من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار مقتل ربيعة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وهذا الشعر قيل في قتل ربيعة بن مكدّم بن عامر بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن جذل الطّعان بن فراس بن عثمان بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، أحد فرسان مضر المعدودين، وشجعانهم المشهورين، قتله نبيشة بن حبيب السّلمى في يوم الكديد.
وكان السبب في ذلك فيما ذكره محمد بن الحسن بن دريد، إجازة عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة؛ ونسخته أيضا من رواية الأصمعي وحماد صاحب أبي غسان دماذ والأثرم، فجمعتها ههنا.
قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: وقع تدارؤ بين نفر من بني سليم بن منصور وبين نفر من بني فراس بن مالك بن كنانة، فقتلت بنو فراس رجلين من بني سليم بن منصور، ثم إنهم ودوهما. ثم ضرب الدهر ضربانه، فخرج نبيشة بن حبيب السلمي غازيا، فلقى ظعنا من بني كنانة بالكديد، في نفر من قومه، وبصربهم نفر من بني فراس بن مالك، فيهم عبد اللّه بن جذل الطعمان بن فراس، والحارث بن مكدم أبو الفارعة، قال: بعضهم أبو الفرعة، أخو ربيعة بن مكدم، قال: وهو مجدور يومئذ يحمل في محفة، فلما رآهم أبو الفارعة، قال: هؤلاء بنو سليم يطلبون دماءهم. فقال أخوه ربيعة بن مكدم: أنا أذهب حتى أعلم علم القوم، فآتيكم بخبرهم. فتوجه نحوهم، فلما ولّى، قال بعض الظعن: هرب ربيعة. فقالت أخته أم عزة بنت مكدم: أين تنتهي نفرة الفتى؟
فعطف وقد سمع قول النساء، فقال:
لقد علمن أنّني غير فرقلأطعنن طعنه وأعتنق
أعمل فيهم حين تحمر الحدقعضبا حساما وسنانا يأتلق
قال: ثم انطلق يعدو به فرسه، فحمل عليه بعض القوم، فاستطرد له في طريق الظعت. وانفرد به رجل من القوم، فقتله ربيعة. ثم رماه نبيشة أو طعنه، فلحق بالظعن يستدمي، حتى أتى إلى أمه أم سيار، فقال: اجعلي على يدي عصابة، وهو يرتجز ويقول:
شدي عليّ العصب أم سيارلقد رزيت فارسا كالدينار
يطعن بالرمح أمام الأدبار
فقالت أمه:
إنا بنو ثعلبة بن مالكمرزّأ أخيارنا كذلك
من بين مقتول وبين هالكولا يكون الرزء إلا ذلك
قال أبو عبيدة: وشدّت أمه عليه عصابة. فاستسقاها ماء، فقالت: إنك إن شربت الماء مت، فكرّ على القوم. فكر راجعا يشد على القوم ويذبّهم، ونزفه الدم حتى اثخن، فقال للظعن: أوضعن ركابكن خلفي، حتى تنتهين إلى أدنى بيوت الحي، فإني لما بي، وسوف أقف دونكن لهم على العقبة، وأعتمد على رمحي، فلن يقدموا عليكن لمكاني. ففعلن ذلك، فنجون إلى مأمنهن.
قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: ولا نعلم قتيلا ولا ميتا حمى ظعائن غيره. قال: وإنه يومئذ لغلام له ذؤابة. قال: فاعتمد على رمحه، وهو واقف لهن على متن فرسه، حتى بلغن مأمنهن، وما تقدّم القوم عليه.
فقال: نبيشة بن حبيب: إنه لمائل العنق، وما أظنه إلا قد مات. فأمر رجلا من خزاعة كان معه أن يرمي فرسه.
فرماها فقمصت وزالت، فمال عنها ميتا. قال: ويقال بل الذي رمى فرسه نبيشة. فانصرفوا عنه، وقد فاتهم الظّعن.
قال أبو عبيدة: ولحقوا يومئذ أبا الفرعة الحارث بن مكدم، فقتلوه، وألقوا على ربيعة أحجارا.
فمر به رجل من بني الحارث بن فهر، فنفرت ناقته من تلك الأحجار التي أهليت على ربيعة. فقال يرثيه ويعتذر ألا يكون عقر ناقته على قبره، وحض على قتلته، وعيّر من فر وأسلمه من قومه:
نفرت قلوصى من حجارة حرةبنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنهسبّاء خمر مسعر لحروب
لو لا السّفار وبعد خرق مهمهلتركتها تحبو على العرقوب
فر الفوارس عن ربيعة بعدمانجّاهم من غمّة المكروب
يدعو عليا حين أسلم ظهرهفلقد دعوت هناك غير مجيب
للّه در بني عليّ إنهملم يحمشوا غزوا كولغ الذيب
نعم الفتى أدى نبيشة بزّهيوم الكديد، نبيشة بن حبيب
لا يبعدن ربيعة بن مكدموسقى الغوادي قبره بذنوب
قال أبو عبيدة: ويقال إن الذي قال هذا الشعر هو ضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر.
وقال آخر: هو حسان بن ثابت. وقال الأثرم: أنشدني أبو عبيدة مرة أخرى هذا البيت:
وسقى الغوادي قبره بذنوب
واحتج به في قول اللّه عز وجل: ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ
. فسألته لمن هذا البيت، فقال: لمكرّز بن حفص بن الأحنف، أحد بني عامر بن لؤي، رجل من قريش الظواهر؛ ولم يسمه ههنا.
وقال عبد اللّه بن جذل الطعان واسمه بلعاء:
لأطلبن بربيعة بن مكدمحتى أنال عصيّة بن معيص
يقال إن عصية من بني سليم، وهو عصية بن معيص بن عامر بن لؤي
وتقاد كل طمرة ممحوصةومقلّص عبل الشّوى ممحوص
وقال رجل من بني الحارث بن الخزرج من الأنصار يرثي ربيعة بن مكدم. وقال أبو عبيدة: زعم أبو الخطاب الأخفش أنه لحسان بن ثابت، يحض على قتلته.
ولأصرفنّ سوى حذيفة مدحتيلفتى الشتاء وفارس الأجراف
مأوى الضّريك إذا الرياح تناوحتضخم الدّسيعة مخلف متلاف
من لا يزال يكب كل ثقيلةكوماء غير مسائل منزاف
رحب المباءة والجناب موطّأمأوى لكل معتّق بسواف
فسقى الغوادي قبرك ابن مكدممن صوب كل مجلجل وكّاف
أبلغ بني بكر وخص فوارسالحقوا الملامة دون كل لحاف
أسلمتم جذل الطعان أخاكمبين الكديد وقلة الأعراف
الأعراف: رمل، قال الأثرم: الأعراف كل ما ارتفع، ومنه قول اللّه تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ
حتى هوى متزايلا أو صالهللّحد بين جنادل وقفاف
للّه در بني عليّ إن هملم يثأروا عوفا وحيّ خفاف
قال الأثرم: وأنشدنا أبو عبيدة هذه القصيدة مرة لقيس بن الخطيم حين قتل قاتل أبيه، فقال:
تذكر ليلى حسنها وصفاءها
وقال ابن جذل الطعان في ذلك أيضا:
ألا اللّه در بني فراسلقد أورثتم حزنا وجيعا
غداة ثوى ربيعة في مكرّتمج عروقه علقا نجيعا
فلن أنسى ربيعة إذ تعالىبكاء الظّعن تدعو يا ربيعا
وقال كعب بن زهير، وأمه من بني أشجع بن عامر بن الليث بن بكر بن كنانة، يرثي ربيعة بن مكدم، ويحض على بني سليم، ويعير بني كنانة بالدماء التي أدّوها إلى بني سليم، وهم لا يدركون قتلاهم عندهم بدرك قتل فيهم ولا دية:
بان الشباب وكل إلف بائنظعن الشباب مع الخليط الظاعن
قالت أميمة ما لجسمك شاحباوأراك ذا بثّ ولست بدائن
غضّي ملامك إن بي من لومكمداء أظن مما طلي أو فاتني
أبلغ كنانة غثّها وسمينهاالباذلين رباعها بالقاطن
أن المذلة أن تطلّ دماؤكمودماء عوف ضامن في العاهن
أموالكم عوض لهم بدمائهمودماؤكم كلف لهم بظعائن
طلبوا فأدرك وترهم مولاهموأبت محاملكم إباء الحارن
شدوا المآزر فاثأروا بأخيكمإن الحفائط نعم ربح الثامن
كيف الحياة ربيعة بن مكدميغدى عليك بمزهر أو قائن
وهو التّريكة بالعراء وحارثفقع القراقر بالمكان الواتن
كم غادروا لك من أرامل عيّلجزر الضّباع ومن ضريك واكن
وقالت أم عمرو أخت ربيعة ترثي ربيعة:
ما بال عينك منها الدمع مهراقسحّا ولا عازب لا لا ولا راقي
أبكي على هالك أودى وأورثنيبعد التفرق حزنا بعده باقي
لو كان يرجع ميتا وجد ذي رحمأبقى أخي سالما وجدي وإشفاقي
أو كان يفدى لكان الأهل كلّهموما أثمّر من مال له واقي
لكن سهام المنايا من نصبن لهلم ينجه طب ذي طب ولا راقى
فاذهب فلا يبعدنك اللّه من رجللاقى الذي كلّ حي مثله لاقي
فسوف أبكيك ما ناحت مطوقةوما سريت مع الساري على ساقي
أبكى لذكرته عبرى مفجّعهما إن يجف لها من ذكره ماقي
وقال عبد اللّه يرثيه:
خلّى عليّ ربيعة بن مكدمحزنا يكاد له الفؤاد يزول
فإذا ذكرت ربيعة بن مكدمظلت لذكراه الدموع تسيل
نعم الفتى حيا وفارس بهمةيردي بشكته أقبّ ذءول
سقت الغوادي بالكديّد رمّةوالناس إما هالك وقتيل
فإذا لقيت ربيعة بن مكدمفعلى ربيعة من نداه قبول
كيف العزاء ولا تزال خريدةتبكي ربيعة غادة عطبول
يأبى لي اللّه المذلة إنمايعطى المذلة عاجز تنبيل
وقال عبد اللّه أيضا يرثيه:
نادى الظعائن يا ربيعة بعد مالم يبق غير حشاشة وفواق
فأجابها والرمح في حيزومهأنفا بطعن كالشّعيب دفاق
يا ريط إن ربيعة بن مكدموربيع قومك آذنا بفراق
ولئن هلكت لربّ فارس بهمةفرجت كربته وضيق خناق
وقال أيضا يتوعد بني سليم:
ولست لحاضر إن لم أزركمكتائب من كنانة كالصريم
على قبّ الأياطل مضمراتأضرّ بنيّها علك الشكيم
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدّثني الطلحي، قال: أخبرني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحى ومحمد بن الحسن بن زبالة في مجلس واحد، قالا: مرّ حسان بن ثابت بقبر ربيعة بن مكدم الكناني، بثنية كعب، ويقال: بثنية غزال، فقلصت به راحلته، فقال:
نفرت قلوصي من حجارة حرّةبنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنهشرّيب خمر مسعر لحروب
لولا السّفار وبعد خرق مهمهلتركتها تحبو على العرقوب
فبلغ شعره بني كنانة، فقالوا: واللّه لو عقرها لسقنا إليه ألف ناقة سود الحدق.
أخبرني محمد بن الحسين بن دريد، قال: حدّثنا السجستانيّ، قال: حدّثنا أبو عبيدة، قال: خرج دريد بن الصّمة في فوارس من بني جشم، حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة يقال له الأخرم، وهو يريد الغارة على بني كنانة، رفع له رجل من ناحية الوادي معه ظعينة. فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به أن خلّ عن الظعينة وانج بنفسك، وهو لا يعرفه. فانتهى إليه الرجل، فصاح به، وألح عليه. فلما أتى ألقى الزمام وقال للظعينة:
سيري على رسلك سير الآمنسير رداح ذات جأش ساكن
إن انثنائي دون قرني شائنيوابلي بلائي واخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فقتله، وأخذ فرسه، فأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر، لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعا. فصاح به، فتصامم عنه، فظنّ أنه لم يسمعه. فغشيه، فألقى الزمام إليها، ثم حمل على الفارس، فطعنه فصرعه، وهو يقول:
خلّ سبيل الحرة المنيعهإنك لاق دونها ربيعة
في كفه خطّية مطيعهأو لا، فخذها طعنة سريعه
فالطعن منى في الوغى شريعه
فلما أبطأ على دريد بعث فارسا آخر لينظر ما صنعا؟ فانتهى إليهما، فرآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته، ويجرر رمحه. فقال له الفارس: خل عن الظعينة. فقال لها ربيعة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريد من شتيم عابسألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس؟
ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه. فارتاب دريد، وظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة، وقتلوا الرجل. فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه وقددنا من الحيّ، ووجد القوم قد قتلوا. فقال دريد: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، وإن الخيل ثائرة بأصحابها، ولا أرى معك رمحا، وأراك حديث السنّ، فدونك هذا الرمح، فإني راجع إلى أصحابي، فمثبّط عنك. فأتى دريد أصحابه، وقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسكم، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه.
فانصرف القوم. وقال دريد في ذلك:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهحامي الظعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزةثم استمرّ كأنه لم يفعل
متهلل تبدو أسرّة وجههمثل الحسام جلته كف الصيقل
يزجي ظعينته ويسحب رمحهمتوجها بمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مخافة رمحهمثل البغاث خشين وقع الأجدل
يا ليت شعري من أبوه وأمهيا صاح من يك مثله لم يجهل!
فقال ربيعة:
إن كان ينفعك اليقين فسائليعني الظعينة يوم وادي الأخرم
عل هي لأول من أتاها نهزةلو لا طعان ربيعة بن مكدم
إذ قال لي أدنى الفوارس ميتةخلّ الظعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظعينة نحوهعمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرمح الطويل إهابهفهوى صريعا لليدين وللفم
ومنحت آخر بعده جياشةنجلاء فاغرة كشدق الأضجم
ولقد شفعتهما بآخر ثالثوأبى الفرار لي الغداة تكرمي
قال: فلم يلبث بنو مالك بن كنانة رهط ربيعة بن مكدم، أن أغاروا على بني جشم رهط دريد، فقتلوا وأسروا وغنموا، وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نسبه. فبينا هو عندهم محبوس، إذ جاء نسوة يتهادين إليه. فصرخت امرأة منهنّ، فقالت: هلكتم وأهلكتم، ماذا جرّ علينا قومنا؟ هذا واللّه ألذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة. ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتله بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت المرأة: ريطة بنت جذل الطعان، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، وآمروا أنفسهم، وقالوا: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال بعضهم: واللّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره.
وانبعثت المرأة في الليل، فقالت:
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمةوكل فتى يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤهوإن كان شرا كان شرا مذمّما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرةبإعطائه الرمح السديد المقوّما
فقد أدركت كفاه فينا جزاءهوأهل بأن يجزى الذي كان أنعما
فلا تكفروه حق نعماه فيكمولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
فلو كان حيا لم يضق بثوابهذراعا، غنيا كان أو كان معدما
ففكوا دريدا من إسار مخارقولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما
فأصبح القوم فتعاونوا بينهم، فأطلقوه، وكسته ريطة وجهزته، ولحق بقومه. ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني محمد بن يعقوب بن أبي مريم العدويّ البصري، قال: حدّثني محمد بن عمر الأزدي، قال: حدّثني أبو البلاد الغطفاني وقبيصة بن ميمون الصادري، قالا: سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عمرو بن معد يكرب الزّبيدي: من أشجع من رأيت؟ فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لأخبرنك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس. فقال له عمر: هات. فقال: أربعت المدينة، فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت لي فرس شمقمقة طويلة سريعة الإبقاء، تمطّق بالعرق تمطق الشيخ بالمرق، فركبتها، ثم آليت لا ألقي أحدا إلا قتلته. فخرجت وعليّ مقدّى، فإذا أنا بفتى بين غرضين، فقلت له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: واللّه ما أنصفتني يا أبا ثور، أنا كما ترى أعزل أميل عوّارة - والعوارة: الذي لا ترس معه - فأنظرتي حتى آخذ نبلي. فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال: أمتنع بها. قلت: خذها. قال: لا واللّه أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنك لا تروّعني حتى آخذها. فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبدا. فسلم واللّه مني وذهبت؛ فهذا أحيل الناس.
ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو اللّه إنيّ لأسير في قمر زاهر، كالنور الظاهر، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة، وهو يقول:
يا لدينا يا لديناليتنا يعدى علينا
ثم يبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته، فيرمي بها في السماء، فلا تبلغ الأرض حتى ينظمها بمشقص من نبله. فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمك، فإني قاتلك. فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض. فقلت: إن هذا إلا استخفاف. فدنوت منه، وصحت به: ويلك: ما أجهلك! فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت الرمح في إهابه، فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فمضيت وتركته؛ فهذا أجبن الناس.
ثم مضيت فأصبحت بين دكادك هرشى إلى غزال، فنظرت إلى أبيات، فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث، كأنهن نجوم الثريا. فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتليتا به منك، ومن ورائنا أخت هي أجمل منا. فأشرفت من فدفد، فإذا بمن لم أر شيئا قط أحسن من وجهه، وإذا بغلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها. فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض، فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول لهن:
مهلا نسيّاتي إذن لا ترتعنإن يمنع اليوم نساء تمنعن
أرخين أذيال المروط وارتعن
فلما دنوت منه، قال: أتطردني أم اطردك؟ قلت: أطردك. فركض وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السنان في لفتته - واللفتة أسفل من الكتف - اتكأت عليه، فإذا هو واللّه مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه. فقلت: أقلني.
قال: اطرد. فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان في ماضغيه اعتمدت عليه، فإذا هو واللّه قائم على الأرض، والسنان ماض زالج. واستوى على فرسه، فقلت: أقلني. قال: اطرد. فطردته، حتى إذا مكنت السنان في متنه، اتكأت عليه وأنا أظن أني قد فرغت منه، فمال في ظهر فرسه حتى نظرت إلى يديه في الأرض، ومضى السنان زالجا. ثم استوى وقال: أبعد ثلاث؟ تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك. فوليت وأنا مرعوب منه. فلما غشيني ووجدت حسن السنان، التفت فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكف عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجز ناصيتي، وقال: انطلق، فإني أنفس بك عن القتل. فكان ذلك واللّه يا أمير المؤمنين عندي أشد من الموت؛ فذاك أشجع من رأيت.
وسألت عن الفتى، فقيل: ربيعة بن مكدم الفراسي، من بني كنانة.
وقد أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري هذا الخبر وفيه خلاف للأول. قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثني محمد بن موسى الهذلي، قال: حدّثني سكين بن محمد، قال: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فقال له: يا أبا ثور، من أين أقبلت؟ قال: من عند سيد بني مخزوم، أعظمها هامة، وأمدّها قامة، وأقلها ملامة، وأفضلها حلما، وأقدمها سلما، وأجرئها مقدما. قال: ومن هو؟ قال: سيف اللّه وسيف رسوله، قال: وأيّ شيء صنعت عنده؟ قال: أتيته زائرا، فدعا لي بكعب وقوس وثور. فقال عمر: وأبيك إن في هذا لشبعا. قال: لي أو لك يا أمير المؤمنين؟ قال: لي ولك. قال له: فو اللّه إني لآكل الجذعة، وأشرب التّبن من اللبن رثيئة وصرفا، فلم تقول هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: أي أحياء قومك خير؟ قال: مذجح، وكل قد كان فيه خير، شداد فوارسها، فوارس أبطالها، أهل الربا والرباح.
قال عمر: وأين سعد العشيرة؟ قال: هم أشدنا شريسا، وأكثرنا خميسا، وأكرمنا رئيسا، وهم الأوفياء البررة، المساعير الفجرة. قال عمر: يا أبا ثور، ألك علم بالسلاح؟ قال: على الخبير سقطت، سل عما بدا لك. قال: أخبرني عن النّبل. قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: فأخبرني عن الرمح قال: أخوك وربما خانك. قال: فأخبرني عن التّرس. قال: ذاك مجنّ وعليه تدور الدوائر. قال: أخبرني عن الدرع. قال: مشغلة للفارس، متعبة للراجل.
قال: أخبرني عن السيف. قال: عنه قارعتك لأمك الهبل، قال: لا، بل لأمك. قال عمرو: بل لأمك، فرفع عمر الدّرّة، فضرب بها عمرا، وكان عمرو محتبيا، فانحلت حبوته، فاستوى قائما، وأنشأ يقول:
أتضربني كأنك ذو رعينبخير معيشة أو ذو نواس
فكم ملك قديم قد رأيناوعز ظاهر الجبروت قاسي
فأضحى أهله بادوا وأضحىينقّل من أناس في أناس
قال: صدقت يا أبا ثور، وقد هدم ذلك كله الإسلام، أقسمت عليك لما جلست. فجلس. فقال له عمر: هل كععت من فارس قط ممن لقيت؟ قال: اعلم يا أمير المؤمنين، أني لم أستحل الكذب في الجاهلية، فكيف أستحله في الإسلام؟ ولقد قلت لجبهة من خيلي، خيل بني زبيد، أغيروا بنا على بني البكّاء. فقالوا: بعيد علينا المغار. فقلت: فعلى بني مالك بن كنانة، قال: فأتينا على قوم سراة. فقال عمر: ما علمك بأنهم سراة. قال: رأيت مزاود خيلهم كثيرة، وقدورا مثفّاة، وقباب أدم، فعرفت أن القوم سراة. فتركت خيلي حجرة، وجلست في موضع أتسمع كلامهم، فإذا بجارية منهم قد خرجت من خيمتها، فجلست بين صواحب لها، ثم دعت وليدة من ولائدها، فقالت: ادعي فلانا. فدعت لها برجل من الحي، فقالت له: إن نفسي تحدّثني أن خيلا تغير على الحي، فكيف أنت إن زوجتك نفسي؟ فقال: أفعل وأصنع، وجعل يصف نفسه فيفرط. فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. وأقبلت على صواحباتها، فقالت: ما عنده خير، ادعى لي فلانا. فدعت بآخر. فخاطبته بمثل ما خاطبت به صاحبه، فأجابها بنحو جوابه، فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. وقالت لصواحباتها: ولا عند هذا خير أيضا. ثم قالت للوليدة ادعي لي ربيعة بن مكدّم. فدعته، فقالت له مثل قولها للرجلين، فقال لها: إن أعجز العجز وصف المرء نفسه، ولكني إذا لقيت أعذرت، وحسب المرء غناء أن يعذر. فقالت له: قد زوّجتك نفسي، فاحضر غدا مجلس الحي، ليعلموا ذلك. فانصرف من عندها، وانتظرت حتى ذهب الليل، ولاح الفجر، فخرجت من مكمني، وركبت فرسي، وقلت لخيلي: أغيري، فأغارت، وتركتها وقصدت نحو النسوة ومجلسهن، فكشفت عن خيمة المرأة، فإذا أنا بامرأة تامة الحسن. فلما ملأت بصرها مني، أهوت إلي درعها فشقته وقالت: واثكلاه؟ واللّه ما أبكي على مال ولا تلاد، ولكن على أخت من وراء هذا القوز، تبقى بعدي في مثل هذا الغائط، فتهلك ضيعة، وأو مأت بيدها إلى قوز رمل إلى جانبهم. فقلت: هذه غنيمة من وراء غنيمة. فدفعت فرسي حتى أو فيت على الأيفاع، فإذا أنا برجل جلد نجد، أهلب أغلب، يخصف نعله، وإلى جنبه فرسه وسلاحه. فلما رآني رمى بنعله، ثم استوى على فرسه، وأخذ رمحه، ومضى ولم يحفل بي. فطفقت أشجره بالرمح خفقا، وأقول له: يا هذا استأسر. فمضى ما يحفل بي، حتى أشرف على الوادي. فلما رأى الخيل تحوي إبله استعبر باكيا، وأنشأ يقول:
قد علمت إذ منحتني فاهاأني سأحوي اليوم من حواها
بل ليت شعري اليوم من دهاها
فأجبته:
عمرو على طول الوجى دهاهابالخيل يحميها على وجاها
حتى إذا حل بها احتواها
فحمل عليّ وهو يقول:
أهون بنضر العيش في دار ندمأفيض دمعا كلما فاض انسجم
أنا ابن عبد اللّه محمود الشيممؤتمن الغيب وفيّ بالذمم
أكرم من يمشي بساق وقدمكالليث إن هم بتقصام قصم
فحملت عليه وأنا أقول:
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّأنا ابن ذي الإكليل قتال البهم
من يلقني يود كما أودت إرمأتركه لحما على ظهر وضم
وحمل علي وهو يقول:
هذا حمى قد غاب عنه ذائدهالموت ورد والأنام وارده
وحمل علي فضربني، فرغت وأخطأني، فوقع سيفه في قربوس السرج، فقطعه وما تحته، حتى هجم على مسح الفرس. ثم ثنّى بضربة أخرى، فرغت وأخطأني، فوقع سيفه على مؤخر السرج فقطعه حتى وصل إلى فخذ الفرس، وصرت راجلا. فقلت: ويحك! من أنت؟ فو اللّه ما ظننت أحدا من العرب يقدم عليّ إلا ثلاثة: الحارث بن ظالم، للعجب والخيلاء؛ وعامر بن الطفيل للسن والتجربة؛ وربيعة بن مكدم للحداثة والغرّة، فمن أنت ويلك؟ قال: بل الويل لك، فمن أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعة بن مكدم. قلت: يا هذا، إني قد صرت راجلا، فاختر مني إحدى ثلاث، إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعجز، وإن شئت اصطرعنا، فأينا صرع صاحبه حكم فيه؛ وإن شئت سالمتك وسالمتني. قال: الصلح إذن إن كان لقومك فيك حاجة، وما بي أيضا على قومي هوان. قلت: فذاك لك. وأخذت بيده، حتى أتيت أصحابي، وقد حازوا نعمه، فقلت: هل تعلمون أني كععت عن فارس قطّ من الأبطال إذا لقيته؟ قالوا: نعيذك من ذاك. قال: قلت: فانظروا هذا النعم الذي حزتموه، فخذوه مني غدا في بني زبيد، فإنه نعم هذا الفتى، واللّه لا يوصل إلى شيء منه وأنا حيّ. فقالوا لحاك اللّه فارس قوم! أشقيتنا حتى إذا هجمنا على الغنيمة الباردة فثأتنا عنها. قال: قلت إنه لا بد لكم من ذلك، وأن تهبوها لي ولربيعة بن مكدم. فقالوا: وإنه لهو؟ قلت: نعم. فردوها وسالمته، فأمن حربي وأمنت حربه حتى هلك.
وفي بعض هذه الأراجيز التي جرت بين عمرو بن معد يكرب وربيعة بن مكدم غناء، نسبته، وقد جمع شعراهما معا في لحن واحد، وهو:
صوت
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّأنا ابن عبد اللّه قتّال البهم
أكرم من يمشي بساق وقدممن يلقني يود كما أودت إرم
أتركه لحما على ظهر وضمكالليث إن همّ بتقصام قصم
مؤتمن الغيب وفيّ بالذمم
ذكر أحمد بن يحيى المكي: أن الغناء في هذا الشعر لحنين، خفيف ثقيل، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وذكر الهشاميّ أنه لابن سرجيس الملقب بقراريط.
حدّثني قمرية العمرية جارية عمرو بن بانة، أنها أخذت عن أحمد بن العلاء هذا اللحن، فقال لها: انظري أيّ صوت أخذت، فو اللّه لقد أخذته عن مخارق، فلما استوى لي قال لي مخارق: انظر أي صوت أخذت، فو اللّه لقد أخذته عن يحيى المكي، فلما غنيته الرشيد أطربه، فوهب ليحيى عشرة آلاف درهم.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدّثني محمد بن الحسن الأحول، عن الطّرسوسيّ، عن ابن الأعرابيّ، قال: أجود بيت وصفت به الطعنة قول أهبان بن عادياء قاتل ربيعة بن مكدم، حيث يقول:
ولقد طعنت ربيعة بن مكدميوم الكديد فخرّ غير موسّد
في ناقع شرقت بما في جوفهمنه بأحمر كالعقيق المجسد
صوت
أدركت ما منيت نفسي خالياللّه درك يابنة النعمان!
إني لحلفك بالصليب مصدقوالصّلب أصدق حلفة الرهبان
ولقد رددت على المغيرة ذهنهإن الملوك بطيئة الإذعان
يا هند حسبك قد صدقت فأمسكيوالصدق خير مقالة الإنسان
الشعر للمغيرة بن شعبة الثقفي، يقوله في هند بنت النعمان بن المنذر، وقد خطبها فردّته. وخبره في ذلك وغيره يذكرها هنا إن شاء اللّه. والغناء لحنين، ثاني ثقيل بالبنصر، عن الهشاميّ وإبراهيم.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع