلى شربه ولهوه؛ أفهذه أفعال من لا يؤمن باللّه! فقال له المهديّ: صدقت بارك اللّه عليك يابن علاثة.

وفي جملة المائة الصوت المختارة عدّة أصوات من شعر الوليد نذكرها هاهنا مع أخباره، واللّه أعلم.

صوت من المائة المختارة

أمّ سلّام ما ذكرتك إلّاشرقت بالدموع منّي المآقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «من لقلب أمسى كئيبا حزينا»
أمّ سلّام ذكركم حيث كنتمأنت دائي وفي لسانك راقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «من لقلب أمسى كئيبا حزينا»
ما لقلبي يجول بين التّراقيمستخفّا يتوق كلّ متاق
حذرا أن تبين دار سليمىأو يصيح الداعي لها بفراق
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة

غنّاه عمر الوادي، ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر. وذكر عمرو بن بانة أنّ لسلّامة القسّ فيه خفيف رمل بالوسطى، ولعلّه بمعنى هذا. ومن الناس من يروى هذه الأبيات لعبد الرحمن بن أبي عمّار الجشميّ في سلّامة القسّ، وليس ذلك له، هو للوليد صحيح، وهو كثيرا ما يذكر سلمى هذه في شعره بأمّ سلّام وبسلمى، لأنه لم يكن يتصنّع في شعره ولا يبالي بما يقوله منه. ومن ذلك قوله فيها:

صوت

أمّ سلّام لو لقيت من الوجد عشير الذي لقيت كفاك
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أم سلام لو لقيت من الوجد»
فأثيبي بالوصل صبّا عميداوشفيقا شجاه ما قد شجاك

غنّاه مالك خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»