من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر أخبار كثير ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو، فيما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ، أبو صخر كثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو وهو خزاعة بن ربيعة وهو يحيى بن حارثة بن عمرو وهو مزيقيا بن عامر وهو ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد وهو درء - وقيل دراء ممدودا - بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن إسحاق الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو صخر بن أبي الزّعراء الخزاعيّ عن أمّه ليلى بنت كثيّر قالت: هو كثّير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن مخلد بن سبيع بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وأمه جمعة بنت الأشيم بن خالد بن عبيد بن مبشّر بن رياح بن سيالة بن عامر بن جعثمة بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وكانت كنية الأشيم جدّه أبي أمّه أبا جمعة، ولذلك قيل له ابن أبي جمعة.
وكان له ابن يقال له ثواب من أشعر أهل زمانه، مات سنة إحدى وأربعين ومائة ولا ولد له.
ومات كثيّر سنة خمس ومائة في ولاية يزيد بن عبد الملك. وليس له اليوم ولد إلّا من بنته ليلى. ولليلى بنته ابن يكنى أبا سلمة شاعر، وهو الذي يقول:
صوت
وكان عزيزا أن تبيتي وبينناحجاب فقد أمسيت منّي على شهر
ففي القرب تعذيب وفي النأي حسرةفيا ويح نفسي كيف أصنع بالدهر
في هذين البيتين غناء لمقاسة. ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر عن حبس.
ويكنى كثيّر أبا صخر. وهو من فحول شعراء الإسلام، وجعله ابن سلّام في الطبقة الأولى منهم وقرن به جريرا والفرزدق والأخطل والرّاعي. وكان غاليا في التشيّع يذهب مذهب الكيسانيّة، ويقول بالرّجعة والتّناسخ، وكان محمّقا مشهورا بذلك. وكان آل مروان يعلمون بمذهبه فلا يغيّرهم ذلك لجلالته في أعينهم ولطف محلّه في أنفسهم وعندهم. وكان من أتيه الناس وأذهبهم بنفسه على كل أحد.
أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهريّ قال حدّثني سليمان بن فليح قال: سمعت محمد بن عبد العزيز (يعني ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف) يقول ما قصّد القصيد ولا نعت الملوك مثل كثيّر.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال كتب إليّ إسحاق بن إبراهيم الموصليّ حدّثني إبراهيم بن سعد قال: إني لأروي لكثيّر ثلاثين قصيدة لو رقي بها مجنون لأفاق.
أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزبير قال حدّثني بعض أصحاب الحديث قال: كنّا نأتي إبراهيم بن سعد وهو خبيث النفس، فنسأله عن شعر كثيّر فتطيب نفسه ويحدّثنا.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: من لم يجمع من شعر كثيّر ثلاثين لاميّة فلم يجمع شعره. قال الزبير قال المؤمّليّ: وكان ابن أبي عبيدة يملي شعر كثيّر بثلاثين دينارا. قال وسئل عمّي مصعب: من أشعر الناس؟ فقال: كثيّر بن أبي جمعة، وقال: هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامّتهم (يعني الشعراء)، ولم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كثيّر.
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازة قال حدّثنا محمد بن سلّام الجمحيّ قال: كان كثيّر شاعر أهل الحجاز، وهو شاعر فحل، ولكنه منقوص حظّه بالعراق.
أخبرني أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلّام قال سمعت يونس النحويّ يقول: كثيّر أشعر أهل الإسلام. قال ابن سلّام: وسمعت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدّا، ويقول: كان يستقصي المديح، وكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ قال أخبرني إبراهيم بن إبراهيم بن حسين بن زيد قال: سمعت المسور بن عبد الملك يقول: ما ضرّ من يروي شعر كثيّر وجميل ألّا تكون عنده مغنّيتان مطربتان.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ عن الوقّاصيّ قال: رأيت كثيّرا يطوف بالبيت، فمن حدّثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذّبه؛ وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطىء رأسك لا يصبه السقف.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ، وعن ابن حبيب عن أبيه عن جدّه عن جدّ أبيه عبد العزيز وأمّه جمعة بنت كثيّر قال: قال جرير لكثيّر: أيّ رجل أنت لو لا دمامتك! فقال كثيّر:
إن أك قصدا في الرجال فإنّنيإذا حلّ أمر ساحتي لطويل
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ عن الوقّاصيّ قال، وأخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن يحيى عن بعض أصحابهم الدّيليّين قال: التقى كثيّر والحزين الدّيليّ بالمدينة في دار ابن أزهر في سوق الغنم، فضمّهما المجلس. فقال كثيّر للحزين: ما أنت شاعر يا حزين، إنما توصل الشيء إلى الشيء. فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوك؟ قال نعم.
وكان كثيّر قال قبل ذلك وهو ينتسب إلى بني الصّلت بن النّضر بن كنانة:
أليس أبي بالنّضر أو ليس إخوتيبكلّ هجان من بني الصّلت أزهرا
فإن لم تكونوا من بني الصّلت فاتركواأراكا بأذيال الخمائل أخضرا
قال: فلما أذن كثيّر للحزين أن يهجوه قال الحزين:
لقد علقت زبّ الذّباب كثيّراأساود لا يطنينه وأراقم
قصير القميص فاحش عند بيتهيعضّ القراد باسته وهو قائم
وما أنتم منّا ولكنكم لناعبيد العصا ما ابتلّ في البحر عائم
وقد علم الأقوام أن بني استهاخزاعة أذناب وأنّا القوادم
وو اللّه لو لا اللّه ثم ضرابنابأسيافنا دارت عليها المقاسم
ولو لا بنو بكر لذلّت وأهلكتبطعن وأفنتها السيوف الصوارم
قال: فقام كثيّر فحمل عليه فلكزه. وكان الحزين طويلا أيّدا. فقال له الحزين. أنت عن هذا أعجز، واحتمله فكان في يده مثل الكرة، فضرب به الأرض، فخلّصه منه الأزهريّون. فبلغ ذلك أبا الطّفيل عامر بن واثلة وهو بالكوفة، فأقسم لئن ملأ عينيه من كثيّر ليضربنّه بالسيف أو ليطعننّه بالرمح. وكان خندف الأسديّ صديقا لأبي الطّفيل، فطلب إلى أبي الطفيل في كثيّر واستوهبه إيّاه فوهبه له. والتقيا بمكة وجلسا جميعا مع عمر بن عليّ بن أبي طالب، فقال: أمّا واللّه لو لا ما أعطيت خندفا من العهد لوفيت لك. فذلك قول كثيّر في قصيدته التي يرثي فيها خندفا:
ينال رجالا نفعه وهو منهمبعيد كعيّوق الثّريّا المحلّق
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال كثيّر: في أيّ شعر أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: في قوله فيهم:
وما كان مالي طارفا من تجارةوما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطايا من إمام مباركملا الأرض معروفا وجودا وسوددا
فقال كثيّر: إنه لضرع قبحه اللّه! ألا قال كما قلت:
صوت
دع عنك سلمى إذ فات مطلبهاواذكر خليليك من بني الحكم
ما أعطياني ولا سألتهماإلّا وإنّي لحاجزي كرمي
إنّي متى لا يكن نوالهماعندي مما قد فعلت أحتشم
مبدي الرّضا عنهما ومنصرفعن بعض ما لو فعلت لم ألم
لا أنزر النائل الخليل إذاما اعتلّ نزر الظّؤور لم ترم
عروضه من المنسرح. غنّى في هذا الشعر يونس ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وغنّى فيه الغريض ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. وفيه لحن من الثقيل الأوّل ينسب إلى معبد، وليس بصحيح له. قال الزّبير بن بكّار في تفسير قوله: «لا أنزر النائل الخليل» يقول: لا ألحّ عليه بالمسألة، يقال: نزرته أنزره إذا ألححت عليه. والظّؤور: المتعطّفة على غير أولادها.
أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا المؤمّليّ عن أبي عبيدة، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال: دخل كثيّر على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أرضا لك يقال لها غرّب ربما أتيتها وخرجت إليها بولدي وعيالي فأصبنا من رطبها وتمرها بشراء مرّة وطعمة مرّة. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعمّرنيها فعل. فقال له عبد الملك: ذلك لك. فندّمه الناس وقالوا له: أنت شاعر الخليفة ولك عنده منزلة، فهلّا سألت الأرض قطيعة!. فأتى الوليد فقال: إنّ لي إلى أمير المؤمنين حاجة فأجلسني قريبا من البرذون. فلما استوى عليه عبد الملك قال له: إيه! وعلم أنّ له إليه حاجة. فقال كثيّر:
جزتك الجوازي عن صديقك نضرةوأدناك ربيّ في الرّفيق المقرّب
فإنّك لا يعطى عليك ظلامةعدوّ ولا تنأى عن المتقرّب
وإنّك ما تمنع فإنك مانعبحقّ، وما أعطيت لم تتعقّب
فقال له: أترغب غرّبا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اكتبوها له، ففعلوا.
أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: كان الحزين الكنانيّ قد ضرب على كل رجل من قريش درهمين في كل شهر، منهم ابن أبي عتيق. فجاءه لأخذ درهميه على حمار له أعجف - قال: وكثيّر مع ابن أبي عتيق - فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين. فقال الحزين لابن أبي عتيق: من هذا معك؟ قال: هذا أبو صخر كثيّر بن أبي جمعة - قال: وكان قصيرا دميما - فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوه ببيت من شعر؟ قال: لا! لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي، ولكني أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين ودعا له بهما. فأخذهما ثم قال: لا بدّ من هجائه ببيت. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين، ودعا له بهما. فأخذهما ثم قال: ما أنا بتاركه حتى أهجوه. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين. فقال له كثيّر: إيذن له، ما عسى أن يقول في بيت! فأذن له ابن أبي عتيق. فقال:
قصير القميص فاحش عند بيتهيعضّ القراد باسته وهو قائم
قال: فوثب كثيّر إليه فلكزه، فسقط هو والحمار، وخلّص ابن أبي عتيق بينهما، وقال لكثيّر قبحك اللّه! أتأذن له وتسفه عليه! فقال كثيّر: أو أنا ظننته أن يبلغ بي هذا كلّه في بيت واحد!.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة ولم يتجاوزه، وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الرحمن بن الخضر الخزاعيّ عن ولد جمعة بنت كثيّر أنه وجد في كتب أبيه التي فيها شعر كثيّر: أنّ عبد الملك بن مروان قال له: ويحك! إلحق بقومك من خزاعة، فأخبر أنه من كنانة قريش، وأنشد كثيّر قوله:
أليس أبي بالصّلت أم ليس إخوتيبكل هجان من بني النّضر أزهرا
فإن لم تكونوا من بني النّضر فاتركواأراكا بأذناب القوابل أخضرا
أبيت التي قد سمتني ونكرتهاولو سمتها قبلي قبيصة أنكرا
لبسنا ثياب العصب فاختلط السّدىبنا وبهم والحضرميّ المخصّرا
فقال له عبد الملك: لا بدّ أن تنشد هذا الشعر على منبري الكوفة والبصرة، وحمله وكتب به إلى العراق في أمره. قال عمر بن شبّة في خبره خاصّة: فأجابته خزاعة الحجاز إلى ذلك. وقال فيه الأحوص - ويقال: بل قاله سراقة البارقيّ -:
لعمري لقد جاء العراق كثيّربأحدوثة من وحيه المتكذّب
أيزعم أنّي من كنانة أوّلىوما لي من أمّ هناك ولا أب
فإن كنت حرّا أو تخاف معرّةفخذ ما أخذت من أميرك واذهب
فقال كثيّر يجيبه - وفي خبر الزّبير: قال هذا لأبي علقمة الخزاعي -:
أيا خبث أكرم كنانة إنّهممواليك إن أمر سما بك معلق
- وفي رواية الزّبير: «أبا علقم».
بنو النّضر ترمي من ورائك بالحصىأولو حسب فيهم وفاء ومصدق
يفيدونك المال الكثير ولم تجدلملكهم شبها لو انّك تصدق
إذا ركبوا ثارت عليك عجاجةوفي الأرض من وقع الأسنّة أولق
فأجابه الأحوص بقوله:
دع القوم ما حلّوا ببطن قراضموحيث تفشّى بيضه المتفلّق
فإنّك لو قاربت أو قلت شبهةلذي الحقّ فيها والمخاصم معلق
عذرناك أو قلنا صدقت وإنمايصدّق بالأقوال من كان يصدق
ستأبى بنو عمرو عليك وينتميلهم حسب في جذم غسّان معرق
فإنّك لا عمرا أباك حفظتهولا النّضر إن ضيّعت شيخك تلحق
ولم تدرك القوم الذين طلبتهمفكنت كما كان السّقاء المعلّق
بجذمة ساق ليس منه لحاؤهاولم يك عنها قلبه يتعلّق
فأصبحت كالمهريق فضلة مائهلبادي سراب بالملا يترقرق
قال: فخرج كثيّر فأتى الكوفة، فرمي به إلى مسجد بارق. فقالوا له: أنت من أهل الحجاز؟ قال نعم. قالوا: فأخبرنا عن رجل شاعر ولد زنا يدعى كثيّرا. قال سبحان اللّه! أمّا تسمعون أيها المشايخ ما يقول الفتيان! قالوا: هو ما قاله لنفسه. فانسلّ منهم وجاء إلى والي الكوفة حسّان بن كيسان، فطّيره على البريد. وقال عمر بن شبّة في خبره: إنّ سراقة البارقيّ هو المخاطب له بهذه الشتيمة وإنه عرفه وقال له: إن قلت هذا على المنبر قتلتك قحطان وأنا أوّلهم، فانصرف إلى منزله ولم يعد إلى عبد الملك.
وكان سراقة هذا شاعرا ظريفا. فأخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن النّضر بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان سراقة البارقيّ من ظرفاء أهل العراق، فأسره المختار يوم جبّانة السّبيع، وكانت للمختار فيها وقعة منكرة، فجاء به الذي أسره إلى المختار فقال له: إنّي أسرت هذا. فقال له سراقة: كذب! ما هو الذي أسرني، إنما أسرني غلام أسود على برذون أبلق عليه ثياب خضر، ما أراه في عسكرك الآن، وسلّمني إليه. فقال المختار: أمّا إنّ الرجل قد عاين الملائكة! خلّوا سبيله فخلّوه، فهرب فأنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّيرأيت البلق دهما مصمتات
أري عينيّ ما لم تبصراهكلانا عالم بالتّرّهات
كفرت بدينكم وجعلت نذراعليّ قتالكم حتى الممات
أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزبير قال أخبرنا عمرو ومحمد بن الضّحاك قالا: كان كثيّر يتشيّع تشيّعا قبيحا، يزعم أنّ محمد بن الحنفيّة لم يمت. قال: وكان ذلك رأي السيّد، وقد قال فيه (يعني السيّد) شعرا كثيرا، منه:
ألا قل للوصيّ فدتك نفسيأطلت بذلك الجبل المقاما
أضرّ بمعشر والوك منّاوسمّوك الخليفة والإماما
وعادوا فيك أهل الأرض طرّامقامك عنهم ستّين عاما
وما ذاق ابن خولة طعم موتولا وارت له أرض عظاما
لقد أوفى بمورق شعب رضوىتراجعه الملائكة الكلاما
وإنّ له به لمقيل صدقوأندية تحدّثه كراما
هدانا اللّه إذ جرتم لأمربه ولديه نلتمس التّماما
تمام مودّة المهديّ حتّىتروا راياتنا تترى نظاما
وقال كثيّر في ذلك:
ألا إنّ الأئمّة من قريشولاة الحقّ أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيههم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّوسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا تراه العين حتّىيقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانابرضوى عنده عسل وماء
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحارث بن محمد عن المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: كان عبد اللّه بن الزّبير قد أغري ببني هاشم يتبعهم بكل مكروه ويغري بهم ويخطب بهم على المنابر ويصرّح ويعرّض بذكرهم. فربما عارضه ابن عبّاس وغيره منهم. ثم بدا له فيهم فحبس ابن الحنفيّة في سجن عارم، ثم جمعه وسائر من كان بحضرته من بني هاشم، فجعلهم في محبس وملأه حطبا وأضرم فيه النار. وقد كان بلغه أنّ أبا عبد اللّه الجدليّ وسائر شيعة ابن الحنفيّة قد وافوا لنصرته ومحاربة ابن الزبير، فكان ذلك سبب إيقاعه به. وبلغ أبا عبد اللّه الخبر فوافى ساعة أضرمت النار عليهم فأطفأها واستنقذهم، وأخرج ابن الحنفيّة عن جوار ابن الزّبير منذ يومئذ. فأنشدنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أنشدنا محمد بن حبيب لكثيّر يذكر ابن الحنفيّة وقد حبسه ابن الزّبير في سجن يقال له سجن عارم:
من ير هذا الشيخ بالخيف من منّىمن الناس يعلم أنّه غير ظالم
سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّهوفكّاك أغلال ونفّاع غارم
أبي فهو لا يشري هدى بضلالةولا يتّقي في اللّه لومة لائم
ونحن بحمد اللّه نتلو كتابهحلولا بهذا الخيف خيف المحارم
بحيث الحمام آمن الرّوع ساكنوحيث العدوّ كالصديق المسالم
فما فرح الدّنيا بباق لأهلهولا شدّة البلوى بضربة لازم
تخبّر من لاقيت أنك عائذبل العائذ المظلوم في سجن عارم
حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ قال حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار، وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن سعيد عن عقبة الجهنيّ عن أبيه قال: سمعت كثيّرا ينشد عليّ بن عبد اللّه بن جعفر قوله في محمد بن الحنفيّة:
أقرّ اللّه عيني إذ دعانيأمين اللّه يلطف في السؤال
وأثنى في هواى عليّ خيراوساءل عن بنيّ وكيف حالي
وكيف ذكرت حال أبي خبيبوزلّة فعله عند السّؤال
هو المهديّ خبّرناه كعبأخو الأحبار في الحقب الخوالي
فقال له عليّ بن عبد اللّه: يا أبا صخر، ما يثني عليك في هواك خيرا إلّا من كان على مثل مذهبك. قال: أجل بأبي أنت وأمي!. قال: وكان كثيّر كيسانيا يرى الرّجعة. قال الزّبير: أبو خبيب عبد اللّه بن الزّبير، كناه بابنه خبيب وهو أكبر ولده، وكان كثيّر سيّىء الرأي فيه. قال الزّبير: فأخبرني عمّي قال: لمّا قال كثيّر:
هو المهديّ خبّرناه كعبأخو الأحبار في الحقب الخوالي
فقيل له: ألقيت كعبا؟ قال: لا. قيل: فلم قلت «خبّرناه كعب»؟ قال: بالتوهّم.
قال: وكان كثيّر شيعيا غاليا يزعم أن الأرواح تتناسخ، ويحتجّ بقول اللّه تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
ويقول: ألا ترى أنه حوّله من صورة في صورة!.
قال: فحدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: خندف الأسديّ الذي أدخل كثيّرا في الخشبيّة.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن محمد ابن معن الغفاريّ قال: كنّا بالسّيالة في مشيخة نتحدّث، إذا بكثيّر قد طلع علينا متّكئا على عصا.
فقال: كنّا ببيداء بأشراف السّيالة وبهذه الناحية، فما بقي موضع ببيداء إلّا وقد جئته، فإذا هو على حاله ما تغيّر وما تغيّرت الجبال ولا الموضع الذي كنا نطوف فيه، وهذا يكون حتى نرجع إليه. وكان يؤمن بالرّجعة.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد قال: دخل عبد اللّه بن حسن على كثيّر يعوده في مرضه الذي مات فيه. فقال له كثيّر: أبشر! فكأنّك بي بعد أربعين ليلة قد طلعت عليك على فرس عتيق. فقال له عبد اللّه بن حسن: مالك عليك لعنة اللّه! فو اللّه لئن متّ لا أشهدك ولا أعودك ولا أكلّمك أبدا.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز أحسبه عن ابن الماجشون قال: وكان أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن عليّ قد وضع الأرصاد على كثيّر فلا يزال يؤتّى بالخبر من حبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا وكنت في كذا، إلى أن جرى بين كثيّر وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم. فأقبل به على أدراجه، فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا وكذا وقال لك كذا وكذا. فقال له كثيّر: أشهد أنّك رسول اللّه.
أخبرنا محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا محمد، وأخبرنا! الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن إسماعيل عن موسى بن عبد اللّه فيما أحسب قال: نظر كثيّر إلى بني حسن بن حسن وهم صغار فقال: بأبي أنتم! هؤلاء الأنبياء الصغار. وكان يرى الرّجعة.
وروى عليّ بن بشر بن سعيد الرازيّ عن محمد بن حميد عن أبي زهير عبد الرحمن بن مغراء الدّوسيّ عن محمد بن عمارة قال: مرّ كثيّر بمعاوية بن عبد اللّه بن جعفر وهو في المكتب، فأكبّ عليه يقبّله وقال: أنت من الأنبياء الصغار وربّ الكعبة!.
أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا محمد بن إسماعيل قال حدّثنا قعنب بن المحرز قال حدّثني إبراهيم بن داجة قال: كان كثيّر شيعيا، وكان يأتي ولد حسن بن حسن إذا أخذ عطاءه، فيهب لهم الدراهم ويقول: وابأبي الأنبياء الصغار!. وكان يؤمن بالرّجعة. فيقول له محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وهو أخوهم لأمّهم،: يا عمّ هب لي، فيقول: لا! لست من الشجرة.
أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عثمان بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبيد اللّه قال: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلّاح بني هاشم من فسّادهم بحبّ كثيّر: من أحبّه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح، لأنه كان خشبيا يقول بالرجعة.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ عن أبي لهيعة عن رجاء بن حيوة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: إن مما أعتبر به صلّاح بني هاشم وفسّادهم حبّ كثيّر، ثم ذكر مثله.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عليّ بن صالح عن ابن دأب قال: كان كثيّر يدخل على عمّه له برزة فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها. فقال لها يوما: لا واللّه ما تعرفينني ولا تكرمينني حقّ كرامتي! قالت: بلى واللّه إني لأعرفك. قال: فمن أنا؟ قالت: ابن فلان وابن فلانة، وجعلت تمدح أباه وأمّه. فقال: قد عرفت أنك لا تعرفينني. قالت: فمن أنت؟ قال: أنا يونس بن متّى.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني أبي قال: كان كثيّر عاقا لأبيه، وكان أبوه قد أصابته قرحة في إصبع من أصابع يده. فقال له كثيّر: أتدري لم أصابتك هذه القرحة في إصبعك؟ قال: لا أدري قال: مما ترفعها إلى اللّه في يمين كاذبة.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد بن معن الغفاريّ عن أبيه وغيره قال حدّثني رجل من مزينة قال: ضفت كثيّرا ليلة وبتّ عنده ثم تحدّثنا ونمنا. فلما طلع الفجر تضوّر، ثم قمت فتوضّأت وصلّيت وكثيّر راقد في لحافه. فلما طلع قرن الشمس تضوّر ثم قال: يا جارية اسجري لي ماء. قال قلت: تبّا لك سائر اليوم! أو هذه الساعة هذا! وركبت راحلتي وتركته. قال الزبير: أسخني لي ماء.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبيد اللّه قال: ما رأيت قطّ أحمق من كثيّر. دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنّا كثيرا ما نتهزّأ به، وكان يتشيّع تشيّعا قبيحا. فقلت له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ وهو مريض، فقال: أجدني ذاهبا. فقلت: كلّا! فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم! يتحدّثون أنك الدجّال. قال: أما لئن قلت ذاك إنّي لأجد في عيني ضعفا منذ أيّام.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران: أن ناسا من أهل المدينة كانوا يلعبون بكثيّر فيقولون وهو يسمع: إن كثيّرا لا يلتفت من تيهه. فكان الرجل يأتيه من ورائه فيأخذ رداءه فلا يلتفت من الكبر ويمضي في قميص.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيّوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة قال: بلغني أن كثيّرا دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن شيء فأخبره به. فقال وحقّ عليّ بن أبي طالب إنه كما ذكرت؟ قال كثيّر: يا أمير المؤمنين، لو سألتني بحقّك لصدقتك. قال: لا أسألك إلّا بحقّ أبي تراب. فحلف له به فرضي.
أخبرنا الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال أخبرني عثمان بن عبد الرحمن، وأخبرنا محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا محمد بن يزيد المبرّد قال، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبة، وأخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا المؤمّلي عن ابن أبي عبيدة، قالوا جميعا.
لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب لاذت به عاتكة بنت يزيد بن معاوية وهي أمّ ابنه يزيد، وقالت: يا أمير المؤمنين، لا تخرج السنة لحرب مصعب، فإنّ آل الزّبير ذكروا خروجك، وابعث إليه الجيوش، وبكت وبكى جواريها معها. وجلس وقال: قاتل اللّه ابن أبي جمعة! فأين قوله:
صوت
إذا ما أراد الغزو لم تثن همّهحصان عليها عقد درّ يزينها
نهته فلما لم تر النّهي عاقهبكت فبكى مما شجاها قطينها
- غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق - واللّه لكأنه يراني ويراك يا عاتكة، ثم خرج.
قال محمد بن جعفر النحويّ في خبره - ووافقه عليه عمر بن شبّة -: فلما خرج عبد الملك نظر إلى كثيّر في ناحية عسكره يسير مطرقا، فدعا به وقال: لأعلم ما أسكتك وألقى عليك بثّك، فإن أخبرتك عنه أتصدقني؟ قال نعم! قال: قل وحقّ أبي تراب لتصدقنّي، قال: واللّه لأصدقنّك. قال: لا أو تحلف به، فحلف به. فقال تقول: رجلان من قريش يلقي أحدهما صاحبه فيحاربه، القاتل والمقتول في النار، فما معنى سيرى مع أحدهما إلى الآخر ولا آمن سهما عائرا لعلّه أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما! قال: واللّه يا أمير المؤمنين ما أخطأت. قال: فارجع من قريب، وأمر له بجائزة.
أخبرنا وكيع قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثنا أبو تمّام الطائيّ حبيب بن أوس قال حدّثني العطّاف بن هارون عن يحيى بن حمزة قاضي دمشق قال حدّثني حفص الأمويّ قال: كنت أختلف إلى كثيّر أتروّى شعره. قال: فو اللّه إني لعنده يوما إذ وقف عليه واقف فقال: قتل آل المهلّب بالعقر. فقال: ما أجلّ الخطب! ضحّى آل أبي سفيان بالدّين يوم الطّفّ، وضحّى بنو مروان بالكرم يوم العقر! ثم انتضحت عيناه باكيا. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به. فلما دخل عليه قال: عليك لعنة اللّه! أترابيّة وعصبيّة! وجعل يضحك منه.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد عن أبيه قال: قال عبد الملك بن مروان لكثيّر: من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر؟ قال: من يروي أمير المؤمنين شعره.
فقال عبد الملك: أما إنّك لمنهم.
أخبرنا وكيع قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن ابن أبي عوف عن عوانة قال: قال كثيّر لعبد الملك: كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين؟ قال أراه يسبق السحر، ويغلب الشعر.
أخبرنا عمّي عن الكرانيّ عن النّضر بن عمر قال: كان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كثيّر إلى مؤدّب ولده مختوما يروّيهم إياه ويرده.
أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللّه بن خالد الجهنيّ: أن كثيّرا شبّ في حجر عمّ له صالح، فلما بلغ الحلم أشفق عليه أن يسفه، وكان غير جيّد الرأي ولا حسن النظر في عواقب الأمور. فاشترى له عمّه قطيعا من الإبل وأنزله فرش ملل فكان به، ثم ارتفع فنزل فرع المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من جبل جهينة الأصغر، وكان قبل المسور لبني مالك بن أفصى، فضيّقوا على كثيّر وأساءوا جواره، فانتقل عنهم وقال:
أبت إبلي ماء الرّداة وشفّهابنو العمّ يحمون النّضيح المبرّدا
وما يمنعون الماء إلّا ضنانةبأصلاب عسرى شوكها قد تخدّدا
فعادت فلم تجهد على فضل مائهرياحا ولا سقيا ابن طلق بن أسعدا
قال: ويروى أنّه أوّل شعر قاله.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال: قال كثيّر: ما قلت الشعر حتى قوّلته. قيل له: وكيف ذاك؟ قال: بينا أنا يوما نصف النهار أسير على بعير لي بالغميم أو بقاع حمدان، إذا راكب قد دنا منّي حتى صار إلى جنبي، فتأمّلته فإذا هو من صفر وهو يجرّ نفسه في الأرض جرا. فقال لي: قل الشعر وألقاه عليّ. قلت: من أنت؟ قال: أنا قرينك من الجنّ. فقلت الشعر.
ونسب كثيّر لكثرة تشبيبه بعزّة الضّمريّة إليها، وعرف بها فقيل كثيّر عزّة. وهي عزّة بنت حميل بن وقّاص. أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الحسن قال: أبو بصرة الغفاريّ المحدّث واسمه حميل بن وقّاص هو أبو عزّة التي كان ينسب بها كثيّر. وكان ابتداء عشقه إيّاها - على أنه قد قيل: إنه كان في ذلك كاذبا ولم يكن بعاشق، وذلك يذكر بعد خبره معها - فيما أخبرني به الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم السعديّ قال حدّثني إبراهيم بن يعقوب بن جميع الخزاعيّ: أنه كان أوّل عشق كثيّر عزّة أن كثيّرا مرّ بنسوة من بني ضمرة ومعه جلب غنم، فأرسلن إليه عزّة وهي صغيرة، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشا وأعجبته. فلما رجع جاءته امرأة منهنّ بدراهمه، فقال: وأين الصبيّة التي أخذت منّي الكبش؟ قالت: وما تصنع بها! هذه دراهمك. قال: لا آخذ دراهمي إلّا ممن دفعت الكبش إليها. وخرج وهو يقول:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنّى غريمها
قال: فكان أوّل لقائه إياها.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عبد الرحمن بن الخضر بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبي جندل عن أبيه عبد العزيز الخزاعيّ - وأمّه جمعة بنت كثيّر - عن أمه جمعة عن أبيها كثيّر: أنّ أوّل علاقته بعزّة أنه خرج من منزله يسوق خلف غنم إلى الجار، فلما كان بالخبت وقف على نسوة من بني ضمرة فسألهنّ عن الماء، فقلن لعزّة وهي جارية حين كعب ثدياها: أرشديه إلى الماء، فأرشدته وأعجبته.
فبينا هو يسقى غنمه إذ جاءته عزّة بدراهم، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا بهذه الدراهم كبشا من ضأنك: فأمر الغلام فدفع إليها كبشا، وقال: ردّي الدراهم وقولي لهنّ: إذا رحت بكنّ اقتضيت حقيّ. فلما راح مرّ بهنّ، فقلن له: هذا حقّك فخذه. فقال: عزّة غريمي، ولست أقتضي حقّي إلّا منها. فمزحن معه وقلن: ويحك! عزّة جارية صغيرة وليس فيها وفاء لحقّك فأحله على إحدانا فإنها أملأ به منها وأسرع له أداء. فقال: ما أنا بمحيل حقّي عنها.
ومضى لوجهه، ثم رجع إليهنّ حين فرغ من بيع جلبه فأنشدهنّ فيها:
نظرت إليها نظرة وهي عاتقعلى حين أن شبّت وبان نهودها
وقد درّعوها وهي ذات مؤصّدمجوب ولمّا يلبس الدّرع ريدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
في هذا البيت وأبيات أخر معه غناء يذكر بعد تمام هذا الخبر وما يضاف إليه من جنسه. وأنشدهنّ أيضا:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنى غريمها
فقلن له: أبيت إلّا عزّة! وأبرزنها إليه وهي كارهة. ثم أحبّته عزّة بعد ذلك أشدّ من حبّه إيّاها. قال الزّبير: فسألت محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الخزاعيّ المعروف بأبي جندل عن هذا الحديث، فعرفه وحدّثنيه عن أبيه عن جدّه عبد العزيز بن أبي جندل عن أمه جمعة بنت كثيّر عن أبيها.
وأخبرني عمي الحسن بن محمد الأصفهاني رحمه اللّه قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا النّضر بن عمرو قال حدّثني عمر بن عبد اللّه بن خالد المعيطيّ، وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني إبراهيم بن إسحاق الطّلحيّ، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يعقوب بن عبد اللّه الأسديّ وغيره، قال الزبير وحدّثني محمد بن صالح الأسلميّ قال: دخلت عزّة على عبد الملك بن مروان وقد عجزت، فقال لها أنت عزّة كثير! فقالت: أبا عزّة بنت حميل.
قال: أنت التي يقول لك كثيّر:
لعزّة نار ما تبوخ كأنهاإذا ما رمقناها من البعد كوكب
فما الذي أعجبه منك؟ قالت: كلّا يا أمير المؤمنين! فو اللّه لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة القرّة. وفي حديث محمد بن صالح الأسلميّ: فقالت له: أعجبه منّي ما أعجب المسلمين منك حين صيّروك خليفة. قال: وكانت له سنّ سوداء يخفيها، فضحك حتى بدت. فقالت له: هذا الذي أردت أن أبديه. فقال لها: هل تروين قول كثيّر فيك:
وقد زعمت أنّي تغيّرت بعدهاومن ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر
تغيّر جسمي والخليفة كالّتيعهدت ولم يخبر بسرّك مخبر
قالت لا! ولكني أروي قوله:
كأنّي أنادي صخرة حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
صفوحا فما تلقاك إلّا بخيلةفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
فأمر بها فأدخلت على عاتكة بنت يزيد - وفي غير هذه الرواية: أنها أدخلت على أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان - فقالت لها: أرأيت قول كثيّر:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنّى غريمها
ما هذا الذي ذكره؟ قالت: قبلة وعدته إياها. قالت: أنجزيها وعليّ إثمها.
أخبرنا الحسن بن الطيّب البجليّ الشّجاعيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال روى ابن جعدبة عن أشياخه، وأخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو بكر بن يزيد بن عياض بن جعدبة عن أبيه.
أنّ كثيّرا كان له غلام تاجر، فباع من عزّة بعض سلعه ومطلته مدّة وهو لا يعرفها. فقال لها يوما: أنت واللّه كما قال مولاي:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنّى غريمها
فانصرف عنه خجلة. فقالت له امرأة: أتعرف عزّة؟ قال: لا واللّه!. قالت: فهذه واللّه عزّة. فقال: لا جرم واللّه لا آخذ منها شيئا أبدا ولا أقتضيها. ورجع إلى كثيّر فأخبره بذلك، فأعتقه ووهب له المال الذي كان في يده.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يعقوب بن حكيم السّلميّ عن قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلميّة، وكنيتها أمّ البنين، قالت: سارت علينا عزّة في جماعة من قومها بين يدي يربوع وجهينة، فسمعنا بها، فاجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئناها فرأينا امرأة حلوة حميراء نظيفة، فتضاء لنا لها، ومعها نسوة كلهن لها عليهن فضل من الجمال والخلق، إلى أن تحدّثت ساعة فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثا، فما فارقناها إلّا ولها علينا الفضل في أعيننا، وما نرى في الدّنيا امرأة تروقها جمالا وحسنا وحلاوة.
أخبرني عمّي قال حدّثني فضل اليزيديّ عن إسحاق الموصليّ عن أبي نصر (شيخ له) عن الهيثم بن عدي: أنّ عبد الملك سأل كثيّرا عن أعجب خبر له مع عزّة، فقال: حججت سنة من السنين وحج زوج عزة بها، ولم يعلم أحد منّا بصاحبه. فلمّا كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاما لأهل رفقته، فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتى دخلت إليّ وهي لا تعلم أنها خيمتي، وكنت أبري أسهما لي. فلما رأيتها جعلت أبري وأنا أنظر إليها ولا أعلم حتى بريت عظامي مرّات ولا أشعر به والدم يجري. فلما تبيّنت ذلك دخلت إليّ فأمسكت يدي وجعلت تمسح الدم عنها بثوبها، وكان عندي نحي من سمن، فحلفت لتأخذنّه، فأخذته وجاءت إلى زوجها بالسمن. فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف لتصدقنّه فصدقته، فضربها وحلف لتشتمنّي في وجهي. فوقفت عليّ وهو معها فقالت لي: يابن الزانيّة وهي تبكي، ثم انصرفا. فذلك حين أقول:
يكلّفها الخنزير شتمي وما بهاهواني ولكن للمليك استذلّت
نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء:
صوت
خليليّ هذا رسم عزّة فاعقلاقلو صيكما ثم ابكيا حيث حلّت
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكاولا موجعات القلب حتّى تولّت
فليت قلوصي عند عزّة قيّدتبحبل ضعيف بان منها فضلّت
وأصبح في القوم المقيمين رحلهاوكان لها باغ سواي فبلّت
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
أسيئي بنا أو أحسني، لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
تمنّيتها حتّى إذا ما رأيتهارأيت المنايا شرّعا قد أظلّت
كأنّي أنادي صخرة حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
صفوحا فما تلقاك إلّا بخيلةفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
أصاب الرّدى أن كان يهوى لك الرّدىوجنّ اللواتي قلن عزّة جنّت
عروضه من الطويل. غنّى معبد في الخمسة الأول ثقيلا أوّل بالوسطى. وغنى إبراهيم في الثالث والرابع ثقيلا أوّل بالبنصر عن عمرو، وغنّى في «هنيئا مريئا» والذي بعده خفيف رمل بالوسطى. وغنّى إبراهيم في الخامس وما بعده ثاني ثقيل. وذكر الهشاميّ أنّ لابن سريج في «هنيئا مريئا» وما بعده ثاني ثقيل بالبنصر. وذكر أحمد بن المكيّ أن لإبراهيم في «كأني أنادي» والذي بعده وفي «أسيئي بنا أو أحسني» هزجا بالسبّابة في مجرى البنصر، ولإسحاق فيه هزج آخر به. ولعريب في «كأني أنادي» أيضا رمل. ولإسحاق في «وما كنت أدري» ثقيل أوّل. وله في «أصاب الردى» ثقيل أوّل آخر، وقيل: إن لإبراهيم في «فقلت لها يا عزّ» خفيف ثقيل ينسب إلى دحمان وإلى سياط.
أخبرني الحرميّ وحبيب بن نصر قالا حدّثنا الزّبير قال حدّثنا يعقوب بن حكيم عن إبراهيم بن أبي عمرو الجهنيّ عن أبيه قال: سارت علينا عزّة في جماعة من قومها، فنزلت حيالنا. فجاءني كثيّر ذات يوم فقال لي: أريد أن أكون عندك اليوم فأذهب إلى عزّة، فصرت به إلى منزلي. فأقام عندي حتى كان العشاء، ثم أرسلني إليها وأعطاني خاتمه وقال: إذا سلّمت فستخرج إليك جارية، فادفع إليها خاتمي وأعلمها مكاني. فجئت بيتها فسلّمت فخرجت إليّ الجارية فأعطيتها الخاتم. فقالت: أين الموعد؟ قلت: صخرات أبي عبيد الليلة، فواعدتها هناك، فرجعت إليه فأعلمته.
فلما أمسى قال لي: انهض بنا، فنهضنا فجلسنا هناك نتحدّث حتى جاءت من الليل فجلست فتحدّثا فأطالا، فذهبت لأقوم. فقال لي: إلى أين تذهب؟ فقلت: أخلّيكما ساعة لعلكما تتحدّثان ببعض ما تكتمان. قال لي: اجلس! فو اللّه ما كان بيننا شيء قطّ. فجلست وهما يتحدّثان وإنّ بينهما لثمامة عظيمة هي من ورائها جالسة حتى أسحرنا، ثم قامت فانصرفت، وقمت أنا وهو، فظلّ عندي حتى أمسى ثم انطلق.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد اللّه بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي قال: خرج كثيّر في الحاجّ بجمل له يبيعه، فمرّ بسكينة بنت الحسين ومعها عزّة وهو لا يعرفها. فقالت سكينة: هذا كثيّر فسوموه بالجمل، فساموه فاستام مائتي درهم فقالت: ضع عنّا فأبى. فدعت له بتمر وزبد فأكل، ثم قالت له: ضع عنا كذا وكذا (لشيء يسير) فأبى. فقالوا: قد أكلت يا كثيّر بأكثر مما نسألك! فقال: ما أنا بواضع شيئا. فقالت سكينة: اكشفوا، فكشفوا عنها وعن عزّة. فلما رآهما استحيا وانصرف وهو يقول: هو لكم هو لكم!.
من ذكر أن كثيّرا كان يكذب في عشقه: أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا ابن سلّام قال: كان كثيّر مدّعيا ولم يكن عاشقا، وكان جميل صادق الصبّابة والعشق.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال زعم إسحاق بن إبراهيم أنه سمع أبا عبيدة يقول: كان جميل يصدق في حبه، وكان كثيّر يكذب.
ومما وجدناه في أخباره ولم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزّة ذات يوم وهي منتقبة تميس في مشيتها، فلم يعرفها كثيّر، فاتّبعها وقال: يا سيّدتي! قفي حتّى أكلّمك فإني لم أر مثلك قطّ، فمن أنت ويحك؟ قالت: ويحك! وهل تركت عزّة فيك بقيّة لأحد؟ قال: بأبي أنت! واللّه لو أنّ عزّة أمة لي لوهبتها لك.
قالت: فهل لك في المخاللة؟ قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: أنّي وكيف بما قلت في عزّة؟! قال: أقلبه فأحوّله إليك. فسفرت عن وجهها ثم قالت: أغدرا يا فاسق وإنك لهكذا! فأبلس ولم ينطق وبهت. فلما مضت أنشأ يقول:
ألا ليتني قبل الذي قلت شيب ليمن السمّ جدحات بماء الذّرارح
فمتّ ولم تعلم عليّ خيانةوكم طالب للريح ليس برابح
أبوء بذنبي إنني قد طلمتهاوإني بباقي سرّها غير بائح
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة قال زعم ابن الكلبيّ عن أبي المقوّم قال أخبرني سائب راوية كثيّر قال: خرجت معه نريد مصر، فمررنا بالماء الذي فيه عزّة فإذا هي في خباء، فسلّمنا جميعا، فقالت عزة: وعليك السلام يا سائب. ثم أقبلت على كثيّر فقالت: ويحك! ألا تتّقي اللّه! أرأيت قولك:
بآية ما أتيتك أمّ عمروفقمت لحاجتي والبيت خالي
أخلوت معك في بيت أو غير بيت قطّ؟! قال. لم أقله، ولكنني قلت:
فأقسم لو أتيت البحر يومالأشرب ما سقتني من بلال
وأقسم إنّ حبّك أمّ عمرولداء عند منقطع السّعال
قالت: أمّا هذا فنعم. فأتينا عبد العزيز ثم عدنا، فقال كثيّر: عليك السلام يا عزّة قالت: عليك السلام يا جمل.
فقال كثيّر.
صوت
حيتك عزّة بعد الهجر فانصرفتفحيّ وحيك من حيّاك يا جمل
لو كنت حيّيتها ما زلت ذامقةعندي وما مسّك الإدلاج والعمل
ليت التحيّة كانت لي فأشكرهامكان يا جمل حيّيت يا رجل
ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات غناء لمعبد. وذكر الهشاميّ أن فيها لبثينة خفيف رمل بالبنصر. وذكر حبش أنّ فيها للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ولإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.
أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عليّ بن محمد البرمكيّ قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ قال: قدم عليّ هشام بن محمد الكلبيّ فسألته عن العشّاق يوما فحدّثني قال: تعشّق كثيّر امرأة من خزاعة يقال لها أمّ الحويرث فنسب بها، وكرهت أن يسمّع بها ويفضحها كما سمّع بعزّة، فقالت له: إنك رجل فقير لا مال لك، فابتغ ما لا يعفّى عليك ثم تعال فاخطبني كما يخطب الكرام. قال: فاحلفي لي ووثّقي أنّك لا تتزوّجين حتى أقدم عليك، فحلفت ووثّقت له. فمدح عبد الرحمن بن إبريق الأزديّ، فخرج إليه، فلقيته ظباء سوانح ولقي غرابا يفحص التراب بوجهه، فتطيّر من ذلك حتى قدم على حيّ من لهب فقال: أيّكم يزجر؟ فقالوا: كلّنا، فمن تريد؟
قال: أعلمكم بذاك. قالوا: ذاك الشيخ المنحني الصّلب. فأتاه فقصّ عليه القصة، فكره ذلك له وقال له: قد توفّيت أو تزوجت رجلا من بني عمّها. فأنشأ يقول:
صوت
تيمّمت لهبا أبتغى العلم عندهموقد ردّ علم العائفين إلى لهب
تيمّمت شيخا منهم ذا بجالةبصيرا بزجر الطير منحنى الصّلب
فقلت له ما ذا ترى في سوانحوصوت غراب يفحص الوجه بالتّرب
فقال جرى الطير السّنيح ببينهاوقال غراب جدّ منهمر السّكب
فإلّا تكن ماتت فقد حال دونهاسواك خليل باطن من بني كعب
- غنّاه مالك من رواية يونس ولم يجنّسه - قال: فمدح الرجل الأزديّ ثم أتاه فأصاب منه خيرا كثيرا، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلا من بني كعب، فأخذه الهلاس، فكشح جنباه بالنار. فلما اندمل من علّته وضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: إنه أخذك الهلاس وزعم الأطبّاء أنه لا علاج لك إلّا الكشح بالنار فكشحت بالنار. فأنشأ يقول:
صوت
عفا اللّه عن أمّ الحويرث ذنبهاعلام تعنّيني وتكمي دوائيا
فلو آذنوني قبل أن يرقموا بهالقلت لهم أمّ الحويرث دائيا
- في هذين البيتين لمالك ثقيل أوّل بالوسطى. ولابن سريج رمل بالبنصر كلاهما عن عمرو والهشاميّ. وقيل:
إن فيهما لمعبد لحنا - وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة ولم يتجاوزاه بالرواية فذكر نحو هذا وقال فيه: إنه قصد ابن الأزرق بن حفص بن المغيرة المخزوميّ الذي كان باليمن، وإنه فعل ذلك بعد موت عزّة. وسائر الخبر متقارب.
وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن محمد بن سليمان بن فليح أو فليح بن سليمان - أنا شككت - عن أبيه عن جدّه قال: جاء كثيّر إلى عبد اللّه بن جعفر وقد نحل وتغيّر. فقال له عبد اللّه: مالي أراك متغيرا يا أبا صخر؟ قال: هذا ما عملت بي أمّ الحويرث، ثم ألقى قميصه فإذا به قد صار مثل القشّ وإذا به آثار من كيّ، ثم أنشده:
عفا اللّه عن أمّ الحويرث ذنبها
الأبيات.
أخبرني عمّي قال حدّثني ابن أبيّ قال حدّثني الحزاميّ عمن حدّثه من أهل قديد: أنّ عزّة قالت لبثينة: تصدّي لكثيّر وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به. فأقبلت إليه وعزّة تمشي وراءها مختفية، فعرضت عليه الوصل، فقاربها ثم قال:
رمتني على عمد بثينة بعد ماتولّى شبابي وارججنّ شبابها
وذكر أبياتا أخر سقط من الكتّاب ذكرها. فكشفت عزّة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:
ولكنّما ترمين نفسا مريضةلعزّة منها صفوها ولبابها
فضحكت ثم قالت: أولى لك بها قد نجوت، وانصرفتا تتضاحكان.
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهري قال: بكى بعض أهل كثيّر عليه حين نزل به الموت. فقال له كثيّر: لا بتك، فكأنّك بي بعد أربعين ليلة تسمع خشفة نعلى من تلك الشّعبة راجعا إليكم.
أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني ابن جعدبة وأبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: مات كثيّر وعكرمة مولى ابن عبّاس في يوم واحد، فاجتمعت قريش في جنازة كثيّر، ولم يوجد لعكرمة من يحمله.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن مصعب قال حدّثني الواقديّ قال حدّثني خالد بن القاسم البياضيّ قال: مات عكرمة مولى ابن عبّاس وكثيّر بن عبد الرحمن الخزاعيّ صاحب عزّة في يوم واحد في سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعا صلّي عليهما في يوم واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
وقال ابن أبي سعد الورّاق حدّثني رجاء بن سهل أبو نصر الصاغانيّ قال حدّثنا يحيى بن غيلان قال حدّثني المفضّل بن فضالة عن يزيد بن عروة قال: مات عكرمة وكثيّر عزّة في يوم واحد، فأخرجت جنازتاهما، فما علمت تخلّفت امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازتيهما. قال: وقيل مات اليوم أشعر الناس وأعلم الناس. قال: وغلب النساء على جنازة كثيّر يبكينه ويذكرن عزّة في ندبتهنّ له. قال: فقال أبو جعفر محمد بن عليّ: افرجوا لى عن جنازة كثيّر لأرفعها. قال: فجعلنا ندفع عنها النساء وجعل يضربهنّ محمد بن عليّ بكمّه ويقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهنّ فقالت: يابن رسول اللّه لقد صدقت، إنّا لصواحبات يوسف وقد كنّا له خيرا منكم له. قال: فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا. قال: فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرارة النار. فقال لها محمد بن عليّ: أنت القائلة إنّكن ليوسف خير منّا؟ قال: نعم! تؤمنني غضبك يابن رسول اللّه؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأبيني. قالت: نحن يابن رسول اللّه دعوناه إلى اللذّات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ وبعتموه بأبخس الأثمان وحبستموه في السّجن. فأيّنا كان عليه أحنى وبه أرأف؟! فقال محمد: للّه درّك! ولن تغالب امرأة إلّا غلبت. ثم قال لها: ألك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله. قال: فقال أبو جعفر: صدقت، مثلك من تملك بعلها ولا يملكها. قال: فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه زينب بنت معيقب.
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء:
صوت
نظرت إليها نظرة وهي عاتقعلى حين أن شبّت وبان نهودها
نظرت إليها نظرة ما يسّرنيبها حمر أنعام البلاد وسودها
وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضهاأرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
عروضه من الطويل. البيت الأول لكثيّر، والثاني والثالث لنصيب من قصيدته التي أوّلها: لقد هجرت سعدى وطال صدودها غنّى في البيت الثاني والثالث جحدر الراعي خفيف رمل بالبنصر. وغنّى فيهما الهذليّ رملا بالوسطى. وغنّى في الثالث والرابع دعامة ثقيلا أوّل بالبنصر.
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال عمر الواديّ، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني مكين العذريّ قال: سمعت عمر الواديّ يقول: بينا أنا أسير بين الرّوحاء والعرج إذ سمعت إنسانا يغنّي غناء لم أسمع قطّ مثله في بيتي كثيّر:
وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضهاأرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
قال: فكدت أسقط عن راحلتي طربا، وقلت: واللّه لألتمسنّ الوصول إلى هذا الصوت ولو بذهاب عضو من أعضائي، فتيمّمت سمته فإذا راع في غنم، فسألته إعادته عليّ. قال: نعم! ولو حضرني قرى أقريكه ما أعدته، ولكنّي أجعله قراك، فربما ترنّمت به وأنا غرثان فأشبع، وعطشان فأروى، ومستوحش فآنس، وكسلان فأنشط.
قال: فأعادهما عليّ حتى أخذتهما، فما كان زادي حتى ولجت المدينة غيرهما.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع