من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر عمرو بن بانة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، مولى ثقيف. وكان أبوه صاحب ديوان ووجها من وجوه الكتّاب، وينسب إلى أمّه بانة بنت روح القحطبية. وكان مغنّيا محسنا، وشاعرا صالح الشعر، وصنعته صنعة متوسّطة، النادر منها ليس بالكثير، وكان يقعده عن اللّحاق بالمتقدّم في الصنعة أنه كان مرتجلا، والمرتجل من المحدثين لا يلحق الضّرّاب. وعلى ذلك فما فيه مطعن، ولا يقصّر جيّد صنعته عن صنعة غيره من طبقته وإن كانت قليلة، وروايته أحسن رواية.
وكتابه في «الأغاني» أصل من الأصول، وكان يذهب مذهب إبراهيم بن المهدي في الغناء وتجنيسه، ويخالف إسحاق ويتعصّب عليه تعصّبا شديدا، ويواجهه بذلك وينصر إبراهيم بن المهديّ عليه. وكان تيّاها معجبا شديد الذهاب بنفسه، وهو معدود في ندماء الخلفاء ومغنّيهم، على ما كان به من الوضح. وفيه يقول الشاعر:
أقول لعمرو وقد مرّ بيفسلّم تسلمية جافية
لئن فضّلوك بفضل الغناءلقد فضّل اللّه بالعافية
وقال ابن حمدون: كان عمرو حسن الحكاية لمن أخذ الغناء عنه، حتّى كان من يسمعه لو توارى عن عينه عمرو ثم غنّى لم يشكك في أنّه هو الذي أخذ عنه، لحسن حكايته، وكان محظوظا ممن يعلّمه، ما علّم أحدا قطّ إلا خرج نادرا مبرّزا.
فأخبرني جحظة قال حدّثني أبو العبيس بن حمدون قال: قال لي عمرو بن بانة: علّمت عشرة غلمان كلّهم تبيّنت فيهم الثقافة والحذق، وعلمت أنّه يتقدم، أحدهم أنت، وتمرة، وما تبيّنت قطّ من أحد خلاف ذلك فعلمته.
وقال محمد بن الحسن الكاتب: حدّثني أبو حارثة الباهليّ عن أخيه أبي معاوية قال: سمعت عمرو بن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس مثلي يقاس بمثلك، لأنّك تعلّمت الغناء تكسّبا، وتعلّمته تطرّبا، وكنت أضرب لئلا أتعلّمه، وكنت تضرب حتّى تتعلّمه.
وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: اجتمع عمرو بن بانة والحسين بن الضّحاك في منزل ابن شعوف، وكان له خادم يقال له مفحم، وكان عمرو يتّهم به، فلما أخذ فيه الشراب سأل عمرو الحسين بن الضحاك أن يقول في مفحم شعرا ليغني فيه، فقال الحسين:
وا بأبي مفحم لغرّتهقلت له إذ خلوت مكتتما
تحب باللّه من يخصّك بالحبّ فما قال لا ولا نعما
الشعر للحسين بن الضحاك، والغناء لعمرو بن بانة، ثاني ثقيل بالبنصر.
قال: فغنى فيه عمرو. ولم يزل هذا الشعر غناءهم، وفيه طربهم، إلى أن تفرّقوا. وأتاهم في عشيّتهم إسحاق بن إبراهيم الموصلي فسألوا ابن شعوف أن لا يأذن له، فحجبه، وانصرف إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى منزله، فلما تفرّقوا مرّ به الحسين بن الضحاك وهو سكران، فأخبره بجميع ما دار بينهما في مجلسهم، فكتب إسحاق إلى ابن شعوف:
يا ابن شعوف أما سمعت بماقد صار في الناس كلّهم علما
أتاك عمرو فبات ليلتهفي كلّ ما يشتهى كما زعما
حتّى إذا ما الظلام خالطهسرى دبيبا فجامع الخدما
ثمّت لم يرض أن يفوز بذاسرّا ولكن أبدى الذي كتما
حتّى تغنّى لفرط صبوتهصوتا شفى من فؤاده السّقما
«وا بأبي مفحم لغرتهقلت له إذ خلوت مكتتما
تحبّ باللّه من يخصّك بالودّ فما قال لا ولا نعما»
فهجر ابن شعوف عمرو بن بانة مدّة وقطع عشرته.
وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي بهذا الخبر قال: حدّثني ميمون بن الأزرق قال: كان لمحمد بن شعوف الهاشميّ ثلاثة غلمان مغنّين، ومنهم اثنان صقلبيان محبوبان: خاقان وحسين، وكان خاقان أحسن الناس غناء، وكان حسين يغنّي غناء متوسطا، وهو مع ذلك أضرب الناس، وكان قليل الكلام جميل الأخلاق، أحسن الناس وجها وجسما، وكان الغلام الثالث فحلا يقال له حجّاج، حسن الوجه روميّ حسن الغناء، فتعشّق عمرو بن بانة منهم المعروف بحسين وقال فيه:
وا بأبي مفحم لغرتهقلت له إذ خلوت مكتتما
تحبّ باللّه من يخصّك بالودّ فما قال لا ولا نعما
ولم يذكر غير هذا.
وقال محمد بن الحسن: حدّثني أبو الحسين العاصمي قال: دخلت أنا وصديق لي على عمرو بن بانة في يوم صائف، فصادفناه جالسا في ظلّ طويل ممتع، فدعاني إلى مشاركته فيه، وجعل يغنّينا يومه كلّه لحنه:
صوت
نقابك فاتن لا تفتنيناونشرك طيّب لا تحرمينا
وخاتمك اليماني غير شكّختمت به رقاب العالمينا
الغناء لعمرو بن بانة، هزج خفيف بالبنصر.
قال: فما طربت لغناء قطّ طربي له، ولا سمعت أشجى ولا أكثر نغما، ولا أحسن من غنائه.
أخبرني جحظة قال: حدّثني أبو حشيشة قال: كنت يوما عند عمرو بن بانة، فزاره خادم كان يحبّه فأقام عنده، فطلب عمرو في الدنيا كلّها من يضرب عليه فلم يجد أحدا، فقال له جعفر الطبّال: إن أنا غنّيتك اليوم على عود يضرب به عليك، أيّ شيء لي عندك؟
قال: مائة درهم ودستيجة نبيذ. وكان جعفر متقدّما نادرا طيبا، وكان نذل الهمّة، فقال: أسمعني مخرج صوتك. ففعل فسّوى عليه طبله كما يسوي الوتر، واتكأ عليه بركبته فأوقع عليه. ولم يزل عمرو يغنّي بقية يومه على إيقاعه لا ينكر منه شيئا حتّى انقضى يومنا ودفع إليه مائة درهم، وأحضر الدستيجة فلم يكن له من يحملها، فحملها جعفر على عنقه، وغطّاها بطيلسانه وانصرفنا.
قال أبو حشيشة: فحدّثت بهذا الحديث إسحاق بن عمرو بن بزيع، وكان صديق إبراهيم بن المهدي، فحدّثني أنّ إبراهيم بن المهدي قال له: يا جعفر حذّق فلانة جاريتي ضرب الطبل، ولك مائة دينار أعجّل لك منها خمسين.
قال: نعم. فعجّلت له الخمسون وعلّمها، فلما حذقت طالب إبراهيم بتتمّة المائة فلم يعطه، فاستعدى عليه أحمد بن أبي دواد الحسني خليفته فأعداه، ووكّل إبراهيم وكيلا، فلما تقدّم مع الوكيل إلى القاضي أراد الوكيل أن يكسر حجّة جعفر فقال: أصلح اللّه القاضي، سله من أين له هذا الذي يدعي؟ وما سببه؟ فقال جعفر: أصلح اللّه القاضي أنا رجل طبّال، وشارطني إبراهيم على مائة دينار على أن أحذّق جاريته فلانة، وعجّل لي بخمسين دينارا ومنعني الباقي بعد أن رضي حذقها، فيحضر القاضي الجارية وطبلها، وأحضر أنا طبلي، ويسمعنا القاضي، فإن كانت مثلي قضى لي عليه، وإلّا حذّقتها فيه حتى يرضى القاضي. فقال له القاضي: قم عليك وعليها لعنة اللّه، وعلى من يرضى بذلك منك ومنها. فأخذ الأعوان بيده فأقاموه.
وقال علي بن محمد الهشامي: حدّثني جدي ابن حمدون قال: كنت عند عمرو بن بانة يوما ففتح باب داره فإذا بخادم أبيض شيخ قد دخل يقود بغلا له عليه مزادة، فلما رآه عمرو صرخ: لا إله إلا اللّه، ما أعجب أمرك يا دنيا! فقلت له: مالك؟ قال: يا أبا عبد اللّه، هذا الخادم رزق غلام علّوية المغني، الذي يقول فيه الحسين بن الضحاك الشاعر:
يا ليت رزقا كان من رزقييا ليته حظّي من الخلق
قد صار إلى ما ترى. ثم غنّاني لحنا له في هذا الشعر، فما سمعت أحسن منه منذ خلقت.
نسبة هذا اللحن
صوت
يا ليست رزقا كان من رزقييا ليته حظّي من الخلق
يا شادنا ملّكته رقّيفلست أرجو راحة العتق
الشعر للحسين بن الضحاك، والغناء لعمرو بن بانة، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى.
وقال علي بن محمد الهشامي: حدّثني جدّي - يعني ابن حمدون - قال: كنا عند المتوكّل ومعنا عمرو بن بانة، في آخر يوم من شعبان فقال له عمرو: يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداءك، تأمر لي بمنزل فإنه لا منزل لي يسعني. فأمر المتوكّل عبيد اللّه بن يحيى بأن يبتاع له منزلا يختاره. قال: وهجم الصوم وشغل عبيد اللّه، وانقطع عمرو عنا، فلما أهلّ شوال دعا بنا المتوكل فكان أول صوت غناه عمرو في شعر هذا:
صوت
ملّاك ربّي الأعياد تخلقهافي طول عمر يا سيد الناس
دفعت عن منزل أمرت بهفإنّني عنه مباعد خاس
فمر بتسليمه إليّ علىرغم عدوّي بحرمة الكاس
أعوذ باللّه والخليفة أنيرجع ما قتله على راسي
لحن عمرو في هذا الموضع هزج بالبنصر.
فدعا المتوكّل بعبيد اللّه بن يحيى فقال له: لم دافعت عمرا بابتياع المنزل الذي كنت أمرتك بابتياعه؟ فاعتلّ بدخول الصوم وتشعّب الأشغال. فتقدّم إليه أن لا يؤخر ابتياع ذلك إليه، فابتاع له الدور التي في دور سرّ من رأى، بحضرة المعلّى بن أيوب. وفيها توفي عمرو.
أخبرني محمد بن إبراهيم قريص قال: سمعت أحمد بن أبي العلاء يحدث أستاذي - يعني محمد بن داود بن الجراح قال: جمع عبد اللّه بن طاهر بين المغنين وأراد أن يمتحنهم، وأخرج بدرة دراهم سبقا لمن تقدّم منهم وأحسن، فحضره مخارق، وعلّويه، وعمرو بن بانة، ومحمد بن الحارث بن بسخنّر، فغنى فلم يصنع شيئا، وتبعه محمد بن الحارث فكانت هذه سبيله، وامتدت الأعين إلى مخارق وعمرو، فبدأ مخارق فغنّى:
إني امرؤ من خيرهمعمّي وخالي من جذام
فما نهنهه عمرو مع انقطاع نفسه حتّى غنى:
يا ربع سلّامة بالمنحنىبخيف سلع جادك الوابل
وكان إبراهيم بن المهدي حاضرا فبكى طربا وقال: أحسنت واللّه واستحققت، فإن أعطيته وإلا فخذه من مالي، يا حبيبي عنّي أخذت هذا الصوت، وقد واللّه زدت عليّ فيه وأحسنت غاية الإحسان، ولا يزال صوتي عليك أبدا. فقال له عبد اللّه: من حكمت له بالسّبق فقد حصل. وأمر له بالبدرة فحملت إلى عمرو.
ثمّ حدّثنا بعد ذلك أن إسحاق لقي عمرو بن راشد الخناق فقال له: قد بلغني خبر المجلس الذي جمع عبد اللّه فيه المغنّين يمتحنهم، ولو شاء لكان في راحة من ذلك. قلت: وكيف؟ قال: أمّا مخارق فأحسن القوم غناء إذا اتّفق له أن يحسن، وقلّما يتفق له ذلك. وأما محمد بن الحارث فأحسنهم شمائل، وأملحهم إشارة بأطراف وجهه في الغناء، وليس له غير ذلك. وأما عمرو بن بانة فأعلم القوم وأرقاهم. وأما علّويه فمن أدخله ابن الزانية مع هؤلاء؟
نسبة هذين الصوتين
صوت
إنّي أمرؤ من خيرهمعمّي وخالي من جذام
خود كضوء البدر أوأضوا لدى الليل التمام
يجري وشاحاها علىنحر نقيّ كالرّخام
والغناء لابن جامع، رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
صوت
يا خليليّ من بني شيبانأنا لا شكّ ميّت فابكياني
إنّ روحي لم يبق منها سوى شيء يسير معلّق بلساني
الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم، رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي وإبراهيم.
وهذا الشعر يخاطب به أبو العتاهية عبد اللّه، وزائدة بن معن بن زائدة الشيباني، وكان صديقا وخاصا بهما.
ثم إنّ يزيد بن معن غضب لمولاة لهم يقال لها سعدى، وكان أبو العتاهية يشبّب بها، فضربه مائة سوط، فهجاه وهجا إخوته، ثم أصلح بينهم مندل بن عليّ العبدي، وهو مولى أبي العتاهية، فعاد إلى ما كان عليه لهم.
فأخبرني وكيع قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه. وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قالا: قول أبي العتاهية:
يا خليليّ من بني شيبان
يخاطب به عبد اللّه ويزيد ابني معن بن زائدة، أو قال عبد اللّه وزائدة.
أخبرني ابن عمار قال: حدّثني زيد بن موسى بن حماد. وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثني محمد بن سعيد. قال حدّثني أبو سويد عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية قال: كان أبو العتاهية في حداثته يهوى امرأة من أهل الحيرة نائحة، لها حسن وجمال ودماثة، وكان ممن يهواها أيضا عبد اللّه بن معن بن زائدة أبو الفضل؛ وكانت مولاة لهم يقال لها سعدى، وكان أبو العتاهية مغرما بالنساء فقال فيها:
ألا يا ذوات السحق في الغرب والشرقأفقن فإنّ النيك أشهى من السحق
أفقن فإنّ الخبز بالأدم يشتهىوليس يسوغ الخبز بالخبر في الحلق
أراكنّ ترقعن الخروق بمثلهاوأيّ لبيب يرقع الخرق بالخرق
وهل يصلح المراس إلّا بعودهإذا احتيج منه ذات يوم إلى الدقّ
قال وقال فيه أيضا:
قلت للقلب إذ طوى وصل سعدىلهواه البعيدة الأنساب
أنت مثل الذي يفرّ من القطر حذار الندى إلى الميزاب
قال محمد بن محمد في خبره: فغضب عبد اللّه بن معن لسعدى، فضرب أبا العتاهية مائة فقال:
جلدتني بكفّهابنت معن بن زائدة
جلدتني بكفّهابأبي أنت جالده
جلدتني وبالغتمائة غير واحده
اجلدي اجلدي اجلديإنّما أنت والده
أخبرني وكيع قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال: احتال عبد اللّه بن معن فضرب أبا العتاهية ضربا غير مبرّح، إشفاقا مما يغنّى به، فقال:
اجلدي اجلدي اجلديإنّما أنت والده
أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثنا الغلابي قال: حدّثني مهدي قال: تهدد عبد اللّه بن معن أبا العتاهية وخوّفه ونهاه أن يعرض لمولاته سعدى، فقال أبو العتاهية قوله: ألا قل لابن معن والذي في الودّ قد حالا
لقد بلّغت ما قالفما باليت ما قالا
ولو كان من الأسدلما راع ولا هالا
فصغ ما كنت حلّيتبه سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيفإذا لم تك قتّالا
ولو مدّ إلى أذنيه كفّيه لما نالا
قصير الطّول والطّولفلا شبّ ولا طالا
أرى قومك أبطالاوقد أصبحت بطّالا
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني الحسن بن علي الرازي قال حدّثني أحمد بن أبي فنن قال: كنّا عند ابن الأعرابي فذكر قول يحيى بن نوفل في عبد الملك بن عمير القاضي:
إذا كلّمته ذات دلّ لحاجةفهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وأن عبد الملك بن سليمان بن عمير قال: تركني واللّه وإنّ السّعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأتركها. قال: فقلت له: هذا عبد اللّه بن معن بن زائدة يقول له أبو العتاهية:
فصغ ما كنت حلّيتبه سيفك خلخالا
وما تصنع بالسيفإذا لم تك قتّالا
قال: فقال عبد اللّه: ما لبست السيف قطّ فلمحني إنسان إلا قلت إنّه يحفظ شعر أبي العتاهية فيّ، فينظر إليّ بسببه. فقال ابن الأعرابي: اعجبوا إليه لعنه اللّه يهجو مولاه! وكان أبو العتاهية من موالي بني شيبان.
وقال محمد بن موسى في خبره: وقال أبو العتاهية يهجو عبد اللّه بن معن:
لا تكثرا يا صاحبي رحليفي شتم من أكثر من عذلي
سبحان من خصّ ابن معن بماأرى به من قلّة العقل
قال ابن معن وجلا نفسهعلي من الجلوة يا أهلي
أنا فتاة الحيّ من وائلفي الشّرف الباذخ والنّبل
ما في بني شيبان أهل الحجىجارية واحدة مثلي
يا ليتني أبصرت دلّالةتدلّني اليوم على فحل
والهفتا اليوم على أمرديلصق منّي القرط بالحجل
أتيته يوما فصافحتهفقال دع كفّي وخذ رجلي
يكنى أبا الفضل فيا من رأىجارية تكنى أبا الفضل
قد نقّطت في خدّها نقطةمخافة العين من الكحل
إن زرتموها قال حجّابهانحن عن الزوّار في شغل
مولاتنا خالية عندهابعل ولا إذن على البعل
قولا لعبد اللّه لا تجهلنوأنت رأس النّوك والجهل
أتجلد الناس وأنت امرؤتجلد في الدّبر وفي القبل
تبذل ما يمنع أهل الندىهذا لعمري منتهى البذل
ما ينبغي للناس أن ينسبوامن كان ذا جود إلى البخل
وقال في ضربه إياه:
ضربتني بكفّها بنت معنأوجعت كفّها وما أوجعتني
ولعمري لولا أذى كفّها إذضربتني بالسّوط ما تركتني
أخبرني ابن عمار قال حدّثني محمد بن موسى. وأخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني جبلة بن محمد قالا: لما اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد اللّه بن معن غضب من ذلك أخوه يزيد بن معن، فهجاه أبو العتاهية فقال:
بنى معن ويهدمه يزيدكذاك اللّه يفعل ما يريد
فمعن كان للحساد غمّاوهذا قد يسرّ به الحسود
يزيد يزيد في منع وبخلوينقص في النوال ولا يزيد
أخبرني محمد بن يحيى عن جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال: لمّا هجا أبو العتاهية بني معن فمضوا إلى مندل وحيان ابني عليّ العنزبّين الفقيهين، وكانا من سادات أهل الكوفة، وهما من بني عمرو بن عمرو، بطن من يقدم بن عنزة، فقالوا لهما: نحن بيت واحد وأهل ولا فرق بيننا، وقد أتانا من مولاكم هذا ما لو أتى من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه. فأحضرا أبا العتاهية ولم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه وبين عبد اللّه ويزيد ابني معن، وضمنا عنه خلوص النية، وعنهما ألّا يتتّبعاه بسوء، وكانا ممن لا يمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودّة والصفاء، وجعل الناس يعذلون أبا العتاهية فيما فرط منه، ولامه آخرون على صلحه لهم، فقال:
ما لعذّالي وماليأمروني بالضلال
عذلوني في اغتفاريلابن معن واحتمالي
أنا منه كنت أكبىزندة في كل حال
كلّ ما قد كان منهفلقبح من فعالي
إنّما كانت يمينيصرمت جهلا شمالي
ماله بل نفسه ليوله نفسي ومالي
قل لمن يعجب من حسن رجوعي وانتقالي
قد رأينا ذا كثيراجاريا بين الرجال
ربّ وصل بعد صدّوقلى بعد وصال
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن موسى قال: كان أبو العباس زائدة بن معن صديقا لأبي العتاهية، ولم يعن أخويه عليه، فمات فرثاه فقال:
حزنت لموت زائدة بن معنحقيق أن يطول عليه حزني
فتى الفتيان زائدة المصفّىأبو العباس كان أخي وخدني
فتى قومي وأيّ فتى توارتبه الأكفان تحت ثرى ولبن
ألا يا قبر زائدة بن معندعوتك كي تجيب فلم تجبني
سل الأيام عن أركان قوميأصبت بهنّ ركنا بعد ركن
صوت
فما روضة بالحزن طيّبة الثرىيمجّ الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهناوقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فإن خفيت كانت لعينيك قرّةوإن تبد يوما لم يعممّك عارها
من الخفرات البيض لم تر شقوةوفي الحسب المكنون صاف نجارها
الشعر لكثيرّ، والغناء لمعبد في الأوّل والثاني، ولحنه من الثقيل الأوّل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.
وذكر عمرو بن بانة أنه لابن سريج. وللغريض في الرابع والثالث ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو وحبش.
وذكر الهشامي أنّ في الأوّل والثاني رملا لابن سريج بالوسطى.
ذكر عمرو وحبش أنّ فيه رملا لابن جامع بالبنصر.
وفي الأبيات خفيف ثقيل يقال إنه لمعبد، ويقال إنه للغريض، وأحسبه للغريض.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبة هكذا موقوفا لم يتجاوز. وأخبرني أنّ كثيّر بن عبد الرّحمن كان غاليا في التشيّع. وأخبر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة فأراد الدخول عليها ليوبّخها، فقيل له: لا تردها فإن لها جوابا. فأبى وأتاها فوقف على بابها فقرعه فقالت: من هذا؟ فقال: كثيّر بن عبد الرّحمن الشاعر. فقالت لبنات عمّ لها: تنحيّن حتى يدخل الرجل. فولجن البيت وأذنت له، فدخل وتنحت من بين يديه، فرآها وقد ولّت فقال لها: أنت قطام؟ قالت: نعم. قال: صاحبة علي بن أبي طالب عليه السلام؟
قالت: صاحبة عبد الرّحمن بن ملجم. قال: أليس فيك قتل علي بن أبي طالب؟ قالت: بل مات بأجله. قال: أما واللّه لقد كنت أحبّ أن أراك، فلما رأيتك نبت عيني عنك، فما احلوليت في خلدي. قالت: واللّه إنّك لقصير القامة، عظيم الهامة، قبيح المنظر، وإنك لكما قال الأوّل: «تسمع بالمعبديّ خير من أن تراه». فقال:
رأت رجلا أودى السّفار بوجههفلم يبق إلا منظر وجناجن
فإن أك معروق العظام فإننيإذا وزن الأقوام بالقوم وازن
وإني لما استودعتني من أمانةإذا ضاعت الأسرار للسردافن
فقالت: أنت للّه أبوك كثيّر عزة؟ قال: نعم. قالت: الحمد للّه الذي قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بامرأة! فقال: الأمر كذلك، فو اللّه لقد سار بها شعري وطار بها ذكري، وقرب من الخليفة مجلسي، وأنا لكما قلت:
فإن خفيت كان لعينك قرّةوإن تبد يوما لم يعمّك عارها
فما روضة بالحزن طيبة الثرىيمجّ الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهناوقد أوقدت بالمندل اللّدن نارها
فقالت: باللّه ما رأيت شاعرا قطّ أنقص عقلا منك، ولا أضعف وصفا، أين أنت من سيدك امرىء القيس حيث يقول:
ألم ترياني كلّما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فخرج وهو يقول:
الحقّ أبلج لا يخيل سبيلهوالحقّ يعرفه ذو والألباب
صوت
هاك فاشربها خليليفي مدى الليل الطويل
قهوة في ظلّ كرمسبيت من نهر بيل
في لسان المرء منهامثل طعم الزنجبيل
قل لمن يلحاك فيهامن فقيه أو نبيل
أنت دعها وارج أخرىمن رحيق السلسبيل
تعطش اليوم وتسقىفي غد نعت الطّلول
الشعر لآدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، والغناء لإبراهيم الموصلي، هزج بالبنصر عن حبش.
ولإبراهيم بن المهدي في الخامس والسادس والأوّل خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. ولهاشم فيها ثاني ثقيل بالبنصر، وقيل لعبد الرّحيم.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع