من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار حسّان وجبلة بن الأيهم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلّبي قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهري قال: حدّثني يوسف بن الماجشون عن أبيه قال: قال حسّان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغسّاني وقد مدحته، فأذن لي فجلست بين يديه، وعن يمينه رجل له ضفيرتان، وعن يساره رجل لا أعرفه، فقال: أتعرف هذين؟ فقلت: أمّا هذا فأعرفه، وهو النابغة، وأما هذا فلا أعرفه. قال: فهو علقمة بن عبدة، فإن شئت استنشدتهما وسمعت منهما، ثم إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن شئت أن تسكت سكتّ. قلت: فذاك. قال: فأنشده النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال: فذهب نصفي. ثم قال لعلقمة: أنشد. فأنشد:
طحابك قلب في الحسان طروببعيد الشباب عصر حان مشيب
فذهب نصفي الآخر فقال لي: أنت أعلم، الآن إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن شئت أن تسكت سكتّ. فتشدّدت ثم قلت: لا بل، أنشد. قال: هات. فأنشدته:
للّه درّ عصابة نادمتهايوما بجلّق في الزّمان الأوّل
أولاد جفنة عند قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهمكأسا تصفّق بالرحيق السلسل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطراز الأوّل
فقال لي: ادنه، ادنه، لعمري ما أنت بدونهما. ثم أمر لي بثلاثمائة دينار، وعشرة أقمصة لها جيب واحد، وقال: هذا لك عندنا في كلّ عام.
وقد ذكر أبو عمرو الشّيباني هذه القصة لحسان ووصفها وقال: إنّما مضّله عمرو بن الحارث الأعرج، ومدحه بالقصيدة اللامية. وأتى بالقصّة أتمّ من هذه الرواية.
قال أبو عمرو: قال حسان بن ثابت: قدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص الوصول عليّ إليه، فقلت للحاجب بعد مدّة: إن أذنت لي عليه وإلا هجوت اليمن كلّها ثم انقلبت عنكم. فأذن لي فدخلت عليه فوجدت عنده النابغة وهو جالس عن يمينه، وعلقمة بن عبدة وهو جالس عن يساره، فقال لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصك ونسبك في غسّان فارجع فإنّي باعث إليك بصلة سنيّة، ولا أحتاج إلى الشعر، فإنّي أخاف عليك هذين السّبعين: النابغة وعلقمة، أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي، وأنت واللّه لا تحسن أن تقول:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهميحيّون بالريحان يوم السّباسب
فأبيت وقلت: لا بدّ منه. فقال: ذاك إلى عمّيك. فقلت لهما: بحقّ الملك إلّا قدّمتماني عليكما. فقالا: قد فعلنا. فقال عمرو بن الحارث: هات يا ابن الفريعة. فأنشأت:
أسألت رسم الدّار أم لم تسألبين الحواني فالبضيع فحومل
فقال: فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل عن موضعه سرورا حتى شاطر البيت وهو يقول: هذا وأبيك الشّعر، لا ما تعلّلاني به منذ اليوم! هذه واللّه البتّارة التي قد بترت المدائح، أحسنت يا ابن الفريعة، هات له يا غلام ألف دينار مرجوحة وهي التي في كلّ دينار عشرة دنانير. فأعطيت ذلك ثم قال: لك عليّ في كلّ سنة مثلها.
ثم أقبل على النابغة فقال: قم يا زياد فهات الثّناء المسجوع. فقام النابغة فقال: ألا انعم صباحا أيّها الملك المبارك، السّماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالداي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم حماؤك، والحكماء جلساؤك، والمداره سمّارك، والمقاول إخوانك، والعقل شعارك، والحلم دثارك، والسكينة مهادك، والوقار غشاؤك، والبرّ وسادك، والصّدق رداؤك، واليمن حذاؤك، والسّخاء ظهارتك، والحميّة بطانتك، والعلاء علايتك، وأكرم الأحياء أحياؤك، وأشرف الأجداد أجدادك، وخير الآباء آباؤك، وأفضل الأعمام أعمامك، وأسرى الأخوال أخوالك، وأعفّ النساء حلائلك، وأفخر الشبّان أبناؤك، وأطهر الأمّهات أمّهاتك، وأعلى البنيان بنيانك، وأعذب المياه أمواهك، وأفيح الدارات داراتك، وأنزه الحدائق حدائقك، وأرفع اللباس لباسك، قد حالف الإضريج عاتقيك، ولاءم المسك مسكك وجاور العنبر ترائبك، وصاحب النعيم جسدك. العسجد آنيتك، واللّجين صحافك، والعصب مناديلك، والحوّاري طعامك، والشّهد إدامك، واللذات غذاؤك، والخرطوم شرابك، والأبكار مستراحك، والأشراف مناصفك، والخير بفنائك، والشرّ بساحة أعدائك، والنّصر منوط بلوائك، والخذلان مع ألوية حسّادك، والبر فعلك. قد طحطح عدوّك غضبك، وهزم مغايبهم مشهدك؛ وسار في الناس عدلك، وشسع بالنصر ذكرك وسكّن قوارع الأعداء ظفرك. الذّهب عطاؤك، والدواة رمزك، والأوراق لحظك وإطراقك، وألف دينار مرجوحة إنماؤك.
أيفا خرك المنذر اللخمي، فو اللّه لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطاؤك خير من صوابه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمّك خير من أبيه، ولخدمك خير من قومه. فهب لي أسارى قومي، واسترهن بذلك شكري؛ فإنّك من أشراف قحطان، وأنا من سروات عدنان.
فرفع عمرو رأسه إلى جارية كانت قائمة على رأسه وقال: بمثل هذا فليثن على الملوك، ومثل ابن الفريعة فليمدحهم! وأطلق له أسرى قومه.
وذكر ابن الكلبي، هذه القصّة نحو هذا وقال: فقال له عمرو: اجعل المفاضلة بيني وبين المنذر شعرا فإنه أسير. فقال:
ونبّئت أن أبا منذريساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجههوأمّك خير من المنذر
ويسراك أجود من كفّه اليمين فقولا له أخّر
وقد ذكر المدائني أنّ هذه الأبيات والسجع الذي قبلها لحسان، وهذا أصحّ.
قال أبو عمرو الشيباني: لمّا أسلم جبلة بن الأيهم الغساني وكان من ملوك آل جفنة، كتب إلى عمر رضي اللّه عنه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته، من عكّ وغسان، حتّى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه، فسرّ عمر رضوان اللّه عليه، وأمر الناس باستقباله، وبعث إليه بأنزال، وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا الدّيباج والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قرطا مارية - وهي جدّته - ودخل المدينة، فلم يبق بها بكر ولا عانس إلّا تبرجت وخرجت تنظر إليه وإلى زيّه، فلما انتهى إلى عمر رحّب به وألطفه وأدنى مجلسه، ثم أراد عمر الحجّ فخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت وكان مشهورا بالموسم، إذ وطىء إزاره رجل من بني فزارة فانحلّ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، فاستعدى عليه عمر رضوان اللّه عليه، فبعث إلى جبلة فأتاه فقال: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّه تعمّد حلّ إزاري، ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسّيف! فقال له عمر: قد أقررت فإمّا أن رضي الرجل وإمّا أن أقيده منك. قال جبلة: ماذا تصنع بي؟ قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت. قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين، وهو سوقة وأنا ملك؟ قال: إنّ الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله بشيء إلا بالتّقى والعافية!! قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أنّي أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك هذا فإنّك إن لم ترض الرجل أقدته منك. قال: إذا أتنصّر. قال: إن تنصّرت ضربت عنقك، لأنّك قد أسلمت، فإن ارتددت قتلتك. فلما رأى جبلة الصّدق من عمر قال: أنا ناظر في هذا ليلتي هذه. وقد اجتمع بباب عمر من حيّ هذا وحيّ هذا خلق كثير، حتى كادت تكون بينهم فتنة، فلما أمسوا أذن له عمر في الانصراف، حتّى إذا نام الناس وهدءوا تحمل جبلة بخيله ورواحله إلى الشأم، فأصبحت مكة وهي منهم بلاقع، فلما انتهى إلى الشأم تحمل في خمسمائة رجل من قومه حتّى أتى القسطنطينية، فدخل إلى هرقل، فتنصّر هو وقومه، فسرّ هرقل بذلك جدّا وظنّ أنه فتح من الفتوح عظيم، وأقطعه حيث شاء، وأجرى عليه من النزّل ما شاء، وجعله من محدّثيه وسمّاره. هكذا ذكر أبو عمرو.
وذكر ابن الكلبي أنّ الفزاريّ لما وطىء إزار جبلة لطم جبلة كما لطمه، فوثبت غسّان فهشموا أنفه وأتوا به عمر، ثم ذكر باقي الخبر نحو ما ذكرناه.
وذكر الزبير بن بكّار فيما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عنه أن محمد بن الضحاك حدّثه عن أبيه: أن جبلة قدم على عمر رضي اللّه عنه في ألف من أهل بيته فأسلم. قال: وجرى بينه وبين رجل من أهل المدينة كلام، فسبّ المديني فردّ عليه، فلطمه جبلة فلطمه المديني، فوثب عليه أصحابه فقال: دعوه حتّى أسأل صاحبه وأنظر ما عنده. فجاء إلى عمر فأخبره فقال: إنك فعلت به فعلا ففعل بك مثله. قال: أو ليس عندك من الأمر إلّا ما أرى. قال: لا فما الأمر عندك يا جبلة؟ قال: من سبّنا ضربناه، ومن ضربنا قتلناه. قال: إنّما أنزل القرآن بالقصاص. فغضب وخرج بمن معه ودخل أرض الروم فتنصّر، ثم ندم وقال:
تنصّرت الأشراف من عار لطمة
وذكر الأبيات، وزاد فيها بعد:
ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشةأجالس قومي ذاهب السمع والبصر
أدين بما دانوا به من شريعةوقد يحبس العود الضّجور على الدّبر
وذكر باقي خبره فيما وجّه به إلى حسّان مثله، وزاد فيه: أنّ معاوية لما ولي بعث إليه فدعاه إلى الرجوع إلى الإسلام، ووعده إقطاع الغوطة بأسرها، فأبى ولم يقبل.
ثم إنّ عمر رضي اللّه عنه بدا له أن يكتب إلى هرقل يدعوه إلى اللّه جلّ وعزّ وإلى الإسلام، ووجّه إليه رجلا من أصحابه، وهو جثّامة بن مساحق الكناني، فلما انتهى إليه الرجل بكتاب عمر أجاب إلى كلّ شيء سوى الإسلام، فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: هل رأيت ابن عمّك هذا الذي جاءنا راغبا في ديننا؟ قال: لا. قال: فالقه. قال الرجل: فتوجهت إليه فلما انتهيت إلى بابه رأيت من البهجة والحسن والسّرور ما لم أر بباب هرقل مثله، فلما أدخلت عليه إذا هو في بهو عظيم، وفيه من التصاوير ما لا أحسن وصفه، وإذا هو جالس على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسد من ذهب، وإذا هو رجل أصهب سبال وعثنون، وقد أمر بمجلسه فاستقبل به وجه الشمس، فما بين يديه من آنية الذهب والفضّة يلوح، فما رأيت أحسن منه. فلمّا سلمت ردّ السلام ورحّب بي، وألطفني ولا مني على تركي النزول عنده، ثم أقعدني على شيء لم أثبته، فإذا هو كرسيّ من ذهب، فانحدرت عنه فقال: مالك؟ فقلت: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن هذا. فقال جبلة أيضا مثل قولي في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين ذكرته، وصلّى عليه. ثم قال: يا هذا إنّك إذا طهّرت قلبك لم يضرك ما لبسته ولا ما جلست عليه. ثم سألني عن الناس وألحف في السؤال عن عمر، ثم جعل يفكّر حتى رأيت الحزن في وجهه، فقلت: ما يمنعك من الرجوع إلى قومك والإسلام؟ قال: أبعد الذي قد كان؟ قلت: قد ارتد الأشعث بن قيس.
ومنعهم الزكاة وضربهم بالسّيف ثم رجع إلى الإسلام. فتحدّثنا مليّا ثم أومأ إلى غلام على رأسه فولّي يحضر، فما كان إلّا هنيهة حتّى أقبلت الأخونة يحملها الرجال فوضعت، وجيء بخوان من ذهب فوضع أمامي فاستعفيت منه، فوضع أمامي خوان خلنج وجامات قوارير، وأديرت الخمر فاستعفيت منها، فلما فرغنا دعا بكأس من ذهب فشرب به خمسا عددا. ثم أومأ إلى غلام فولّي يحضر، فما شعرت إلا بعشر جوار يتكسّرن في الحلي، فقعد خمس عن يمينه وخمس عن شماله، ثم سمعت وسوسة من ورائي، فإذا أنا بعشر أفضل من الأول عليهن الوشي والحلي، فقعد خمس عن يمينه وخمس عن شماله، وأقلبت جارية على رأسها طائر أبيض كأنّه لؤلؤة، مؤدّب، وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر قد خلطا وأنعم سحقهما، وفي اليسرى جام فيه ماء ورد، فألقت الطائر في ماء الورد، فتمعّك بين جناحيه وظهره وبطنه، ثم أخرجته فألقته في جام المسك والعنبر، فتمعّك فيها حتى لم يدع فيها شيئا، ثم نفّرته فطار فسقط على تاج جبلة، ثم رفرف ونفض ريشه فما بقي عليه شيء إلّا سقط على رأس جبلة، ثم قال للجواري: أطربنني. فخفقن بعيدانهنّ يغنين:
للّه درّ عصابة نادمتهميوما بجلّق في الزمان الأوّل
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
فاستهلّ واستبشر وطرب ثم قال: زدنني. فاندفعن يغنين:
لمن الدار أقفرت بمعانبين شاطي اليرموك فالصّمّان
فحمى جاسم فأبنية الصّفّر مغنى قنابل وهجان فالقريات من بلاس فداريّا فسكّاء فالقصور الدواني
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّار وحقّ تعاقب الأزمان
قد دنا الفصح فالولائد ينظمن سراعا أكلّة المرجان
لم يعلّلن بالمغافير والصّم- غ ولا نقف حنظل الشّريان
قد أراني هناك حقّا مكيناعند ذي التاج مقعدي ومكاني
فقال: أتعرف هذه المنازل؟ قلت: لا. قال: هذه منازلنا في ملكنا بأكناف دمشق، وهذا شعر ابن الفريعة حسّان بن ثابت، شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قلت: أما إنّه مضرور البصر كبير السنّ. قال: يا جارية هاتي. فأتته بخمسمائة دينار وخمسة أثواب من الدّيباج، فقال: ادفع هذا إلى حسّان وأقرئه منّي السلام.
ثم أرادني على مثلها، فأبيت فبكى، ثم قال لجواريه: أبكينني. فوضعن عيدانهنّ وأنشأن يقلن:
تنصّرت الأشراف من عار لطمةوما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني فيها لجاج ونخوةوبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمّي لم تلدني وليتنيرجعت إلى القول الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةوكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشةأجالس قومي ذاهب السّمع والبصر
ثم بكى وبكيت معه حتّى رأيت دموعه تجول على لحيته كأنّها اللؤلؤ، ثمّ سلّمت عليه وانصرفت، فلما قدمت على عمر سألني عن هرقل وجبلة، فقصصت عليه القصّة من أوّلها إلى آخرها، فقال: أو رأيت جبلة يشرب الخمر؟
قلت: نعم. قال: أبعده اللّه، تعجّل فانية اشتراها بباقية، فلما ربحت تجارته، فهل سرّح معك شيئا؟ قلت: سرّح إلى حسان خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج. فقال: هاتها. وبعث إلى حسّان فأقبل يقوده قائده حتّى دنا فسلّم، وقال: يا أمير المؤمنين، إنّي لأجد أرواح آل جفنة. فقال عمر رضي اللّه عنه: قد نزع اللّه تبارك وتعالى لك منه على رغم أنفه، وأتاك بمعونة. فانصرف عنه وهو يقول:
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشرلم يعذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشّام إذ هو ربّهاكلّا ولا متنصّرا بالروم
يعطى الجزيل ولا يراه عندهإلّا كبعض عطيّة المذموم
وأتيته يوما فقرّب مجلسيوسقى فروّاني من الخرطوم
فقال له رجل في مجلس عمر: أتذكر قوما كانوا ملوكا فأبادهم اللّه وأفناهم؟! فقال: ممن الرجل؟ قال: مزنيّ. قال: أما واللّه لولا سوابق قومك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لطوّقتك طوق الحمامة. وقال: ما كان خليلي ليخلّ بي، فما قال لك؟ قال: قال إن وجدته حيّا فادفعها إليه، وإن وجدته ميّتا فاطرح الثياب على قبره، وابتع بهذه الدنانير بدنا فانحرها على قبره. فقال حسان: ليتك وجدتني ميّتا ففعلت ذلك بي؟
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير قال: لي عبد الرحمن بن عبد اللّه الزبيري: قال الرسول الذي بعث به إلى جبلة. ثم ذكر قصته مع الجارية التي جاءت بالجامين والطائر الذي تمعّك فيهما، وذكر قول حسان:
إن ابن جفنة من بقية معشر
ولم يذكر غير ذلك. هكذا روى أبو عمرو في هذا الخبر.
وقد أخبرني به أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال عبد اللّه بن مسعدة الفزاريّ: وجّهني معاوية إلى ملك الروم، فدخلت عليه، فإذا عنده رجل على سرير من ذهب دون مجلسه، فكلّمني بالعربية فقلت: من أنت يا عبد اللّه؟ قال: أنا رجل غلب عليه الشّقاء، أنا جبلة بن الأيهم، إذا صرت إلى منزلي فألقني. فلما انصرف وانصرفت أتيته في داره فألفيته على شرابه، وعنده قينتان تغنّيانه بشعر حسّان بن ثابت:
قد عفا جاسم إلى بيت رأسفالحواني فجانب الجولان
وذكر الأبيات. فلما فرغتا من غنائهما أقبل عليّ ثم قال: ما فعل حسّان بن ثابت؟ قلت: شيخ كبير قد عمي. فدعا بألف دينار فدفعها إليّ، وأمرني أن أدفعها إليه ثم قال: أترى صاحبك يفي لي إن خرجت إليه؟ قال: قلت قل ما شئت أعرضه عليه. قال: يعطيني الثنيّة فإنها كانت منازلنا، وعشرين قرية من الغوطة منها داريّا وسكّاء، ويفرض لجماعتنا ويحسن جوائزنا. قال: قلت أبلغه. فلما قدمت على معاوية قال: وددت أنّك أجبته إلى ما سأل فأجزته له. وكتب إليه معاوية يعطيه ذلك، فوجده قد مات.
قال: وقدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلقيت حسان فقلت: يا أبا الوليد، صديقك جبلة يقرأ عليك السلام. فقال: هات ما معك. قلت: وما علمك أنّ معي شيئا، قال: ما أرسل إليّ بالسلام قطّ إلّا ومعه شيء. قال: فدفعت إليه المال.
أخبرني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال: حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه، عن أهل المدينة قالوا: بعث جبلة إلى حسّان بخمسمائة دينار وكسى وقال للرسول: إن وجدته قد مات فابسط هذه الثياب على قبره.
فجاء فوجده حيا، فأخبره فقال: لوددت أنك وجدتني ميتا.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني
صوت
تنصّرت الأشراف من عار لطمةوما كان فيها لو صبرت لها ضرر
الأبيات الخمسة.
الشعر لجبلة بن الأيهم، والغناء لعريب نصب خفيف، وبسيط رمل بالوسطى. ومنها:
صوت
إنّ ابن جفنة من بقية معشرلم يعذهم آباؤهم باللّوم
الأبيات الأربعة. الشعر لحسّان بن ثابت، والغناء لعريب، هزج بالبنصر.
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا عمي يوسف بن محمد قال: حدّثني عمي إسماعيل بن أبي محمد قال: قال الواقديّ: حدّثني محمد بن صالح قال: كان حسّان بن ثابت يغدو على جبلة بن الأيهم سنة ويقيم سنة في أهله، فقال: لو وفدت على الحارث بن أبي شمر الغسّاني، فإنّ له قرابة ورحما بصاحبي، وهو أبذل الناس للمعروف، وقد يئس منّي أن أفد عليه، لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة.
قال: فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة، حتى قدمت على الحارث وقد هيّأت له مديحا، فقال لي حاجبه، وكن لي ناصحا: إنّ الملك قد سرّ بقدومك عليه، وهو لا يدعك حتّى تذكر جبلة، فإياك أن تقع فيه فإنّه إنما يختبرك، وإن رآك قد وقعت فيه زهد فيك؛ وإن رآك تذكر محاسنه ثقل عليه فلا تبتديء بذكره، وإن سألك عنه فلا تطنب في الثناء عليه ولا تعبه، امسح ذكره مسحا، وجاوزه إلى غيره، فإنّ صاحبك - يعني جبلة - أشدّ إغضاء عن هذا من هذا، أي أشدّ تغافلا وأقلّ حفلا به، وذلك أنّ صاحبك أعقل من هذا وأبين، وليس لهذا بيان، فإذا دخلت عليه فسوف يدعوك إلى الطعام، وهو رجل يثقل عليه أن يؤكل طعامه ولا يبالي الدرهم والدينار، ويثقل عليه أن يشرب شرابه أيضا؛ فإذا وضع طعامه فلا تضع يدك حتّى يدعوك، وإذا دعاك فأصب من طعامه بعض الإصابة. قال: فشكرت لحاجبه ما أمرني به.
قال: ثم دخلت عليه فسألني عن البلاد وعن الناس، وعن عيشنا بالحجاز، وعن رجال يهود، وكيف ما بيننا من تلك الحروب. فكلّ ذلك أخبره حتّى انتهى إلى ذكر جبلة، فقال: كيف تجد جبلة، فقد انقطعت إليه وتركتنا؟
فقلت: إنّما جبلة منك وأنت منه. فلم أجر إلى مدح ولا عيب، وجاز ذلك إلى غيره ثم قال: الغداء. فأتى بالغداء ووضع الطعام، فوضع يده فأكل أكلا شديدا، وإذا رجل جبّار، فقال بعد ساعة: ادن فأصب من هذا. فدنوت فخطّطت تخطيطا، فأتي بطعام كثير، ثم رفع الطعام وجاء وصفاء كثير عددهم، معهم الأباريق فيها ألوان الأشرابة.
ومعهم مناديل اللّين فقاموا على رؤوسنا، ودعا أصحاب برابط من الروم فأجلسهم وشرب فألهوه، وقام الساقي على رأسي فقال: اشرب. فأبيت حتى قال هو: اشرب. فشربت، فلما أخذ فينا الشراب أنشدته شعرا فأعجبه ولذّ به، فأقمت عنده أياما فقال لي حاجبه: إنّ له صديقا هو أخفّ الناس عليه، وهو جاء، فإذا هو جاء جفاك وخلص به وقد ذكر قدومه، فاستأذنه قبل أن يقدم عليه، فإنه قبيح أن يجفوك بعد الإكرام، والإذن اليوم أحسن. قلت: ومن هو؟ قال: نابغة بني ذبيان. فقلت للحارث: إن رأى الملك أن يأذن لي في الانصراف إلى أهلي فعل. قال: قد أذنت لك وأمرت لك بخمسمائة دينار وكسى وحملان. فقبضتها وقدم النابغة وخرجت إلى أهلى.
صوت
ألا إنّ ليلى العامريّة أصبحتعلى النأي منّي ذنب غيري تنقم
وما ذاك من شيء أكون اجترمتهإليها فتجزيني به حيث أعلم
ولكنّ إنسانا إذا ملّ صاحباوحاول صرما لم يزل يتجرّم
وما زال بي ما يحدث النأي والذيأعالج حتّى كدت بالعيش أبرم
وما زال بي الكتمان حتّى كأننيبرجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حيّ من الناس يسلم
عروضه من الطويل. الشعر لنصيب، ومن الناس من يروي الثلاثة الأبيات الأول للمجنون. والغناء لبديح مولى عبد اللّه بن جعفر رحمهما اللّه.
وفي الأبيات الأول منها ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وحبش. وذكره حمّاد بن إسحاق ولم يجنّسه. وفيه لابن سريج هزج خفيف بالبنصر في مجراها عن إسحاق في البيتين الأخيرين. وفيه لمعبد في البيتين الأولين خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع