من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الحزين ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
ذكر الواقدي أنه من كنانة وأنّه صليبة، وأنّ الحزين لقبّ غلب عليه، وأن اسمه عمرو بن عبيد بن وهيب بن مالك - ويكنى أبا الشعثاء - بن حريث بن جابر بن بجير - وهو راعي الشمس الأكبر - بن يعمر بن عديّ بن الدّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
أخبرني بذلك أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة، عن الواقدي.
قال: وأما عمر بن شبة فإنّه ذكر أنّ الحزين مولى، وأنه الحزين بن سليمان، ويكنى سليمان أبا الشعثاء، ويكنى الحزين أبا الحكم. من شعراء الدولة الأموية حجازيّ مطبوع ليس من فحول طبقته. وكان هجّاء خبيث اللسان ساقطا، يرضيه اليسير، ويتكسّب بالشّرّ وهجاء الناس، وليس ممن خدم الخلفاء ولا انتجعهم بمدح، ولا كان يريم الحجاز حتّى مات.
وهذا الشّعر يقوله الحزين في عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان. وكان عبد اللّه من فتيان بني أمية وظرفائهم، وكان حسن الوجه حسن المذهب، وأمّه أمّ ولد. وزوجة عبد اللّه رملة بنت عبد اللّه بن عبد اللّه - وعبد اللّه هذا هو عبد الحجر بن عبد المدان بن الديّان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن عمرو. وزوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه بن ربيعة بن الأسود بن مطّلب بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ - تزوّجها لما كان يقال إنها ناتق في ولادها، فمات عنها ولم تلد له، فخلفه محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس على رملة فولدت له محمدا وإبراهيم وموسى، وبنات.
أخبرني بذلك عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكي، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري، ويحيى بن علي بن يحيى، قالوا: حدّثنا عمر بن شبة عن ابن رواحة وغيره. وأخبرني به الطوسيّ والحرمي عن الزبير عن عمه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني عمي أنّ عبد اللّه بن عبد الملك حج؛ فقال له أبوه: سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة، وهو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه، وأرضه. وصفته أنّه أشعر ذو بطن عظيم الأنف. فلما قدم عبد اللّه المدينة وصفه لحاجبه وقال له: إيّاك أن تردّه. فلم يأت الحزين حتّى قام فدخل لينام، فقال له الحاجب: قد ارتفع. فلما ولّى ذكر فلحقه فقال: ارجع، فاستأذن له فأدخله، فلما صار بين يديه ورأى جماله وبهاءه، وفي يده قضيب خيزران، وقف ساكتا، فأمهله عبد اللّه حتّى ظنّ أنه قد أراح ثم قال له: السلام رحمك اللّه أوّلا. فقال: عليك السلام وحيّا اللّه وجهك وجهك أيّها الأمير، إنّي قد كنت مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك ورأيت جمالك وبهاءك أذهلني عنه فأنسيت ما كنت قلته، وقد قلت في مقامي هذا بيتين. فقال: ما هما؟
قال:
في كفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
فأجازه فقال: أخدمني أصلحك اللّه، فإنّه لا خادم لي. فقال: اختر أحد هذين الغلامين. فأخذ أحدهما فقال له عبد اللّه: أعلينا ترذل، خذ الأكبر.
والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي يمدح بها علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السّلام، التي أوّلها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
وهو غلط ممن رواه فيها. وليس هذان البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين عليهما السّلام وله من الفضل المتعالم ما ليس لأحد.
حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: حدّثني محمد بن عمر العدني قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين.
حدّثني محمد قال حدّثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدّثنا جرير بن المغيرة قال: كان علي بن الحسين يبخّل، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة.
حدّثني الحسن بن علي قال: حدّثني محمد بن معرّس قال حدّثنا محمد بن ميمون قال حدّثنا سفيان عن ابن أبي حمزة الثّماليّ قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدّق به ويقول: «إنّ صدقة اللّيل تطفىء غضب الربّ».
حدّثني أبو عبد اللّه الصّيرفي قال حدّثنا الفضل بن الحسين المصري قال: حدّثنا أحمد بن سليمان قال حدّثنا ابن عائشة قال: حدّثنا سعد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع قال: قال علي بن الحسين: ما أكلت بقرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا قطّ.
حدّثنا الحسن بن علي قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: حدّثني إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون ما يدرون من أين عيشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل.
وأما الأبيات التي مدح بها الفرزدق علي بن الحسين وخبره فيها، فحدّثني بها أحمد بن محمد بن الجعد، ومحمد بن يحيى قالا: حدّثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدّثنا ابن عائشة قال: حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه، ومعه رؤساء أهل الشام، فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس، وأقبل علي بن الحسين وهو أحسن الناس وجها، وأنظفهم ثوبا، وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، فلما بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلّهم وأخلوا له الحجر ليستلمه، هيبة وإجلالا له، فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصلح اللّه الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفا، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه. فقال الفرزدق وكان لذلك كلّه حاضرا: أنا أعرفه، فسلني يا شاميّ. قال: ومن هو؟ قال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهمهذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فليس قولك من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
أيّ الخلائق ليست في رقابهملأوّلية هذا أوله نعم
من يعرف اللّه يعرف أوّلية ذافالدين من بيت هذا ناله الأمم
أيحبسني بين المدينة والتيإليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيدوعينا له حولاء باد عيوبها
فبعث إليه هشام فأخرجه، ووجّه إليه عليّ بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال: اعذر يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به. فردّها وقال: ما قلت ما كان إلا للّه، وما كنت لأرزأ عليه شيئا. فقال له علي: قد رأى اللّه مكانك فشكرك، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا ما نرجع فيه. فأقسم عليه فقبلها.
ومن الناس أيضا من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس، ومنهم من يرويها لخالد بن يزيد فيه؛ فهي في روايته:
كم صارخ بك من راج وراجيةيرجوك يا قثم الخيرات يا قثم
أيّ العمائر ليست في رقابهملأوّلية هذا أوله نعم
في كفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
وممن ذكر لنا ذلك الصولي عن الغلابي عن مهديّ بن سابق، أنّ داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة سوى البيت الأوّل في شعره في علي بن الحسين عليه السّلام.
وذكر الرياشي عن الأصمعي أنّ رجلا من العرب يقال له داود وقف لقثم فناداه وقال:
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
كم صارخ بك من راج وراجيةفي الناس يا قثم الخيرات يا قثم
فأمر له بجائزة سنية.
والصحيح أنّها للحزين في عبد اللّه بن عبد الملك. وقد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات.
وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة، تنبىء عن نفسها، وهي:
اللّه يعلم أن قد جبت ذا يمنثمّ العراقين لا يثنيني السّأم
ثم الجزيرة أعلاها وأسفلهاكذاك تسري على الأهوال بي القدم
ثم المواسم قد أوطنتها زمناوحيث تحلق عند الجمرة اللّمم
قالوا دمشق ينبّيك الخبير بهاثم ائت مصر فثمّ النائل الغمم
لمّا وقفت عليها في الجموع ضحىوقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حيّيته بسلام وهو مرتفقوضجّة القوم عند الباب تزدحم
في كفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع، في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلّا حين يبتسم
ترى رءوس بني مروان خاضعةيمشون حول ركابيه وما ظلموا
إن هشّ هشّوا له واستبشروا جذلاوإن هم آنسوا إعراضه وجموا
كلتا يديه ربيع عند ذي خلفبحر يفيض وهادي عارض هزم
ومن الناس من يقول: إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان، لذكره دمشق ومصر. وقد كان ثمّ عبد اللّه بن عبد الملك أيضا في مصر، والحزين بها.
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز بن عمران الزهري قال: وفد الحزين على عبد اللّه بن عبد الملك، وفي الرقيق أخوان، فقال عبد اللّه للحزين: أيّ الرقيق أعجب إليك؟
قال: ليختر لي الأمير. قال عبد اللّه: قد رضيت لك هذا - لأحدهما - فإنّي رأيته حسن الصلاح. قال الحزين: لا حاجة لي به فأعطني أخاه. فأعطاه إياه. قال: والغلامان مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، وتميم أبو محمد بن تميم، وهو الذي اختاره الحزين. قال: فقال في عبد اللّه يمدحه:
اللّه يعلم أن قد حيّيت ذا يمن
وذكر القصيدة بطولها على هذا السبيل.
أخبرني وكيع عن محمد بن علي بن حمزة العلوي قال: حدّثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال: كان على المدينة طائف يقال له صفوان، مولى لآل مخرمة بن نوفل، فجاء الحزين الدّيلي إلى شيخ من أهل المدينة فاستعاره حماره وذهب إلى العقيق فشرب، وأقبل على الحمار وقد سكر، فجاء به الحمار حتّى وقف به على باب المسجد كما كان صاحبه عوّده إياه، فمرّ به صفوان فأخذه فحبسه وحبس الحمار، فأصبح والحمار محبوس معه. فأنشأ يقول:
أيا أهل المدينة خبّرونيبأيّ جريرة حبس الحمار
فما للعير من جرم إليكموما بالعير إن ظلم انتصار
فردّوا الحمار على صاحبه، وضربوا الحزين الحدّ، فأقبل إلى مولى صفوان وهو في المسجد فقال:
نشدتك بالبيت الذي طيف حولهوزمزم والبيت الحرام المحجّب
لزانية صفوان أم لعفيفةلأعلم ما آتى وما أتجنّب
فقال مولاه: هو لزانية. فخرج وهو ينادي: إنّ صفوان ابن الزانية! فتعلّق به صفوان فقال: هذا مولاك يشهد أنك ابن زانية. فخلّى عنه.
وقال محمد بن علي بن حمزة: وأخبرني الرياشي أنّ ابن عمّ للحزين استشاره في امرأة يتزوّجها، فقال له: إن لها إخوة مشائيم وقد ردّوا عنها غير واحد، وأخشى أن يردّوك فتطلق عليك ألسنا كانت عنك خرسا. فخطبها ولم يقبل منه فردّوه، فقال الحزين:
نهيتك عن أمر فلم تقبل النّهىوحذّرتك اليوم الغواة الأشائما
فصرت إلى ما لم أكن منه آمناوأشمتّ أعدائي وأنطقت لائما
وما بهم من رغبة عنك قل لهمفإن تسألوني تسألوا بي عالما
وأخبرني عيسى بن الحسن قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني عمر بن سلام مولى عمر بن الجعّاب: أنّ الحزين الديلي خرج مع ابن لسهيل بن عبد الرّحمن بن عوف، إلى منتزه لهم، فسكر الحزين وانصرف، فبات في الطريق وسلب ثيابه، فأرسل إلى سهيل يخبره الخبر ويستمنحه فلم يمنحه، وبلغ الخبر سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان فأرسل إليه بجميع ما يحتاج إليه، وعوّضه ثمن ثيابه، فقال الحزين في ذلك:
هلّا سهيلا أشبهت أو بعض أعمامك يا ذا الخلائق الشكسه
ضيّعت ندمانك الكريم ولم تش- فق عليه من ليلة نحسه
ثم تعاللت إذ أتاك لهصبحا رسول بعلّة طفسه
لكنّ سفيان لم يكن وكلالمّا أتتنا صلاته سلسه
سما به أروع ونفس فتىأروع ليست كنفسك الدنسة
حدّثنا الصولي قال: حدّثنا ثعلب قال حدّثني عبد اللّه بن شبيب قال: مرّ الحزين الدّيلي على مجلس لبني كعب بن خزاعة وهو سكران، فضحكوا عليه، فوقف عليهم وقال:
لا بارك اللّه في كعب ومجلسهمماذا تجمّع من لؤم ومن ضرع
لا يدرسون كتاب اللّه بينهمولا يصومون من حرص على الشبع
فوثب إليه مشايخهم فاعتذروا منه، وسألوه الكفّ وأن لا يزيد شيئا على ما قاله، فأجابهم وانصرف.
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثنا عمرو بن أبي بكر المؤمّلي قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: كان الحزين قد ضرب على كلّ رجل من قريش درهمين درهمين في كلّ شهر، منهم ابن أبي عتيق، فجاءه لأخذ درهميه وهو على حمار أعجف، قال: وكثيّر مع ابن أبي عتيق، فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين فقال له الحزين: من هذا معك؟ قال: هذا أبو صخر كثير بن أبي جمعة. قال: وكان قصيرا دميما، فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوه ببيت؟ قال: لا لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي، ولكن أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين. ودعا له بهما، فأصغى ثم قال: لا بدّ لي من هجائه ببيت. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين؟ ودعا له بهما فأخذهما وقال: ما أنا بتاركه حتّى أهجوه. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين؟ فقال له كثير: ائذن له، وما عسى أن يقول فيّ؟! فأذن له ابن أبي عتيق فقال:
قصير القميص فاحش عند بيتهيعضّ القراد باسته وهو قائم
فوثب كثيّر إليه فوكزه فسقط هو والحمار، وخلص ابن أبي عتيق بينهما وقال لكثير: قبحك اللّه أتأذن له وتبسط إليه يدك. قال كثيّر: وأنا ظننته يبلغ في هذا كلّه في بيت واحد!.
ولكثير مع الحزين أخبار أخر قد ذكرت في أخبار كثيّر.
أخبرني الحرمي قال: حدّثني عمي عن الضحاك بن عثمان قال: حدّثني ابن عروة بن أذينة قال: كان الحزين صديقا لأبي وعشيرا على النبيذ، وكان كثيرا ما يأتيه، وكان بالمدينة قينة يهواها الحزين ويكثر غشيانها، فبيعت وأخرجت عن المدينة، فأتى الحزين أبي وهو كثيب حزين كاتمه، فقال له أبي: مالك يا أبا حكيم؟ قال: أنا واللّه يا أبا عامر كما قال كثيّر:
لعمري لئن كان الفؤاد من الهوىبغى سقما إني إذا لسقيم
سألت حكيما أين شطّت بها النوىفخبّرني ما لا أحبّ حكيم
فقال له أبي: أنت مجنون إن أقمت على هذا.
أخبرني أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدّثنا الزّبير قال: حدّثني مصعب قال:
مرّ الحزين على جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث، وعليه أطمار، فقال له: يا ابن أبي الشعثاء، إلى أين أصبحت غاديا؟ قال: أمتع اللّه بك، نزل عبد اللّه بن عبد الملك الحرّة يريد الحجّ، وقد كنت وفدت إليه بمصر فأحسن إليّ. قال: أفما وجدت شيئا تلبسه غير هذه الثياب؟ قال: قد استعرت من أهل المدينة فلم يعرني أحد منهم غير هذه الثياب. فدعا جعفر غلاما فقال: ائتني بجبّة صوف، وقميص ورداء. فجاه بذلك فقال: أبل وأخلق. فلما ولّى الحزين قال جلساء جعفر له: ما صنعت؟! إنّه يعمد إلى هذه الثياب التي كسوته إيّاها فيبيعها، ويفسد بثمنها. قال: ما أبالي إذا كافأته بثيابه ما صنع بها. فسمع الحزين قولهم وما ردّ عليهم، ومضى حتّى أتى عبد اللّه بن عبد الملك فأحسن إليه وكساه. فلما أصبح الحزين أتى جعفرا ومعه القوم الذين لاموه بالأمس وأنشده:
وما زال ينمو جعفر بن محمّدإلى المجد حتّى عبهلته عواذله
وقلن له هل من طريف وتالدمن المال إلّا أنت في الحقّ باذله
يحاولنه عن شيمة قد علمنهاوفي نفسه أمر كريم يحاوله
ثم قال له: بأبي أنت وأميّ، سمعت ما قالوا وما رددت عليهم.
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: صحب الحزين رجلا من بني عامر بن لؤيّ يلقب أبا بعرة، وكان استعمل على سعايات فلم يصنع إليه خيرا، وكان قد صحب قبله عمرو بن مساحق وسعد بن نوفل فأحمدهما، فقال له:
صحبتك عاما بعد سعد بن نوفلوعمرو فما أشبهت سعدا ولا عمرا
وجادا كما قصّرت في طلب العلافحزت به ذمّا وحازا به شكرا
قال: وأبو بعرة هذا هو الذي كان يعبث بجارية لابن أبي عتيق، فشكته إليه فقال لها: عديه فإذا جاءك فأدخليه إليّ. ففعلت فأدخلته عليه، وهو وشيخ من نظرائه جالسان في حجلة، فلما رآهما قال: أقسم باللّه ما اجتمعتما إلّا على ريبة. فقال له ابن أبي عتيق: استر علينا ستر اللّه عليك.
قال: وآل أبي بعرة هم موالي آل أبي سمير. قال: فلما ولي المهديّ باعوا ولاءهم منه.
قال الزبير: وأنشدني عمي تمام الأبيات التي هجا بها أبا بعرة - وسمّاه لي فقال: وكان اسمه عيسى - وهي:
أولاك الجعاد البيض من آل مالكوأنتم بنو قين لحقتم به نزرا
- نصب «نزرا» على الحال، كأنه قال: لحقتم به نزرا قليلا من الرجال -
نسوق بيعورا أميرا كأنمانسوق به في كلّ مجمعة وبرا
فإن يكن البيعور ذمّ رفيقهقراه فقد كانت إمارته نكرا
ومتّبع البيعور يرجو نوالهفقد زاده البيعور في فقره فقرا
أخبرني الحرمي قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني صالح، عن عامر بن صالح قال: مدح الحزين عمرو بن عمرو بن الزبير فلم يعطه شيئا.
وأخبرني بهذا الخبر عمي تامّا واللفظ له، ولم يذكر الزبير منه إلّا يسيرا، قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثنا العمري قال: حدّثني عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال: دخل الحزين على عمرو بن عمرو بن الزّبير بن العوام منزله، فامتدحه وسأله حاجة، فقال له: ليس إلى ما تطلب سبيل، ولا نقدر أن نملأ الناس معاذير، وما كلّ من سألنا حاجة استحقّ أن نقضيها، ولربّ مستحقّ لها قد منعناه حاجته. فقال الحزين: أفمن المستحقّين أنا؟ قال: لا واللّه، وكيف تكون مستحقّا لشيء من الخير وأنت تشتم أعراض الناس وتهتك حريمهم، وترميهم بالمعضلات، إنّما المستحق من كفّ أذاه، وبذل نداه، ووقم أعداه.
فقال له الحزين: أفمن هؤلاء أنت؟ فقال له عمرو: أين تبعدني لا أمّ لك من هذه المنزلة وأفضل منها! فوثب الحزين من عنده وأنشأ يقول:
حلفت وما صبرت على يمينولو أدعى إلى أيمان صبر
بربّ الراقصات بشعث قوميوافون الجمار لصبح عشر.
لو انّ اللؤم كان مع الثريّالكان حليفه عمرو بن عمرو
ولو أنّي عرفت بأنّ عمراحليف اللؤم ما ضيّعت شعري
فقال العمري: وحدّثني لقيط أنّ الحزين قال فيه أيضا يهجوه ويمدح محمد بن مروان بن الحكم، وجاءه فشكا إليه عمرا، فوصله وأحسن إليه. قال:
إذا لم يكن للمرء فضل يزينهسوى ما ادّعى يوما فليس له فضل
وتلقى الفتى ضخما جميلا رواؤهيروعك في النّادي وليس له عقل
وآخر تنبو العين عنه مهذّبيجود إذا ما الضّخم نهنهه البخل
فيا راجيا عمرو بن عمرو وسيبهأتعرف عمرا أم أتاه بك الجهل
فإن كنت ذا جهل فقد يخطىء الفتىوإن كنت ذا حزم إذا حارت النّبل
جهلت ابن عمرو فالتمس سيب غيرهودونك مرمى ليس في جدّه هزل
عليك ابن مروان الأغرّ محمداتجده كريما لا يطيش له نبل
قال لقيط: فلما أنشد الحزين محمد بن مروان هذا الشّعر أمر له بخمسة آلاف درهم، وقال له: اكفف يا أخا بني ليث عن عمرو بن عمرو ولك حكمك. فقال: لا واللّه ولا بحمر النّعم وسودها، لو أعطيتها ما كففت عنه، لأنه ما علمت كثير الشرّ، قليل الخير، متسلّط على صديقه، فظّ على أهله. «وخير ابن عمرو بالثريا معلق».
فقال له محمد بن مروان: هذا شعر. فقال: بعد ساعة يصير شعرا، ولو شئت لعجّلته. ثم قال:
شرّ ابن عمرو حاضر لصديقهوخير ابن عمرو بالثريّا معلّق
ووجه ابن عمرو باسر إن طلبتهنوالا إذا جاد الكريم الموفّق
فبئس الفتى عمرو بن عمرو إذا غدتكتائب هيجاء المنيّة تبرق
فلا زال عمرو للبلايا دريّةتباكره حتّى يموت وتطرق
يهزّ هرير الكلب عمرو إذا رأىطعاما فما ينفكّ يبكي ويشهق
قال: فزجره محمد عنه، وقال له: أفّ لك، قد أكثرت الهجاء، وأبلغت في الشّتيمة.
قال العمري: وحدّثني عطاء بن مصعب عن عبد اللّه بن الليث الليثي، قال: قال الحزين الدّيلي يهجو عمرو بن عمرو بن الزبير:
لعمرك ما عمرو بن عمرو بماجدولكنّه كزّ اليدين بخيل
ينام عن التقوى ويوقظه الخنافيخبط أثناء الظلام يجول
فلا خير في عمرو لجار ولالهذمام ولكن للئام وصول
مواعيد عمرو ترّهات ووجههعلى كلّ ما قد قلت فيه دليل
جبان وفحّاش لئيم مذمّموأكذب خلق اللّه حين يقول
كلام ابن عمرو صوفة وسط بلقعوكفّ ابن عمرو في الرّخاء تطول
وإن حزبته الحازبات تشنّجتيداه ورمح في الهياج كليل
فبلغ شعره عمرا فقال: ما له لعنه اللّه ولعن من ولده، لقد هجاني بنيّة صادقة ولسان صنع ذلق، وما عداني إلى غيري. قال: فلقي الحزين عروة بن أذينة الليثي فأنشده هذه الأبيات فقال له: ويحك، بعضها كان يكفيك، فقد بنيتها ولم تقم أودها، وداخلتها وجعلت معانيها في أكّمتها. قال الحزين: ذلك واللّه أرغب للناس فيها. فقال له عروة: خير الناس من حلم عن الجهّال، وما أراه إلا قد حلم عنك. فقال الحزين: حلم واللّه عنّي شاء أو أبى، برغمه وصغره.
لقي شبّان من ولد الزّبير الخزين، فتناولوه بألسنتهم، وهمّوا بضربه، فحال بينهم وبينه ابن لمصعب بن الزبير، فقال الحزين يهجوهم ويهجو جماعة من بني أسد بن عبد العزّى، سوى بني مصعب الذين منعوهم منه، قال:
لحا اللّه حيّا من قريش تحالفواعلى البخل بالمعروف والجود بالنّكر
فصاروا لخلق اللّه في اللؤم غايةبهم تضرب الأمثال في النثر والشعر
فيا عمرو لو أشبهت عمرا ومصعباحمدت ولكن أنت منقبض البشر
بني أسد، سادت قريش بجودهامعدّا وسادتكم معدّيد الدّهر
تجود قريش بالنّدى ورضيتمبني أسد باللّؤم والذّلّ والغدر
أعمرو بن عمرو، لست ممن تعدّهقريش إذا ما كاثروا الناس بالفخر
أبت لك يا عمرو بن عمرو دناءةوخلق لئيم أن تريش وأن تبري
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثني محمد بن الضحاك الحزامي قال: حدّثني أبي قال: كان الحزين سفيها نذلا يمدح بالنّزر إذا أعطيه، ويهجو على مثله إذا منع، فنزل بعاصم بن عمرو بن عثمان فلم يقره، فقال يهجوه بقوله:
سيروا فقد جنّ الظّلام عليكمفباست الذي يرجو القرى عند عاصم
ظللنا عليه وهو كالتّيس طاعمانشدّ على أكبادنا بالعمائم
ومالي من ذنب إليه علمتهسوى أنّني قد جئته غير صائم
فقيل له: إنّ عاصما كثيرا ما تسمّي به قريش. فقال: أما واللّه لأبيّننّه لهم فقال:
إليك ابن عثمان بن عفان عاصم ب- ن عمرو وسرت عنسي فخاب سراها
فقد صادفت كزّ اليدين مبخّلاجبانا إذا ما الحرب شبّ لظاها
بخيلا بما في رحله غير أنهإذا ما خلت عرس الخليل أتاها
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: قال الحزين لهلال بن يحيى بن طلحة قوله:
هلال بن يحيى غرّة لا خفا بهاعلى الناس في عسر الزمان ولا اليسر
وسعد بن إبراهيم ظفر موسّخفهل يستريح الناس من وسخ الظفر
يعني سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف، وكان ولي قضاء المدينة من هشام بن عبد الملك، فلم يعط الحزين شيئا فهجاه. وقال فيه أيضا:
أتيت هلالا أرتجي فضل سيبهفأفلتني ممّا أحبّ هلال
هلال بن يحيى غرّة لا خفا بهالكلّ أناس غرّة وهلال
صوت
ألم تشهد الجونين والشّعب ذا الصّفاوكرّات قيس يوم دير الجماجم
تحرّض يا بن القين قيسا ليجعلوالقومك يوما مثل يوم الأراقم
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا محدث غير صارم
الشعر لجرير، والغناء لابن محرز، ثقيل أوّل بالبنصر.
وهذه الأبيات يقولها جرير يهجو الفرزدق، ويعيّره بضربة ضربها بسيفه رجلا من الروم، فحضره سليمان بن عبد الملك فلم يصنع شيئا.
فحدّثنا بخبره في ذلك محمّد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثنا صالح بن سليمان، عن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكنديّ، وكان شيخا كبيرا، وكان من أصحاب عبد الملك بن مروان، ثم كان من أصحاب المنصور، قال: كنت حاضرا سليمان بن عبد الملك.
وأخبرنا علي بن سليمان الأخفش واليزيدي عن السكّريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، وعن قتادة عن أبي عبيدة في كتاب «النقائض»، عن رؤبة بن العجاج قال: حجّ سليمان بن عبد الملك ومعه الشّعراء، وحججت معهم فمرّ بالمدينة منصرفا فأتي بأسرى من الرّوم نحو من أربعمائة، فقعد سليمان وعنده عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السّلام، وعليه ثوبان ممصّران، وهو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم وهو في جامعة، فقال لعبد اللّه بن الحسن: قم فاضرب عنقه. فقام فما أعطاه أحد سيفا حتّى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه فأبان عنقه وذراعه، وأطنّ ساعده وبعض الغلّ. فقال له سليمان: اجلس فو اللّه ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك. وجعل يدفع الأسرى إلى الوجوه وإلى الناس فيقتلونهم، حتّى دفع إلى جرير رجلا، فدسّت إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسيرا فدسّت إليه القيسية سيفا كليلا، فضرب به الأسير ضربات فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان وضحك الناس معه.
هذه رواية أبي عبيدة عن رؤبة.
وأمّا سليمان بن أبي شيخ فإنّه ذكر في خبره أنّ سليمان لما دفع إليه الأسير دفع إليه سيفا وقال له: اقتله به.
فقال: لا بل أضربه بسيف مجاشع، واخترط سيفه فضربه به فلم يغن شيئا، فقال له سليمان: أما واللّه لقد بقي عليك عارها وشنارها! فقال جرير قصيدته التي يهجوه فيها، ومنها الصوت المذكور، وأوّلها قوله:
ألا حيّ ربع المنزل المتقادموما حلّ مذ حلّت به أمّ سالم
وهي طويلة. فقال الفرزدق: اعتذار الفرزدق عن ضربة الرومي وما قال من الشعر في ذلك
صوت
فهل ضربة الرّوميّ جاعلة لكمأبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط التمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهمإذا أثقل الأعناق حمل المغارم
ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات لحنا لابن محرز، ولم يجنّسه.
وقال يعرّض بسليمان ويعيّره بنبوّ سيف ورقاء بن زهير العبسيّ عن خالد بن جعفر - وبنو عبس أخوال سليمان - قال:
فإن يك سيف خان أو قدر أتىبتعجيل نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط القلائد
وروي هذا الخبر عن عوانة بن الحكم، قال فيه: إنّ الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين، هبّ لي هذا الأسير. فوهبه له فأعتقه، وقال الأبيات التي تقدّم ذكرها، ثم أقبل على رواته وأصحابه فقال: كأنّي بابن المراغة وقد بلغه خبري فقال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابنه ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا محدث غير صارم
قال: فما لبثنا غير مدّة يسيرة حتّى جاءتنا القصيدة وفيها هذان البيتان، فعجبنا من فطنة الفرزدق.
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن حمزة العلوي، قال: حدّثنا أبو عثمان المازني قال: زعم جهم بن خلف أنّ رؤبة بن العجاج حدّثه. فذكر هذه القصيدة وزاد فيها.
قال: واستوهب الفرزدق الأسير فوهبه له سليمان، فأعتقه وكساه، وقال قصيدته التي يقول فيها:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهمإذا أثقل الأعناق حمل المغارم
قال: وقال في ذلك:
تباشر يربوع بنبوة ضربةضربت بها بين الطّلا والحراقد
ولو شئت قدّ السيف ما ين عنقهإلى علق بين الحجابين جامد
فإن ينب سيف أو تراخت منيّةلميقات نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
قال: وقال في ذلك:
أيضحك الناس أن أضحكت سيّدهمخليفة اللّه يستسقى به المطر
فما نبا السيف عن جبن ولا دهشعند الإمام ولكن أحّر القدر
ولو ضربت به عمرا مقلّدهلخرّ جثمانه ما فوقه شعر
وما يقدّم نفسا قبل ميتتهاجمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر
فأمّا يوم الجونين الذي ذكره جرير، فهو اليوم الذي أغار فيه عتيبة بن الحارث بن شهاب على بني كلاب، وهو يوم الرّغام.
أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي، عن السكري عن ابن حبيب، ودماذ عن أبي عبيدة وعن إبراهيم بن سعدان عن أبيه: أنّ عتيبة بن الحارث بن شهاب أغار في بني ثعلبة بن يربوع على طوائف من بني كلاب يوم الجونين فاطّرد إبلهم، وكان أنس بن العباس الأصمّ، أخو بني رعل من بني سليم، مجاورا في بني كلاب، وكان بين بني ثعلبة بن يربوع وبين بني رعل عهد: لا يسفك دم ولا يؤكل مال. فلمّا سمع الكلابيون الدّعوى: يال ثعلبة! يال عبيد! يال جعفر! عرفوهم، فقالوا لأنس بن العباس: قد عرفنا ما بين بني رعل وبني ثعلبة بن يربوع، فأدركهم فاحبسهم علينا حتّى نلحق. فخرج أنس في آثارهم حتى أدركهم، فلما دنا منهم قال عتيبة بن الحارث لأخيه حنظلة: أغن عنّا هذا الفارس فاستقبله حنظلة فقال له أنس: إنّما أنا أخوكم وعقيدكم، وكنت في هؤلاء القوم فأغرتم على إبلي فيما أغرتم عليه، وهو معكم. فرجع حنظلة إلى أخيه فأخبره الخبر فقال له: حيّاك اللّه، وهلم فوال إبلك، أي اعزلها.
قال: واللّه ما أعرفها، وبنو أخي وأهل بيتي معي وقد أمرتهم بالركوب في أثري، وهم أعرف بها منّي. فطلع فوارس بني كلاب فاستقبلهم حنظلة بن الحارث في فوارس فقال لهم أنس: إنّما هم بنيّ وبنو أخي. وإنما يربّثهم لتلحق فوارس بني كلاب. فلحقوا فحمل الحوثرة بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر على حنظلة فقتله، وحمل لأم بن سلمة أخو بني ضبارى بن عبيد ثعلبة على الحوثرة هو وابن مزنة أخو بني عاصم بن عبيد، فأسراه ودفعاه إلى عتيبة فقتله صبرا، وهزم الكلابيّون ومضى بنو ثعلبة بالإبل وفيها إبل أنس، فلم تقرّ أنسا نفسه حتى اتّبعهم رجاء أن يصيب منهم غرة وهم يسيرون في شجراء. فتخلّف عتيبة لقضاء حاجته، وأمسك برأس فرسه فلم يشعر إلّا بأنس قد مرّ في آثارهم، فتقدّم حتى وثب عليه فأسره، فأتى به عتيبة أصحابه فقال بنو عبيدة: قد عرفنا أنّ لأم بن سلمة وابن مزنة قد أسرا الحوثرة فدفعاه إليك فضربت عنقه؛ فأعقبهما في أنس بن عبّاس، فمن قتلته خير من أنس. فأبى عتيبة أن يفعل ذلك حتّى افتدى أنس نفسه بمائتي بعير.
فقال العبّاس بن مرداس يعيّر عتيبة بن الحارث بفعله:
كثر الضّجاج وما سمعت بغادركعتيبة بن الحارث بن شهاب
جلّلت حنظلة المخانة والخناودنست آخر هذه الأحقاب
وأسرتم أنسا فما حاولتمبإسار جاركم بني الميقاب
- الميقاب: التي تلد الحمقى. والوقب: الأحمق -.
باست التي ولدتك واست معاشرتركوك تمرسهم من الأحساب
فقال عتيبة بن الحارث:
غدرتم غدرة وغدرت أخرىفليس إلى توافينا سبيل
كأنّكم غداة بني كلاب- تفاقدتم - عليّ لكم دليل
قوله: تفاقدتم، دعاء عليهم أن يفقد بعضهم بعضا.
صوت
وبالعفر دار من جميلة هيجتسوالف حبّ في فؤادك منصب
وكنت إذا ناءت بها غربة النوىشديد القوى لم تدر ما قول مشغب
كريمة حرّ الوجه لم تدع هالكامن القوم هلكا في غد غير معقب
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشابروق الثّنايا ذات خلق مشرعب
العفر: منازل لقيس بالعالية. سوالف: مواض. يقول: هيّجت حبّا قد كان ثمّ انقطع. ومنصب: ذو نصب. ونأت وناءت وبانت بمعنى واحد، أي بعدت. ومشغب: ذو شغب عليك وخلاف في حبها. ويروى: «مشعب» أي متعدّد يصرفك عنها. وقوله: «لم تدع هالكا» أي لم تندب هالكا هلك فلم يخلف غيره ولم يعقب.
ومعنى ذلك أنها في عدد وقوم يخلف بعضهم بعضا في المكارم، لا كمن إذا مات سيد قومها أو كريم منهم لم يقم أحد منهم مقامه. والمشرعب: الجسيم الطويل. والشّرعبيّ: الطويل.
الشعر لطفيل الغنوي، والغناء لجميلة ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وذكره حماد عن أبيه لها ولم يجنسه. وروى إسحاق عن أبيه عن سياط عن يونس أنّ هذا أحسن صوت صنعته جميلة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع