تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار السيّد الحميريّ

ديوان السيد الحميريفيه ٢٧٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

السيّد لقبه. واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ. ويكنى أبا هاشم. وأمه امرأة من الأزد ثم من بني الحدّان. وجدّه يزيد بن ربيعة، شاعر مشهور، وهو الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب؛ وحبسه عبيد اللّه بن زياد لذلك وعذّبه، ثم أطلقه معاوية. وخبره في هذا طويل يذكر في موضعه مع سائر أخباره؛ إذ كان الغرض هاهنا ذكر أخبار السيّد.

ووجدت في بعض الكتب عن إسحاق بن محمد النّخعيّ قال: سمعت ابن عائشة والقحذميّ يقولان: هو يزيد بن مفرّغ، ومن قال: إنه يزيد بن معاوية فقد أخطأ. ومفرّغ لقب ربيعة؛ لأنه راهن أن يشرب عسّا من لبن فشربه حتى فرّغه؛ فلقّب مفرّغا. وكان شعّابا بسيالة، ثم صار إلى البصرة.

وكان شاعرا متقدّما مطبوعا. يقال: إن أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشّار، وأبو العتاهية، والسيّد؛ فإنه لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.

وإنما مات ذكره وهجر الناس شعره لما كان يفرط فيه من سبّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأزواجه في شعره ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره لذلك، وهجره الناس تخوّفا وتراقبا. وله طراز من الشعر ومذهب قلّما يلحق فيه أو يقاربه. ولا يعرف له من الشعر كثير. وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذمّ غيرهم ممّن هو عنده ضدّ لهم. ولو لا أنّ أخباره كلّها تجري هذا المجرى ولا تخرج عنه لوجب ألّا نذكر منها شيئا؛ ولكنّا شرطنا أن نأتي بأخبار من نذكره من الشعراء؛ فلم نجد بدّا من ذكر أسلم ما وجدناه له وأخلاها من سيّ ء اختياره على قلّة ذلك…

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن إسماعيل بن الساحر راوية السيّد، قال ابن عمّار وحدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: أن أبوى السيّد كانا إياضيّين، وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، وكان السيّد يقول: طالما سبّ أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له، قال: غاصت عليّ الرحمة غوصا.

وروي عن السيّد أن أبويه لمّا علما بمذهبه همّا بقتله؛ فأتى عقبة بن سلّم الهنائيّ فأخبره بذلك، فأجاره وبوّأه منزلا وهبه له، فكان فيه حتى ماتا فورثهما.

وقد أخبرني الحسن بن علي البرّيّ عن محمد بن عامر عن القاسم بن الرّبيع عن أبي داود سليمان بن سفيان المعروف بالحنزق راوية السيّد الحميريّ قال: ما مضى واللّه إلّا على مذهب الكيسانيّة. وهذه القصائد التي يقولها الناس مثل:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر
تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفرا

وقوله:

أيا راكبا نحو المدينة جسرةعذافرة تهوي بها كلّ سبسب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إذا ما هداك اللّه لاقيت جعفرافقل يا أمين اللّه وابن المهذّب

لغلام للسيّد يقال له قاسم الخيّاط، قالها ونحلها للسيّد، وجازت على كثير من الناس ممّن لم يعرف خبرها، بمحل قاسم منه وخدمته إيّاه.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبو جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل بن بشّار قال: كان السيّد أسمر، تامّ القامة، أشنب، ذا وفرة، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدّث في مجلس قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.

أخبرني أحمد قال حدّثني محمد بن عبّاد عن أبي عمرو الشّيبانيّ عن لبطة بن الفرزدق قال: تذاكرنا الشعراء عند أبي، فقال: إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنّا معهما في شيء. فسألناه من هما؟ فقال: السيّد الحميريّ وعمران بن حطّان السّدوسيّ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ قد شغل كلّ واحد منهما بالقول في مذهبه.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبو جعفر ابن بنت الفضيل بن بشار قال: كان السيّد أسمر، تامّ الخلقة، أشنب، ذا وفرة، حسن الألفاظ، وكان مع ذلك أنتن الناس إبطين، لا يقدر أحد على الجلوس معه لنتن رائحتهما.

قال حدّثني التّوزيّ قال: رأى الأصمعيّ جزءا فيه من شعر السيّد، فقال: لمن هذا؟ فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه؛ فأقسم عليّ أن أخبره فأخبرته؛ فقال: أنشدني قصيدة منه؛ فأنشدته ثم أخرى وهو يستزيدني، ثم قال: قبحه اللّه ما أسلكه لطريق الفحول! لو لا مذهبه ولو لا ما في شعره ما قدّمت عليه أحدا من طبقته.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيّد الحميريّ وبشار.

أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ عن أبي شراعة القيسيّ عن مسعود بن بشر: أن جماعة تذاكروا أمر السيّد، وأنه رجع عن مذهبه في ابن الحنفيّة وقال بإمامة جعفر بن محمد. فقال ابن الساحر راويته: واللّه ما رجع عن ذلك ولا القصائد الجعفريّات إلا منحولة له قيلت بعده. وآخر عهدي به قبل موته بثلاث وقد سمع رجلا يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لعليّ عليه السّلام: «إنه سيولد لك بعدي ولد وقد نحلته اسمي وكنيتي» فقال في ذلك وهي آخر قصيدة قالها:

أشاقتك المنازل بعد هندوتربيها وذات الدّلّ دعد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
منازل أقفرت منهنّ محّتمعالمهن من سبل ورعد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وريح حرجف تستنّ فيهابسافي التّرب تلحم ما تسدّي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ألم يبلغك والأنباء تنميمقال محمد فيما يؤدّي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إلى ذي علمه الهادي علىوخولة خادم في البيت تردي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ألم تر أنّ خولة سوف تأتيبواري الزّند صافي الخيم نجد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يفوز بكنيتي واسمي لأنّينحلتهماه والمهديّ بعدي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يغيّب عنهم حتى يقولواتضمّنه بطيبة بطن لحد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
سنين وأشهرا ويرى برضوىبشعب بين أنمار وأسد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
مقيم بين آرام وعينوحفّان تروح خلال ربد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تراعيها السّباع وليس منهاملاقيهنّ مفترسا بحدّ
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أمنّ به الرّدى فرتعن طورابلا خوف لدى مرعى وورد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
حلفت بربّ مكة والمصلّىوبيت طاهر الأركان فرد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يطوف به الحجيج وكلّ عاميحلّ لديه وفد بعد وفد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لقد كان ابن خولة غير شكصفاء ولايتي وخلوص ودّي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فما أحد أحبّ إليّ فيماأسرّ وما أبوح به وأبدي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
سوى ذي الوحي أحمد أو عليّولا أزكى وأطيب منه عندي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ومن ذا يابن خولة إذ رمتنيبأسهمها المنّية حين وعدي
يذبّب عنكم ويسدّ مماتثلّم من حصونكم كسدّي
وما لي أن أمرّ به ولكنأؤمّل أن يؤخّر يوم فقدي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فأدرك دولة لك لست فيهابجبّار فتوصف بالتّعدّي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
على قوم بغوا فيكم علينالتعدي منكم يا خير معد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لتعل بنا عليهم حيث كانوابغور من تهامة أو بنجد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إذا ما سرت من بلد حرامإلى من بالمدينة من معدّ
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وما ذا غرّهم والخير منهمبأشوس أعصل الأنياب ورد
وأنت لمن بغى وعدا وأذكىعليك الحرب واسترداك مرد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

في البيتين الأوّلين من هذه القصيدة غناء، نسبته:

صوت

أشاقتك المنازل بعد هندوتربيها وذات الدّلّ دعد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
منازل أقفرت منهنّ محّتمعالمهن من سبل ورعد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

عروضه من الوافر. الشعر للسيّد الحميريّ. والغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن يحيى المكيّ. وذكر الهشاميّ أنه لكردم. وذكر عمرو بن بانة أن اللّحن لمالك ثقيل أوّل بالوسطى.

وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيّد: كنت عنده يوما في جناح له، فأجال بصره فيه ثم قال: يا إسماعيل، طال واللّه ما شتم أمير المؤمنين عليّ في هذا الجناح. قلت: ومن كان يفعل؟ قال: أبواي. وكان يذهب مذهب الكيسانيّة ويقول بإمامة محمد بن الحنفيّة، وله في ذلك شعر كثير. وقد روى بعض من لم تصحّ روايته أنه رجع عن مذهبه وقال بمذهب الإماميّة، وله في ذلك:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبروأيقنت أنّ اللّه يعفو ويغفر

وما وجدنا ذلك في رواية محصّل، ولا شعره أيضا من هذا الجنس ولا في هذا المذهب، لأن هذا شعر ضعيف يتبيّن التوليد فيه، وشعره في قصائده الكيسانيّة مباين لهذا جزالة ومتانة، وله رونق ومعنى ليسا لما يذكر عنه في غيره.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد الثّماليّ قال حدّثني التّوّزيّ قال قال لي الأصمعيّ: أحبّ أن تأتيني بشيء من شعر هذا الحميريّ فعل اللّه به وفعل؛ فأتيته بشيء منه؛ فقرأه فقال: قاتله اللّه! ما أطبعه وأسلكه لسبيل الشعراء! واللّه لو لا ما في شعره من سبّ السّلف لما تقدّمه من طبقته أحد.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنّى يوما وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتابا؛ فلما رآني أطبقه. فقال له أبو عبيدة: إن أبا زيد ليس ممّن يحتشم منه، فأقرأ. فأخذ الكتاب وجعل يقرؤه، فإذا هو شعر السيّد. فجعل أبو عبيدة يعجب منه ويستحسنه. قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه. قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدّميّ يقول: سمعت جعفر بن سليمان الضّبعي ينشد شعر السيّد.

أخبرني ابن دريد قال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولّدين؟ قال: السيّد وبشّار.

وقال الموصليّ حدّثني عمّي قال: جمعت للسيّد في بني هاشم ألفين وثلاثمائة قصيدة؛ فخلت أن قد استوعبت شعره، حتى جلس إليّ يوما رجل ذو أطمار رثّة، فسمعني أنشد شيئا من شعره، فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي. فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيبا، فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره! وعرفت حينئذ أن شعره ليس ممّا يدرك ولا يمكن جمعه كله.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن ابن عائشة قال: وقف السيّد على بشّار وهو ينشد الشعر؛ فأقبل عليه وقال:

أيّها المادح العباد ليعظىإنّ اللّه ما بأيدي العباد
فاسأل اللّه ما طلبت إليهموارج نفع المنزّل العوّاد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا تقل في الجواد ما ليس فيهوتسمّي البخيل باسم الجواد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال بشّار: من هذا؟ فعرّفه؛ فقال: لو لا أن هذا الرجل قد شغل عنّا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا. وروي في هذا الخبر أنّ عمران بن حطّان الشّاري خاطب الفرزدق بهذه المخاطبة وأجابه بهذا الجواب.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن سعيد بن المسيّب عن أبي سعيد السكّريّ عن الطّوسيّ قال: إذا رأيت في شعر السيّد «دع ذا» فدعه؛ فإنه لا يأتي بعده إلا سبّ السّلف أو بليّة من بلاياه.

وروى الحسن بن عليّ بن المعتزّ الكوفيّ عن أبيه عن السيّد قال: رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شي ء؛ فقال: أتدريّ لمن هذا النخل؟ قلت: لا يا رسول اللّه؛ قال: لامرىء القيس بن حجر، فاقلعها واغرسها في هذه الأرض ففعلت. وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه؛ فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا؛ قال: أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرىء القيس إلا أنّك تقوله في قوم بررة أطهار. قال: فما انصرفت إلّا وأنا أقول الشعر.

قال الحسن وحدّثني غانم الورّاق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم، فأثبتني بعضهم فقال: هذا الشيخ واللّه راوية. فجلسوا إليّ وأنسوا بي، وأنشدتهم، وبدأت بشعر ذي الرمّة فعرفوه، وبشعر جرير والفرزدق فعرفوهما؛ ثم أنشدتهم للسيّد:

أتعرف رسما بالسّويّين قد دثرعفته أهاضيب السحائب والمطر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وجرّت به الأذيال ريحان خلفةصبا ودبور بالعشيّات والبكر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
منازل قد كانت تكون بجوّهاهضيم الحشاريّا الشّوى سحرها النظر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
قطوف الخطا خمصانة بختريّةكأنّ محيّاها سنا دارة القمر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
رمتني ببعد بعد قرب بها النّوىفبانت ولمّا أقض من عبدة الوطر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ولما رأتني خشية البين موجعاأكفكف منّي أدمعا فيضها درر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أشارت بأطراف إليّ ودمعهاكنظم جمان خانه السّلك فانتثر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وقد كنت ممّا أحدث البين حاذرافلم يغن عنّي منه خوفي والحذر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال: فجعلوا يمرّقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا؟ فأعلمتهم؛ فقالوا: هو واللّه أحد المطبوعين، لا واللّه ما بقي في هذا الزمان مثله.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال: سمعت عمّي يقول: لو أنّ قصيدة السيّد التي يقول فيها:

إنّ يوم التطهير يوم عظيمخصّ بالفضل فيه أهل الكساء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قرئت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أن شعره كلّه كان مثله لرويناه وما عيّبناه.

وأخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا العباس بن ميمون طائع قال حدّثنا نافع عن التّوّزيّ بهذه الحكاية بعينها فإنّه قالها في:

إن يوم التّطهير يوم عظيم

قال: ولم يكن التّوّزيّ متشيّعا.

قال عليّ بن المغيرة حدّثني الحسين بن ثابت قال: قدم علينا رجل بدويّ وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأنشد في معناه للسيّد حتى أكثرت. فقال لي: ويحك! من هذا؟ هو واللّه أشعر من صاحبنا.

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ عن ابن عائشة قال: لمّا استقام الأمر لبني العبّاس قام السيّد إلى أبي العباس السفّاح حين نزل عن المنبر فقال:

دونكموها يا بني هاشمفجدّدوا من عهدها الدّراسا
دونكموها لا علا كعب منكان عليكم ملكها نافسا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
دونكموها فالبسوا تاجهالا تعدموا منكم له لابسا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لو خيّر المنبر فرسانهما اختار إلّا منكم فارسا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
قد ساسها قبلكم ساسةلم يتركوا رطبا ولا يابسا
ولست من أن تملكوها إلىمهبط عيسى فيكم آيسا

فسّر أبو العباس بذلك، وقال له: أحسنت يا إسماعيل! سلني حاجتك؛ قال: تولّي سليمان بن حبيب الأهواز، ففعل.

وذكر التّميميّ - وهو علي بن إسماعيل - عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيّد، فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر. ودخل فسلّم وجلس. فاستنشده فأنشده قوله:

أمرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكيّه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
آ أعظما لا زلت منوطفاء ساكبة رويّه
وإذا مررت بقبرهفأطل به وقف المطيّه
وابك المطهّرللمطهّر والمطهّرة النّقيّه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
كبكاء معولة أتتيوما لواحدها المنيّه

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدّر على خدّيه، وارتفع الصّراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك. قال: فحدّثت أبي بذلك لمّا انصرفت؛ فقال لي: ويلي على الكيسانيّ الفاعل ابن الفاعل! يقول:

فإذا مررت بقبرهفأطل به وقف المطيّه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقلت: يا أبت، وما ذا يصنع؟ قال: أو لا ينحر! أو لا يقتل نفسه! فثكلته أمّه!.

حدّثني أبو جعفر الأعرج - وهو ابن بنت الفضيل بن بشّار - عن إسماعيل بن الساحر راوية السيّد - وهو الذي يقول فيه السيّد في بعض قصائده:

وإسماعيل يبرز من فلانويزعم أنّه للنّار صالي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال: تلاحى رجلان من بني عبد اللّه بن دارم في المفاضلة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وآله؛ فرضيا بحكم أوّل من يطلع. فطلع السيّد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضّل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه منهما: إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت: عليّ بن أبي طالب. فقطع السيّد كلامه ثم قال: وأيّ شيء قال هذا الآخر ابن الزانية! فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا.

وقال التّميميّ وحدّثني أبي قال قال لي فضيل الرسان: أنشد جعفر بن محمد قصيدة السيّد:

لأمّ عمرو باللّوى مربعدارسة أعلامه بلقع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فسمعت النّجيب من داره. فسألني لمن هي، فأخبرته أنها للسيّد، وسألني عنه فعرّفته وفاته؛ فقال: رحمه اللّه. قلت: إنّي رأيته يشرب النبيذ في الرّستاق؛ قال: أتعني الخمر؟ قلت نعم. قال: وما خطر ذنب عند اللّه أن يغفره لمحبّ عليّ!.

وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال: جاء رجل إلى السيّد فقال: بلغني أنك تقول بالرّجعة؛ فقال: صدق الذي أخبرك، وهذا ديني. قال: أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرّجعة؟ قال السيّد: نعم وأكثر من ذلك إن وثّقت لي بأنك ترجع إنسانا. قال: وأيّ شيء أرجع! قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي؛ فأفحمه.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال قال جعفر بن عفّان الطائي الشاعر: أهدى إليّ سليمان بن علي مهرا أعجبني وعزمت تربيته. فلما مضت عليّ أشهر عزمت على الحجّ، ففكّرت في صديق لي أودعه المهر ليقوم عليه، فأجمع رأيي على رجل من أهلي يقال له عمر بن حفص، فصرت إليه فسألته أن يأمر سائسه بالقيام عليه وخبّرته بمكانه من قلبي؛ ودعا بسائسه فتقدّم إليه في ذلك؛ ووهبت للسائس دراهم وأوصيته به، ومضيت إلى الحجّ. ثم انصرفت وقلبي متعلّق، فبدأت بمنزل عمر بن حفص قبل منزلي لأعرف حال المهر، فإذا هو قد ركب حتى دبر ظهره وعجف من قلّة القيام عليه. فقلت له: يا أبا حفص، أهكذا أوصيتك من هذا المهر! فقال: وما ذنبي! لم ينجع فيه العلف. فانصرفت به وقلت:

من عاذري من أبي حفص وثقت بهوكان عندي له في نفسه خطر
فلم يكن عند ظنّي في أمانتهوالظنّ يخلف والإنسان يختبر
أضاع مهري ولم يحسن ولابتهحتى تبيّن فيه الجهد والضّرر
عاتبته فيه في رفق فقلت لهيا صاح هل لك من عذر فتعتذر
فقال داء به قدما أضرّ بهوداؤه الجوع والإتعاب والسفر
قد كان لي في اسمه عنه وكنيتهلو كنت معتبرا ناه ومعتبر
فكيف ينصحني أو كيف يحفظنييوما إذا غبت عنه واسمه عمر
لو كان لي ولد شتّى لهم عددفيهم سميّوه إن قلّوا وإن كثروا
لم ينصحوا لي ولم يبقوا عليّ ولوساوى عديدهم الحصباء والشجر

قال وحدّثني أبو سليمان النّاجي قال: جلس المهديّ يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو وليّ عهد، فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش. فجاء السيّد فرفع إلى الرّبيع رقعة مختومة وقال: إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه، فأوصلها، فإذا فيها:

قل لابن عبّاس سميّ محمدلا تعطينّ بني عديّ درهما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
احرم بني تيم بن مرّة إنهمشرّ البريّة آخرا ومقدّما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إن تعطهم لا يشكروا لك نعمةويكافئوك بأن تذمّ وتشتما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وإن ائتمنتهم أو استعملتهمخانوك واتّخذوا خراجك مغنما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ولئن منعتهم لقد بدءوكمبالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلما
منعوا تراث محمد أعمامهوابنيه وابنته عديلة مريما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وتأمّروا من غير أن يستخلفواوكفى بما فعلوا هنالك مأثما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لم يشكروا لمحمد إنعامهأفبشكرون لغيره إن أنعما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
واللّه منّ عليهم بمحمدوهداهم وكسا الجنوب وأطعما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ثم انبروا لوصيّه ووليّهبالمنكرات فجرّعوه العلقما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة حذف باقيها لقبح ما فيه. قال: فرمى بها إلى أبي عبيد اللّه ثم قال: اقطع العطاء فقطعه؛ وانصرف الناس؛ ودخل السيّد إليه، فلما رآه ضحك وقال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل، ولم يعطهم شيئا.

أخبرني به عمّي عن محمد بن داود بن الجرّاح عن إسحاق النّخعيّ عن أبي سليمان الريّاحيّ مثله.

أخبرني الحسن بن محمد بن الجمهور القمّيّ قال حدّثني أبي قال حدّثني أبو داود المسترق راوية السيّد: أنه حضر يوما وقد ناظره محمد بن عليّ بن النعمان المعروف بشيطان الطّاق في الإمامة، فغلبه محمد في دفع ابن الحنفيّة عن الإمامة؛ فقال السيّد:

ألا يأيّها الجدل المعنّيلنا، ما نحن ويحك والعناء!
أتبصر ما تقول وأنت كهلتراك عليك من ورع رداء
ألا إن الأئمة من قريشولاة الحقّ أربعة سواء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
عليّ والثلاثة من بنيههم أسباطه والأوصياء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فأنّى في وصيّته إليهميكون الشك منّا والمراء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
بهم أوصاهم ودعا إليهجميع الخلق لو سمع الدّعاء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فسبط سبط إيمان وحلموسبط غيّبته كربلاء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
سقى جدثا تضمّنه ملثّهتوف الرّعد مرتجز رواء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تظلّ مظلّة منها عزالعليه وتغتدي أخرى ملاء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وسبط لا يذوق الموت حتىيقود الخيل يقدمها اللواء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
من البيت المحجّب في سراةشراة لفّ بينهم الإخاء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
عصائب ليس دون أغرّ أجلىبمكة قائم لهم انتهاء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

: - وهذه الأبيات بعينها تروى لكثيّر - ذكر ذلك ابن أبي سعد فقال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني إبراهيم بن هاشم العبديّ البصريّ قال: رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام وبين يديه السيّد الشاعر وهو ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكورفدمع العين منهمر غزير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

حتى أنشده إيّاها على آخرها وهو يسمع. قال: فحدّثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر عليّ بن موسى الرّضا، فقال لي: واللّه لقد كنت على خلاف فرأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام وبين يديه رجل ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور

إلى آخرها؛ فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حبّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كنت أعتقده.

أخبرني وكيع قال حدّثني إسحاق بن محمد قال حدّثنا أبو سليمان النّاجي ومحمد بن حليم الأعرج قالا: كان السيّد إذا استنشد شيئا من شعره لم يبدأ بشيء إلا بقوله:

أجدّ بآل فاطمة البكورفدمع العين مثهمر غزير

قال إسحاق: وسمعت العتبيّ يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهبا في شعره ولا أنقى ألفاظا من السيّد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته الّلاميّة التي أنشدتناها اليوم؛ فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويلأم لا فإن اللّوم تضليل
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أم في الحشى منك جوّى باطنليس تداويه الأباطيل
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
علّقت يا مغرور خدّاعةبالوعد منها لك تخييل
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ريّا رداح النوم خمصانةكأنها أدماء عطبول
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يشفيك منها حين تخلو بهاضمّ إلى النحر وتقبيل
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وذوق ريق طيّب طعمهكأنه بالمسك معلول
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
في نسوة مثل المها خرّدتضيق عنهنّ الخلاخيل
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

أقسم باللّه وآلائهوالمرء عمّا قال مسؤول
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إنّ عليّ بن أبي طالبعلى التّقى والبرّ مجبول
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقال العتبيّ: أحسن واللّه ما شاء، هذا واللّه الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.

في البيتين الأوّلين من هذه القصيدة لمخارق رمل بالبنصر عن الهشاميّ، وذكر حبش أنه للغريض. وفيه لحن لسليمان من كتب بذل غير مجنّس.

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ عن عبد الحميد بن عقبة عن إسحاق بن ثابت العطّار قال: كنّا كثيرا ما نقول للسيّد: مالك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأل عنه كما يفعل الشعراء؟ قال: لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذّه من سمعه خير من أن أقول شيئا متعقّدا تضلّ فيه الأوهام.

أخبرني أحمد بن عمّار قال أخبرنا يعقوب بن نعيم قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه الطّلحيّ راوية الشعراء بالكوفة قال حدّثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرّباح ومحمد بن سلمة، يزيد بعضهم على بعض: أن السيّد لمّا قدم الكوفة أتاه محمد بن سهل راوية الكميت؛ فأقبل عليه السيّد فقال: من الذي يقول:

يعيب عليّ أقوام سفاهابأن أرجي أبا حسن عليّا
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة
وإرجائي أبا حسن صوابعن العمرين برّا أو شقيّا
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة
فإن قدّمت قوما قال قومأسأت وكنت كذّابا رديّا
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة
إذا أيقنت أنّ اللّه ربّيوأرسل أحمدا حقّا نبيا
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة
وأنّ الرّسل قد بعثوا بحقوأنّ اللّه كان لهم وليّا
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة
فليس عليّ في الإرجاء بأسولا لبس ولست أخاف شيّا؟
للشاعر محارب السدوسي، اقرأ القصيدة

فقال محمد بن سهل: هذا يقوله محارب بن دثار الذّهليّ: فقال السيّد: لا كان اللّه وليّا للعاضّ بظر أمّه! من ينشدنا قصيدة أبي الأسود:

أحبّ محمدا حبّا شديداوعبّاسا وحمزة والوصيّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»

فأنشده القصيدة بعض من كان حاضرا؛ فطفق يسبّ محارب بن دثار ويترحّم على أبي الأسود. فبلغ الخبر منصورا النّمريّ فقال: ما كان على أبي هاشم لو هجاه بقصيدة يعارض بها أبياته، ثم قال:

يودّ محاربّ لو قد رآهاوأبصرهم حواليها جثيّا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وأنّ لسانه من ناب أفعىوما أرجا أبا حسن عليّا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وأنّ عجوزه مصعت بكلبوكان دماء ساقيها جريّا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
متى ترجىء أبا حسن عليّافقد أرجيت يا لكع نبيّا

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم البزّيّ قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ قال حدّثني إبراهيم بن الحسن الباهليّ قال: دخلت على جعفر بن سليمان الضّبعيّ ومعي أحاديث لأسأله عنها وعنده قوم لم أعرفهم، وكان كثيرا ما ينشد شعر السيّد، فمن أنكره عليه لم يحدّثه؛ فسمعته ينشدهم:

ما تعدل الدّنيا جميعا كلّهامن حوض أحمد شربة من ماء
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم جاءه خبر فقام. فقلت للذين كانوا عنده: من يقول هذا الشعر؟ قالوا: السيد الحميريّ.

حدّثني عمّي والكرانيّ قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن عبد اللّه بن الحسين عن أبي عمرو الشّيبانيّ عن الحارث بن صفوان، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه: أن السيّد كان بالأهواز؛ فمرّت به امرأة من آل الزبير تزفّ إلى إسماعيل بن عبد اللّه بن العباس، وسمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها؛ فقال:

أتتنا تزفّ على بغلةوفوق رحالتها قبّه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
زبيريّة من بنات الذيأحلّ الحرام من الكعبه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تزفّ إلى ملك ماجدفلا اجتمعا وبها الوجبه
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

روى هذا الخبر إسماعيل بن الساحر فقال فيه: فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء، فنهشتها أفعى فماتت؛ فكان السيّد يقول: لحقتها دعوتي.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل عن أبي طالب الجعفريّ - وهو محمد بن عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن جعفر - قال أخبرني أبي قال: خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيّد وعليه ثياب خزّ وجبّة ومطرف وعمامة؛ فجعل يجرّ مطرفه ويقول:

اهبط إلى الأرض فخذ جلمداثم ارمهم يا مزن بالجلمد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا تسقهم من سبل قطرةفإنهم حرب بني أحمد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن إسحاق البغويّ قال حدّثنا الحرمازيّ قال حدّثني رجل قال: كنت أختلف إلى ابني قيس، وكانا يرويان عن الحسن؛ فلقيني السيّد يوما وأنا منصرف من عندهما، فقال: أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها. فأعطيته ألواحي فكتب فيها:

لشربة من سويق عند مسغبةوأكلة من ثريد لحمه واري
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أشدّ ممّا روى حبّا إليّ بنوقيس وممّا روى صلت بن دينار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ممّا رواه فلان عن فلانهمذاك الذي كان يدعوهم إلى النار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد بن عليّ الخفّاف قال حدّثني أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر يقول: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم وقدّامه رجل جالس عليه ثياب بيض؛ فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا سيّد، أنشدني قولك:

لأمّ عمرو في اللّوى مربع

فأنشده إيّاها كلّها ما غادر منها بيتا واحدا، فحفظتها عنه كلّها في النوم. قال أبو إسماعيل: وكان زيد بن موسى لحّانة رديء الإنشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن.

وقال محمد بن داود بن الجرّاح في روايته عن إسحاق النّخعيّ حدّثني عبد الرحمن بن محمد الكوفيّ عن عليّ بن إسماعيل الهيثميّ عن فضيل الرسان قال: دخلت على جعفر بن محمد أعزّيه عن عمّه زيد، ثم قلت له: ألا أنشدك شعر السيّد؟ فقال: أنشد؛ فأنشدته قصيدة يقول فيها:

فالناس يوم البعث راياتهمخمس فمنها هالك أربع
قائدها العجل وفرعونهموسامريّ الأمّة المفظع
ومارق من دينه مخرجأسود عبد لكع أوكع
وراية قائدها وجههكأنه الشمس إذا تطلع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فسمعت مجيبا من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر؟ فقلت: السيّد! فقال: رحمه اللّه. فقلت: جعلت فداك! إني رأيته يشرب الخمر. فقال: رحمه اللّه! فما ذنب على اللّه أن يغفره لآل عليّ! إن محبّ عليّ لا تزلّ له قدم إلا تثبت له أخرى.

حدّثني الأخفش عن أبي العيناء عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه ذكر السيّد فترحّم عليه وقال: إن زلّت له قدم فقد ثبتت الأخرى.

نسخت من كتاب الشّاهيني حدّثني محمد بن سهل الحميريّ عن أبيه قال: انحدر السيّد الحميريّ في سفينة إلى الأهواز، فماراه رجل في تفضيل عليّ وباهله على ذلك. فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيّد فغرّقه؛ فصاح الملاحون: غرق واللّه الرجل! فقال السيّد: دعوه فإنّه باهليّ.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال حدّثني التّوّزيّ قال: جلس السيّد يوما إلى قوم، فجعل ينشدهم وهم يلغطون؛ فقال:

قد ضيّع اللّه ما جمّعت من أدببين الحمير وبين الشّاء والبقر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا يسمعون إلى قول أجيء بهوكيف تستمع الأنعام للبشر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أقول ما سكتوا إنس فإن نطقواقلت الضفادع بين الماء والشجر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم البزّيّ قال حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعيّ عن محمد بن الرّبيع عن سويد بن حمدان بن الحصين قال: كان السيّد يختلف إلينا ويغشانا، فقام من عندنا ذات يوم، فخلفه رجل وقال: لكم شرف وقدر عند السلطان، فلا تجالسوا هذا فإنّه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف. فبلغ ذلك السيّد فكتب إليه:

وصفت لك الحوض يابن الحصينعلى صفة الحارث الأعور
فإن تسق منه غدا شربةتفز من نصيبك بالأوفر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فما لي ذنب سوى أنّنيذكرت الذي فرّ عن خيبر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ذكرت امرأ فرّ عن مرحبفرار الحمار من القسور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فأنكر ذاك جليس لكمزنيم أخو خلق أعور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لحاني بحبّ إمام الهدىوفاروق أمّتنا الأكبر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
سأحلق لحيته إنهاشهود على الزّور والمنكر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال: فهجر واللّه مشايخنا جميعا ذلك الرجل ولزموا محبّة السيّد ومجالسته.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق.

أن السيّد تقدّم إلى سوّار القاضي ليشهد عنده، وقد كان دافع المشهود له بذلك وقال: أعفني من الشهادة عند سوّار، وبذل له مالا فلم يعفه. فلما تقدّم إلى سوّار فشهد قال: ألست المعروف بالسيّد! قال: بلى؛ قال: استغفر اللّه من ذنب تجرّأت به على الشهادة عندي، قم لا أرضى بك. فقام مغضبا من مجلسه وكتب إلى سوّار رقعة فيها يقول:

إن سوّار بن عبد الله من شرّ القضاة
للشاعر السيد الحميري، من قصيدة «يا أمين الله يا منصور»

فلما قرأها سوّار وثب عن مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور وهو يومئذ نازل بالجسر، فسبقه السيّد إليه فأنشده:

قل للإمام الذي ينجى بطاعتهيوم القيامة من بحبوحة النار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا تستعينن جزاك اللّه صالحةيا خير من دبّ في حكم بسوّار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلفجمّ العيوب عظيم الكبر جبّار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تضحي الخصوم لديه من تجبّرهلا يرفعون إليه لحظ أبصار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تيها وكبرا ولو لا ما رفعت لهمن ضبعه كان عين الجائع العاري

ودخل سوّار؛ فلما رآه المنصور تبسّم وقال: أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود! فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه! ثم أمر السيّد بمصالحته.

وقال إسحاق بن محمد النّخعيّ حدّثني عبد اللّه بن محمد الجعفريّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الحميريّ قال: دخل السيّد علي المهديّ لمّا بايع لابنيه موسى وهارون، فأنشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجمأمن قذى بات بها لازم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أم من هوّى أنت له ساهرصبابة من قلبك الهائم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
آليت لا أمدح ذا نائلمن معشر غير بني هاشم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أولتهم عندي يد المصطفىذي الفضل والمنّ أبي القاسم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فإنها بيضاء محمودةجزاؤها الشّكر على العالم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
جزاؤها حفظ أبي جعفرخليفة الرحمن والقائم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وطاعة المهديّ ثم ابنهموسى علي ذي الإربة الحازم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وللرشيد الرّابع المرتضىمفترض من حقّه الّلازم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ملكهم خمسون معدودةبرغم أنف الحاسد الرّاغم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ليس علينا ما بقوا غيرهمفي هذه الأمّة من حاكم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
حتى يردّوها إلى هابطعليه عيسى منهم ناجم
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

: وقال عليّ بن المغيرة حدّثني عليّ بن عبد اللّه بن السّدوسيّ عن المدائنيّ قال: كان السيّد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل عليّ رضي اللّه عنه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا. فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه؛ فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيّين، من جاءني منكم بفضيلة لعليّ بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما عليّ.

فجعلوا يحدّثونه وينشدهم؛ حتى أتاه رجل منهم وقال:

إن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه عزم على الركوب؛ فلبس ثيابه وأراد لبس الخفّ فلبس أحد خفّيه، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضّ عقاب من السماء فحلّق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل جحرا؛ فلبس عليّ رضي اللّه عنه الخفّ. قال: ولم يكن قال في ذلك شيئا؛ ففكّر هنيهة ثم قال:

ألا يا قوم للعجب العجابلخفّ أبي الحسين وللحباب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أتى خفّا له وانساب فيهلينهش رجله منه بناب
للشاعر السيد الحميري، من قصيدة «صبوت إلى سليمى والرباب»
فخرّ من السماء له عقابمن العقبان أو شبه العقاب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فطار به فحلّق ثم أهوىبه للأرض من دون السّحاب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إلى جحر له فانساب فيهبعيد القعر لم يرتج بباب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
كريه الوجه أسود ذو بصيصحديد النّاب أزرق ذو لعاب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ودوفع عن أبي حسن عليّنقيع سمامه بعد انسياب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم حرّك فرسه ومضى وجعل تشبيبها بعد ذلك:

صبوت إلى سليمى والرّبابوما لأخي المشيب وللتّصابي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن مستورد قال: وقف السيّد يوما بالكوفة، فقال: من أتاني بفضيلة لعليّ بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار، وذكر باقي الحديث. فأما العقاب الذي انقضّ على خفّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فحدّثني بخبره أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ قال حدّثني جعفر بن علي بن نجيح قال حدّثنا أبو عبد الرحمن المسعوديّ عن أبي داود الطّهويّ عن أبي الزّعل المراديّ قال: قام عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فتطهّر للصلاة، ثم نزع خفّه فانساب فيه أفعى، فلما عاد ليلبسه انقضّت عقاب فأخذته فحلّقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. وقد روي مثل هذا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.

حدّثني به أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني محمد بن عبيد بن عقبة قال حدّثنا محمد بن الصّلت قال حدّثنا حيّان بن علي عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد حاجة تباعد حتى لا يراه أحد، فنزع خفّه فإذا عقاب قد تدلّى فرفعه فسقط منه أسود سالخ. فكان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ ما يمشي على بطنه ومن شرّ ما يمشي على رجليه ومن شرّ ما يمشي على أربع ومن شرّ الجن والإنس».

قال أبو سعيد وحدّثنا محمد بن إسماعيل الرّاشديّ قال حدّثنا عثمان بن سعيد قال حدّثنا حيّان بن علي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس مثله.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا حاتم بن قبيصة قال: سمع السيّد محدّثا يحدّث أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان ساجدا، فركب الحسن والحسين على ظهره؛ فقال عمر رضي اللّه عنه: نعم المطيّ مطيّكما! فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «ونعم الراكبان هما». فانصرف السيّد من فوره فقال في ذلك:

أتى حسنا والحسين النبيّوقد جلسا حجرة يلعبان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ففدّاهما ثم حيّاهماوكانا لديه بذاك المكان
فراحا وتحتهما عاتقاهفنعم المطيّة والراكبان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وليدان أمّهما برّةحصان مطهّرة للحصان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وشيخهما ابن أبي طالبفنعم الوليدان والوالدان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
خليليّ لا ترجيا واعلمابأن الهدى غير ما تزعمان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وأنّ عمى الشكّ بعد اليقينوضعف البصيرة بعد العيان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ضلال فلا تلججا فيهمافبئست لعمركما الخصلتان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أيرجى عليّ إمام الهدىوعثمان ما أعند المرجيان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ويرجى ابن حرب وأشياعهوهوج الخوارج بالنّهروان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يكون إمامهم في المعادخبيث الهوى مؤمن الشّيصبان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وذكر إسماعيل بن السّاحر قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني محمد عن أبيه قال حدّثني أبي وعمّي عن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن يعقوب بن سعيد بن عمرو قال حدّثنا الحارث بن عبد المطّلب قال: كنت جالسا في مجلس أبي جعفر المنصور وهو بالجسر وهو قاعد مع جماعة على دجلة بالبصرة وسوّار بن عبد اللّه العنبريّ قاضي البصرة جالس عنده والسيّد بن محمد بين يديه ينشد قوله:

إن الإله الذي لا شيء يشبههأعطاكم الملك للدّنيا وللدّين
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أعطاكم اللّه ملكا لا زوال لهحتى يقاد إليكم صاحب الصّين
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وصاحب الهند مأخوذا برمّتهوصاحب التّرك محبوسا على هون
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

والمنصور يضحك سرورا بما ينشده؛ فحانت منه التفاتة فرأى وجه سوّار يتربّد غيظا ويسودّ حنقا ويدلك إحدى يديه بالأخرى ويتحرّق؛ فقال له المنصور: مالك! أرابك شي ء؟ قال: نعم، هذا الرجل يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، واللّه يا أمير المؤمنين ما صدقك ما في نفسه، وإن الذين يواليهم لغيركم. فقال المنصور: مهلا! هذا شاعرنا ووليّنا، وما عرفت منه إلا صدق محبّة وإخلاص نيّة. فقال له السيّد: يا أمير المؤمنين، واللّه ما تحمّلت غضّكم لأحد، وما وجدت أبويّ عليه فافتتنت بهما، وما زلت مشهورا بموالاتكم في أيام عدوّكم. فقال له: صدقت. قال: ولكن هذا وأهلوه أعداء اللّه ورسوله قديما والذين نادوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات، فنزلت فيهم آية من القرآن أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ

وجرى بينهما خطاب طويل. فقال السيّد قصيدته التي أوّلها:

قف بنا يا صاح واربعبالمغاني الموحشات

أنشدها أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار عن النّوفليّ، وأخبرنا محمد بخبره مع سوّار بالقصّة من هاهنا إلى آخرها؛ وقال فيها:

يا أمين اللّه يا منصور يا خير الولاة
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إنّ سوّار بن عبداللّه من شرّ القضاة
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
نعثليّ جمليّلكم غير موات
جدّه سارق عنزفجرة من فجرات
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لرسول اللّه والقاذفه بالمنكرات
للشاعر السيد الحميري، من قصيدة «يا أمين الله يا منصور»
وابن من كان يناديمن وراء الحجرات
يا هناة اخرج إليناإننا أهل هنات
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
مدحنا المدح ومن نرم يصب بالزّفرات
للشاعر السيد الحميري، من قصيدة «يا أمين الله يا منصور»
فاكفينه لا كفاه اللّهشرّ الطارقات

فشكاه سوّار إلى أبي جعفر، فأمره بأن يصير إليه معتذرا؛ ففعل فلم يعذره؛ فقال:

أتيت دعيّ بني العنبرأروم اعتذارا فلم أعذر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فقلت لنفسي وعاتبتهاعلى اللؤم في فعلها أقصري
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أيعتذر الحرّ مما أتىإلى رجل من بني العنبر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أبوك ابن سارق عنز النبيوأمّك بنت أبي جحدر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ونحن على رغمك الرّافضون لأهل الضّلالة والمنكر

قال: وبلغ السيّد أن سوّارا قد أعدّ جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه؛ فشكاه إلى أبي جعفر؛ فدعا بسوّار وقال له: قد عزلتك عن الحكم للسيّد أو عليه. فما تعرّض له بسوء حتى مات.

وروى عبد اللّه بن أبي بكر العتكيّ أن أبا الخلّال العتكيّ دخل على عقبة بن سلّم والسيّد عنده وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلّال شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سبّ أبي بكر وعمر!. فقال له عقبة: ما علمت ذاك ولا أعطيته إلّا على العشرة والمودّة القديمة وما يوجبه حقّه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقّهم ورعايتهم. فقال له أبو الخلّال: فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرّفض. فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل. فقال السيّد:

إذا أنا لم أحفظ وصاة محمدولا عهده يوم الغدير المؤكدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فإنّي كمن يشري الضّلالة بالهدىتنصّر من بعد التّقى وتهوّدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وما لي وتيم أو عديّ وإنماأو لو نعمتي في اللّه من آل أحمدا
تتمّ صلاتي بالصلاة عليهموليست صلاتي بعد أن أتشهّدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
بكاملة إن لم أصلّ عليهموأدع لهم ربّا كريما ممجّدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
بذلت لهم ودّي ونصحي ونصرتيمدى الدهر ما سمّيت يا صاح سيّدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وإنّ امرأ يلحى على صدق ودّهمأحقّ وأولى فيهم أن يفنّدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فإن شئت فاختر عاجل الغمّ صلّةوإلّا فأمسك كي تصان وتحمدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم نهض مغضبا. فقام أبو الخلّال إلى عقبة فقال: أعذني من شرّه أعاذك اللّه من السوء أيها الأمير؛ قال: قد فعلت على ألّا تعرض له بعدها.

وممّا يحكى عنه أنه اجتمع في طريقه بامرأة تميميّة إباضيّة، فأعجبها وقالت: أريد أن أتزوّج بك ونحن على ظهر الطريق. قال: يكون كنكاح أمّ خارجة قبل حضور وليّ وشهود. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا؛ وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:

إن تسأليني بقومي تسألي رجلافي ذروة العزّ من أحياء ذي يمن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
حولي بها ذو كلاع في منازلهاوذو رعين وهمدان وذو يزن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
والأزد أزد عمان الأكرمون إذاعدّت مآثرهم في سالف الزمن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
بانت كريمتهم عنّي فدارهمداري وفي الرّحب من أوطانهم وطني
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لي منزلان بلحج منزل وسطمنها ولي منزل للعزّ في عدن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ثمّ الولاء الذي أرجو النجاة بهمن كبّة النار للهادي أبي حسن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقالت: قد عرفناك، ولا شيء أعجب من هذا: يمان وتميميّة، ورافضيّ وإباضيّة، فكيف يجتمعان!. فقال: بحسن رأيك فيّ تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، وظهرت خفيّات الأمور!. قال: فأنا أعرض عليك أخرى. قالت: ما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزّنا. قال: أعيذك باللّه أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان!. قالت: فكيف؟ قال: قال اللّه تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ

فقالت: أستخير اللّه وأقلّدك أن كنت صاحب قياس. ففعلت. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعّدوها بالقتل وقالوا: تزوّجت بكافر! فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة. فكانت مدّة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا.

وقال الحسن بن علي بن المغيرة حدّثني أبي قال: كنت مع السيّد على باب عقبة بن سلّم ومعنا ابن لسليمان بن عليّ ننتظره وقد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن عليّ يعرّض بالسيّد: أشعر الناس واللّه الذي يقول:

محمد خير من يمشي على قدموصاحباه وعثمان بن عفّانا

فوثب السيّد وقال: أشعر واللّه منه الذي يقول:

سائل قريشا إذا ما كنت ذا عمهمن كان أثبتها في الدّين أوتادا
من كان أعلمها علما وأحلمهاحلما وأصدقها قولا وميعادا
إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنإن أنت لم تلق للأبرار حسّادا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم أقبل على الهاشميّ فقال: يا فتى، نعم الخلف أنت لشرف سلفك! أراك تهدم شرفك، وتثلب سلفك، وتسعى بالعداوة على أهلك، وتفضّل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله؛ وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك. فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلّم. وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الرّكوبة حتى خرجت الجائزة للسيّد.

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ قال حدّثنا ابن القاسم البزّيّ عن إسحاق بن محمد النّخعيّ عن عقبة بن مالك الدّيلي عن الحسن بن عليّ بن أبي حرب بن أبي الأسود الدّؤليّ قال: كنّا جلوسا عند أبي عمرو بن العلاء، فتذاكرنا السيّد، فجاء فجلس، وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض. فقلنا: يا أبا هاشم، ممّ القيام؟ فقال:

إني لأكره أن أطيل بمجلسلا ذكر فيه لفضل آل محمد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا ذكر فيه لأحمد ووصيّهوبنيه ذلك مجلس نطف ردي
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إن الذي ينساهم في مجلسحتّى يفارقه لغير مسدّد
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وروى أبو سليمان النّاجي: أن السيّد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك الأسديّ يتولّاها، وكان له صديقا.

وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد ينشده أبا بجير، وكان أبو بجير يتشيّع. فذهب السيّد إلى قوم من إخوانه بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم؛ فلما أمسى انصرف، فأخذه العسس فحبس. فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور. فدخل على أبي بجير وقال: قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به. قال: وما ذلك؟ قال: اسمع هذه الأبيات، كتبها السيّد من الحبس؛ فأنشده يقول:

قف بالدّيار وحيّها يا مربعواسأل وكيف يجيب من لا يسمع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إنّ الدّيار خلت وليس بجوّهاإلّا الضّوابح والحمام الوقّع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ولقد تكون بها أوانس كالدّمىجمل وعزّة والرّباب وبوزع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
حور نواعم لا ترى في مثلهاأمثالهن من الصيانة أربع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فعرين بعد تألّف وتجمّعوالدّهر - صاح - مشتّت ما تجمع
فاسلم فإنّك قد نزلت بمنزلعند الأمير تضرّ فيه وتنفع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
تؤتى هواك إذا نطقت بحاجةفيه وتشفع عنده فيشفّع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
قل للأمير إذا ظفرت بخلوةمنه ولم يك عنده من يسمع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
هب لي الذي أحببته في أحمدوبنيه إنك حاصد ما تزرع
يختصّ آل محمد بمحبّةفي الصدر قد طويت عليها الأضلع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

في هذا الغناء لسعيد.

وحكى ابن الساحر: أنّ السيّد دعي لشهادة عند سوّار القاضي؛ فقال لصاحب الدّعوى: أعفني من الشهادة عند سوّار؛ فلم يعفه صاحبها منها وطالبه بإقامتها عند سوّار. فلما حضر عنده وشهد قال له: ألم أعرفك وتعرفني!

وكيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي! فقال له: إني تخوّفت إكراهه، ولقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل منّي فأقمتها؛ فلا يقبل اللّه لك صرفا ولا عدلا إن قبلتها، وقام من عنده؛ ولم يقدر سوّار له على شيء لما تقدّم به المنصور إليه في أمره، واغتاظ غيظا شديدا وانصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سوّارا اعتلّ علّته التي مات فيها فلم يقدر السيّد على هجائه في حياته لنهي المنصور إيّاه عن ذلك. ومات سوّار فأخرج عشيّا وحفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. وكان بين الأزد وبين تميم عداوة، فمات عقب موته عبّاد بن حبيب بن المهلّب؛ فهجا السيّد سوّارا في قصيدة رثى بها عبّادا ودفعها إلى نواتح الأزد لما بينهم وبين تميم من العداوة ولقربهم من دار سوّار ينحن بها، وأوّلها:

يا من غدا حاملا جثمان سوّارمن داره طاعنا منها إلى النار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لا قدّس اللّه روحا كان هيكلهافقد مضت بعظيم الخزي والعار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
حتى هوت قعر برهوت معذّبةوجسمه في كنيف بين أقذار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لقد رأيت من الرحمن معجبةفيه وأحكامه تجري بمقدار
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فاذهب عليك من الرحمن بهلتهيا شرّ حيّ براه الخالق الباري
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد البقّال قال حدّثنا شيبان بن محمد الحرّاني - وكان يلقّب بعوضة وصار من سادات الأزد - قال: كان السيّد جاري، وكان أدلم، وكان ينادم فتيانا من فتيان الحيّ فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشّفتين مزنّج الخلقة. وكان السيّد من أنتن الناس إبطين. وكانا يتمازحان، فيقول له السيّد: أنت زنجيّ الأنف والشّفتين، ويقول الفتى للسيّد: أنت زنجيّ اللون والإبطين. فقال السيّد:

أعارك يوم بعناه رباحمشافره وأنفك ذا القبيحا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وكانت حصّتي إبطيّ منهولونا حالكا أمسى فضوحا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فهل لك في مبادلتيك إبطيبأنفك تحمد البيع الرّبيحا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فإنّك أقبح الفتيان أنفاوإبطي أنتن الآباط ريحا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني أحمد قال حدّثني شيبان قال: مات منّا رجل موسر وخلّف ابنا له فورث ماله وأتلفه بالإسراف، وأقبل على الفساد واللهو، وقد تزوّج امرأة تسمّى ليلى، واجتمع على السيّد وكان من أظرف الناس، وكان الفتى لا يصبر عنه، وأنفق عليه مالا كثيرا؛ وكانت ليلى تعذله على إسرافه وتقول له: كأني بك قد افتقرت فلم يغن عنك شيئا. فهجاها السيّد. وكان ممّا قال فيها:

أقول يا ليت ليلي في يدي حنقمن العداوة من أعدى أعاديها
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
يعلو بها فوق رعن ثم يحدرهافي هوّة فتدهدى يومها فيها
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أوليتها في عمار البحر قد عصفتفيه الرّياح فهاجت من أواذيها
أوليتها قرنت يوما إلى فرسيقد شدّ منها إلى هاديه هاديها
حتى يرى لحمها من حضره زيماوقد أتى القوم بعد الموت ناعيها
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فمن بكاها فلا جفّت مدامعهلا أسخن اللّه إلّا عين باكيها
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ وعبد الحميد بن عقبة قالا حدّثنا الحسن بن عليّ بن المغيرة الكسلان عن محمد بن كناسة قال: أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيّد رداء عدنيّا؛ فكتب إليه السيّد فقال:

وقد أتانا رداء من هديّتكمفلا عدمتك طول الدهر من وال
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
هو الجمال جزاك اللّه صالحةلو أنّه كان موصولا بسربال
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فبعث إليه بخلعة تامّة وفرس جواد وقال: يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا.

حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن بعض البصريّين عن سليمان بن أرقم قال: كنت مع السيّد، فمرّ بقاصّ على باب أبي سفيان بن العلاء وهو يقول: يوزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم القيامة في كفّة بأمّته أجمع فيرجح بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح. فأقبل على أبي سفيان فقال: لعمري إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليرجح على أمته في الفضل، والحديث حقّ؛ وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم؛ لأنّ من سنّ سنّة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. قال: فما أجابه أحد. فمضى فلم يبق أحد من القوم إلّا سبّه.

وقال أبو جعفر الأعرج حدّثني إسماعيل بن السّاحر قال: خرجت من منزل نصر بن مسعود أنا وكاتب عقبة بن سلّم والسيّد ونحن سكارى. فلما كنّا بزهران لقيتنا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطريّ بن الفجاءة، وكانت امرأة برزة حسناء فصيحة، فواقفها السيّد وتخاطب عليها وأنشدها من شعره بتجميش، فأعجب كلّ واحد منهما صاحبه. فقال السيّد:

من ناكثين وقاسطين الأروعحول الأمين وقال هات ليسمعوا
قم يابن مذعور فأنشد نكّسواخضع الرّقاب بأعين لا ترفع
لو لا حذار أبي بجير أظهرواشنآنهم وتفرّقوا وتصدّعوا
لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبرواسبعين عاما والأنوف تجدّع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
إذ لا يزال يقوم كلّ عروبةمنكم بصاحبنا خطيب مصقع
مسحنفر في غيّه متتايعفي الشّتم مثّله بخيل يسجع
ليسرّ مخلوقا ويسخط خالقاإن الشقيّ بكلّ شرّ مولع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال: جنيت عليّ ما لا يد لي به؛ اذهب صاغرا إلى الحبس وقل: أيّكم أبو هاشم؛ فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتّك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به ففعل. فأبى السيّد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كلّ من أخذ معه. فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال: الحمد للّه الذي لم يقل أخرجهم وأعط كلّ واحد منهم مالا، فما كنّا نقدر على خلافه؛ افعل ما أحبّ برغم أنفك الآن. فمضى فخلّى سبيله وسبيل كلّ من كان معه ممّن أخذ في تلك الليلة، وأتي به إلى أبي بجير. فتناوله بلسانه وقال: قدمت علينا فلم تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفسّاق وشربت ما حرّم عليك حتى جرى ما جرى؛ فاعتذر من ذلك إليه؛ فأمر له أبو بجير بجائزة سنيّة وحمله وأقام عنده مدّة.

قال النّوفليّ وحدّثني أبي: أنّ جماعة من أهل الثغور قدموا على أبي بجير بتسبيب بهم فأطلقهم، ثم جاءوه فعاتبوه على التشيّع وسألوه الرجوع؛ فغضب من ذلك ودعا بمولاه يزيد بن مذعور فقال: أنشدني ويلك لأبي هاشم.

فأنشده قوله:

يا صاحبيّ لدمنتين عفاهمامرّ الرّياح عليهما فمحاهما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

حتى فرغ. ثم قال: هات النّونيّة؛ فأنشده:

يا صاحبيّ تروّحا وذرانيليس الخليّ كمسعر الأحزان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فلما فرغ قال: أنشدني الدمّاغة الرائيّة، فأنشده إيّاها. فلما فرغ أقبل عليه الثّغريّون فقالوا له: ما أعتبتنا فيما عاتبناك عليه. فقال: يا حمير! هل في الجواب أكثر مما سمعتم! واللّه لو لا أنّي لا أعلم كيف يقع فعلي من أمير المؤمنين لضربت أعناقكم! قوموا إلى غير حفظ اللّه فقاموا. وبلغ السيّد الخبر فقال:

إذا قال الأمير أبو بجيرأخو أسد لمنشده يزيدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
طربت إلى الكرام فهات فيهممديحا من مديحك أو نشيدا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
رأيت لمن بحضرته وجوهامن الشّكّاك والمرجين سودا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
كأنّ يزيد ينشد بامتداحأبا حسن نصارى أو يهودا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وروى أبو داود المسترق: أنّ السيّد والعبديّ اجتمعا؛ فأنشد السيّد:

إني أدين بما دان الوصيّ بهيوم الخريبة من قتل المحلّينا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وبالذي دان يوم النهروان بهوشاركت كفّه كفّي بصفّينا

فقال له العبديّ: أخطأت، لو شاركت كفّك كفّه كنت مثله؛ ولكن قل: تابعت كفّي كفّه لتكون تابعا لا شريكا. فكان السيّد بعد ذلك يقول: أنا أشعر الناس إلّا العبديّ.

وقال إسحاق النّخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن أبي جعفر الأعرج عن إسماعيل بن السّاحر قال: كنت مع السيّد وقد اكترينا سفينة إلى الأهواز؛ فجلس فيها معنا قوم شراة، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيّد رأسه إليهم وقال:

شفيت من نعثل في نحت أثلتهفاعمد هديت إلى نحت الغويّين
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
اعمد هديت إلى نحت اللّذين هماكانا عن الشرّ لو شاء اغنيّين
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيّد وقد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسديّ؛ وكان ابن النّجاشيّ عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، وكان يعرفه باسمه ولم يعرفه. فقال له: يا شيخ السّوء، تخرج سكران في هذا الوقت! لأحسننّ أدبك. فقال له: واللّه لا فعلت، ولتكرمنّي ولتخلعنّ عليّ وتحملنّي وتجيزنّي.

قال: أو تهزأ أيضا! قال: لا واللّه! ثم اندفع ينشده فقال:

من كان معتذرا من شتمه عمرافابن النّجاشيّ منه غير معتذر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وابن النجاشي براء - غير محتشم -في دينه من أبي بكر ومن عمر
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم أنشده قوله:

إحداهما نمّت عليه حديثهوبغت عليه نفسه إحداهما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فهما اللتان سمعت ربّ محمدفي الذكر قصّ على العباد نباهما
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقال: أبو هاشم؟ فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله وأجازه، وقال: واللّه لأصدّقنّ قولك في جميع ما حلفت عليه.

قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيّد متغيّر اللّون، فسأله عن حاله؛ فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إيّاه؛ قال: فاشربه، فإنّنا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج. فقال له السيّد: ليس هذا من البلاغة. قال: وما هي؟ قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما يحتاج إليه وتدع ما يستغنى عنه. قال: وكيف ذلك؟ قال: اكتب بمائتي دورق «مي» ولا تكتب «بختج»، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: والمي: النبيذ.

قال إسماعيل: وبلغ السيّد وهو بالأهواز أن أبا بجير قد أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشّماتة به.

فخرج السيّد متحرّقا حتى اكترى سفينة وخرج إليها، وأنشأ يقول:

تباشر أهل تدمر إذ أتاهمبأمر أميرنا لهم بشير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ولا لأميرنا ذنب إليهمصغير في الحياة ولا كبير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
سوى حبّ النبيّ وأقربيهومولاهم بحبّهم جدير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وقالوا لي لكيما يحزنونيولكن قولهم إفك وزور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
لقد أمسى أخوك أبو بجيربمنزله يزار ولا يزور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
وظلّت شيعة الهادي عليّكأنّ الأرض تحتهم تمور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
فبتّ كأنّني مما رمونيبه في قدّ ذي حلق أسير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
كأنّ مدامعي وجفون عينيتوخّز بالقتاد فهنّ عور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أقول عليّ للرحمن نذرصحيح حيث تحتبس النّذور
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
بمكة، إن لقيت أبا بجيرصحيحا واللّواء له يسير
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة.

وروى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق عن السيّد: أنه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم، فاستنشده فأنشده قوله:

لأمّ عمرو باللّوى مربعطامسة أعلامه بلقع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

حتى انتهى إلى قوله:

قالوا له لو شئت أعلمتناإلى من الغاية والمفزع
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقال: حسبك! ثم نقض يده وقال: قد واللّه أعلمتهم.

وروى أبو داود وإسماعيل بن السّاحر: أنهما حضرا السيّد عند وفاته بواسط وقد أصابه شرّى وكرب، فجلس ثم قال: اللهمّ أهكذا جزائي في حبّ آل محمد! قال: فكأنها كانت نارا فطفئت عنه.

وأخبرني محمد بن العباس اليزيديّ بإسناد له لم يحضرني وأنا أخرجه إن شاء اللّه تعالى قال: حدّثني من حضر السيّد وقد احتضر فقال:

برئت إلى الإله من ابن أروىومن دين الخوارج أجمعينا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ومن فعل برئت ومن فعيلغداة دعي أمير المؤمنينا
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

ثم كأنّ نفسه كانت حصاة فسقطت.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي الهذيل العلّاف عن أبي جعفر المنصور قال: بلغني أن السيّد مات بواسط فلم يدفنوه. واللّه لئن تحقّق عندي لأحرقنّها!.

ووجدت في بعض الكتب: حدّثني محمد بن يحيى اللّؤلئيّ قال حدّثني محمد بن عباد بن صهيب عن أبيه قال: كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيّد، فدعا له وترحّم عليه. فقال رجل: يا بن رسول اللّه، تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرّجعة! فقال: حدّثني أبي عن جدّي أن محبّي آل محمد لا يموتون إلّا تائبين وقد تاب، ورفع مصلّى كانت تحته، فأخرج كتابا من السيّد يعرّفه فيه أنه قد تاب ويسأله الدعاء له.

وذكر محمد بن إدريس العتبيّ أنّ معاذ بن يزيد الحميريّ حدّثه أن السيّد عاش إلى خلافة هارون الرشيد وفي أيامه مات، وأنّه مدحه بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرّقهما. فبلغ ذلك الرشيد فقال: أحسب أبا هاشم تورّع عن قبول جوائزنا.

أخبرني ابن عمّار قال حدّثنا يعقوب بن نعيم قال حدّثنا إبراهيم بن عبد اللّه الطّلحيّ قال حدّثني إسحاق بن محمد بن بشير بن عمّار الصّيرفيّ عن جدّه بشير بن عمّار قال: حضرت وفاة السيّد في الرّميلة ببغداد، فوجّه رسولا إلى صفّ الجزّارين الكوفيّين يعلمهم بحاله ووفاته؛ فغلط الرسول فذهب إلى صفّ السموسين، فشتموه ولعنوه؛ فعلم أنه قد غلط، فعاد إلى الكوفيّين يعلمهم بحاله ووفاته؛ فوافاه سبعون كفنا. قال: وحضرناه جميعا وإنه ليتحسّر تحسّرا شديدا وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلّم، إلى أنا أفاق إفاقة وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بوليّك! قالها ثلاث مرّات مرّة بعد أخرى. قال: فتجلّى واللّه في جبهته عرق بياض، فما زال يتّسع ويلبس وجهه حتى صار كلّه كالبدر، وتوفّي فأخذنا في جهازه ودفنّاه في الجنينة ببغداد، وذلك في خلافة الرشيد.

صوت من المائة المختارة

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنهاإلى بلد ناء قليل الأصادق
ولا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرةأثيبي بودّ قبل إحدى البوائق

عروضه من الطويل.

قوله: «فلا زلن حسرى»: دعاء على الإبل التي ظعنت بها وأبعدتها عنه. وحسرى: قد حسرن أي بلغ منهن الجهد فلم يبق فيهنّ بقيّة، يقال حسر ناقته فهو يحسرها، وهي حسرى، والذّكر حسير؛ قال اللّه عزّ وجلّ: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ

وفي الحديث: «فإن أتعبتها حسرتها». والظّلع في كل شي ء: أن تألم رجله فلا يقدر أن يمشي عليها فيغمز في مشيه كالأعرج إذا مشى، ويقال: ظلع فهو ظالع. والنائي: البعيد، والنّية: الناحية التي تنوي إليها، والنّوى: البعد، والتنائي: التباعد. والبوائق: الحوادث التي تأتي بما يحذر بغتة، وهي مثل المصائب والنوائب.

البيت الأوّل من الشعر لكثيّر، ويقال: إنه لأبي جندب الهذليّ. والبيت الثاني لرجل من كنانة ثم من بني جذيمة، وزعم ابن دأب أنه عبد اللّه بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل أيضا: إنه يقال له عمرو الذي قتله خالد بن الوليد في بعض مغازيه التي وجّهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها. الغناء في اللحن المختار لمتيّم مولاة عليّ بن هشام وأمّ أولاده. ولحنها رمل بالبنصر، من رواية إسحاق وعمرو؛ وهو من الأرمال النادرة المختارة. وفيه خفيف ثقيل، يقال: إنه لحسين بن محرز، ويقال: إنه قديم من غناء أهل مكة.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»