من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر متمم وأخباره وخبر مالك ومقتله
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو متمّم بن نويرة بن عمرو بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار. ويكنى متمّم بن نويرة أبا نهشل.
ويكنى أخوه مالك أبا المغوار. وكان مالك يقال له فارس ذي الخمار، قيل له ذلك بفرس كان عنده يقال له «ذو الخمار»، وفيه يقول وقد أحمده في بعض وقائعه:
جزاني دوائي ذو الحمار وصنعتيبما بات أطواء بنيّ الأصاغر
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان مالك بن نويرة شريفا فارسا، وكان فيه خيلاء وتقدّم، وكان ذا لمّة كبيرة، وكان يقال له الجفول.
وكان مالك قتل في الرّدّة، قتله خالد بن الوليد بالبطاح في خلافة أبي بكر، وكان مقيما بالبطاح، فلما تنبأت سجاح اتّبعها ثم أظهر أنّه مسلم، فضرب خالد عنقه صبرا، فطعن عليه في ذلك جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وأبو قتادة الأنصاريّ، لأنه تزوّج امرأة مالك بعده، وقد كان يقال إنّه يهواها في الجاهلية واتّهم لذلك أنّه قتله مسلما ليتزوّج امرأته بعده.
حدثنا بالسبب في مقتل مالك بن نويرة محمد بن جرير الطبري قال: كتب إليّ السريّ بن يحيى، يذكر عن شعيب بن إبراهيم التيمي، عن سيف بن عمر، عن الصّقعب بن عطية عن أبيه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استعمل عماله على بني تميم، فكان مالك بن نويرة عامله على بني يربوع. قال: ولمّا تنبأت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان وسارت من الجزيرة، راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة، فأجابها وقنّاها عن غزوها، وحملها على أحياء من بني تميم، فأجابته وقالت: نعم فشأنك بمن رأيت، وإنّما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان ملك فهو ملككم. فلمّا تزوّجها مسيلمة الكذّاب ودخل بها انصرفت إلى الجزيرة وصالحته أن يحمل عليها النّصف من غلّات اليمامة، فارعوى حينئذ مالك بن نويرة وندم وتحيّر في أمره، فلحق بالبطاح، ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلّا ما بقي من أمر مالك بن نويرة ومن تأشّب إليه بالبطاح، فهو على حاله متحيّر ما يدري ما يصنع.
وقال سيف: فحدّثني سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد وعمرو بن شعيب قالا: لما أراد خالد بن الوليد المسير خرج من ظفر وقد استبرأ أسدا وغطفان وطيئا، فسار يريد البطاح دون الحزن، وعليها مالك بن نويرة وقد تردّد عليه أمره وقد تردّدت الأنصار على خالد وتخلّفت عنه، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا؛ فقد عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم، أن يكتب إلينا بما نعمل. فقال خالد: إن يكن عهد إليكم هذا فقد عهد إليّ أن أمضى، وأنا الأمير وإليّ تنتهي الأخبار، ولو أنّه لم يأتني له كتاب ولا أمر ثم رأيت فرصة إن أعلمته بها فاتتني لم أعلمه حتّى أنتهزها. وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا ونعمل به. وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصد له بمن معي من المهاجرين والتابعين لهم بإحسان، ولست أكرههم. ومضى خالد وبرمت الأنصار وتذامروا وقالوا: لئن أصاب القوم خيرا إنّه لخير حرمتموه، ولئن أصابتهم مصيبة ليجتنبنّكم الناس. فأجمعوا على اللّحاق بخالد، وجرّدوا إليه رسولا، فأقام عليهم حتّى لحقوا به، ثم سار حتّى لحق البطاح فلم يجد به أحدا.
قال السري عن شعيب، عن سيف عن خزيمة بن شجرة العقفاني عن عثمان بن سويد، عن سويد بن المنعبة الرياحي قال: قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا، ووجد مالك بن نويرة قد فرّقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع، فبعث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام، فمن أجاب فسالموه ومن لم يجب وامتنع فاقتلوه. وكان فيما أوصاهم أبو بكر: إذا نزلتم منزلا فأذّنوا وأقيموا، فإن أذّن القوم وأقاموا فكفّوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلّا الغارة. ثم اقتلوهم كلّ قتلة: الحرق فما سواه. فإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم، فإن هم أقرّوا بالزكاة قبلتم منهم، وإلّا فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، ومن بني عاصم، وعبيد، وعرين، وجعفر، واختلف السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة. وكان ممن شهد أنّهم قد أذّنوا وأقاموا وصلّوا. فلما اختلفوا فيهم أمر بحسبهم، في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، وجعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: «دافئوا أسراكم». وكان في لغة كنانة إذا قالوا: «دافأنا الرجل وأدفئوه، فذلك معنى اقتلوه من الدف ء. فظنّ القوم أنّه يريد القتل فقتلوهم. فقتل ضرار بن الأزور مالكا، فسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اللّه أمرا أصابه. وقد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة: هذا عملك.
فزبره خالد فغضب ومضى حتّى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر حتّى كلّمه عمر بن الخطاب فيه، فلم يرض إلا بأن يرجع إليه، فرجع إليه فلم يزل معه حتّى قدم المدينة، وقد كان تزوّج خالد أم تميم بنت المنهال وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره، فقال عمر لأبي بكر: إنّ في سيف خالد رهقا، وحقّ عليه أن تقيده. وأكثر عليه في ذلك. وكان أبو بكر لا يقيد من عمّاله ولا من وزعته، فقال: هبه يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد. وودى مالكا، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل وأخبره خبره فعذره. وقبل منه، وعنّفه بالتزويج الذي كانت العرب تعيب عليه من ذلك.
فذكر سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال: شهد قوم من السرية أنّهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا، وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء فقتلوا. وقدم أخوه متمم ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم، فكتب له بردّ السّبي، وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال: إن في سيفه لرهقا! فقال له: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين.
حدّثنا محمد بن إسحاق قال: كتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن خزيمة عن عثمان عن سويد قال: كان مالك من أكثر الناس شعرا، وإنّ أهل العسكر أثّفوا القدور بروءسهم، فما منها رأس إلا وصلت النار إلى بشرته، ما خلا مالكا فإنّ القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، ووقى الشعر البشرة من حرّ النار أن تبلغ منه ذلك.
قال: وأنشد متمم عمر بن الخطاب، ذكر خمصه - يعني قوله:
لقد كفن المنهال تحت ردائهفتى غير مبطان العشيّات أروعا
فقال: أكذاك كان يا متمم؟ قال: أمّا ما أعني فنعم.
أخبرني اليزيديّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب. وحدّثنيه أحمد بن الجعد قال: حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبي قال: حدّثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: أنّ مالك بن نويرة كان من أكثر الناس شعرا، وأن خالدا لما قتله أمر برأسه فجعل أثفيّة لقدر، فنضج ما فيها قبل أن تبلغ النار إلى شواته.
أخبرني محمد بن جرير قال: حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن طلحة بن عبيد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه.
أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ماذا نقموا، وإذا لم تسمعوا أذانا فشنّوا الغارة واقتلوا وحرّقوا. فكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الأنصاري، واسمه الحارث بن ربعيّ أخو بني سلمة، وقد كان عاهد اللّه أنّه لا يشهد حربا بعدها أبدا. وكان يحدّث أنّهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا لهم: إنا المسلمون.
فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح معكم؟ فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. ففعلوا ثم صلينا وصلّوا. وكان خالد يعتذر في قتله أنّه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبكم - يعني النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم - إلا وقد كان يقول كذا وكذا. فقال خالد: أو ما تعدّه صاحبا؟! ثم قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر رضي اللّه عنه، وقال: عدوّ اللّه عدا على امرىء مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته.
وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتّى دخل المسجد وعليه قباء له، وعليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة قد غرز فيها أسمها، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال: أقتلت أمرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، واللّه لأرجمنّك بأحجارك! ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنّ إلّا أن رأى أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره أبو بكر وتجاوز له عمّا كان في حربه تلك.
فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد الحرام، فقال: هلمّ إليّ يا ابن أم شملة. فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه ودخل بيته. وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسديّ.
ضرار قاتل مالك.
وقال محمد بن جرير: قال ابن الكلبي: الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور.
وهكذا روى أبو زيد عمر بن شبّة عن أصحابه، وأبو خليفة عن محمد بن سلام قال: قدم مالك بن نويرة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولّاه صدقات قومه بني يربوع، فلما مات النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اضطرب فيها فلم يحمد أمره، وفرّق ما في يده من إبل الصدقة، فكلّمه الأقرع بن حابس المجاشعيّ، والقعقاع بن معبد بن زرارة الدارميّ فقالا له: إنّ لهذا الأمر قائما وطالبا، فلا تعجل بتفرقة ما في يدك. فقال:
أراني اللّه بالنّعم المندّىببرقة رحرحان وقد أراني
تمشّى يابن عوذة في تميموصاحبك الأقيرع تلحياني
حميت جميعها بالسّيف صلتاولم ترعش يداي ولا بناني
يعني أمّ القعقاع، وهي معاذة بنت ضرار بن عمرو. وقال أيضا:
وقلت خذوا أموالكم غير خائفولا ناظر فيما يجيء من الغد
فإن قام بالأمر المخوّف قائممنعنا وقلنا الدين دين محمّد
قال ابن سلام: فمن لا يعذر خالدا يقول: إنه قال لخالد: وبهذا أمرك صاحبك - يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - وأنّه أراد بهذه القرشية. ومن يعذر خالدا يقول: إنّه أراد انتفاء من النبوّة، ويحتجّ بشعريه المذكورين آنفا. ويذكر خالد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لما وجّهه إلى ابن جلندى قال له: يا أبا سليمان، إن رأت عينك مالكا فلا تزايله أو تقتله.
قال محمد بن سلام: وسمعني يوما يونس وأنا أرادّ التميمية في خالد وأعذره، فقال لي: يا أبا عبد اللّه، أما سمعت بساقي أم تميم؟ يعني زوجة مالك التي تزوّجها خالد لما قتله - وكان يقال إنّه لم ير أحسن من ساقيها. قال: وأحسن ما سمعت من عذر خالد قول متمم بأنّ أخاه لم يستشهد. ففيه دليل على غدر خالد.
أخبرنا اليزيدي قال: حدثنا الرياشي قال: حدّثني محمد بن الحكم البجلي عن الأنصاري قال: صلّى متمم بن نويرة مع أبي بكر الصّبح، ثم أنشده قوله:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحتتحت الإزار قتلت يا ابن الأزور
أدعوته باللّه ثمّ قتلتهلو هو دعاك بذمّة لم يغدر
فقال أبو بكر: واللّه ما دعوته ولا قتلته. فقال:
لا يضمر الفحشاء تحت ردائهحلو شمائله عفيف المثزر
ولنعم حشو الدّرع أنت وحاسراولنعم مأوى الطارق المتنوّر
قال: ثم بكى حتّى سالت عينه، ثم انخرط على سية قوسه متكئا. يعني مغشيّا عليه.
أخبرني اليزيدي قال حدّثنا الرياشي قال حدّثنى محمد بن صخر بن خلخلة قال: ذكر متمم بن نويرة أخاه في المدينة فقيل له: إنّك لتذكر أخاك، فما كانت صفته، أو صفه لنا؟ فقال: «كان يركب الجمل الثّفال في الليلة الباردة، يرتوي لأهله بين المزادتين المضرّجتين، عليه الشّملة الفلوت، يقود الفرس الجرور، ثم يصبح ضاحكا».
أخبرني اليزيدي قال: حدّثنا أحمد بن زهير، عن الزبير بن حبيب بن بدر الطائي وغيره: أن المنهال: رجلا من بني يربوع، مرّ على أشلاء مالك بن نويرة لما قتله خالد، فأخذ ثوبا وكفّنه فيه ودفنه، ففيه يقول متمم:
صوت
لعمري وما دهري بتأبين مالكولا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ردائهفتى غير مبطان العشيات أروعا
غنّاه عمرو بن أبي الكنّات، ثقيل أوّل بالوسطى عن حبش.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثنا الحسن بن محمد البصري، قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل القضاعي قال حدّثني أحمد بن عمار العبدي، وكان من العلم بموضع قال: حدّثني أبي عن جدي قال: صلّيت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكبا قوسا، وبيده هراوة، فقال: من هذا؟ فقال: متمم بن نويرة. فاستنشده قوله في أخيه، فأنشده:
لعمري وما دهري بتأبين مالكولا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ثيابهفتى غير مبطان العشيات أروعا
حتّى بلغ إلى قوله:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرّقنا كأنّي ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال عمر: هذا واللّه التأبين، ولوددت أنّي أحسن الشّعر فأرثى أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك. فقال متمم: لو أنّ أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته - وكان قتل باليمامة شهيدا، وأمير الجيش خالد بن الوليد - فقال عمر: ما عزّاني أحد عن أخي بمثل ما عزّاني به متمم.
قال: وكان عمر يقول: ما هبت الصّبا من نحو اليمامة إلّا خيّل إليّ أنّى أشم ريح أخي زيد.
قال: وقيل لمتمم: ما بلغ من وجدك على أخيك؟ فقال أصبت بإحدى عينيّ فما قطرت منها دمعة عشرين سنة، فلما قتل أخي استهلّت فما ترقأ.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدّثنا عبد اللّه بن لاحق، عن ابن أبي مليكة قال: مات عبد الرّحمن بن أبي بكر بالحبشيّ خارج مكة، فحمل فدفن بمكة، فقدمت عائشة فوقفت على قبره وقالت متمثلة:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرّقنا كأني ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
أما واللّه لو حضرتك لدفنت حيث متّ، ولو شهدتك ما زرتك.
أخبرني إبراهيم بن أيوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة: أنّ متمم بن نويرة دخل على عمر بن الخطاب فقال له عمر: ما أرى في أصحابك مثلك. فقال: يا أمير المؤمنين أما واللّه إنّي مع ذلك لأركب الجمل الثّفال، وأعتقل الرّمح الشّطون، وألبس الشّملة الفلوت. ولقد أسرتني بنو تغلب في الجاهلية فبلغ ذلك أخي مالكا فجاء ليفديني منهم، فلما رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقوني له بغير فداء.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني النوقلي عن أبيه وأهله قالوا: لما أنشد متمم بن نويرة عمر بن الخطاب قوله يرثى أخاه مالكا:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتّى قيل لن يتصدعا
فلمّا تفرقنا كأنّي ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قال له عمر: هل كان مالك يحبّك مثل محبّتك إياه، أم هل كان مثلك؟ فقال: وأين أنا من مالك، وهل أبلغ مالكا، واللّه يا أمير المؤمنين لقد أسرني حيّ من العرب فشدّوني وثاقا بالقد، وألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل على راحلته حتى انتهى إلى القوم وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليّ أعرض عنّي، ونظر القوم إليه فعدل إليهم، وعرفت ما أراد، فسلّم عليهم وحادثهم وضاحكهم وأنشدهم، فو اللّه إن زال كذلك حتّى ملأهم سرورا، وحضر غداؤهم فسأله ليتغدّى معهم فنزل وأكل، ثم نظر إليّ وقال: إنّه لقبيح بنا أن نأكل ورجل ملقّى بين أيدينا لا يأكل معنا! وأمسك يده عن الطعام. فلما رأى ذلك القوم نهضوا وصبّوا الماء على قدّى حتى لان وخلّوني، ثم جاءوا فأجلسوني معهم على الغداء، فلمّا أكلنا قال لهم: أما ترون تحرّم هذا بنا وأكله معنا، إنّه لقبيح بكم أن تردّوه إلى القدّ، فخلّوا سبيلي فكان كما وصفت. وما كذبت في شيء من صفته إلا أنّي وصفته خميص البطن، وكان ذا بطن.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا أحمد بن نصر العتيقي قال: حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي، عن أبيه عن مروان بن موسى. ووجدت هذا الخبر أيضا في كتاب محمد بن علي بن حمزة العلويّ، عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال لمتمّم بن نويرة: إنّكم أهل بيت قد تفانيتم، فلو تزوّجت عسى أن ترزق ولدا يكون فيه بقيّة منكم. فتزوّج امرأة بالمدينة فلم ترض أخلاقه لشدّة حزنه على أخيه، وقلّة حفله بها، فكانت تماظّه وتؤذيه، فطلّقها وقال:
أقول لهند حين لم أرض فعلهاأهذا دلال الحب أم فعل فارك
أم الصرم ما تبغي، وكلّ مفارقيسير علينا فقده بعد مالك
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني أحمد بن معاوية، عن سلمويه بن أبي صالح، عن عبد اللّه بن المبارك عن نعيم بن أبي عمرو الرازيّ قال: بينا طلحة والزّبير يسيران بين مكّة والمدينة إذ عرض لهما أعرابي، فوقفا ليمضي فوقف فتعجّلا ليسبقاه فتعجّل، فقالا: ما أثقلك يا أعرابيّ تعجّلنا لنسبقك فتعجّلت، فوقفنا لتمضي فوقفت؟ فقال: لا إله إلا اللّه مفني أغدر الناس، أغدر بأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم؟ هباني خفت الضّلال فأحببت أن أستدلّ بكما؛ أو خفت الوحشة فأحببت أن أستأنس بكما. فقال طلحة: من أنت؟ قال: أنا متمم بن نويرة. فقال طلحة: واسوأتاه، لقد مللنا غير مملول.
هات بعض ما ذكرت في أخيك من البكاء. فزوّجوه أمّ خالد، فبينا هو واضع رأسه على فخذها إذ بكى فقالت: لا إله إلا اللّه، أما تنسى أخاك. فأنشأ يقول:
أقول لها لما نهتني عن البكاأفي مالك تلحينني أمّ خالد
فإن كان إخواني أصيبوا وأخطأتبني أمك اليوم الحتوف الرواصد
فكلّ بني أم سيمون ليلةولم يبق من أعيانهم غير واحد
أمّا معنى قول متمم:
وكنا كندماني جذيمة حقبة
فإنّه يعني نديمي جذيمة الأبرش الملك، وهو جذيمة بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدثان الأسديّ.
وكان الخبر في ذلك ما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري، عن محمد بن حبيب.
وذكر ابن الكلبي عن أبيه والشرقيّ وغيره من الرواة أن جذيمة الأبرش - وأصله من الأزد، وكان أوّل من ملك قضاعة بالحيرة، وأوّل من حدا النعال، وأدلج من الملوك، ورفع له الشّمع - قال يوما لجلسائه: قد ذكر لي عن غلام من لخم، مقيم في أخواله من إياد، له ظرف ولبّ، فلو بعثت إليه يكون في ندماني، وولّيته كأسي والقيام بمجلسي، كان الرأي. فقالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه. ففعل فلما قدم فعل به ما أراد له، فمكث كذلك مدّة طويلة ثم أشرفت عليه يوما رقاش ابنة الملك، أخت جذيمة، فلم تزل تراسله حتّى اتصل بينهما، ثم قالت له: يا عديّ، إذا سقيت القوم فامزج لهم واسق الملك صرفا، فإذا أخذت منه الخمر فاخطبني إليه فإنّه يزوّجك، وأشهد القوم عليه إن هو فعل. ففعل الغلام ذلك فخطبها فزوّجه، وانصرف الغلام بالخبر إليها فقالت: عرّس بأهلك.
ففعل فلما أصبح غدا مضرّجا بالخلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عديّ؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟
قال: عرس رقاش. قال: فنخر وأكبّ على الأرض، ورفع عديّ جراميزه، فأسرع جذيمة في طلبه فلم يحسسه، وقيل إنه قتله وكتب إلى أخته:
حدّثيني رقاش لا تكذبينيأبحرّ زنيت أم بهجين
أم بعبد فأنت أهل لعبدأم بدون فأنت أهل لدون
قالت: بل زوّجتني أمرأ عربيا. فنقلها جذيمة وحصّنها في قصره، واشتملت على حمل فولدت منه غلاما وسمّته عمرا وربّته، فلما ترعرع حلّته وعطرته وألبسته كسوة مثله، ثم أرته خاله فأعجب به، وألقيت عليه منه محبّة ومودّة، حتّى إذا وصف خرج الغلمان يجتنون الكمأة في سنة قد أكمأت، وخرج معهم، وقد خرج جذيمة فبسط له في روضة، فكان الغلمان إذا أصابوا الكمأة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها، ثم أقبلوا يتعادون وهو معهم يقدمهم ويقول:
هذا جناي وخياره فيهإذ كلّ جان يده إلى فيه
فالتزمه جذيمة وحباه وقرب من قلبه، وحلّ منه بكلّ مكان. ثم إنّ الجن استطارته، فلم يزل جذيمة يرسل في الآفاق في طلبه فلم يسمع له بخبر، فكفّ عنه. ثم أقبل رجلان يقال لأحدهما عقيل والآخر مالك، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء ومعهما قينة يقال لها أمّ عمرو، فنصبت قدرا وأصلحت طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر، قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتّى جلس مزجر الكلب، فمدّ يده فناولته شيئا فأكله، ثم مدّ يده فقالت: «إن يعط العبد كراعا يتّسع ذراعا» فأرسلتها مثلا. ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت دنّها، فقال عمرو بن عديّ:
صوت
صددت الكأس عنا أمّ عمرووكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرّ الثلاثة أمّ عمروبصاحبك الذي لا تصبحينا
غناه معبد فيما ذكر عن إسحاق في «كتابه الكبير». وقد زعم بعض الرواة أن هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب.
وأخبرنا اليزيدي قال: حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال: حدّثنا حفص بن عمرو، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، أنّ هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب في ربيعة بن نصر اللخمي.
رجع الحديث إلى سياقه
فقال الرجلان: ومن أنت؟ فقال: «إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإنّني عمرو وعديّ أبي»، فقاما إليه فلثماه، وغسلا رأسه وقلّما أظفاره، وقصّرا من لمّته، وألبساه من طرائف ثيابهما وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هديّة أنفس عنده ولا هو عليها أحسن صفدا من ابن أخته، فقد ردّه اللّه عز وجل إليه. فخرجا حتّى إذا دفعا إلى باب الملك بشّراه به، فصرفه إلى أمّه، فألبسته ثيابا من ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقا كانت تلبسه إيّاه وهو صغير، وأمرته بالدخول على خاله، فلما رآه قال: «شبّ عمرو عن الطوق» فأرسلها مثلا. وقال للرجلين اللذين قدما به: احكما فلكما حكمكما. قالا: منادمتك ما بقيت وبقينا. قال: ذلك لكما. فهما نديما جذيمة اللذان ذكرهما متمّم، وضربت بهما الشعراء المثل. قال أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلناخليلا صفاء مالك وعقيل
قال ابن حبيب في خبره: وكان جذيمة من أفضل الملوك رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدّهم نكاية، وهو أوّل من استجمع له الملك بأرض العراق، وكانت منازله ما بين الأنبار وبقّة وهيت وعين التمر، وأطراف البر والقطقطانة والحيرة، فقصد في جموعه عمرو بن الظّرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العاملي، من عاملة العماليق، فجمع عمرو جموعه ولقيه، فقتله جذيمة وفضّ جموعه، فانفلّوا وملّكوا عليهم ابنته الزبّاء، وكانت من أحزم الناس، فخافت أن تغزوها ملوك العرب فاتّخذت لنفسها نفقا في حصن كان لها على شاطىء الفرات، وسكرت الفرات في وقت قلّة الماء، وبنت أزجا من الآجرّ والكلس، متصلا بذلك النفق، وجعلت نفقا آخر في البرّيّة متّصلا بمدينة لأختها، ثم أجرت الماء عليه، فكانت إذا خافت عدوّا دخلت النفق. فلما اجتمع لها أمرها واستحكم ملكها أجمعت على غزو جذيمة ثائرة بأبيها، فقالت لها أختها وكانت ذات رأي وحزم: إنّك إن غزوت جذيمة فإنّه امرؤ له ما يصدّه، فإن ظفرت أصبت ثأرك، وإن ظفر بك فلا بقيّة لك، والحرب سجال، ولا تدرين كيف تكون ألك أم عليك، ولكن ابعثي إليك فأعلميه أنّك قد رغبت في أن تتزوّجيه وتجمعي ملكك إلى ملكه، وسليه أن يجيبك إلى ذلك، لأنّه إن اغتر ففعل ظفرت به بلا مخاطرة. فكتبت الزباء في ذلك إلى جذيمة تقول له: إنها قد رغبت في صلة بلدها ببلده، وإنّها في ضعف من سلطانها، وقلّة ضبط لمملكتها، وإنها لم تجد كفئا غيره، وتسأله الإقبال عليها وجمع ملكها إلى ملكه. فلما وصل ذلك إليه استخفّه وطمع فيه، فشاور أصحابه فكلّ صوّب رأيه في قصدها وإجابتها، إلّا قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن هلال بن نمارة بن لخم، فقال: هذا رأي فاتر، وغدر حاضر، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلّا فلا تمكنها من نفسك فتقع في حبالها وقد وترتها في أبيها. فلم يوافق جذيمة ما قال وقال له: «أنت أمرؤ رأيك في الكنّ لا في الضّحّ». ورحل فقال له قصير في طريقة: «انصرف ودمك في وجهك. فقال جذيمة: «ببقّة قضي الأمر» فأرسلها مثلا. ومضى حتّى إذا شارف مدينتها قال لقصير: ما الرأي؟ قال: «ببقّة تركت الرأي». قال: فما ظنّك بالزباء؟ قال: «القول رداف، والحزم عيرانة لا تخاف». واستقبله رسلها بالهدايا والألطاف فقال: يا قصير، كيف ترى؟ قال «خطر يسير في خطب كبير»، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أخذت في جنبيك وأحاطت بك فالقوم غادرون. فلقيته الخيول فأحاطت به، فقال له قصير: اركب العصا فإنّها لا تدرك ولا تسبق - يعني فرسا له كانت تجنب - قبل أن يحولوا بينك وبين جنودك. فلم يفعل، فجال قصير في ظهرها فمرّت به تعدو في أوّل أصحاب جذيمة. ولما أحيط بجذيمة التفت فرأى قصيرا على فرسه العصا في أوّل القوم، فقال: «لحازم من يجري العصا في أوّل القوم». فذكر أبو عبيدة والأصمعي أنها لم تكن تقف، حتّى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت فبالت هناك، فبني على ذلك الموضع برج يسمّى العصا - وأخذ جذيمة فأدخل على الزباء فاستقبلته قد كشفت عن فرجها، فإذا هي قد ضفرت الشعر عليه، فقالت: يا جذيم أذات عروس ترى؟ قال: بل أرى متاع أمة لكعاء غير ذات خفر. ثم قال: «بلغ المدى، وجفّ الثّرى، وأمر غدر أرى. قالت: واللّه ما ذلك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنّها شيمة ما أناس. ثم قالت لجواريها: خذن بعضد سيّدكنّ. ففعلن ثم دعت بنطع فأجلسته عليه، وأمرت برواهشه فقطعت في طست من ذهب يسيل دمه فيه، وقالت له: يا جذيم لا يضيعنّ من دمك شيء فإنّي أريده للخبل.
فقال لها: وما يحزنك من دم أضاعه أهله. وإنما كان بعض الكهّان قال لها: إن نقط من دمه شيء في غير الطست أدرك بثأره. فلم يزل دمه يجري في الطّست حتّى ضعف، فتحرّك فنقطت من دمه نقطة على أسطوانة رخام ومات.
قال: والعرب تتحدّث في أنّ دماء الملوك شفاء من الخبل. قال المتلمس:
من الدارميّين الذين دماؤهمشفاء من الداء المجنّة والخبل
قال: وجمعت دمه في برنيّة وجعلته في خزانتها، ومضى قصير إلى عمرو بن عبد الحرّ التّنوخي فقال له: اطلب بدم ابن عمك وإلّا سبّتك به العرب. فلم يحفل بذلك فخرج قصير إلى عمرو بن عديّ ابن أخت جذيمة فقال: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب بثأر خالك؟ فجعل ذلك له، فأتى القادة والأعلام فقال لهم: أنتم القادة والرؤساء، وعندنا الأموال والكنوز. فانصرف إليه منهم بشر كثير، فالتقى بعمرو التنوخي فلما صافّوا القتال تابعه التوخي ومالك بن عمرو بن عديّ، فقال له قصير: انظر ما وعدتني في الزباء. فقال: وكيف وهي أمنع من عقاب الجوّ؟ فقال: أمّا إذ أبيت فإني جادع أنفى وأذني، ومحتال لقتلها، فأعنّي وخلاك ذمّ. فقال له عمرو: وأنت أبصر. فجدع قصير أنفه ثم انطلق حتّى دخل على الزباء فقالت: من أنت؟ قال: أنا قصير، لا وربّ البشر ما كان على ظهر الأرض أحد أنصح لخدمته منّي ولا أغشّ لك حتّى جدع عمرو بن عديّ أنفى وأذني، فعرفت أنّي لن أكون مع أحد أثقل عليه منك. فقالت: أي قصير نقبل ذلك منك، ونصرّ لك في بضاعتنا. وأعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة فأخذ منه بأمر عديّ ما ظنّ أنه يرضيها، وانصرف إليها به، فلما رأت ما جاء به فرحت وزادته، ولم يزل حتّى أنست به فقال لها: إنه ليس من ملك ولا ملكة إلّا وقد ينبغي له أن يتّخذ نفقا يهرب إليه عند حدوث حادثة يخافها. فقالت: أما أنّي قد فعلت واتّخذت نفقا تحت سريري هذا، يخرج إلى نفق تحت سرير أختي. وأرته إياه، فأظهر لها سرورا بذلك، وخرج في تجارته كما كان يفعل، وعرف عمرو بن عديّ ما فعله، فركب عمرو في ألفي دارع على ألف بعير في الجوالق حتى إذا صاروا إليها تقدّم قصير يسبق الإبل ودخل على الزباء فقال لها: اصعدي في حائط مدينتك فانظري إلى مالك، وتقدّمي إلى بوّابك فلا يعرض لشيء من أعكامنا، فإنّي قد جئت بمال صامت. وقد كانت أمنته فلم تكن تتّهمه ولا تخافه، فصعدت كما أمرها فلما نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت - وقيل إنه مصنوع منسوب إليها -:
ما للجمال مشيها وئيداأجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديداأم الرجال جثّما قعودا
فلما دخل آخر الجمال نخس البوّاب عكما من الأعكام بمنخسة معه، فأصابت خاصرة رجل فضرط، فقال البوّاب: «شرّ واللّه عكمتم به في الجوالقات». فثاروا بأهل المدينة ضربا بالسيف، فانصرفت راجعة فاستقبلها عمرو بن عدي فضربها فقتلها، وقيل بل مصّت خاتمها وقالت: «بيدي لا بيد عمرو»، وخربت المدينة وسبيت الذراريّ، وغنم عمرو كلّ شيء كان لها ولأبيها وأختها، وقال الشعراء في ذلك تذكر ما كان من قصير في مشورته على جذيمة، وفي جدعه أنفه، فأكثروا. قال عديّ بن زيد:
ألا يأيّها المثري المرجّىألم تسمع بخطب الأوّلينا
دعا بالبقّة الأمراء يوماجذيمة ينتحي عصبا ثبينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيراوكان يقول لو سمع اليقينا
وهي طويلة. وقال المتلمس يذكر جدع قصير أنفه:
ومن حذر الأيام ما حزّ أنفهقصير وخاض الموت بالسيف بيهس
وفي هذا المعنى أشعار كثيرة يطول ذكرها.
وكان جذيمة الملك شاعرا، وإنّما قيل له الوضاح لبرص كان به، وكان يعظم أن يسمّى بذلك، فجعل مكانه الأبرش والوضّاح. وهو الذي يقول:
والملك كان لذي نواس حوله تردي يحابر
بالسابغات وبالقناوالبيض تبرق والمغافر
أزمان لا ملك يجي- ر ولا ذمام لمن يجاور
أودى بهم غير الزمان فمنجد منهم وغائر
وهو الذي يقول:
ربّما أوفيت في علمترفعن ثوبي شمالات
في شباب أنا رابئهمهم لذي العورة صمّات
ليت شعري ما أطاف بهمنحن أدلجنا وهم باتوا
ثمّ ابنا غانمين وكمكرّ ناس قبلنا ماتوا
فيه غناء يقال إنه ليمان، ويقال إنّه لمعبد، ولم يصح.
صوت
في كفّه خيزران ريحه عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
الشعر لحزين بن سليمان الدّيليّ، والغناء لإسحاق، ثاني ثقيل بالبنصر عن حبش، وفيه لعريب رمل عمله على لحن ابن سريج.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع