تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أمرىء القيس ونسبه وأخباره

فيه ٨٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قال الأصمعيّ: هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة. وقال ابن الأعرابيّ: هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور وهو كندة. وقال محمد بن حبيب: هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك ابن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة. وقال بعض الرّواة: هو امرؤ القيس بن السّمط بن امرىء القيس بن عمرو بن معاوية بن ثور وهو كندة. وقالوا جميعا: كندة هو كندة بن عفير بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أزفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن الأعرابيّ: ثور هو كندة بن مرتع بن عفير بن الحارث بن مرّة بن عديّ بن أدد ابن زيد بن عمرو بن مسمع بن عريب بن عمرو بن زيد بن كهلال.

وأمّ امرىء القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيّين. وقال من زعم أنه امرؤ القيس بن السّمط: أمّه تملك بنت عمرو بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معد يكرب. قال من ذكر هذا وأنّ أمّه تملك: قد ذكر ذلك امرؤ القيس في شعره فقال:

ألا هل أتاها والحوادث جمّةبأن امرأ القيس بن تملك بيقرا

بيقر أي جاء العراق والحضر. ويقال: بيقر الرجل إذا هاجر. وقال يعقوب بن السّكّيت: أمّ حجر أبي امرىء القيس أمّ قطام بنت سلمة امرأة من عنزة.

ويكنى امرؤ القيس، على ما ذكره أبو عبيدة، أبا الحارث. وقال غيره: يكنى أبا وهب. وكان يقال له الملك الضّلّيل، وقيل له أيضا ذو القروح وإياه عنى الفرزدق بقوله:

وهب القصائد لي النوابغ إذ مضواوأبو زيد وذو القروح وجرول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وشغلت عن حسب الكرام وما بنوا»

يعني بأبي يزيد المخبّل السّعديّ، وجرول الحطيئة.

قال: وولد ببلاد بني أسد. وقال ابن حبيب: كان ينزل المشقّر من اليمامة. ويقال: بل كان ينزل في حصن بالبحرين.

وقال جميع من ذكرنا من الرّواة: إنما سمّي كندة لأنه كند أباه أي عقّه. وسمّي مرتع بذلك لأنه كان يجعل لمن أتاه من قومه مرتعا له ولماشيته. وسمّي حجر آكل المرار بذلك لأنه لما أتاه الخبر بأن الحارث بن جبلة كان نائما في حجر امرأته هند وهي تفليه جعل يأكل المرار (وهو نبت شديد المرارة) من الغيظ وهو لا يدري. ويقال: بل قالت هند للحارث وقد سألها: ما ترين حجرا فاعلا؟ قالت: كأنّك به قد أدركك في الخيل وهو كأنه بعير قد أكل المرار.

قال: وسمّي عمرو المقصور لأنه قد قصر على ملك أبيه أي أقعد فيه كرها.

أخبرني بخبره، على ما قد سقته ونظمته، أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه، وروى بعضه عن عليّ بن الصّبّاح عن هشام بن الكلبيّ، وأخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن عليّ بن الصّبّاح عن هشام بن الكلبيّ، قال ابن أبي سعد وأخبرني دارم بن عقال بن حبيب الغسّانيّ أحد ولد السّموءل بن عادياء عن أشياخه، وأخبرنا أبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة، وأخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف عن عمه إسماعيل، وأضفت إلى ذلك رواية ابن الكلبيّ مما لم أسمعه من أحد ورواية الهيثم بن عديّ ويعقوب بن السّكّيت والأثرم وغيرهم، لما في ذلك من الاختلاف، ونسبت رواية كلّ راو إذا خالف رواية غيره إليه، قالوا: كان عمرو بن حجر وهو المقصور ملكا بعد أبيه، وكان أخوه معاوية وهو الجون على اليمامة، وأمّهما شعبة بنت أبي معاهر بن حسان بن عمرو بن تبّع. ولما مات ملك بعده ابنه الحارث، وكان شديد الملك بعيد الصّيت. ولما ملك قباذ بن فيروز خرج في أيام ملكه رجل يقال له مزدك فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم وألّا يمنع أحد منهم أخاه ما يريده من ذلك. وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملا على الحيرة ونواحيها. فدعاه قباذ إلى الدخول معه في ذلك فأبى. فدعا الحارث بن عمرو فأجابه؛ فشدّد له ملكه وأطرد المنذر عن مملكته وغلب على ملكه. وكانت أمّ أنو شروان بين يدي قباذ يوما، فدخل عليه مزدك. فلما رأى أمّ أنو شروان قال القباذ: ادفعها لي لأقضي حاجتي منها؛ فقال: دونكها. فوثب إليه أنو شروان فلم يزل يسأله ويضرع إليه أن يهب له أمّه حتى قبّل رجله فتركها له؛ فكانت تلك في نفسه. فهلك قباذ على تلك الحال، وملك أنو شروان فجلس في مجلس الملك.

وبلغ المنذر هلاك قباذ فأقبل إلى أنو شروان وقد علم خلافه على أبيه فيما كانوا دخلوا فيه. فأذن أنو شروان للناس، فدخل عليه مزدك ثم دخل عليه المنذر. فقال أنو شروان: إني كنت تمنّيت أمنيّتين أرجو أن يكون اللّه قد جمعهما لي. فقال مزدك: وما هما أيها الملك؟ قال: تمنّيت أن أملك فأستعمل هذا الرجل الشريف (يعني المنذر) وأن أقتل هؤلاء الزنادقة. فقال له مزدك: أو تستطيع أن تقتل الناس كلّهم؟! قال: إنك لها هنا يابن الزانية! واللّه ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبّلت رجلك إلى يومي هذا! وأمر به فقتل وصلب، وأمر بقتل الزنادقة فقتل منهم ما بين جازر إلى النّهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم؛ وسمّي يومئذ أنو شروان. وطلب أنو شروان الحارث بن عمرو؛ فبلغه ذلك وهو بالأنبار، وكان بها منزله - وإنما سمّيت الأنبار لأنه كان يكون بها أهراء الطعام وهي الأنابير - فخرج هاربا في هجائنه وماله وولده فمرّ بالثّويّة؛ وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وبهراء وإياد، فلحق بأرض كلب فنجا، وانتهبوا ماله وهجائنه. وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار؛ فقدم بهم على المنذر فضرب رقابهم بحفر الأملاك في ديار بني مرينا العباديّين بين دير هند والكوفة.

فذلك قول عمرو بن كلثوم:

فآبوا بالنّهاب والسّباياوأبنا بالملوك مصفّدينا
ملوك من بني حجر بن عمرويساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبواولكن في ديار بني مرينا
ولم تغسل جماجمهم بغسلولكن في الدماء مرمّلينا
تظلّ الطير عاكفة عليهموتنتزع الحواجب والعيونا

قالوا: ومضى الحارث فأقام بأرض كلب. فكلب يزعمون أنهم قتلوه. وعلماء كندة تزعم أنه خرج إلى الصيد فألظّ بتيس من الظّباء فأعجزه، فآلى أليّة ألّا يأكل أوّلا إلا من كبده. فطلبته الخيل ثلاثا فأتي بعد ثالثة وقد هلك جوعا، فشوي له بطنه، فتناول فلذة من كبده فأكلها حارّة فمات. وفي ذلك يقول الوليد بن عديّ الكنديّ في أحد بني بجيلة:

فشووا فكان شواؤهم خبطا لهإن المنيّة لا تجلّ جليلا

وزعم ابن قتيبة أن أهل اليمن يزعمون أن قباذ بن فيروز لم يملّك الحارث بن عمرو وأن تبّعا الأخير هو الذي ملّكه. قال: ولما أقبل المنذر إلى الحيرة هرب الحارث وتبعته خيل فقتلت ابنه عمرا وقتلوا ابنه مالكا بهيت.

وصار الحارث إلى مسحلان فقتلته كلب. وزعم غير ابن قتيبة أنه مكث فيهم حتى مات حتف أنفه.

وقال الهيثم بن عديّ حدّثني حمّاد الراوية عن سعيد بن عمرو بن سعيد عن سعية بن عريض من يهود تيماء قال: لمّا قتل الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ عمرو بن حجر ملّك بعده ابنه الحارث بن عمرو، وأمّه بنت عوف بن محلّم بن ذهل بن شيبان ونزل الحيرة. فلما تفاسدت القبائل من نزار أتاه أشرافهم فقالوا: إنّا في دينك ونحن نخاف أن نتفانى فيما يحدث بيننا، فوجّه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفّون بعضنا عن بعض. ففرّق ولده في قبائل العرب، فملّك ابنه حجرا على بني أسد وغطفان وملّك ابنه شرحبيل قتيل يوم الكلاب على بكر بن وائل بأسرها وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم والرّباب. وملّك ابنه معد يكرب وهو غلفاء (سمّي بذلك لأنه كان يغلّف رأسه) على بني تغلب والنّمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة وطوائف من بني دارم بن مالك بن حنظلة والصنائع وهم بنو رقيّة قوم كانوا يكونون مع الملوك من شذّاذ العرب. وملّك ابنه عبد اللّه على عبد القيس، وملّك ابنه سلمة على قيس.

وقال ابن الكلبيّ حدّثني أبي: أنّ حجرا كان في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقّتة؛ فغبر ذلك دهرا. ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم، فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة - وضربوا رسله وضرجوهم ضرجا شديدا قبيحا. فبلغ ذلك حجرا؛ فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة، فأتاهم وأخذ سراتهم، فجعل يقتّلهم بالعصا - فسمّوا عبيد العصا - وأباح الأموال، وصيّرهم إلى تهامة، وإلى باللّه ألّا يساكنوهم في بلد أبدا، وحبس منهم عمرو بن مسعود بن كندة بن فزارة الأسديّ وكان سيّدا، وعبيد بن الأبرص الشاعر. فسارت بنو أسد ثلاثا. ثم إنّ عبيد بن الأبرص قام فقال: أيّها الملك اسمع مقالتي:

يا عين فابكي ما بنيأسد فهم أهل النّدامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
أهل القباب الحمر والنّعم المؤبّل والمدامه
وذوي الجياد الجرد والأسل المثقّفة المقامه حلّا أبيت اللّعن حلّا إنّ فيما قلت آمه
في كلّ واد بين يثرب فالقصور إلى اليمامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
تطريب عان أو صياح محرّق أو صوت هامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
ومنعتهم نجدا فقدحلّوا على وجل تهامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
برمت بنو أسد كمابرمت ببيضتها الحمامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
جعلت لها عودين مننشيم وآخر من ثمامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
إمّا تركت تركت عفوا أو قتلت فلا ملامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
أنت المليك عليهموهم العبيد إلى القيامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»
ذلّوا لسوطك مثل ماذلّ الأشيقر ذو الخزامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»

قال: فرقّ لهم حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم فأقبلوا. حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة بن سوادة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، فقال لبني أسد: يا عبادي! قالوا: لبّيك ربّنا. قال: من الملك الأصهب، الغلّاب غير المغلّب، في الإبل كأنها الرّبرب، لا يعلق رأسه الصّخب، هذا دمه ينثعب، وهذا غدا أوّل من يسلب. قالوا: من هو يا ربّنا؟ قال: لو لا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية. فركبوا كلّ صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبّته. وكان حجّابه من بني الحارث بن سعد يقال لهم بنو خدّان بن خنثر منهم معاوية بن الحارث وشبيب ورقيّة ومالك وحبيب، وكان حجر قد أعتق أباهم من القتل. فلمّا نظروا إلى القوم يريدون قتله خيّموا عليه ليمنعوه ويجيروه. فأقبل عليهم علباء بن الحارث الكاهليّ، وكان حجر قد قتل أباه، فطعنه من خللهم فأصاب نساه فقتله.

فلما قتلوه قالت بنو أسد: يا معشر كنانة وقيس، أنتم إخواننا وبنو عمّنا، والرجل بعيد النسب منّا ومنكم، وقد رأيتم ما كان يصنع بكم هو وقومه. فانتهبوهم فشدّوا على هجائنه فمزّقوها ولفّوه في ريطة بيضاء وطرحوه على ظهر الطريق. فلمّا رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه. ووثب عمرو بن مسعود فضمّ عياله وقال: أنا لهم جار قال ابن الكلبيّ: وعدّة قبائل من بني أسد يدّعون قتل حجر ويقولون: إنّ علباء كان الساعي في قتله وصاحب المشورة ولم يقتله هو.

قال ابن حبيب: خدّان في بني أسد وخدّان في بني تميم وفي بني جديلة بالخاء مفتوحة، وخدّان مضمومة في الأزد، وليس في العرب غير هؤلاء.

قال أبو عمرو الشّيبانيّ: بل كان حجر لمّا خاف من بني أسد استجار عوير بن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله. وقال لبني أسد لمّا كثروه: أمّا إذا كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخلّيكم وشأنكم؛ فواعدوه على ذلك. ومال على خالد بن خدّان أحد بني سعد بن ثعلبة.

فأدركه علباء بن الحارث أحد بني كاهل فقال: يا خالد اقتل صاحبك لا يفلت فيعرّك وإيّانا بشرّ، فامتنع خالد.

ومرّ علباء بقصدة رمح مكسورة فيها سنانها، فطعن بها في خاصرة حجر وهو غافل فقتله. ففي ذلك يقول الأسديّ:

وقصدة علباء بن قيس بن كاهلمنيّة حجر في جوار ابن خدّان

وذكر الهيثم بن عديّ أنّ حجرا لمّا استجار عوير بن شجنة لبنيه وقطينه تحوّل عنهم فأقام في قومه مدّة، وجمع لبني أسد جمعا عظيما من قومه وأقبل مدلّا بمن معه من الجنود. فتآمرت بنو أسد بينها وقالوا: واللّه لئن قهركم هذا ليحكمنّ عليكم حكم الصبيّ! فما خير عيش يكون بعد قهر وأنتم بحمد اللّه أشدّ العرب! فموتوا كراما.

فساروا إلى حجر وقد ارتحل نحوهم فلقوه فاقتتلوا قتالا شديدا. وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث، فحمل على حجر فطعنه فقتله، وانهزمت كندة وفيهم يومئذ امرؤ القيس فهرب على فرس له شقراء وأعجزهم، وأسروا من أهل بيته رجالا وقتلوا وملئوا أيديهم من الغنائم، وأخذوا جواري حجر ونساءه وما كان معه من شيء فاقتسموه بينهم.

وقال يعقوب بن السّكّيت حدّثني خالد الكربيّ قال: كان سبب قتل حجر أنه كان وفد إلى أبيه الحارث بن عمرو في مرضه الذي مات فيه وأقام عنده حتى هلك، ثم أقبل راجعا إلى بني أسد وقد كان أغار عليهم في النّساء وأساء ولايتهم، وكان يقدّم بعض ثقله أمامه ويهيّأ نزله ثم يجيء وقد هيّىء له من ذلك ما يعجبه فينزل، ويقدّم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل فيضرب له في المنزلة الأخرى. فلما دنا من بلاد بني أسد وقد بلغهم موت أبيه طمعوا فيه. فلما أظلّهم وضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى نوفل بن ربيعة بن خدّان، فقال: يا بني أسد! من يتلقّى هذا الرجل منكم فيقتطعه؟ فإني قد أجمعت على الفتك به. فقال له القوم: ما لذلك أحد غيرك. فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثّقل فقتل من وجد فيه، وساق الثّقل وأصاب جاريتين قينتين لحجر، ثم أقبل حتى أتى قومه. فلما رأوا ما قد حدث وأتاهم به عرفوا أن حجرا يقاتلهم وأنه لا بدّ من القتال، فحشد الناس لذلك، وبلغ حجرا أمرهم، فأقبل نحوهم. فلما غشيهم ناهضوه القتال وهم بين أبرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقي حجر، فلم يلبثوا حجرا أن هزموا أصحابه وأسروه فحبسوه. وتشاور القوم في قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا فيه رأيهم: أيّ قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتّى أزجر لكم. فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله.

فلمّا رأى ذلك علباء خشي أن يتواكلوا في قتله؛ فدعا غلاما من بني كاهل، وكان ابن أخته وكالن حجر قتل أباه زوج أخت علباء، فقال: يا بنيّ، أعندك خير فتثأر بأبيك وتنال شرف الدهر وإنّ قومك لن يقتلوك؟!. فلم يزل بالغلام حتى حرّبه، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: أدخل عليه مع قومك ثم اطعنه في مقتله: فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها ثم دخل على حجر في قبّته التي حبس فيها. فلمّا رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله، فوثب القوم على الغلام. فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا. فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلّوا عنه. وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذلّ دهر. أما واللّه لا تحظون عند الملوك بعده أبدا.

قال ابن السّكّيت: ولما طعن الأسديّ حجرا ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع - وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه، واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيّهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيّتي. وقد كان بيّن في وصيتّه من قتله وكيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيّته إلى نافع ابنه: فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحدا واحدا فكلّهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنّرد؛ فقال له: قتل حجر. فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس: إضرب فضرب. حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك. ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كلّه فأخبره. فقال: الخمر عليّ والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجزّ نواصي مائة. وفي ذلك يقول:

أرقت ولم يأرق لما بي نافعوهاج لي الشوق الهموم الروادع

وقال ابن الكلبيّ: حدّثني أبي عن ابن الكاهن الأسديّ: أنّ حجرا كان طرد امرأ القيس وآلى ألّا يقيم معه أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذّاذ العرب من طيّىء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيّد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنّته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمّون من أرض اليمن، أتاه به رجل من بني عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصّاف. فلما أتاه بذلك قال:

تطاول الليل على دمّوندمّون إنّا معشر يمانون
وإنّنا لأهلها محبّون

ثم قال: ضيّعني صغيرا وحمّلني دمه كبيرا. لا صحو اليوم ولا سكر غدا. «اليوم خمر، وغدا أمر» فذهبت مثلا. ثم قال:

خليليّ لا في اليوم مصحى لشاربولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب

ثم شرب سبعا. فلمّا صحا آلى ألا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدّهن بدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه من جنابة، حتى يدرك بثاره. فلما جنّة الليل رأى برقا فقال:

أرقت لبرق بليل أهلّيضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذّبتهبأمر تزعزع منه القلل
بقتل بني أسد ربّهمألا كلّ شيء سواه جلل
فأين ربيعة عن ربّهاوأين تميم وأين الخول
ألا يحضرون لدي بابهكما يحضرون إذا ما أكل

وروى الهيثم عن أصحابه أنّ امرأ القيس لمّا قتل أبوه كان غلاما قد ترعرع، وكان في بني حنظلة مقيما لأنّ ظئرة كانت امرأة منهم. فلما بلغه ذلك قال:

يا لهف هند إذ خطئن كاهلاالقاتلين الملك الحلاحلا
تاللّه لا يذهب شيخي باطلايا خير شيخ حسبا ونائلا
وخيرهم - قد علموا - فواضلايحملننا والأسل النّواهلا
وحيّ صعب والوشيج الذّابلامستثفرات بالحصى جوافلا

يعني صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. معنى قوله «مستثفرات بالحصى»: يريد أنها أثارت الحصى بحوافرها لشدّة جريها حتى ارتفع إلى أثفارها فكأنها استثفرت به.

وقال الهيثم بن عديّ: لمّا قتل حجر انحازت بنته وقطينه إلى عوير بن شجنة. فقال له قومه: كل أموالهم فإنهم مأكولون، فأبى. فلما كان الليل حمل هندا وقطينها وأخذ بخطام جملها وأشأم بهم في ليلة طخياء مدلهمّة.

فلما أضاء البرق أبدى عن ساقيه وكانت حمشتين. فقالت هند: ما رأيت كالليلة ساقي واف. فسمعها فقال يا هند: هما ساقا غدر شرّ. فرمى بها النّجاد حتى أطلعها نجران، وقال لها: إني لست أغني عنك شيئا وراء هذا الموضع، وهؤلاء قومك، وقد برئت خفارتي. فمدحه امرؤ القيس بعدّة قصائد، منها قوله في قصيدة له:

ألا إنّ قوما كنتم أمس دونهمهم منعوا جاراتكم آل غدران
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إِن قوماً كنتم أمس دونهم»
عوير ومن مثل العوير ورهطهأبرّ بميثاق وأوفى بجيران
هم أبلغوا الحيّ المضيّع أهلهوساروا بهم بين الفرات ونجران

وقوله:

ألا قبح اللّه البراجم كلّهاوجدّع يربوعا وعفّر دارما
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا قبح الله البراجم كلها»
فما فعلوا فعل العوير ورهطهلدى باب حجر إذ تجرّد قائما

وقال ابن قتيبة في خبره: إنّ القصة المذكورة عن عوير كانت مع أبي حنبل وجارية ابن مرّ. قال ويقال: بل كانت مع عامر بن جوين الطائيّ وإن ابنته أشارت عليه بأخذ مال حجر وعياله، فقام ودخل الوادي ثم صاح: ألا إنّ عامر بن جوين وفى، فأجابه الصّدى بمثل قوله، فقال: ما «أحسن هذا! ثم دعا ابنته بجذعة من غنم فاحتلبها وشرب واستلقى على قفاه وقال: واللّه لا أغدر ما أجزأتني جذعة. ثم نهض وكانت ساقاه حمشتين، فقالت ابنته: واللّه ما رأيت كاليوم ساقي واف.

فقال: وكيف بهما إذا كانتا ساقي غادر! هما واللّه حينئذ أقبح.

وقال ابن الكلبيّ عن أبيه ويعقوب بن السّكّيت عن خالد الكلابيّ: إن امرأ القيس ارتحل حتى نزل بكرا وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد. فبعث العيون على بني أسد فنذروا بالعيون ولجئوا إلى بني كنانة. وكان الذي أنذرهم بهم علباء بن الحارث. فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد تعلمون! واللّه إنّ عيون امرىء القيس قد أتتكم ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة، ففعلوا. وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب حتى انتهى إلى بني كنانة وهو يحسبهم بني أسد فوضع السّلاح فيهم وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام! فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللّعن! لسنا لك بثأر، نحن من كنانة، فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد شاروا بالأمس. فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك - فقال في ذلك:

ألا يالهف هند إثر قومهم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدّهم ببني أبيهموبالأشقين ما كان العقاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا يا لهف هند إثر قوم»
وأفلتهنّ علباء جريضاولو أدركنه صفر الوطاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا يا لهف هند إثر قوم»

يعني ببني أبيهم بني كنانة، لأن أسدا وكنانة ابني خزيمة أخوان.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: سمعت رجلا سأل يونس عن قوله «صفر الوطاب»، فقال: سألنا رؤبة عنه فقال: لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله فصفرت وطابه من اللّبن. وقال غيره: صفر الوطاب أي إنه كان يقتل فيكون جسمه صفرا من دمه كما يكون الوطاب صفرا من اللّبن.

وأدركهم ظهرا وقد تقطّعت خيله وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامّون على الماء، فنهد إليهم فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز اللّيل بينهم، وهربت بنو أسد. فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتّبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: واللّه ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدا. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم. وكرهوا قتالهم بني كنانة وانصرفوا عنه. ومضى هاربا لوجهه حتى لحق بحمير.

وقال ابن السّكّيت حدّثني خالد الكلابيّ: أن امرأ القيس لمّا أقبل من الحرب على فرسه الشّقراء لجأ إلى ابن عمّته عمرو بن المنذر - وأمّه هند بنت عمرو بن حجر بن آكل المرار، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه وتفرّق ملك أهل بيته، وكان عمرو يومئذ خليفة لأبيه المنذر ببقّة وهي بين الأنبار وهيت - فمدحه وذكر صهره ورحمه وأنه قد تعلّق بحباله ولجأ إليه. فأجاره، ومكث عنده زمانا. ثم بلغ المنذر مكانه عنده فطلبه، وأنذره عمرو فهرب حتى أتى حمير.

وقال ابن الكلبيّ والهيثم بن عديّ وعمر بن شبّة وابن قتيبة: فلمّا امتنعت بكر بن وائل وتغلب من اتّباع بني أسد خرج من فوره ذلك إلى اليمن فاستنصر أزدشنوءة، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا.

فنزل بقيل يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميريّ، وكانت بينهما قرابة، فاستنصره واستمدّه على بني أسد، فأمدّه بخمسمائة رجل من حمير؛ ومات مرثد قبل رحيل امرىء القيس بهم.

وقام بالمملكة بعده رجل من حمير يقال له قرمل بن الحميم وكانت أمّه سوداء، فردّد امرأ القيس وطوّل عليه حتى همّ بالانصراف وقال:

وإذ نحن ندعو مرثد الخير ربّناوإذ نحن لا ندعى عبيدا لقرمل

فأنفذ له ذلك الجيش؛ وتبعه شذّاذ من العرب، واستأجر من قبائل العرب رجالا، فسار بهم إلى بني أسد.

ومرّ بتبالة وبها صنم للعرب تعظّمه يقال له ذو الخلصة؛ فاستقسم عنده بقداحة وهي ثلاثة الآمر والناهي والمتربّص، فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: مصصت بظر أمّك! لو أبوك قتل ما عقتني. ثم خرج فظفر ببني أسد. ويقال: إنه ما استقسم عند ذي الخلصة بعد ذلك بقدح حتى جاء أمر اللّه بالإسلام وهدمه جرير بن عبد اللّه البجليّ.

قالوا: وألّح المنذر في طلب امرىء القيس ووجّه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ ولم تكن لهم طاقة، وأمدّه أنو شروان بجيش من الأساورة فسرّحهم في طلبه. وتفرّقت حمير ومن كان معه عنه. فنجا في عصبة من بني آكل المرار حتى نزل بالحارث بن شهاب من بني يربوع بن حنظلة، ومع امرىء القيس أدراع خمسة: الفضفاضة والضيافة والمحصّنة والخربق وأمّ الذيول كنّ لبني آكل المرار يتوارثونها ملكا عن ملك. فقلّما لبثوا عند الحارث بن شهاب حتى بعث إليه المنذر مائة من أصحابه يوعده بالحرب إن لم يسلم إليه بني آكل المرار فأسلمهم؛ ونجا امرؤ القيس ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وبنته هند (بنت امرىء القيس) والأدرع والسلاح ومال كان بقي معه، فخرج على وجهه حتى وقع في أرض طيّى ء.

وقيل: بل نزل قبلهم على سعد بن الضّباب الإياديّ سيّد قومه فأجاره.

قال ابن الكلبيّ: وكانت أمّ سعد بن الضّباب تحت حجر أبي امرىء القيس فطلّقها وكانت حاملا وهو لا يعرف، فتزوجها الضّباب فولدت سعدا على فراشه، فلحق نسبه به. فقال امرؤ القيس يذكر ذلك:

يفاكهنا سعد وينعم بالناويغدو علينا بالجفان وبالجزر
ونعرف فيه من أبيه شمائلاومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذاونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

ثم تحوّل عنه فوقع في أرض طيّىء فنزل برجل من بني جديلة يقال له المعلّى بن تيم. ففي ذلك يقول:

كأنّي إذ نزلت على المعلّىنزلت على البواذخ من شمام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «كأني إذ نزلت على المعلى»
فما ملك العراق على المعلّىبمقتدر ولا ملك الشام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «كأني إذ نزلت على المعلى»
أقرّ حشى امرىء القيس بن حجربنو تيم مصابيح الظلام

قالوا: فلبث عنده واتّخذ إبلّا هناك. فغدا قوم من بني جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الإبل. وكانت لامرىء القيس رواحل مقيّدة عند البيوت خوفا من أن يدهمه أمر ليسبق عليهن. فخرج حينئذ فنزل ببني نبهان من طيّى ء، فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا له الإبل فأخذتهن جديلة، فرجعوا إليه بلا شيء. فقال في ذلك:

وأعجبني مشي الحزقّة خالدكمشي أتان حلّئت بالمناهل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «فدع عنك نهباً صيح في حجراته»
فدع عنك نهبا صيح في حجراتهولكن حديثا ما حديث الرّواحل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «فدع عنك نهباً صيح في حجراته»

ففرّقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحلبها. فأنشأ يقول:

إذا ما لم تجد إبلا فمعزّىكأن قرون جلّتها العصى
إذا ما قام حالبها أرنّتكأن القوم صبّحهم نعيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمناوحسبك من غنّى شبع وريّ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

فكان عندهم ما شاء اللّه. ثم خرج فنزل بعامر بن جوين واتخذ عنده إبلا، وعامر يومئذ أحد الخلعاء الفتّاك قد تبّرأ قومه من جرائره، فكان عنده ما شاء اللّه، ثم همّ أن يغلبه على أهله وماله، ففطن امرؤ القيس بشعر كان عامر ينطق به وهو قوله:

فكم بالصعيد من هجان مؤبّلةتسير صحاحا ذات قيد ومرسله
أردت بها فتكا فلم أرتمض لهونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله

وكان عامر أيضا يقول يعرّض بهند بنت امرىء القيس:

ألا حيّ هندا وأطلالهاوتظعان هند وتحلا لها
هممت بنفسي كلّ الهمومفأولى لنفسي أولى لها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»
سأحمل نفسي على آلةفإمّا عليها وإمّا لها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

هكذا روى ابن أبي سعد عن دارم بن عقال. ومن الناس من يروي هذه الأبيات للخنساء في قصيدتها:

ألا ما لعيني ألا ما لهالقد أخضل الدمع سربالها

قالوا: فلما عرف امرؤ القيس ذلك منه وخافه على أهله وماله، تغفّله وانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مرّ فاستجار به. فوقعت الحرب بين عامر وبين الثّعليّ، فكانت في ذلك أمور كثيرة. قال دارم بن عقال في خبره: فلمّا وقعت الحرب بين طيّىء من أجله، خرج من عندهم فنزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار حتى يرى ذات عيبه. فقال له الفزاريّ: يابن حجر، إني أراك في خلل من قومك وأنا أنفس بمثلك من أهل الشرف، وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيّى ء، وأهل البادية أهل برّ لا أهل حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس، أفلا أدلّك على بلد! فقد جئت قيصر وجئت النّعمان فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه. قال: من هو وأين منزله؟ قال: السّموءل بتيماء، وسوف أضرب لك مثله، هو يمنع ضعفك حتى ترى ذات عيبك، وهو في حصن حصين وحسب كبير. فقال له امرؤ القيس وكيف لي به؟ قال: أوصلك إلى من يوصلك إليه؛ فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الرّبيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي السموءل فيحمله ويعطيه. فلمّا صار إليه قال له الفزاريّ: إنّ السموءل يعجبه الشعر. فتعال نتناشد له أشعارا. فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول. فقال الربيع:

قل للمنيّة أيّ حين نلتقيبفناء بيتك في الحضيض المزلق

وهي طويلة يقول فيها:

ولقد أتيت بني المصاص مفاخراوإلى السموءل زرته بالأبلق
فأتيت أفضل من تحمّل حاجةإن جئته في غارم أو مرهق
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
عرفت له الأقوام كلّ فضيلةوحوى المكارم سابقا لم يسبق
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

قال: فقال امرؤ القيس:

طرقتك هند بعد طول تجنّبوهنا ولم تك قبل ذلك تطرق

وهي قصيدة طويلة، وأظنّها منحولة لأنها لا تشاكل كلام امرىء القيس، والتوليد فيها بيّن، وما دوّنها في «ديوانه» احد من الثّقات؛ وأحسبها مما صنعه دارم لأنه من ولد السموءل ومما صنعه من روى عنه من ذلك فلم تكتب هنا.

قال فوفد الفزاريّ بامرىء القيس إليه. فلما كانوا ببعض الطريق إذا هم ببقرة وحشية مرميّة. فلما نظر إليها أصحابه قاموا فذكّوها. فبينما هم كذلك إذا هم بقوم قنّاصين من بني ثعل. فقالوا لهم: من أنتم؟ فانتسبوا لهم، وإذا هم من جيران السموءل فانصرفوا جميعا. وقال امرؤ القيس:

ربّ رام من بني ثعلمخرج كفّيه من قتره
عارض زوراء من نشممع باناة على وتره

- هكذا في رواية ابن دارم. ويروى «غير باناة» و «تحت باناة» -

إذ أتته الوحش واردةفتثنّى النزع في يسره
فرماها في فرائصهابإزاء الحوض أو عقره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»
برهيش من كنانتهكتلظّي الجمر في شرره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»
راشه من ريش ناهضةثم أمهاه على حجره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»
فهو لا تنمي رميّتهما له لا عدّ من نفره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»

قال: ثم مضى القوم حتى قدموا على السّموءل، فأنشده الشعر، وعرف لهم حقّهم، فأنزل المرأة في قبّة أدم وأنزل القوم في مجلس له براح؛ فكان عنده ما شاء اللّه. ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ بالشأم ليوصله إلى قيصر؛ فاستنجد له رجلا، واستودع عنده المرأة والأدراع والمال، وأقام معها يزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمّه. فمضى حتى انتهى إلى قيصر؛ فقبله وأكرمه وكانت له عنده منزلة.

فاندسّ رجل من بني أسد يقال له الطمّاح، وكان امرؤ القيس قد قتل أخا له من بني أسد، حتى أتى إلى بلاد الروم فأقام مستخفيا. ثم إن قيصر ضمّ إليه جيشا كثيفا وفيهم جماعة من أبناء الملوك. فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه. وقال ابن الكلبيّ: بل قال له الطمّاح: إنّ امرأ القيس غويّ عاهر وإنه لمّا انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائل في ذلك أشعارا يشهّرها بها في العرب فيفضحها ويفضحك. فبعث إليه حينئذ بحلّة وشي مسمومة منسوجة بالذهب وقال له: إني أرسلت إليك بحلّتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إليّ بخبرك من منزل منزل. فلما وصلت إليه لبسها واشتدّ سروره بها؛ فأسرع فيه السمّ وسقط جلده؛ فلذلك سمّي ذا القروح، وقال في ذلك:

لقد طمح الطمّاح من بعد أرضهليلبسني ممّا يلبّس أبؤسا
فلو أنها نفس بموت سويّةولكنّها نفس تساقط أنفسا

قال: فلما صار إلى بلدة من بلاد الروم تدعى أنقرة احتضر بها؛ فقال:

رب خطبة مسحنفرهوطعنة مثعنجره
وجفنة متحيّرهحلّت بأرض أنقره

ورأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك فدفنت في سفح جبل يقال له عسيب؛ فسأل عنها فأخبر بقصتها، فقال:

أجارتنا إنّ المزار قريبوإنّي مقيم ما أقام عسيب
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»
أجارتنا إنّا غريبان هاهناوكلّ غريب للغريب نسيب
للشاعر القاضي أبو العلاء القزويني، اقرأ القصيدة

ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك.

أخبرني محمد بن القاسم عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل إلى عشرة أنا أحدهم من وجوه الكوفة فسمروا عنده، ثم قال: ليحدّثني كلّ رجل منكم أحدوثة وابدأ أنت يا أبا عمر. فقلت أصلح اللّه الأمير! أحديث الحقّ أم حديث الباطل؟

قال: بل حديث الحق. قلت: إنّ امرأ القيس آلى بأليّة ألّا يتزوّج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة وثنتين؛ فجعل يخطب النساء، فإذا سألهنّ عن هذا قلن أربعة عشر. فبينما هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته، فقال لها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنتان؟. فقالت: أمّا ثمانية فأطباء الكلبة. وأمّا أربعة فأخلاف الناقة. وأمّا اثنتان فثديا المرأة. فخطبها إلى أبيها فزوّجه إيّاها. وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس ففعل ذلك. ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة وأهدى إليها نحيا من سمن ونحيا من عسل وحلّة من عصب. فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلّة ولبسها فتعلّقت بعشرة فانشقّت، وفتح النّحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. ثم قدم على حيّ المرأة وهم خلوف. فسألها عن أبيها وأمّها وأخيها ودفع إليها هديّتها. فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرّب بعيدا ويبعّد قريبا، وأن أمّي ذهبت تشقّ النّفس نفسين، وأنّ أخي يراعي الشمس، وأن سماءكم انشقّت، وأنّ وعاءيكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أمّا قولها إنّ أبي ذهب يقرّب بعيدا ويبعّد قريبا، فإنّ أباها ذهب يحالف قوما على قومه. وأمّا قولها ذهبت أمّي تشقّ النفس نفسين، فإنّ أمّها ذهبت تقبل امرأة نفساء. وأمّا قولها: إنّ أخي يراعي الشمس، فإنّ أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأمّا قولها: إن سماءكم انشقّت، فإن البرد الذي بعثت به انشقّ. وأمّا قولها إن وعاءيكم نضبا، فإنّ النّحيين اللّذين بعثت بهما نقصا، فاصدقني. فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي فأخبرتهم أنّي ابن عمّك، ونشرت الحلّة فانشقّت، وفتحت النّحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك!.

ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام، فنزلا منزلا. فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز؛ فأعانه امرؤ القيس؛ فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل، وأخبرهم أنه زوجها. فقيل لها: قد جاء زوجك.

فقالت: واللّه ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فقالت: اسقوه لبنا حازرا (وهو الحامض) فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عن، الفرث والدم، ففرشوا له فنام. فلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك. فقال: سلي عمّا شئت. فقالت: ممّ تختلج شفتاك؟ قال: لتقبيلي إيّاك. قالت: فممّ يختلج كشحاك؟ قال: لالتزامي إيّاك. قالت: فممّ يختلج فخذاك؟ قال: لتورّكي إيّاك. قالت: عليكم العبد فشدّوا أيديكم به، ففعلوا. قال: ومرّ قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيّه، فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل لها: قد جاء زوجك. فقالت: واللّه ما أدري أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزورا فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسّنام والملحاء! فأبى أن يأكل.

فقالت: اسقوه لبنا حازرا. فأبى أن يشربه وقال: فأين الصّريف والرّثيئة!. فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم.

فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التّلعة الحمراء، واضربوا عليها خباء. ثم أرسلت إليه: هلمّ شربطتي عليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عمّا شئت. فقالت: ممّ تختلج شفتاك قال: لشربي المشعشعات. قالت: فممّ يختلج كشحاك، قال: للبسي الحبرات. قالت: فممّ تختلج فخذاك؟ قال: لركضي المطهّمات. فقالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه. ودخل امرؤ القيس بالجارية. فقال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو؛ ولن تأتينا بأعجب منه فقمنا وانصرفنا. وأمر لي بجائزة.

نسخت من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطّه رحمه اللّه حدّثني الحسن بن سعيد عن أبي عبيدة قال أخبرني سيبويه النحويّ أنّ الخليل بن أحمد أخبره قال: قدم على امرىء القيس بن حجر بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد كهول وشبّان، فيهم المهاجرين خداش ابن عمّ عبيد بن الأبرص، وقبيصة بن نعيم، وكان في بني أسد مقيما وكان ذا بصيرة بمواقع الأمور وردا وإصدارا يعرف ذلك له من كان محيطا بأكناف بلده من العرب. فلما علم بمكانهم أمر بإنزالهم وتقدّم بإكرامهم والإفضال عليهم، واحتجب عنهم ثلاثا. فسألوا من حضرهم من رجال كندة، فقال: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من السّلاح والعدّة. فقالوا: اللّهم غفرا، إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف ونستدرك به ما فرط، فليبلّغ ذلك عنّا. فخرج عليهم في قباء وخفّ وعمامة سوداء؛ وكانت العرب لا تعتمّ بالسّواد إلّا في التّرات.

فلمّا نظروا إليه قاموا له، وبدر إليه قبيصة: إنك في المحلّ والقدر والمعرفة بتصرّف الدهر وما تحدثه أيّامه وتتنقّل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ ولا تذكرة مجرّب. ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن هفوة. ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلّا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح في الذي كان من الخطب الجليل الذي عمّت رزيته نزارا واليمن، ولم تخصص كندة بذلك دوننا للشّرف البارع. كان لحجر التاج والعمّة فوق الجبين الكريم وإخاء الحمد وطيب الشّيم. ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك ولفديناه منه، ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه. فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال: إمّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك قصدته فيقول رجل: امتحن بهلك عزيز فلم تستلّ سخيمته إلّا بتمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح من بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البراءاء؛ وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فنسدل الأزر ونعقد الخمر فوق الرايات.

قال: فبكى ساعة ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أن لا كف ء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملا أو ناقة فأكتسب بذلك سبّة الأبد وفتّ العضد. وأمّا النّظرة فقد أوجبتها الأجنّة في بطون أمّهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل القلوب حنقا وفوق الأسنّة علقا

إذا جالت الخيل في مأزقتصافح فيه المنايا النفوسا

أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار لمكروه وأذيّة، وحرب وبليّة. ثم نهضوا عنه، وقبيصة يقول متمثّلا:

لعلك أن تستوخم الموت إن غدتكتائبنا في مأزق الموت تمطر

فقال امرؤ القيس: لا واللّه لا أستوخمه، فرويدا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير. ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي إذ كنت نازلا بربعي؛ ولكنك قلت فأجبت. فقال قبيصة: ما نتوقّع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: فهو ذاك.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني عليّ بن عبد العزيز عن ابن خرداذبة عن إسحاق: أن معبدا كان يسمّي صوته:

هريرة ودّعها وإن لام لائم

الدّوّامة لكثرة ما فيه من الترجيع. ويسمّي صوته:

عاود القلب من تذكّر جمل

المنمنم. ويسمّي صوته:

أمن آل ليلى بالملا متربّع

معقّصات القرون أي يحرك خصل الشعر. ويسمّي صوته:

جعل اللّه جعفرا لك بعلا

المتبختر. ويسمي صوته:

ضوء برق بدا لعينيك أم شبّتبذي الأثل من سلامة نار.

نسبة هذه الأصوات وأخبارها

هريرة ودّعها وإن لام لائمغداة غد أم أنت للبين واجم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»
لقد كان في حول ثواء ثويتهتقضّى لبانات ويسأم سائم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»
مبتّلة هيفاء رود شبابهالها مقلتا ريم وأسود فاحم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»
ووجه نقيّ اللّون صاف يزينهمع الحلي لبّات لها ومعاصم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»

الواجم: الساكت المطرق من الحزن، يقال: وجم يجم وجوما. وقوله: «لقد كان في حول ثواء ثويته»: قال الكوفيون: أراد لقد كان في ثواء حول ثويته، فجعل ثواء بدلا من حول. وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام عن يونس قال: كان أبو عمرو بن العلاء يعيب قول الأعشى:

لقد كان في حول ثواء ثويته

جدّا ويقول: ما أعرف له معنى ولا وجها يصحّ. قال أبو خليفة: وأمّا أبو عبيدة فإنه قال: معناه لقد كان في ثواء حول ثويته. واللّبانات والمآرب والحوائج والأوطار واحد. والمبتّلة: الحسنة الخلق. والهيفاء: اللطيفة الخصر. والرّئم: الظبي. والفاحم: الشديد السواد. وقال: لبّات لها وإنما لها لبّة واحدة ولكنّ العرب تقول ذلك كثيرا؛ يقال: لها لبّات حسان، يراد اللّبّة وما حولها. والمعاصم: موضع الأسورة، وواحدها معصم.

الشعر للأعشى. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان، أحدهما وهو الملقّب بالدوّامة خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر ثقيل عن الهشاميّ وابن خرداذبة.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»