تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر جميلة وأخبارها

فيه ٢٢٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هي جميلة مولاة بني سليم ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن الخزرج، وكانت تنزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها، فقيل: إنها مولاة للأنصار، تنزل بالسّنح وهو الموضع الذي كان ينزله أبو بكر الصّدّيق؛ ذكر ذلك إبراهيم بن زياد الأنصاري الأمويّ السّعيدي. وذكر عبد العزيز بن عمران أنها مولاة للحجّاج بن علاط السّلميّ وهي أصل من أصول الغناء، وعنها أخذ معبد وابن عائشة وحبابة وسلّامة وعقيلة العقيقية والشّمّاسيّتان خليدة وربيحة. وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطأة:

صوت

إنّ الدّلال وحسن الغناء سط بيوت بني الخزرج
وتلكم جميلة زين النساءإذا هي تزدان للمخرج
إذا جئتها بذلت ودّهابوجه منير لها أبلج

الشعر لعبد الرحمن بن أرطأة. والغناء لمالك خفيف ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى، ويقال: فيه الدّلال وجميلة لحنان.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي جعفر القرشيّ عن المحرزيّ قال: كانت جميلة أعلم خلق اللّه بالغناء؛ وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولو لا جميلة لم نكن نحن مغنّين.

قال إسحاق وحدّثني أيّوب بن عباية قال حدّثني رجل من الأنصار قال: سئلت جميلة: أنّى لك هذا الغناء؟ قالت: واللّه ما هو إلهام ولا تعليم ولكنّ أبا جعفر سائب خاثر كان لنا جارا وكنت أسمعه يغنّي ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النّغمات فبنيت عليها غنائي، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت، فسمعني موالياتي يوما وأنا أغنّي سرّا ففهمنني ودخلن عليّ وقلن: قد علمنا فما تكتمينا. فأقسمن عليّ، فرفعت صوتي وغنّيتهنّ بشعر زهير بن أبي سلمى:

وما ذكرتك إلّا هجت لي طرباإنّ المحبّ ببعض الأمر معذور
ليس المحبّ بمن إن شطّ غيّرههجر الحبيب وفي الهجران تغيير

صوت

نام الخليّ فنوم العين تعذيرمما ادّكرت وهمّ النفس مذكور
ذكرت سلمى وما ذكري براجعهاودونها سبسب يهوي به المور

- الشعر لزهير. والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رمل بالوسطى عن حبش - فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري، فقصدني الناس وجلست للتعليم؛ فكان الجواري يتكاوسنني، فربما انصرف أكثرهنّ ولم يأخذن شيئا سوى ما سمعنني أطارح لغيرهنّ، ولقد كسبت لمواليّ ما لم يخطر لهنّ ببال، وأهل ذلك كانوا وكنت.

وحدّثني أبو خليفة قال حدّثني ابن سلّام قال حدّثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثّقفيّ قال: كانت جميلة ممّن لا يشكّ في فضيلتها في الغناء، ولم يدّع أحد مقاربتها في ذلك، وكلّ مدنيّ ومكيّ يشهد لها بالفضل.

قال إسحاق وحدّثني هشام بن المرّيّة المدنيّ قال حدّثني جرير المدنيّ - قال إسحاق: وكانا جميعا مغنّيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين، وكانا قد أسنّا، فأمّا هشام فبلغ الثمانين، وأمّا جرير فلا أدري - قال جرير: وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهز، فنزلوا عليها فخرجوا يوما إلى العقيق متنزّهين، فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدّثوا ساعة؛ ثم سأل معبد ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألّفوا. فقال ابن عائشة: إنّ للقوم أعمالا كثيرة حسنة ولك أيضا يا أبا عبّاد، ولكن قد اجتمع علماء مكة، وأنا وأنت من أهل المدينة، فليعمل كلّ واحد منّا صوتا ساعته ثم يغنّ به. قال معبد: يابن عائشة، قد أعجبتك نفسك حتى بلّغتك هذه المرتبة!. قال ابن عائشة: أو غضبت يا أبا عبّاد! إنّي لم أقل هذا وأنا أريد أن أتنقّصك فإنك لأنت المفاد منه. قال معبد: أمّا إذ قد اختلفّنا وأصحابنا المكّيّون سكوت فلنجعل بيننا حكما. قال ابن عائشة: إنّ أصحابنا شركاء في الحكومة. قال ابن سريج: على شريطة؛ قال: على أن يكون ما نغنّي به من الشعر ما حكّمت فيه امرأة. قال ابن عائشة ومعبد: رضينا، وهي أمّ جندب. فأجمع رأيهم على الاجتماع في منزل جميلة من غد. فلما حضروا قال ابن عائشة: ما ترى يا أبا عبّاد؟ قال: أرى أن يبتدىء أصحابنا أو أحدهم. قال ابن سريج: بل أنتما أولى. قالا: لم نكن لنفعل. فأقبل ابن سريج على سعيد بن مسجح فسأله أن يبتدىء فأبى. فأجمع رأي المكيّين على أن يبتدىء ابن سريج. فغنّى ابن سريج:

صوت

ذهبت من الهجران في غير مذهبولم يك حقّا كلّ هذا التجنّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
خليليّ مرّا بي على أمّ جندبأقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
فإنّكما إن تنظراني ساعةمن الدّهر تنفعني لدى أمّ جندب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
ألم ترياني كلّما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

- الشعر لامرىء القيس. ولابن سريج فيه لحنان ثاني ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى، وخفيف رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى جميعا عن أسحاق - وغنّى معبد:

صوت

فللّه عينا من رأى من تفرّقأشتّ وأنأى من فراق المحصّب
علون بأنطاكيّة فوق عقمةكجرمة نخل أو كجنّة يثرب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
فريقان منهم سالك بطن نخلةوآخر منهم جازع نجد كبكب
فعيناك غربا جدول في مفاضةكمرّ خليج في سنيح مثقّب

صوت

وقالت فإن يبخل عليك ويعتلليسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
وإنّك لم يفخر عليك كفاخرضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
وإنك لم تقطع لبانة عاشقبمثل بكور أو رواح مؤوّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
بأدماء حرجوج كأنّ قتودهاعلى أبلق الكشحين ليس بمغرب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
يغرّد بالأسحار في كلّ سدفةتغرّد ميّاح النّدامى المطرّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

صوت

وقد أغتدي والطير في وكناتهاوماء النّدى يجري على كل مذنب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
بمنجرد قيد الأوابد لاحهطراد الهوادي كلّ شأو مغرّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفهتقول هزيز الرّيح مرّت بأثأب
للشاعر الفروسية، من قصيدة «خليلّي مرّ بي على أم جندب»
له أيطلا ظبي وساقا نعامةوصهوة عير قائم فوق مرقب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

صوت

فللسّوط ألهوب وللساق درّةوللزّجر منه وقع أخرج مهذب
فأدرك لم يجهد ولم يبل شدّهيمرّ كخذروف الوليد المثقّب
تذبّ به طورا وطورا تمرّهكذبّ البشير بالرّداء المهذّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
إذا ما ضربت الدّفّ أو صلت صولةترقّب منّي غير أدنى ترقّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

صوت

أخائفة لا يلعن الحيّ شخصهصبورا على العلّات غير مسبّب
رأينا شياها يرتعين خميلةكمشي العذارى في الملاء المجوّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
وما أنت أم ما ذكرها ربعيّةتحلّ بإير أو بأكناف شربب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
أطعت الوشاة والمشاة بصرمهافقد أنهجت حبالها للتقضّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

فقالت جميلة: كلّكم محسن وكلّكم مجيد في معناه ومذهبه. قال ابن عائشة: ليس هذا بمقنع دون التفضيل.

فقالت: أمّا أنت يا أبا يحيى فتضحك الثّكلى بحسن صوتك ومشاكلته للنفوس. وأمّا أنت يا أبا عبّاد فنسيج وحدك بجودة تأليفك وحسن نظمك مع عذوبة غنائك. وأمّا أنت يا أبا عثمان فلك أوّليّة هذا الأمر وفضيلته وأمّا أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح. وأمّا أنت يا أبا الخطّاب فلو قدّمت أحدا على نفسي لقدّمتك. وأمّا أنت يا مولى العبلات فلو ابتدأت لقدّمتك عليهم. ثم سألوها جميعا أن تغنّيهم لحنا كما غنّوا؛ فغنّتهم بيتا لامرىء القيس وأربعة أبيات لعلقمة وهي:

خليليّ مرّا بي على أمّ جندبأقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
ليالي لا تبلى نصيحة بينناليالي حلّوا بالسّتار فغرّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
مبتّلة كأنّ أنضاء حليهاعلى شادن من صاحة متربّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
محال كأجواز الجراد ولؤلؤمن القلقيّ والكبيس الملوّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»
إذا ألحم الواشون للشرّ بينناتبلّغ رسّ الحبّ غير المكذّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

فكلّهم أقرّوا لها وفضّلوها. فقالت لهم: ألا أحدّثكم بحديث يتمّ به حسن غنائكم وتمام اختياركم؟ قالوا: بلى واللّه. قال الغريض: قد واللّه فهمته يا سيّدتي قالت: لعنك اللّه يا مخنّث! ما أجود فهمك وأحسن وجهك! وما يلام فيك أبو يحيى إذ عرفته؛ فهاته حدّثنا. قال: يا سيّدتي وسيّدة من حضر، واللّه لا نطقت بحرف منه وأنت حاضرة، ولك الفضل والعتبى. قالت: نازع امرؤ القيس علقمة بن عبدة الفحل الشعر؛ فقال له: قد حكّمت بيني وبينك امرأتك أمّ جندب؛ قال: قد رضيت. فقالت لهما: قولا شعرا على رويّ واحد وقافية واحدة صفا فيه الخيل.

فقال امرؤ القيس:

خليليّ مرّا بي على أمّ جندبأقضّ لبانات الفؤاد لمعذّب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وقال علقمة:

ذهبت من الهجران في غير مذهبولم يك حقّا كلّ هذا التجنّب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

وأنشداها، فغلّبت علقمة. فقال لها زوجها: بأيّ شيء غلّبته؟ قالت: لأنك قلت:

فللسّوط ألهوب وللساق درّةوللزّجر منه وقع أهوج منعب

فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك وزجرك، وأتعبته بجهدك. وقال علقمة:

فولّى على آثارهنّ بحاصبوغيبة شؤبوب من الشّدّ ملهب
فأدركهنّ ثانيا من عنانهيمرّ كمرّ الرائح المتحلّبب

فلم يضرب فرسه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يتعبه بزجر. فقال ابن عائشة: جعلت فداك! أتأذنين أن أحدّث؟

قالت: هيه. قال: إنما تزوج أمّ جندب حين هرب من المنذر بن ماء السماء فأتى جبلي طيّ ء، وكان مفرّكا. فبينا هو معها ذات ليلة إذ قالت له: قم يا خير الفتيان فقد أصبحت. فلم يقم؛ فكرّرت عليه فقام فوجد الفجر لم يطلع، فرجع فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ فأمسكت. وألحّ عليها فقالت: حملني أنك ثقيل الصدر، خفيف العجيزة، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة. فعرف تصديق قولها وسكت. فلما أصبح أتى علقمة وهو في خيمته وخلفه أمّ جندب، فتذاكروا الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك، وقال علقمة مثل ذلك، فتحاكما إلى أمّ جندب، ففضّلت أمّ جندب علقمة على امرىء القيس. فقال لها: بم فضّلته عليّ؟ قالت: فرس ابن عبدة أجود من فرسك.

زجرت وضربت وحرّكت ساقيك، وابن عبدة جامد لا مقتدر. فغضب من قولها وطلّقها، وخلف عليها علقمة.

فقالت جميلة: ما أحسن مجلسنا لو دام اجتماعنا!. ثم دعت بالغداء فأتى بألوان الأطعمة وأنواع من الفاكهة. ثم قالت: لو لا شناعة مجلسنا لكان الشراب معدّا ولكنّ الليل بيننا. فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس وأحسن حديث. فلما جنّهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل منهم بعود، وأخذت هي عودا فضربت، ثم قالت: اضربوا فضربوا عليها بضرب واحد، وغنّت بشعر امرىء القيس:

أأذكرت نفسك ما لن يعودافهاج التّذكّر قلبا عميدا
تذكّرت هندا وأترابهاوأيّام كنت لها مستقيدا
ويعجبك اللّهو والمسمعاتفأصبحت أزمعت منها صدودا
ونادمت قيصر في ملكهفأوجهني وركبت البريدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

فما سمع السامعون بشيء أحسن من ذلك. ثم قالت: تغنّوا جميعا بلحن واحد؛ فغنّوها هذا الشعر والصوت بعينه كما غنّته. وعلم القوم ما أرادت بهذا الشعر؛ فقال ابن عائشة: جعلت فداك! نرجو أن يدوم مجلسنا، ويؤثر أصحابنا المقام بالمدينة فنواسيهم من كل ما نملكه. قال أبو عبّاد: وكيف بذاك!. فباتوا بأنعم ليلة وأحسنها. قال إسحاق قال أبي قال لي يونس: قال أبو عبّاد: لا أعرف يوما واحدا منذ عقلت ولا ليلة عند خليفة ولا غيره مثل ذلك اليوم، ولا أحسبه يكون بعد. قال يونس: ولا أدركنا نحن مثل ذلك اليوم ولا بلغنا. قال إسحاق: ولا أنا، ولا أحسب ذلك اليوم يكون بعد.

وحدّثني أبي قال حدّثنا يونس قال قال لي أبو عبّاد: أتيت جميلة يوما وكان لي موعد ظننت أنّي سبقت الناس إليها، فإذا مجلسها غاصّ؛ فسألتها أن تعلّمني شيئا؛ فقالت لي: إنّ غيرك قد سبقك ولا يجمل تقديمك على من سواك فقلت: جعلت فداك! إلى متى تفرغين ممّن سبقني! قالت: هو ذاك، الحقّ يسعك ويسعهم. فبينا نحن كذلك إذ أقبل عبد اللّه بن جعفر - وإنه لأول يوم رأيته وآخره وكنت صغيرا كيّسا، وكانت جميلة شديدة الفرح - فقامت وقام الناس، فتلقّته وقبّلت رجليه ويديه، وجلس في صدر المجلس على كوم لها وتحوّق أصحابه حوله، وأشارت إلى من عندها بالانصراف، وتفرّق الناس، وغمزتني أن لا أبرح فأقمت. وقالت: يا سيّدي وسيّد آبائي ومواليّ، كيف نشطت إلى أن تنقل قدميك إلى أمتك؟

قال: يا جميلة، قد علمت ما آليت على نفسك ألّا تغنّي أحدا إلّا في منزلك، وأحببت الاستماع وكان ذلك طريقا مادّا فسيحا. قالت: جعلت فداك! فأنا أصير إليك وأكفّر. قال: لا أكلّفك ذلك، وبلغني أنك تغنّين بيتين لامرىء القيس تجيدين الغناء فيهما، وكان اللّه أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت. قالت: يا سيّدي نعم! فاندفعت تغنّي فغنّت بعودها، فما سمعت منها قبل ذلك ولا بعد إلى أن ماتت مثل ذلك الغناء؛ فسبّح عبد اللّه بن جعفر والقوم معه. وهما:

ولما رأت أنّ الشّريعة همّهاوأنّ البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي

: - ولابن مسجح في هذا الشعر صوت وهذا أحسنهما - فلما فرغت قالت جميلة: أي سيّدي أزيدك؟ قال: حسبي.

فقال بعض من كان معه: بأبي جعلت فداك! وكيف أنقذ اللّه من المسلمين جماعة بهذين البيتين؟ قال: نعم، أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فضلّوا الطريق ووقعوا على غيرها ومكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السّمر والطّلح يائسا من الحياة، إذ أقبل راكب على بعير له، وأنشد بعض القوم هذين البيتين فقال:

ولما رأت أن الشّريعة همّهاوأن البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي

فقال الراكب: من يقول هذا؟ قال: امرؤ القيس. قال: واللّه ما كذب؛ هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه؛ فحبوا على الرّكب فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظلّ يفيء عليه، فشربوا منه ريّهم وحملوا ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء، فأتوا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه وقالوا: يا رسول اللّه، أحيانا اللّه عزّ وجلّ ببيتين من شعر امرىء القيس، وأنشدوه الشعر. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، مسنيّ في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار». فكلّ استحسن الحديث. ونهض عبد اللّه بن جعفر ونهض القوم معه. فما رأيت مجلسا كان أحسن منه.

قال إسحاق: حدّثني بعض أهل العلم عن ابن عيّاش عن الشّعبيّ قال: رأيت دغفلا النسّابة يحدّث أنه رأى العباس بن عبد المطّلب سأل عمر بن الخطّاب عن الشعراء، فقال: امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر عن معان عور أصحّ بصرا، قال إسحاق: معنى خسف: احتفر.

وهو من كندة من اليمن، وليست لهم فصاحة مضر، ولا شعرهم بجيّد. فجعل معاني اليمن معاني عورا وما قاله: أصحّ بصرا أي أجود شعرا. ومعنى افتقر: احتفر. والفقيرة: الحفيرة تحفر للفسيلة لتغرس. وكل ما ابتدأت حفره فهو فقير. والمعنى أنه قال شعرا جيّدا وليس هو في معنى شعر مضر.

وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى: سمعت أبي يقول: دخل جدّي على بعض ملوك بني أمية؛ فقال: ألا تخبرني عن الشعراء؟ قال بلى. قال: من أشعر الناس؟ قال: ابن العشرين (يعني طرفة). قال: فما تقول في امرىء القيس؟ قال: اتخذ الخبيث الشعر نعلين، فأقسم باللّه لو أدركته لرفعت له ذلاذله. قال: فما رأيك في ابن أبي سلمى؟ قال: كان يبري الشعر. قال: فما رأيك في ذي الرّمّة؟ قال: قدر من طريف الكلام وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد حتى صنّف الشعر.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني أيّوب بن عباية عن رجل من الأنصار قال: زار معبد مالك بن أبي السّمح؛ فقال له: هل لك أن نصير إلى جميلة؟ فمضيا جميعا فقصداها؛ فأذنت لهما فدخلا، فأخرجت إليهما رقعة فيها أبيات، فقالت لمعبد: بعث بهذه الرقعة إليّ فلان أغنّي فيها. فقال معبد: فابتدئي؛ فابدأت جميلة فغنّت:

صوت

إنما الذّلفاء همّيفليدعني من يلوم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»

فغنّى معبد:

أحسن الناس جميعاحين تمشي وتقوم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»

فغنّت جميلة:

حبّب الذّلفاء عنديمنطق منها رخيم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»

فغنّى معبد:

أصل الحبل لترضىوهي للحبل صروم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»

فغنّت جميلة:

حبّها في القلب داءمستكنّ لا يريم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إنما الذلفاء همي»

طريقة واحدة - الشعر للأحوص. وذكر ابن النّطاح أنه للبختريّ العباديّ. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن ابن المكيّ، وثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وذكر أحمد بن سعيد المالكيّ أن له فيه خفيف ثقيل آخر. وذكر حمّاد بن إسحاق أن فيه لمالك وجميلة لحنين - وقالت لمعبد ولمالك: يغنّي كلّ واحد منكما لحنا مما عمله. فغنّاها معبد بشعر قاله فيها الأحوص يصفها به، وكان معجبا بها، وكانت هي له مكرمة، وهو قوله:

شأتك المنازل بالأبرقدوارس كالعين في المهرق
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «شأتك المنازل بالأبرق»
لآل جميلة قد أخلقتومهما يطل عهده يخلق
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «شأتك المنازل بالأبرق»
فإن يقل الناس لي عاشقفأين الذي هو لم يعشق
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «شأتك المنازل بالأبرق»
ولم يبك نؤبا على عبرةبداء الصّبابة والمعلق

- في هذه الأبيات ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى، ذكر إسحاق أنه لعطرّد، وذكر ابن المكيّ أنه لجميلة.

وفيها خفيف رمل بالوسطى في مجراها، ذكر إسحاق أنه لعطرّد أيضا وعمرو، وذكر الهشاميّ أنّ الثقيل الأوّل لابن عائشة. وذكر حبش أنّ فيه خفيف ثقيل لمعبد وأن خفيف الرّمل لمالك - قال معبد: فسّرت جميلة بما غنّيتها به وتبسّمت وقالت: حسبك يا أبا عبّاد! ولم تكنني قبلها ولا بعدها. ثم قالت لمالك: يا أخا طيّىء هات ما عندك وجنّبنا مثل قول عبد ابن قطن؛ فاندفع وغنّى بلحن لها، وقد تغنّى به أيضا معبد لها. واللحن:

ألا من لقلب لا يملّ فيذهلأفق فالتعزّي عن بثينة أجمل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألا من لقلب لا يمل فيذهل»
فما هكذا أحببت من كان قبلهاولا هكذا فيما مضى كنت تفعل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألا من لقلب لا يمل فيذهل»
فإنّ التي أحببت قد حيل دونهافكن حازما والحازم المتحوّل

- لحن جميلة هكذا ثقيل أوّل بالبنصر. وفيه ألحان عدّة مع أبيات أخر من القصيدة، وهي لجميل - فقالت جميلة:

أحسنت واللّه في غنائك وفي الأداء عنّى. أمّا قوله: «شأتك» فأراد بعدت عنك. والشّأو: البعد، يقال: جرى الفرس شأوا أو شأوين أي طلقا أو طلقين. والمهرق: الصحيفة بما فيها من الكتاب، والجمع مهارق؛ قال ذو الرمّة:

كمستعبر في رسم دار كأنّهابوعساء تنضوها الجماهير مهرق

والعين أن تتعيّن الإداوة أو القربة التي تخرز ويسيل الماء عن عيون الخرز. فشبّه ما بقي من الدار بتعيّن القربة وطرائق خروقها التي ينزل منها الماء شيئا بعد شيء. فأما الذّلفاء التي ذكرت فيها فهي التي فتن بها أهل المدينة.

وقال بعض من كانت عنده بعد ما طلّقها:

لا بارك اللّه في دار عددت بهاطلاق ذلفاء من دار ومن بلد
فلا يقولن ثلاثا قائل أبداإني وجدت ثلاثا أنكد العدد

فكان إذا عدّ شيئا يقول: واحد اثنان أربعة ولا يقول ثلاثة.

وقالت جميلة: حدّثتني بثينة - وكانت صدوقة اللسان جميلة الوجه حسنة البيان عفيفة البطن والفرج - قالت: واللّه ما أرادني جميل رحمة اللّه عليه بريبة قطّ ولا حدّثت أنا نفسي بذلك منه. وإنّ الحيّ انتجعوا موضعا، وإني لفي هودج لي أسير إذا أنا بها تف ينشد أبياتا، فلم أتمالك أن رميت بنفسي وأهل الحيّ ينظرون، فبقيت أطلب المنشد فلم أقف عليه، فناديت: أيها الهاتف بشعر جميل ما وراءك منه؟ وأنا أحسبه قد قضى نحبه ومضى لسبيله، فلم يجيبني مجيب؛ فناديت ثلاثا، وفي كل ذلك لا يردّ عليّ أحد شيئا. فقال صواحباتي: أصابك يا بثينة طائف من الشيطان؟ فقلت: كلّا! لقد سمعت قائلا يقول! قلن: نحن معك ولم نسمع! فرجعت فركبت مطيّتي وأنا حيرى والهة العقل كاسفة البال، ثم سرنا. فلما كان في الليل إذا ذلك الهاتف يهتف بذلك الشعر بعينه، فرميت بنفسي وسعيت إلى الصوت، فلما قربت منه انقطع؛ فقلت: أيها الهاتف، ارحم حيرتي وسكّن عبرتي بخبر هذه الأبيات؛ فإن لها شأنا! فلم يردّ عليّ شيئا. فرجعت إلى رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل؛ وفي كل ذلك لا يخبرني صواحباتي أنهنّ سمعن شيئا. فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحيّ مضاجعهم ونامت كلّ عين، فإذا الهاتف يهتف بي ويقول: يا بثينة، أقبلي إليّ أنبئك عمّا تريدين. فأقبلت نحو الصوت، فإذا شيخ كأنه من رجال الحيّ، فسألته عن اسمه وبيته. فقال: دعي هذا وخذي فيما هو أهمّ عليك. فقلت له: وإن هذا لممّا يهمّني.

قال: اقنعي بما قلت لك. قلت له: أنت المنشد الأبيات؟ قال نعم. قلت: فما خبر جميل؟ قال: نعم فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته رحمة اللّه عليه. فصرخت صرخة آذنت منها الحيّ، وسقطت لوجهي فأغمي عليّ، فكأنّ صوتي لم يسمعه أحد، وبقيت سائر ليلتي، ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي، ورفعت صوتي بالعويل والبكاء ورجعت إلى مكاني. فقال لي أهلي: ما خبرك وما شأنك؟ فقصصت عليهم القصّة. فقالوا: يرحم اللّه جميلا. واجتمع نساء الحيّ وأنشدتهنّ الأبيات فأسعدنني بالبكاء، فأقمن كذلك لا يفارقنني ثلاثا، وتحزّن الرجال أيضا وبكوا ورثوه وقالوا كلّهم: يرحمه اللّه، فإنه كان عفيفا صدوقا! فلم أكتحل بعده بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط ولا مشط ولا دهنته إلا من صداع خفت على بصري منه ولا لبست خمارا مصبوغا ولا إزارا ولا أزال أبكيه إلى الممات. قالت جميلة: فأنشدتني الشعر كلّه وهذا الغناء بعضه، وهو:

ألا من لقلب لا يملّ فيذهلأفق فالتعزّي عن بثينة أجمل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألا من لقلب لا يمل فيذهل»

قال ابن سلّام حدّثني جرير قال: زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها. فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها.

وبلغ معبدا الخبر. وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها. وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة، فابتدأت تطارحها. فقال ابن سريج: سبحان اللّه! نحن كنّا أحقّ بالابتداء. قالت جميلة: كلّ إنسان في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمّر عليه. فقال ابن سريج: صدقت جعلت فداءك! وما أدري أيّهما أحسن أدبك أم غناؤك!.

فقالت له: كفّ يا عبيد، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «احثوا في وجوه المدّاحين التراب». فسكت ابن سريج. وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي:

أتعرف آثار الديار توهّماكخطّك في رقّ كتابا منمنما
أذاعت به الأرواح بعد أنيسهاشهورا وأيّاما وحولا مجرّما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
فأصبحن قد غيّرن ظاهر تربهوغيّرت الأنواء ما كان معلما
وغيّرها طول التقادم والبلىفما أعرف الأطلال إلا توهّما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»

قال: فحدّثت أنه حضر ذلك المجلس جماعة من حذّاق أهل الغناء، فكلّهم قال: مزامير داود!. قال ابن سريج لها: أفأسمعك صوتا لي في هذا الشعر؟ قالت: هاته؛ فغنّى:

ديار التي قامت تريك وقد عفتوأقوت من الزّوّار كفّا ومعصما
تهادى عليها حليها ذات بهجةوكشحا كطيّ السابريّة أهضما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
فبانت لطيّات لها وتبدّلتبه بدلا مرّت به الطير أشؤما
وعاذلتان هبّتا بعد هجعةتلومان متلافا مفيدا ملوّما

قالت جميلة: أحسنت يا عبيد، وقد غفرّنا لك زلّتك لحسن غنائك. قال معبد: جعلت فداءك! أفلا أسمعك أنا أيضا لحنا عملته في هذا الشعر؟ قالت: هات وإنّي لأعلم أنك تحسن. فاندفع فغنّى:

فقلت وقد طال العتاب عليهماوأوعدتاني أن تبينا وتصرما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
ألا لا تلوماني على ما تقدّماكفى بصروف الدّهر للمرء محكما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
تلومان لما غوّر النجم ضلّةفتى لا يرى الإنفاق في الحقّ مغرما

قالت جميلة: ما عدوت الظنّ بك ولا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها. قال: مالك: أفلا أغنّيك أنا أيضا؟ قالت: ما علمتك إلّا تجيد الغناء وتحسن، فهات. فاندفع فغنّى في هذا الشعر:

يضيء لنا البيت الظّليل خصاصهإذا هي ليلا حاولت أن تبسّما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
إذا انقلبت فوق الحشيّة مرّةترنّم وسواس الحليّ ترنّما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
ونحرا كفاثور اللّجين يزينهتوقّد ياقوت وشذر منظّما
كجمر الغضى هبّت به بعد هجعةمن الليل أرواح الصّبا فتنسّما

فقالت: جميل ما قلت وحسن ما نظمت، وإنّ صوتك يا مالك لممّا يزيد العقل قوّة والنفس طيبا والطبيعة سهولة، وما أحسب أن مجلسنا هذا إلّا سيكون علما وفي آخر الزمان متواصفا؛ والخبر ليس كالمشاهدة، والواصف ليس كالمعاين وخاصّة في الغناء.

وحدّثني الحسن بن عتبة اللّهبيّ قال حدّثني من رأى ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص بن محمد الأنصاريّ وقد أتوا منزل جميلة فاستأذنوا عليها فأذنت لهم، فلما جلسوا سألت عمر وأحفت؛ فقال لها: إنّي قصدتك من مكة للسلام عليك. فقالت له: أهل الفضل أنت. قال: وقد أحببت أن تفرّغي لنا نفسك اليوم وتخلي لنا مجلسك؛ قالت: أفعل. قال لها الأحوص: أحبّ ألّا تغنّي إلّا ما أسألك. قالت: ليس المجلس لك، والقوم شركاؤك فيه. قال: أجل. قال عمر: إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن. قال الأحوص: كلّا!. قال عمر: فإنّي أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبي عتيق: وفّقك اللّه. فدعت بالعود وغنّت:

تمشي الهوينى إذا مشت فضلامشي النّزيف المخمور في الصّعد
تظلّ من زور بيت جارتهاواضعة كفّها على الكبد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تمشي الهوينا إذا مشت فضلا»
يا من لقلب متّيم سدمعال رهين مكلّم كمد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تمشي الهوينا إذا مشت فضلا»
أزجره وهو غير مزدجرعنها وطرفي مكحّل السّهد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تمشي الهوينا إذا مشت فضلا»

فلقد سمعت للبيت زلزلة وللدار همهمة. فقال عمر: للّه درّك يا جميلة! ماذا أعطيت! أنت أوّل الغناء وآخره!. ثم سكتت ساعة وأخذوا في الحديث، ثم أخذت العود وغنّت:

شطّت سعاد وأمسى البين قد أفداوأورثوك سقاما يصدع الكبدا
لا أستطيع لها هجرا ولا ترةولا تزال أحاديثي بها جددا

- الغناء فيه لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولم يذكر حبش لحن جميلة. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم الوادي. وذكر الهشاميّ وابن خرداذبه أنه من ألحان عمر بن عبد العزيز بن مروان في سعاد وأن طريقته من الثقيل الثاني بالوسطى. وذكر إبراهيم أن لابن جامع فيه أيضا صنعة - فاستخفّ القوم أجمعين، وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحرّكوا رؤوسهم، وقالوا: نحن فداؤك من السوء ووقاؤك من المكروه، ما أحسن ما غنّيت وأجمل ما قلت!. وأحضر الغداء فتغدّى القوم بأنواع من الأطعمة الحارّة والباردة ومن الفاكهة

الرّطبة واليابسة، ثم دعت بأنواع من الأشربة. فقال عمر: لا أشرب، وقال ابن أبي عتيق مثل ذلك، فقال الأحوص: لكنّني أشرب؛ وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها!. قال عمر: ليس ذلك كما ظننته. قالت جميلة: من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه، ومن أبى ذلك عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته. قال ابن أبي عتيق: ما يحسن بنا إلا مساعدتك. قال عمر: لا أكون أخسّكم، إفعلوا ما شئتم تجدوني سميعا مطيعا. فشرب القوم أجمعون. فغنّت صوتا بشعر لعمر:

ولقد قالت لجارات لهاكالمها يلعبن في حجرتها
خذن عنّي الظّلّ لا يتبعنيومضت تسعى إلى قبّتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ولقد قالت لأتراب لها»
لم تعانق رجلا فيما مضىطفلة غيداء في حلّتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ولقد قالت لأتراب لها»
لم يطش قطّ لها سهم ومنترمه لا ينج من رميتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ولقد قالت لأتراب لها»

- لم يذكر طريقة لحنها في هذا الصوت. وذكر الهشاميّ أنّ فيه لابن المكّيّ رملا بالبنصر. وذكر عليّ بن يحيى أنّ فيه لابن سريج رملا بالوسطى - فصاح عمر: ويلاه! ويلاه! ثلاثا ثم عمد إلى جيب قميصه فشقّه إلى أسفله فصار قباء، ثم آب إليه عقله فندم واعتذر وقال: لم أملك من نفسي شيئا. قال القوم: قد أصابنا كالذي أصابك وأغمي علينا، غير أنّا فارقناك في تخريق الثياب. فدعت جميلة بثياب فخلعتها على عمر، فقبلها ولبسها، وانصرف القوم إلى منازلهم. وكان عمر نازلا على ابن أبي عتيق، فوجّه عمر إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وبعشرة أثواب كانت معه، فقبلتها جميلة. وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا.

قال إسحاق وحدّثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس قالا: حجّت جميلة، وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق ابن إبراهيم قال حدّثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس الكاتب، وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قالوا جميعا: إنّ جميلة حجّت - وقد جمعت رواياتهم لتقاربها، وأحسب الخبر كلّه مصنوعا وذلك بيّن فيه - فخرج معها من المغنّين مشيّعين حتى وافوا مكة ورجعوا معها من الرجال المشهورين الحذّاق بالغناء هيت وطويس والدّلال وبرد الفؤاد ونومة الضّحى وفند ورحمة وهبة اللّه - هؤلاء مشايخ وكلّهم طيّب الغناء - ومعبد ومالك وابن عائشة ونافع بن طنبورة وبديح المليح ونافع الخير، ومن المغنّيات الفرهة وعزّة الميلاء وحبابة وسلّامة وخليدة وعقيلة والشّمّاسيّة وفرعة وبلبلة ولذّة العيش وسعيدة والزّرقاء، ومن غير المغنّين ابن أبي عتيق والأحوص وكثيّر عزّة ونصيب وجماعة من الأشراف، وكذلك من النساء من مواليها وغيرهنّ. وأما سياط فذكر أنه حجّ معها من القيان مشيّعات لها ومعظّمات لقدرها ولحقّها زهاء خمسين قينة، وجّه بهنّ مواليهنّ معها فأعطوهنّ النفقات وحملوهنّ على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك؛ فأبت جميلة أن تنفق واحدة منهنّ درهما فما فوقه حتى رجعن. وأما يونس فذكر أنه حجّ معها من الرجال المغنين مع من سمّينا زهاء ثلاثين رجلا، وتخايروا في اتخاذ أنواع اللّباس العجيب الظّريف وكذلك في الهوادج والقباب. وقيل، فيما قال أهل المدينة،: إنهم ما رأوا مثل ذلك الجمع سفرا طيبا وحسنا وملاحة. قالوا: ولما قاربوا مكة تلقّاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليّون وجماعة من المغنّين من أهل مكة وقيان كثير لم يسمّين لنا، ومن غير المغنّين عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميّ والعرجيّ وجماعة من الأشراف. فدخلت جميلة مكة وما بالحجاز مغنّ حاذق ولا مغنّية إلا وهو معها وجماعة من الأشراف ممن سمّينا وغيرهم من الرجال والنساء. وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم. فلما قضت حجّها سألها المكيّون أن تجعل لهم مجلسا. فقالت: للغناء أم للحديث؟ قالوا: لهما جميعا. قالت: ما كنت لأخلط جدّا بهزل، وأبت أن تجلس للغناء. فقال عمر بن أبي ربيعة: أقسمت على من كان في قلبه حبّ لاستماع غنائها إلّا خرج معها إلى المدينة، فإني خارج. فعزم القوم الذين سمّيناهم كلّهم على الخروج ومعهم جماعة ممّن نشط، فخرجت في جمع أكثر من جمعها بالمدينة. فلما قدمت المدينة تلقّاها أهلها وأشرافهم من الرجال والنساء، فدخلت أحسن مما خرجت به منها، وخرج الرجال والنساء من بيوتهم فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها. فلما دخلت منزلها وتفرّق الجمع إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم أتاها الناس مسلّمين، وما استنكف من ذلك كبير ولا صغير. فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء؛ فقالت لعمر بن أبي ربيعة: إني جالسة لك ولأصحابك، وإذا شئت فعد الناس لذلك اليوم، فغصّت الدار بالأشراف من الرجال والنساء. فابتدأت جميلة فغنّت صوتا بشعر عمر: وصف مجلس غنائها بالمدينة بعد عودها من الحج

هيهات من أمة الوهّاب منزلناإذا حللنا بسيف البحر من عدن
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيهات من أمة الوهاب منزلنا»
واحتلّ أهلك أجيادا فليس لناإلا التذكّر أو حظّ من الحزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبرتهوقد تغرّد قمريّ على فنن
إذا رأت غير ما ظنّت بصاحبهاوأيقنت أن عكّا ليس من وطني
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفهاوموقفي وكلانا ثمّ ذو شجن
وقولها للثّريّا وهي باكيةوالدمع منها على الخدّين ذو سنن
باللّه قولي له في غير معتبةماذا أردت بطول المكث في اليمن
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيهات من أمة الوهاب منزلنا»
إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بهافما أصبت بترك الحجّ من ثمن
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيهات من أمة الوهاب منزلنا»

فكلّهم استحسن الغناء، وضجّ القوم من حسن ما سمعوا. ويقال: إنهم ما سمعوا غناء قطّ أحسن من غنائها ذلك الصوت في ذلك اليوم. ودمعت عين عمر حتى جرى الدمع على ثيابه ولحيته. وإنه ما رئي عمر كذلك في محفل غيره قطّ. ثم أقبلت على ابن سريج فقالت: هات؛ فاندفع يغنّي ورفع صوته بشعر عمر:

أليست بالتي قالتلمولاة لها ظهرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تصابى القلب وادكرا»
أشيري بالسلام لهإذا هو نحونا نظرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تصابى القلب وادكرا»
وقولي في ملاطفةلزينب نوّلي عمرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تصابى القلب وادكرا»
وهذا سحرك النّسوان قد خبّرتني الخبرا

فسمع من ابن سريج في هذا اللّحن من الحسن ما يقال إنه ما سمع مثله. ثم قالت لسعيد بن مسجح: هات يا أبا عثمان؛ فاندفع فغنّى:

قد قلت قبل البين لمّا خشيتهلتعقب ودّا أو لتعلم ما عندي
لك الخير هل من مصدر تصدرينهيريح كما سهّلت لي سبل الورد
فلمّا شكوت الحبّ صدّت كأنّماشكوت الذي ألقى إلى حجر صلد
تولّت فأبدت غلّة دون نقعهاكما أرصدت من بخلها إذا بدا وجدي

فاستحسن ذلك منه وبرع فيه. ثم قالت: يا معبد هات؛ فغنّى:

أحارب من حاربت من ذي عداوةوأحبس مالي إن غرمت فأعقل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
وإنّي أخوك الدائم العهد لم أحلإن ابزاك خصم أو نبابك منزل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أيّ كفّ تبدّل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

قالت جميلة: أحسنت يا معبد اختيار الشعر والغناء - هذا الشعر لمعن بن أوس -

ثم قالت: هات يابن محرز؛ فإنّي لم أؤخّرك لخساسة بك ولا جهلا بالذي يجب في الصناعة، ولكنّني رأيتك تحبّ من الأمور كلّها أوسطها وأعدلها، فجعلتك حيث تحبّ واسطة بين المكيّين والمدنيّين. فغنّى:

وقفت بربع قد تحمّل أهلهفأذريت دمعا يسبق الطّرف هامله
بسائلة الرّوحاء أو بطن مثغرلها الضاحكات الرابيات سواهله
هو الموت إلّا أن للموت مدّةمتى يلق يوما فارغا فهو شاغله

فقالت جميلة: يا أبا الخطّاب، كيف بدا لك في ثلاثة وأنت لا ترى ذلك؟! قال: أحببت أن أواسي معبدا. قال معبد: واللّه ما عدوت ما أردت. ثم قالت للغريض: هات يا مولى العبلات فاندفع يغنّي:

فوا ندمي على الشّباب ووا ندمندمت وبان اليوم منّي بغير ذم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
وإذ إخوتي حولي وإذ أنا شائخوإذ لا أجيب العاذلات من الصّمم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
أرادت عرارا بالهوان ومن يردعرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

قالت جميلة: أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن إذا أفسدت غناءك بالتعريض. واللّه ما وضعناك إلّا موضعك ولا نقصنا من حظّك! فبماذا أهنّاك! ثم أقبلت على الجماعة فقالت: يا هؤلاء، اصدقوه وعرّفوه نفسه ليقنع بمكانه.

فأقبل القوم عليه وقالوا له: قد أخطأت إن كنت عرّضت. فقال: قد كان ذلك، ولست بعائد. وقام إلى جميلة فقبّل طرف ثوبها واعتذر فقبلت عذره وقالت له: لا تعد. ثم أقبلت على ابن عائشة فقالت: يا أبا جعفر هات؛ فتغنّى بشعر النابغة: غناء ابن عائشة

سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسمعليه من الوسميّ جود ووابل
وأنبت حوذانا وعوفا منوّراسأتبعه من خير ما قال قائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»
بكى حارث الجولان من هلك ربّهفحوران منه خاشع متضائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»
وما كان بيني لو لقيتك سالماوبين الغنى إلّا ليال قلائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»

قالت جميلة: حسن ما قلت يا أبا جعفر. ثم أقبلت على نافع وبديح فقالت: أحبّ أن تغنّياني صوتا واحدا؛ فغنّيا جميعا بصوت واحد ولحن واحد:

ألا يا من يلوم على التصابيأفق شيئا لتسمع من جوابي
بكرت تلومني في الحبّ جهلاوما في حبّ مثلي من معاب
أليس من السعادة غير شكّهوى متواصلين على اقتراب
كريم نال ودّا في عفافوستر من منعّمة كعاب

فقالت جميلة: هواكما واللّه واحد وغناؤكما واحد، وأنتما نحتّما من بقيّة الكرم وواحد الشرف: عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. ثم أقبلت على الهذليّين الثلاثة فقالت: غنّوا صوتا واحدا؛ فاندفعوا فغنّوا بشعر عنترة العبسيّ:

حيّيت من طلل تقادم عهدهأقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
كيف المزار وقد تربّع أهلهابعنيزتين واهلنا بالغيلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
إن كنت أزمعت الفراق فإنمازمّت ركابكم بليل مظلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
شربت بماء الدّحرضين فأصبحتزوراء تنفر عن حياض الدّيلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

قالت: ما رأيت شيئا أشبه بغنائكم من اتّفاق أرواحكم. ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت: هات يا نقش الغضار ويا حسن اللسان؛ فاندفع يغنّي:

يا طول ليلي وبتّ لم أنموسادي الهمّ مبطن سقمي
أن قمت يوما على البلاط فأبصرت رقاشا وليت لم أقم

فقالت جميلة: حسن واللّه - ولابن سريج في هذا اللحن أربعة أبيات في صوت -

ثم قالت: يا مالك هات؛ فإنّي لم أؤخّرك لأنك في طبقة آخرهم، ولكنّي أردت أن أختم بك يومنا تبرّكا بك وكي يكون أوّل مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه، وإنك عندي ومعبدا لفي طريقة واحدة ومذهب واحد، لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل. الحقّ أقول، فمن شاء فلينكر؛ فسكت القوم كلّهم إقرارا لما قالت. واندفع يغنّي:

عدوّ لمن عادت وسلّم لسلمهاومن قرّبت سلمى أحبّ وقرّبا
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمتهوإمّا مسيئا تاب بعد وأعتبا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا حييا الأطلال والمتطنبا»
أقول التماس العذر لمّا ظلمتنيوحمّلتني ذنبا وما كنت مذنبا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أقول التماس العذر لما ظلمتني»
ليهنئك إشمات العدوّ بهجرناوقطعك حبل الوصل حتى تقضّبا

قالت جميلة: ليت صوتك يا مالك قد دام لنا ودمنا له. وقطعت المجلس وانصرف عامّة الناس وبقي خواصّهم.

فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعا. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النّعيم. قال: فأنكر ما فعلت جميلة في اليوم الأوّل؛ لأنّ طويسا لم يكن يرضى بذلك. فأخبرني ابن جامع أن جميلة صنّفتهم طويسا وأصحابه وابن سريج وأصحابه، ثم أقرعت بينهم؛ فخرجت القرعة الأولى لابن سريج وأصحابه والثانية لطويس وأصحابه. فابتدأ طويس فغنّى:

قد طال ليلي وعاد لي طربيمن حبّ خود كريمة الحسب
غرّاء مثل الهلال آنسةأو مثل تمثال صورة الذّهب
صادت فؤادي بجيد مغزلةترعى رياضا ملتفّة العشب

فقالت جميلة: حسن واللّه يا أبا عبد النّعيم. ثم قالت للدّلال: هات يا أبا يزيد؛ فاندفع فغنّى:

قد كنت آمل فيكم أملاوالمرء ليس بمدرك أمله
حتى بدا لي منكم خلففزجرت قلبي فارعوى جهله
ليس الفتى بمخلد أبداحيّا وليس بفائت أجله
حيّ البغوم ومن بعقوتهاوقفا العمود وإن خلا أهله

قالت: حسن واللّه يا أبا يزيد. ثم قالت لهيت: إنّا نجلّك اليوم لكبر سنّك ورقّة عظمك. قال: أجل يا ماما. ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضّحى: هاتيا جميعا لحنا واحدا؛ فغنّيا:

إني تذكّرت فلا تلحنىلؤلؤة مكنونة تنطق
مسكنها طيبة لم يغذهابؤس ولا وال بها يخرق
قد قلت والعيس سراع بناترقل إرقالا وما تعنق
يا صاحبي شوقي أرى قاتليوموردي منها جوى يقلق

قالت جميلة: أحسنتما. ثم قالت لفند ورحمة وهبة اللّه: هاتوا جميعا صوتا واحدا فإنكم متّفقون في الأصوات والألحان؛ فاندفعوا فغنّوا:

أشاقك من نحو العقيق بروقلوامع تخفى تارة وتشوق
ومالي لا أهوى جواري بربروروحي إلى أرواحهن تتوق
لهنّ جمال فائق وملاحةودلّ على دلّ النساء يفوق

وكان بربر حاضرا، فقال: جواريّ واللّه على ما وصفتم، فمن شاء أقرّ ومن شاء أنكر.

فقالت جميلة: صدق. ثم غنّت جميلة بشعر الأعشى - ولمعبد فيه صوت أخذه عنها -:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاواحتلّت الغور فالجدّين فالفرعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
واستنكرّتني وما كان الذي نكرتمن الحوادث إلا الشّيب والصّلعا
تقول بنتي وقد قرّبت مرتحلايا ربّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
وكان شيء إلى شيء فغيّرهدهر ملحّ على تفريق ما جمعا

فلم يسمع شيء أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها في اليوم الثاني. وقطعت المجلس فانصرف القوم وأقام آخرون. فلما كان اليوم الثالث اجتمع الناس، فضربت ستارة وأجلست الجواري كلّهن فضربن وضربت فضربن على خمسين وترا فتزلزلت الدار؛ ثم غنّت على عودها وهنّ يضربن على ضربها بهذا الشعر:

فإن خفيت كانت لعينك قرّةوإن تبد يوما لم يعمّمك عارها
من الخفرات البيض لم تر غلظةوفي الحسب الضّخم الرّفيع نجارها
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرىيمجّ النّدا جثجاثها وعرارها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وإنّي لأَسْمُو بالوِصَالِ إلى التي»
بأطيب من فيها ذا جئت طارقاوقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها

فدمعت أعين كثير منهم حتى بلّ ثوبه وتنفّس الصّعداء وقال: بنفسي أنت يا جميلة!. ثم قالت للجواري: اكففن فكففن؛ وقالت: يا عزّ غنّي؛ فغنّت بشعر لعمر:

تذكّرت هندا وأعصارهاولم تقض نفسك أوطارها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تذكرت هندا وأعصارها»
تذكّرت النفس ما قد مضىوهاجت على العين عوّارها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تذكرت هندا وأعصارها»
لتمنح رامة منّا الهوىوترعى لرامة أسرارها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تذكرت هندا وأعصارها»
إذا لم نزرها حذار العداحسدنا على الزّور زوّارها

فقالت جميلة: يا عزّ، إنك لباقية على الدهر، فهنيئا لك حسن هذا الصوت مع جودة هذا الغناء. ثم قالت لحبابة وسلّامة: هاتيا لحنا واحدا؛ فغنّتا:

كفى حزنا أنى أغيب وتشهدوما نلتقي والقلب حرّان مقصد
ومن عجب أنّى إذا الليل جنّنيأقوم من الشوق الشديد وأقعد
أحنّ إليكم مثل ماحنّ تائقإلى الورد عطشان الفؤاد مصرّد
ولي كبد حرّى يعذّبها الهوىولي جسد يبلى ولا يتجدد

فاستحسن غناؤهما. ثم أقبلت على خليدة فقالت لها: بنفسي أنت! غنّي؛ فغنّت:

ألا يا من يلوم على التّصابيأفق شيئا لتسمع من جوابي
بكرت تلومني في الحبّ جهلاوما في حبّ مثلي من معاب
أليس من السعادة غير شكّهوى متواصلين على اقتراب
كريم نال ودّا في عفافوستر من منعّمة كعاب

فاستحسن منها ما غنّت، وهو بلحنها حسن جدّا. ثم قالت لعقيلة والشّماسيّة: هاتيا، فغنّتا:

هجرت الحبيب اليوم في غير ما اجترموقطّعت من ذي ودّك الحبل فانصرم
أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطعمقالة واش يقرع السنّ من ندم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم»

ثم قالت لفرعة وبلبلة ولذّة العيش: هاتين فغنّين؛ فاندفعن بصوت واحد:

لعمري لئن كان الفؤاد من الهوىبغى سقما إنّي إذا لسقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
عليّ دماء البدن إن كان حبّهاعلى النأي في طول الزمان يريم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لصفراء في قلبي من الحب شعبة»
تلمّ ملمّات فينسين بعدهاويذكر منها العهد وهو قديم
فأقسم ما صافيت بعدك خلّةولا لك عندي في الفؤاد قسيم

قالت: أحسنتنّ! وهو لعمري حسن. وقالت لسعدة والزّرقاء: غنيّا؛ فغنّتا:

قد أرسلوني يعزّوني فقلت لهمكيف العزاء وقد سارت بها الرّفق
استهدت الرّيم عينيه فجادلهابمقلتيه ولم تترك له عنق

فاستحسن ذلك. ثم قالت للجماعة فغنّوا، وانقضى المجلس وعاد كلّ إنسان إلى وطنه. فما رثي مجلس ولا جمع أحسن من اليوم الأوّل ثم الثاني ثم الثالث.

وحدّثتني عمّتي - وكانت أسنّ من أبي وعمّرت بعده - قالت: كان السبب في طلب أبيك الغناء والمواظبة عليه لحنا سمعه لجميلة في منزل يونس بن محمد الكاتب، فانصرف وهو كئيب حزين مغموم لم يطعم ولم يقبل علينا بوجهه كما كان يفعل. فسألته عن السبب فأمسك، فألححت عليه فانتهرني، وكان لي مكرما، فغضبت وقمت من ذلك المجلس إلى بيت آخر، فتبعني وترضّاني وقال لي: أحدّثك ولا كتمان منك: عشقت صوتا لامرأة قد ماتت، فأنا بها وبصوتها هائم إن لم يتداركني اللّه منه برحمته. فقالت: أتظنّ أن اللّه يحيي لك ميّتا! قال: بل لا أشكّ. قالت: فما تعليقك قلبك بما لا يعطاه إلا نبيّ ولا نبيّ بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم!. وأمّا عشقك الصوت فهو أن تحذقه وتغنّيه عشر مرار، فتملّه ويذهب عشقك له!. فكأنه ارعوى ورجع إلى نفسه، وقام فقبّل رأسي ويدي ورجلي وقال لي: فرّجت عنّي ما كنت فيه من الكرب والغمّ، ثم تمثّل: «حبّك الشيء يعمي ويصمّ ولزم بيت يونس حتى حذق الصوت ولم يمكث إلا زمنا يسيرا حتى مات يونس وانضمّ إلى سياط، وكان من أحذق أهل زمانه بالغناء وأحسنهم أداء عمّن مضى. قالت عمّتي: فقلت لإبراهيم: وما الصوت؟ فأنشدني الشعر ولم يحسن أداء الغناء:

من البكرات عراقيّةتسمّى سبيعة أطريتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»
من آل أبي بكرة الأكرمينخصصت بودّي فأصفيتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»
ومن حبّها زرت أهل العراقوأسخطت أهلي وأرضيتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»
أموت إذا شحطت دارهاوأحيا إذا أنا لاقيتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»
فأقسم لو أنّ ما بي بهاوكنت الطبيب لداويتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»

قالت عمّتي: هذا شعر حسن، فكيف به إذا قطّع ومدّد تمديد الأطربة وضرب عليها بقضبان الدّفلى على بطون المعزى! فما مضت الأيام والليالي حتى سمعت اللحن مؤدّى، فما خرق مسامعي شيء قطّ أحسن منه؛ ولقد أذكرني بما يؤثر من حسن صوت داود وجمال يوسف. فبينا أنا يوما جالسة إذ طلع عليّ إبراهيم ضاحكا مستبشرا؛ فقال لي: ألا أحدّثك بعجب؟ قلت: وما هو؟ قال: إن لي شريكا في عشق صوت جميلة. قلت: وكيف ذلك؟ قال: كنت عند سياط في يومنا هذا وأنا أغنّيه الصوت وقد وقّفني فيه على شيء لم أكن أحكمته عن يونس، وحضر عند سياط شيخ نبيل فسبّح على الصوت تسبيحا طويلا، فظننت أنه فعل ذلك لاستحسانه الصوت. فلما فرغت أنا وسياط من اللحن قال الشيخ: ما أعجب أمر هذا الشعر وأحسن ما غنّي به وأحسن ما قال قائله!. فقلت له دون القوم: وما بلغ من العجب به؟ قال: نعم! حجّت سبيعة من ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكانت من أجمل النساء، فأبصرها عمر بن أبي ربيعة، فلما انحدرت إلى العراق اتّبعها يشيّعها حتى بلغ معها موضعا يقال له الخورنق. فقالت له: لو بلغت إلى أهلي وخطبتني لزوّجوك. فقال لها: ما كنت لأخلط تشييعي إياك بخطبة، ولكن أرجع ثم آتيكم خاطبا؛ فرجع ومرّ بالمدينة فقال فيها:

من البكرات عراقيّةتسمّى سبيعة أطريتها
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «من البكرات عراقية»

ثم أتى بيت جميلة فسألها أن تغنّي بهذا الشعر ففعلت. فأعجبه ما سمع من حسن غنائها وجودة تأليفها، فحسن موقع ذلك منه، فوجّه إلى بعض موالياته ممن كانت تطلب الغناء أن تأتي جميلة وتأخذ الصوت منها؛ فطارحتها إياه أيّاما حتى حذقت ومهرت به. فلما رأى ذلك عمر قال: أرى أن تخرجي إلى سبيعة وتغنّيها هذا الصوت وتبلّغيها رسالتي؛ قالت: نعم. جعلني اللّه فداك. فأتتها فرحّبت بها، وأعلمتها الرسالة، فحيّت وأكرمت، ثم غنّتها فكادت أن تموت فرحا وسرورا لحسن الغناء والشعر. ثم عادت رسول عمر فأعلمته ما كان وقالت له: إنها خارجة في تلك السنة.

فلما كان أوان الحج استأذنت سبيعة أباها في الحج، فأبى عليها وقال لها: قد حججت حجّة الإسلام. قالت له: تلك الحجّة هي التي أسهرت ليلي وأطالت نهاري وتوّقتني إلى أن أعود وأزور البيت وذلك القبر؛ وإن أنت لم تأذن لي متّ كمدا وغمّا؛ وذلك أن بقائي إنما كان لحضور الوقت، فإن يئست فالموت لا شكّ نازل بي.

فلما رأى ذلك أبوها رقّ لها وقال: ليس يسعني منعها مع ما أرى بها، فأذن لها. ووافى عمر المدينة ليعرف خبرها؛ فلما قدمت علم بذلك. وسألها أن تأتى منزل جميلة، وقد سبق إليه عمر، فأكرمتها جميلة وسرّت بمكانها. فقالت لها سبيعة: جعلني اللّه فداك! أقلقني وأسهرني صوتك بشعر عمر فيّ، فأسمعيني إيّاه. قالت جميلة: وعزازة لوجهك الجميل! فغنّتها الصوت، فأغمي عليها ساعة حتى رشّ على وجهها الماء وثاب إليها عقلها. ثم قالت: أعيدي عليّ، فأعادت الصوت مرارا في كل مرّة يغشى عليها. ثم خرجت إلى مكة وخرج معها. فلما رجعت مرّت بالمدينة وعمر معها، فأتت جميلة فقالت لها: أعيدي عليّ الصوت ففعلت؛ وأقامت عليها ثلاثا تسألها أن تعيد الصوت. فقالت لها جميلة: إني أريد أن أغنّيك صوتا فاسمعيه. قالت: هاتيه يا سيّدتي؛ فغنّتها:

أبت المليحة أن تواصلنيوأظنّ أني زائر رمسي
لا خير في الدنيا وزينتهاما لم توافق نفسها نفسي
لا صبر لي عنها إذا حسرتكالبدر أو قرن من الشمس
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت البخيلة أن تنولني»
ورمت فؤادك عند نظرتهابملاحة الإيثار والأنس

قالت سبيعة: لو لا أنّ الأوّل شعر عمر لقدّمت هذا على كلّ شيء سمعته. فقال عمر: فإنه واللّه أحسن من ذلك، فأمّا الشعر فلا. قالت جميلة: صدقت واللّه. قالت عمّتي قال لها أبي: لعمري إنّ ذلك على ما قالا.

ولابن سريج في هذا الشعر لحن عن جميلة وربما حكي بزيادة أو نقصان أو مثلا بمثل.

أخبرني من يفهم الغناء قال: بلغني أنّ جميلة قعدت يوما على كرسيّ لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي عنّا أحدا اليوم، واقعدي بالباب، فكل من يمرّ بالباب فاعرضي عليه مجلسي؛ ففعلت ذلك حتى غصّت الدار بالناس؛ فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلاليّ؛ فصعدت جماعة حتى امتلأت السطوح. فجاءتها بعض جواريها فقالت لها: يا سيّدتي، إن تمادى أمرك على ما أرى لم يبق في دارك حائط إلّا سقط، فأظهري ما تريدين. قالت: اجلسي. فلما تعالى النهار واشتدّ الحرّ استستقى الناس الماء فدعت لهم بالسّويق، فشرب من أراد؛ فقالت: أقسمت على كل رجل وامرأة دخل منزلي إلّا شرب، فلم يبق في سفل الدار ولا علوها أحد إلّا شرب، وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، وأمرت جواريها فقمن على كراسيّ صغار فيما بين كلّ عشرة نفر جارية تروّح. ثم قالت لهم: إنّي قد رأيت في منامي شيئا أفزعني وأرعبني، ولست أعرف ما سبب ذلك، وقد خفت أن يكون قرب أجلي، وليس ينفعني إلّا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أن يلحقني منه شيء عند ربي. فقال قوم منهم: وفّقك اللّه وثبّت عزمك! وقال آخرون: بل لا حرج عليك في الغناء. وقال شيخ منهم ذو سنّ وعلم وفقه وتجربة: قد تكلمت الجماعة، وكلّ حزب بما لديهم فرحون، ولم أعترض عليهم في قولهم ولا شركتهم في رأيهم، فاستمعوا الآن لقولي وأنصتوا ولا تشغبوا إلى وقت انقضاء كلامي؛ فمن قبل قولي فاللّه موفّقه، ومن خالفني فلا بأس عليه إذ كنت في طاعة ربي.

فسكت القوم جميعا. فتكلّم الشيخ فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على محمد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم ووثب عليكم عدوّكم وظفر بكم ولا تفلحوا بعدها أبدا. إنكم قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم ممّن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم، لا ينكره عالمكم ولا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم ووضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم وشرفكم وعزكم. فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا؛ لأن الغناء من أكبر اللذات وأسرّ النفوس من جميع الشهوات؛ يحيي القلب ويزيد في العقل ويسرّ النفس ويفسح في الرأي ويتيسّر به العسير وتفتح به الجيوش ويذلّل به الجبّارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرىء المرضى ومن مات قلبه وعقله وبصره، ويزيد أهل الثروة غنى وأهل الفقر قناعة ورضا باستماعه فيعزفون عن طلب الأموال. من تمسّك به كان عالما ومن فارقه كان جاهلا؛ لأنه لا منزلة أرفع ولا شيء أحسن منه؛ فكيف يستصوب تركه ولا يستعان به على النشاط في عبادة ربّنا عزّ وجلّ. وكلام كثير غير هذا ذهب عن المحدّث به، فما ردّ عليه أحد ولا أنكر ذلك منهم بشر، وكلّ عاد بالخطأ على نفسه وأقرّ بالحق له. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت ووقع من نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل وأنا أستغفر اللّه. قال لها: فاختمي مجلسنا وفرّقي جماعتنا بصوت فقط؛ فغنّت:

أفي رسم دار دمعك المترقرقسفاها! وما استنطاق ما ليس ينطق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أفي رسم دار دمعك المترقرق»
بحيث التقى جمع وأقصى محسّرمغانيه قد كادت عن العهد تخلق
مقام لنا بعد العشاء ومنزلبه لم يكدّره علينا معوّق
فأحسن شيء كان أوّل ليلناوآخره حزن إذا نتفرّق

فقال الشيخ: حسن واللّه! أمثل هذا يترك! فيم نتشاهد الرجال! لا واللّه ولا كرامة لمن خالف الحقّ. ثم قام وقام الناس معه، وقال: الحمد للّه الذي لم يفرّق جماعتنا على اليأس من الغناء ولا جحود فضيلته، وسلام عليك ورحمة اللّه يا جميلة.

وقال أبو عبد اللّه: جلست جميلة يوما ولبست برنسا طويلا، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك، وكان في القوم ابن سريج، وكان قبيح الصّلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه، وأحبّت جميلة أن ترى صلعته.

فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال: دبّرت عليّ وربّ الكعبة! وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه، وضحك القوم من قبح صلعته؛ ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردة يمانية وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالك وفي يد كلّ واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها؛ فغنّت وغنّى القوم على غنائها:

ذهب الشباب وليته لم يذهبوعلا المفارق وقع شيب مغرب
والغانيات يردن غيرك صاحباويعدنك الهجران بعد تقرّب
إنّي أقول مقالة بتجاربحقّا ولم يخبرك مثل مجرّب
صاف الكريم وكن لعرضك صائناوعن اللّئيم ومثله فتنكّب

ثم دعت بثياب مصبّغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود وتمشّت وتمشّى القوم خلفها، وغنّت وغنّوا بغنائها بصوت واحد:

يمشين مشي قطا البطاح تأوّداقبّ البطون رواجح الأكفال
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت معالم الأطلال»
فيهنّ آنسة الحديث حيّيةليست بفاحشة ولا متفال
وتكون ريقتها إذا نبّهتهاكالمسك فوق سلافة الجريال

ثم نعرت ونعر القوم طربا، ثم جلست وجلسوا وخلعوا ثيابهم ورجعوا إلى زيّهم، وأذنت لمن كان ببابها فدخلوا؛ وانصرف المغنّون وبقي عندها من يطارحها من الجواري.

وحدّثتني عمّتي قالت: سمعت سياطا يحدّث أباك يوما جميلة فقال: بنفسي هي وأمّي! فما كان أحسن وجهها وخلقها وغناءها! ما خلّفت النساء مثلها شبيها؛ فأعجبني ذلك. ثم قال سياط: جلست جميلة يوما للوفادة عليها، وجعلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد إلى أعجازهنّ، وألبستهنّ أنواع الثياب المصبّغة ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهنّ بأنواع الحليّ، ووجّهت إلى عبد اللّه بن جعفر تستزيره، وقالت لكاتب أملت عليه: «بأبي أنت وأمّي! قدرك يجلّ عن رسالتي وكرمك يحتمل زلّتي؛ وذنبي لا تقال عثرته ولا تغفر حوبته. فإن صفحت فالصفح لكم معشر أهل البيت يؤثر، والخير والفضل كله فيكم مدّخر، ونحن العبيد وأنتم الموالي.

فطوبى لمن كان لكم مقاربا والي وجوهكم ناظرا! وطوبى لمن كان لكم مجاورا، وبعزّكم قاهرا، وبضيائكم مبصرا! والويل لمن جهل قدركم ولم يعرف ما أوجبه اللّه على هذا الخلق لكم! فصغيركم كبير بل لا صغير فيكم، وكبيركم جليل بل الجلالة التي وهبها اللّه عزّ وجلّ للخلق هي لكم ومقصورة عليكم. وبالكتاب نسألك وبحقّ الرسول ندعوك إن كنت نشيطا لمجلس هيّأته لك لا يحسن إلّا بك ولا يتمّ إلا معك، ولا يصلح أن ينقل عن موضعه، ولا يسلك به غير طريقه». فلما قرأ عبد اللّه الكتاب قال: إنّا لنعرف تعظيمها لنا وإكرامها لصغيرنا وكبيرنا.

وقد علمت أنّها قد آلت ألية ألّا تغنّي أحدا إلّا في منزلها. وقال للرسول: واللّه قد كنت على الركوب إلى موضع كذا وكان في عزمي المرور بها. فأمّا إذا وافق ذلك مرادها فإنّي جاعل بعد رجوعي طريقي عليها. فلمّا صار إلى بابها أدخل بعض من كان معه إليها وصرف بعضهم. فنظر إلى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذّة، فأعجبه ووقع من نفسه؛ فقال: يا جميلة! لقد أوتيت خيرا كثيرا، ما أحسن ما صنعت!. فقالت: يا سيّدي، إنّ الجميل للجميل يصلح، ولك هيّأت هذا المجلس. فجلس عبد اللّه بن جعفر وقامت على رأسه وقامت الجواري صفّين؛ فأقسم عليها فجلست غير بعيد. ثم قالت: يا سيّدي، ألا أغنّيك؟ قال: بلى! فغنّت:

بني شيبة الحمد الّذي كان وجههيضيء ظلام اللّيل كالقمر البدر
كهولهم خير الكهول ونسلهمكنسل الملوك لا يبور ولا يحرى
أبو عتبة الملقي إليك جمالهأغرّ هجان اللّون من نفر زهر
لساقي الحجيج ثم للخير هاشموعبد مناف ذلك السيّد الغمر
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعابه جمّع اللّه القبائل من فهر
للشاعر مطرود بن كعب الخزاعي، اقرأ القصيدة

فقال عبد اللّه: أحسنت يا جميلة وأحسن حذافة ما قال! باللّه أعيديه عليّ فأعادته، فجاء الصوت أحسن من الارتجال. ثم دعت لكل جارية بعود وأمرتهنّ بالجلوس على كراسيّ صغار قد أعدّتها لهنّ، فضربن وغنّت عليهنّ هذا الصوت وغنّى جواريها على غنائها. فلمّا ضربن جميعا قال عبد اللّه: ما ظننت أنّ مثل هذا يكون! وإنّه لممّا يفتن القلب! ولذلك كرهه كثير من الناس لما علموا فيه. ثم دعا ببغلته فركبها وانصرف إلى منزله. وقد كانت جميلة أعدّت طعاما كثيرا، وكان أراد المقام، فقال لأصحابه: تخلّفوا للغداء، فتغدّوا وانصرفوا مسرورين. وهذا الشعر لحذافة بن غانم بن عبيد اللّه بن عويج بن عديّ بن كعب يمدح به عبد المطّلب.

قال وحدّثني بعض المكّيين قال: كان العرجيّ (وهو عبد اللّه بن عمرو بن عثمان) شاعرا سخيّا شجاعا أديبا ظريفا. ويشبّه شعره بشعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد بن هشام وإن كانا قدّما عليه؛ وقد نسب كثير من شعره إلى شعرهما، وكان صاحب صيد. فخرج يوما متنزّها من مكّة ومعه جماعة من غلمانه ومواليه ومعه كلابه وفهوده وصقوره وبوازيه نحو الطائف إلى مال له بالعرج - وبهذا الموضع سمّي العرجيّ - فجرى بينه وبينّ مولىّ لبني أميّة كلام، فأمضّه المولى فكفّ عنه العرجيّ حتى أوى إلى منزله، ثم هجم عليه ومعه غلمانه فأمرهم أن يوثقوه، ثم أمرهم أن ينكحوا امرأته وهو يراهم ففعلوا، ثم أخرجه فقتله. فبلغ أمير مكة ما فعل فطلبه، فخرج من منزله وأخرج معه غلمانه ومواليه وآلة الصّيد وتوجّه نحو المدينة وقد ركب أفراسه وأعدّ عدّته. فلم يزل يتصيّد ويقصف في طريقه حتى دخل المدينة ليلا، وأراد المقام في منزل جميلة، وكانت آلت ألّا تغنّي بشعره ولا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه وحداثة سنّه. فلما أعلمت بمكانه ليلا قالت: طارق! إن له لشأنا! فاستخبرت خبره فقيل لها: إنه قدم مستخفيا، ولم ير بالمدينة موضعا هو أطيب له من منزلك، والأيمان تكفّر، والأشراف لا يردّون. فقالت لرسولها إليه: منزلي منزل جواز. ولا يمكن مثلك الاستخفاء فيه، فعليك بالأحوص - وكان الأحوص مجانبا له لشيء جرى بينه وبينه في منزل جميلة - فقال: أنّى لي بالأحوص مع الذي كان بيننا! قالت: ائته عنّي وقل له: قد غنّينا بذلك الشعر؛ فأنّ أحببت أن تظهر وتبقى مودّتنا لك، فأصلح ما بينك وبين عبد اللّه، إذ أصلح ما بيننا، وأنزله منزلك. قال لها: ليس هذا بمقنعي؛ أمّا إذ أبيت أن أقيم بمنزلك فوجّهي معي رسولا إلى الأحوص؛ فإنّ منزله أحبّ المنازل إليّ بعد منزلك. فوجّهت معه إلى الأحوص بعض مولياتها؛ فأنزله الأحوص وأكرمه وأحسن جواره وستر أمره. فقال شعرا ووجّه به إلى جميلة:

ألا قاتل اللّه الهوى كيف أخلقافلم تلفه إلّا مشوبا ممذّقا
للشاعر العرجي، من قصيدة «ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا»
وما من حبيب يستزير حبيبهيعاتبه في الودّ إلا تفرّقا
أمرّ وصال الغانيات فأصبحتمضاضته يشجى بها من تمطّقا
تعلّق هذا القلب للحين معلقاغزالا تحلّى عقد درّ ويارقا
للشاعر العرجي، من قصيدة «ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا»
إذا قلت مهلا للفؤاد عن الّتيدعتك إليها العين أغضى وأطرقا
للشاعر العرجي، من قصيدة «ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا»
دعانا فلم نستبق حبّا بما نرىفما منك هذا العذل إلا تخرّقا
فقد سنّ هذا الحبّ من كان قبلناوقاد الصّبا المرء الكريم فأعنقا
للشاعر العرجي، من قصيدة «ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا»

فلمّا قرأت شعره رقّت له وقالت: كيف لي بإيلائي ألّا يدخل منزلي ولا أغنّيه بشعره؟! فقيل لها: يدخل منزلك وتغنّين وتكفّرين عن يمينك. فوجّهت إليه أن صر إلينا والأحوص في تلك الليلة، فجاءاها؛ وعرّفت الأحوص تكفير اليمين؛ فقال لها: وأنا واللّه شفيعه إليك؛ ففرّجي ما به من غمّ فقد فارق من يحبّ ويهوى، فتؤنسينه وتسرّينه وتغنّينه بشعره. فغنّت:

ألا قاتل اللّه الهوى كيف أخلقافلم تلفه إلّا مشوبا ممذّقا
للشاعر العرجي، من قصيدة «ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا»

وحدّثني بعض أهلنا قال قال يونس بن محمد:

كان الأحوص معجبا بجميلة، ولم يكن يكاد يفارق منزلها إذا جلست. فصار إليها يوما بغلام جميل الوجه يفتن من رآه، فشغل أهل المجلس، وذهبت اللحون عن الجواري وخلطن في غنائهنّ. فأشارت جميلة إلى الأحوص أن أخرج الغلام؛ فالخلل قد عمّ مجلسي وأفسد عليّ أمري. فأبى الأحوص وتغافل، وكان بالغلام معجبا، فآثر لذّته بالنظر إلى الغلام مع السماع. ونظر الغلام إلى الوجوه الحسان من الجواري ونظرن إليه، وكان مجلسا عاما. فلما خافت عاقبة المجلس وظهور أمره أمرت بعض من حضر بإخراج الغلام فأخرج؛ وغضب الأحوص وخرج مع الغلام ولم يقل شيئا؛ فأحمد أهل المجلس ما كان من جميلة، وقال لها بعضهم: هذا كان الظنّ بك، أكرمك اللّه! فقالت: إنه واللّه ما استأذنني في المجيء به ولا علمت به حتى رأيته في داري، ولا رأيت له وجها قبل ذلك؛ وإنه ليعزّ عليّ غضب الأحوص، ولكن الحقّ أولى، وكان ينبغي له ألّا يعرّض نفسه وإيّاي لما نكره مثله. فلمّا تفرّق أهل المجلس بعثت إليه: الذنب لك ونحن منه برءاء؛ إذ كنت قد عرفت مذهبي؛ فلم عرّضتني للّذي كان؛ فقد ساءني ذلك وبلغ منّي؛ ولكن لم أجد بدّا من الذي رأيت إمّا حياء وإمّا تصنّعا. فردّ عليها: ليس هذا لك بعذر إنّ لم تجعلي لي وله مجلسا نخلو فيه جميعا تمحين به ما كان منك. قالت: أفعل ذلك سرّا؛ قال الأحوص: قد رضيت. فجاءاها ليلا فأكرمتهما، ولم تظهر واحدة من جواريها على ذلك إلّا عجائز من مواليها.

وسألها الأحوص وأقسم عليها أن تغنّيه من شعره:

وبالقفر دار من جميلة هيجتسوالف حبّ في فؤادك منصب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وبالقفر دار من جميلة هيجت»
وكانت إذا تنأى نوى أو تفرّقتشداد الهوى لم تدر ما قول مشغب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وبالقفر دار من جميلة هيجت»
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشابرود الثّنايا ذات خلق مشرعب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»
ترى العين ما تهوى وفيها زيادةمن الحسن إذ تبدو وملهى لملعب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وبالقفر دار من جميلة هيجت»

قال يونس: مالها صوت أحسن منه، وابن محرز يغنّيه وعنها أخذه، وأنا أغنّيه فتعجبني نفسي ويدخلني شيء لا أعرفه من النّخوة والتّيه. وقال المحدّث لي بهذا الحديث عن يونس: إنّ هذا للأحوص في جميلة. والذي عندي أنه لطفيل الغنويّ قاله في ابن زيد الخيل، وهو زيد بن المهلهل بن المختلس بن عبد رضا أحد بني نبهان، ونبهان لقب له، ولكنه سودان بن عمرو بن الغوث بن طيّى ء، أغار على بني عامر فأصاب بني كلاب وبني كعب، واستحرّ القتل في غنيّ بن أعصر ومالك بن أعصر؛ وأعصر هو الدخان، ولذلك قيل لهما ابنا دخان، وأخوهما الحارث وهو الطّفاوة وهو مالك بن سعد بن قيس بن عيلان، وغطفان بن سعد عمّهم. وكانت غنيّ مع بني عامر في دارهم موالي لنمير، وكان فيهم فرسان وشعراء. ثم إنّ غنيّا أغارت على طيّىء وعليهم سيار بن هريم؛ فقال في ذلك قصيدته الطويلة:

وبالقفر دار من جميلة هيّجتسوالف شوق في فؤداك منصب

وحدّثني أيّوب بن عباية قال: كان عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر بن عبد شمس بن فرّاص بن معن بن مالك ابن أعصر بن قيس بن عيلان بن مضر من شعراء الجاهليّة المعدودين، وكان ينزل الشأم، وقد أدرك الإسلام وأسلم، وقال في الجاهليّة والإسلام شعرا كثيرا وفي الخلفاء الذين أدركهم: عمر بن الخطاب فمن دونه إلى عبد الملك بن مروان، وكان في خيل خالد بن الوليد حين وجّه أبو بكر خالدا إلى الشأم؛ ولم يأت أبا بكر. وقال في خالد رحمه اللّه:

إذا قال سيف اللّه كرّوا عليهمكررت بقلب رابط الجأش صارم
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «إذا قال سيف الله كروا عليهم»

وقال في عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قصيدة له طويلة جيّدة:

أدركت آل أبي حفص وأسرتهوقبل ذاك ودهرا بعده كلبا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ثكلى عوان بدوار مؤلفة»
قد ترتمى بقواف بيننا دولبين الهناتين لا جدّا ولا لعبا
اللّه يعلم ما قولي وقولهمإذ يركبون جنانا مسهبا وربا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ثكلى عوان بدوار مؤلفة»

وقال في عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه:

حثّى فليس إلى عثمان مرتجعإلّا العداء وإلّا مكنع ضرر
إخالها سمعت عزفا فتحسبهإهابة القسر ليلا حين تنتشر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «بان الشباب وأفنى ضعفه العمر»

وقال في عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه:

من مبلغ مألكا عنّي أبا حسنفارتح لخصم هداك اللّه مظلوم
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «من مبلغ مألكا عني أبا حسن»

فلما أنشدت جميلة قصيدته في عمر بن الخطاب، قالت: واللّه لأعملنّ فيها لحنا لا يسمعه أحد أبدا إلا بكى. قال إبراهيم: وصدقت؛ واللّه ما سمعته قطّ إلا أبكاني؛ لأني أجد حين أسمعه شيئا يضغط قلبي ويحرقه فلا أملك عيني، وما رأيت أحدا قطّ سمعه إلا كانت هذه حاله.

صوت من المائة المختارة

يا دار عبلة من مشارق مأسلدرس الشؤون وعهدها لم ينجل
فاستبدلت عفر الظّباء كأنماأبعارها في الصّيف حبّ الفلفل
تمشي النّعام به خلاء حولهمشي النّصارى حول بيت الهيكل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «تمشي النعام به خلاء حوله»
إحذر محلّ السّوء لا تحلل بهوإذا نبا بك منزل فتحوّل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «تمشي النعام به خلاء حوله»

الشعر، فيما ذكر يحيى بن عليّ عن إسحاق، لعنترة بن شدّاد العبسيّ. وما رأيت هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة، ولعله من رواية لم تقع إلينا؛ فذكر غير أبي أحمد أنّ الشعر لعبد قيس بن خفاف البرجميّ، إلا أنّ البيت الأخير لعنترة صحيح لا يشكّ فيه. والغناء لأبي دلف القاسم بن عيسى العجليّ، ولحنه المختار، على ما ذكره أبو أحمد، من الثقيل الأوّل. وذكر ابن خرداذبه أنّ لحن أبي دلف خفيف ثقيل بالوسطى. وذكر إسحاق أنّ فيه لمعبد لحنا من الثقيل الأوّل المطلق في مجرى الوسطى، وأن فيه لأبي دلف لحنا ولم يجنّسه. وذكر حبش أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى، وأن لابن سريج في البيت الثاني ثقيلا أوّل، وذكر ابن خرداذبه أن خفيف الثقيل لمالك، وليس ممن يعتمد على قوله. وقد ذكر يونس أيضا أن فيه غناء لمالك ولم يذكر جنسه ولا طريقته.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»