من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي الطّفيل ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمير بن جابر بن حميس بن جديّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.
وله صحبة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ورواية عنه. وعمّر بعده عمرا طويلا؛ وكان مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وروى عنه أيضا، وكان من وجوه شيعته، وله منه محلّ خاصّ يستغني بشهرته عن ذكره، ثم خرج طالبا بدم الحسين بن عليّ عليهما السلام، مع المختار بن أبي عبيد، وكان معه حتّى قتل وأفلت هو، وعمّر أيضا بعد ذلك.
حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن يوسف بن أسوار الجمحيّ بمكة، قال: حدّثنا يزيد بن أبي حكيم قال: حدّثني يزيد بن مليل، عن أبي الطّفيل أنه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حجّة الوداع يطوف بالبيت الحرام على ناقته، ويستلم الرّكن بمحجنه.
أخبرناه محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا الرياشي قال: حدّثنا أبو عاصم عن معروف بن خرّبوذ عن أبي الطفيل بمثله، وزاد فيه: «ثم يقبل المحجن».
حدّثني أبو عبيد اللّه الصيرفي قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصري قال: حدّثنا أبو نعيم عن بسّام الصّيرفي عن أبي الطّفيل قال: سمعت عليا عليه السلام يخطب فقال: سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه ابن الكوّاء، فقال: ما الذَّارِياتِ ذَرْواً
؟ قال: الرياح. قال: فَالْجارِياتِ يُسْراً
؟ قال: السّفن. قال: فَالْحامِلاتِ وِقْراً
؟ قال: السحاب.
قال: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
؟ قال: الملائكة. قال: فمن الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
؟ قال: الأفجران من قريش: بنو أميّة وبنو مخزوم. قال: فما كان ذو القرنين، أنبيا أم ملكا؟ قال: كان عبدا مؤمنا - أو قال صالحا - أحبّ اللّه وأحبّه، ضرب ضربة على قرنه الأيمن فمات، ثم بعث وضرب ضربة على قرنه الأيسر فمات. وفيكم مثله.
وكتب إليّ إسماعيل بن محمد المريّ الكوفي يذكر أنّ أبا نعيم حدّثه بذلك عن بسام. وذكر مثله.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: بلغني أن بشر بن مروان حين كان على العراق قال لأنس بن زنيم: أنشدني أفضل شعر قالته كنانة. فأنشده قصيدة أبي الطّفيل:
أيدعونني شيخا وقد عشت برهةوهنّ من الأزواج نحوي نوازع
فقال له بشر: صدقت هذا أشعر شعرائكم. قال: وقال له الحجاج أيضا: أنشدني قول شاعركم: «أيدعونني شيخا» فأنشده إياه فقال: قاتله اللّه منافقا، ما أشعره!
حدّثني أحمد بن عيسى العجلي الكوفي، المعروف بابن أبي موسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال: حدّثني أبي قال حدّثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: سمعت ابن حذيم الناجيّ يقول: لما استقام لمعاوية أمره لم يكن شيء أحبّ إليه من لقاء أبي الطّفيل عامر بن واثلة، فلم يزل يكاتبه ويلطف له حتّى أتاه، فلما قدم عليه جعل يسائله عن أمر الجاهلية، ودخل عليه عمرو بن العاص ونفر معه، فقال لهم معاوية: أما تعرفون هذا؟ هذا خليل أبي الحسن. ثم قال: يا أبا الطفيل ما بلغ من حبّك لعليّ؟ قال حبّ أمّ موسى لموسى. قال: فما بلغ من بكائك عليه؟ قال: بكاء العجوز الثّكلى والشّيخ الرقوب، وإلى اللّه أشكو التقصير.
قال معاوية: إنّ أصحابي هؤلاء لو سئلوا عنّي ما قالوا فيّ ما قلت في صاحبك. قالوا: إذا واللّه ما نقول الباطل. قال لهم معاوية: لا واللّه ولا الحقّ تقولون. ثم قال معاوية: وهو الذي يقول:
إلى رجب السّبعين تعترفوننيمع السيف في حوّاء جمّ عديدها
رجوف كمتن الطّود فيها معاشركغلب السّباع نمرها وأسودها
كهول وشبّان وسادات معشرعلى الخيل فرسان قليل صدودها
كأنّ شعاع الشّمس تحت لوائهاإذا طلعت أعشى العيون حديدها
يمورون مور الرّيح إما ذهلتموزلّت بأكفال الرجال لبودها
شعارهم سيما النبيّ، ورايةبها انتقم الرحمن ممن يكيدها
تخطّفهم إياكم عند ذكرهمكخطف ضواري الطّير طيرا تصيدها
فقال معاوية لجلسائه: أعرفتموه؟ قالوا: نعم، هذا أفحش شاعر وألأم جليس. فقال معاوية: يا أبا الطّفيل أتعرفهم؟ فقال: ما أعرفهم بخير، ولا أبعدهم من شرّ. قال: وقام خزيمة الأسديّ فأجابه فقال:
إلى رجب أو غرّة الشهر بعدهتصبّحكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينهمكتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمتففي النار سقياه هناك صديدها
أخبرني عبد اللّه بن محمد الرازي قال: حدّثنا أحمد بن الحارث قال: حدّثنا المدائني عن أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: لما رجع محمد بن الحنفية من الشام حبسه ابن الزبير في سجن عارم، فخرج إليه جيش من الكوفة عليهم أبو الطّفيل عامر بن واثلة، حتى أتوا سجن عارم فكسروه وأخرجوه، فكتب ابن الزّبير إلى أخيه مصعب: أن يسيّر نساء كلّ من خرج لذلك. فأخرج مصعب نساءهم وأخرج فيهن أمّ الطفيل امرأة أبي الطفيل، وابنا له صغيرا يقال له يحيى، فقال أبو الطفيل في ذلك:
إن يك سيّرها مصعبفإني إلى مصعب مذنب
أقود الكتيبة مستلمّاكأنّي أخو عرّة أجرب
عليّ دلاص تخيّرتهاوفي الكفّ ذو رونق مقضب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن فطر بن خليفة قال: سمعت أبا الطفيل يقول: لم يبق من الشّيعة غيري. ثم تمثّل:
وخلّفت سهما في الكنانة وحداسيرمى به أو يكسر السهم كاسره
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو عاصم قال: حدّثني شيخ من بني تيم اللات قال: كان أبو الطفيل مع المختار في القصر، فرمى بنفسه قبل أن يؤخذ وقال:
ولما رأيت الباب قد حيل دونهتكسّرت باسم اللّه فيمن تكسّرا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن شداد النّشّابي قال: حدّثني المفضّل بن غسان قال: حدّثني عيسى بن واضح، عن سليم بن مسلم المكي، عن ابن جريج عن عطاء قال: دخل عبد اللّه بن صفوان على عبد اللّه بن الزّبير، وهو يومئذ بمكة، فقال: أصبحت كما قال الشاعر:
فإن تصبك من الأيام جائحةلا أبك منك على دنيا ولا دين
قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذا عبد اللّه بن عباس يفقّه الناس، وعبيد اللّه أخوه يطعم الناس، فما بقّيا لك؟ فأحفظه ذلك فأرسل صاحب شرطته عبد اللّه بن مطيع فقال له: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها اللّه فنصبتماها، بدّدا عنّي جمعكما ومن ضوى إليكما من ضلّال أهل العراق، وإلّا فعلت وفعلت! فقال ابن عباس: قل لابن الزبير: يقول لك ابن عباس: ثكلتك أمّك، واللّه ما يأتينا من النّاس غير رجلين: طالب فقه أو طالب فضل، فأيّ هذين تمنع؟ فأنشأ أبو الطفيل عامر بن واثلة يقول: قوله الشعر في ذلك:
لا درّ درّ الليالي كيف تضحكنامنها خطوب أعاجيب وتبكينا
ومثل ما تحدث الأيام من غيريا ابن الزبير عن الدنيا يسلّينا
كنّا نجيء ابن عباس فيقبسناعلما ويكسبنا أجرا ويهدينا
ولا يزال عبيد اللّه مترعةجفانه مطعما ضيفا ومسكينا
فالبرّ والدّين والدّنيا بدارهماننال منها الذي نبغي إذا شينا
إن النبيّ هو النور الذي كشفتبه عمايات باقينا وماضينا
ورهطه عصمة في ديننا ولهمفضل علينا وحقّ واجب فينا
ولست فاعلمه أولى منهم رحمايا ابن الزبير ولا أولى به دينا
ففيم تمنعهم عنّا وتمنعنامنهم، وتؤذيهم فينا وتؤذينا
لن يؤتى اللّه من أخزى ببغضهمفي الدين عزّا ولا في الأرض تمكينا
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: حدّثني بعض أصحابنا: أن أبا الطفيل عامر بن واثلة دعي في مأدبة، فغنّت فيها قينة قوله يرثي ابنه:
خلّى طفيل عليّ الهمّ وانشعباوهدّ ذلك ركني هدّة عجبا
فبكى حتّى كاد يموت.
وقد أخبرني بهذا الخبر عمي عن طلحة بن عبد اللّه الطلحي، عن أحمد بن إبراهيم: أنّ أبا الطفيل دعي إلى وليمة فغنت قينة عندهم:
خلّى عليّ طفيل الهمّ وانشعباوهدّ ذلك ركني هدّة عجبا
وابني سمية لا أنساهما أبدافيمن نسيت وكلّ كان لي وصبا
فجعل ينشج ويقول: هاه هاه طفيل! ويبكي حتّى سقط على وجهه ميتا.
وأخبرني محمد بن مزيد قال: حدّثنا حمّاد عن أبيه بخبر أبي الطفيل هذا، فذكر مثل ما مضى، وزاد في الأبيات:
فاملك عزاءك إن رزء بليت بهفلن يردّ بكاء المرء ما ذهبا
وليس يشفي حزينا من تذكّرهإلّا البكاء إذا ما ناح وانتحبا
فإذ سلكت سبيلا كنت سالكهاولا محالة أن يأتي الذي كتبا
فما لبطنك من ريّ ولا شبعولا ظللت بباقي العيش مرتغبا
وقال حمّاد بن إسحاق حدّثني أبي قال: حدّثني أبو عبد اللّه الجمحي عن أبيه قال: بينا فتية من قريش ببطن محسّر يتذاكرون الأحاديث ويتناشدون الأشعار، إذ أقبل طويس وعليه قميص قوهيّ وحبرة قد ارتدى بها، وهو يخطر في مشيته، فسلّم ثم جلس، فقال له القوم: يا أبا عبد المنعم، لو غنّيتنا؟ قال: نعم وكرامة أغنيكم بشعر شيخ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، من شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وصاحب رايته، أدرك الجاهلية والإسلام، وكان سيّد قومه وشاعرهم. قالوا: ومن ذاك يا أبا عبد المنعم فدتك أنفسنا؟ قال: ذلك أبو الطّفيل عامر بن واثلة، ثمّ اندفع فغنى:
أيدعونني شيخا وقد عشت حقبةوهنّ من الأزواج نحوي نوازع
فطرب القوم وقالوا: ما سممعنا قطّ غناء أحسن من هذا.
وهذا الخبر يدلّ على أن فيه لحنا قديما ولكنّه ليس يعرف.
صوت
لمن الدار أقفرت بمعانبين شاطي اليرموك فالصّمّان
فالقريّات من بلاس فداريا فسكّاء فالقصور الدواني
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّهر وحقّ تصرّف الأزمان
صلوات المسيح في ذلك الدير دعاء القسّيس والرّهبان
الشعر لحسان بن ثابت، والغناء لحنين بن بلوع، خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى.
وهذا الصوت من صدور الأغاني ومختارها، وكان إسحاق يقدمّه ويفضّله. ووجدت في بعض كتبه بخطه قال: الصّيحة التي في لحن حنين:
لمن الدار أقفرت بمعان
أخرجت من الصدر، ثم من الحلق، ثم من الأنف، ثم من الجبهة، ثم نبرت فأخرجت من القحف، ثم نوّنت مردودة إلى الأنف، ثم قطعت.
وفي هذه الأبيات وأبيات غيرها من القصيدة ألحان لجماعة اشتركوا فيها، واختلف أيضا مؤلفو الأغاني في ترتيبها ونسبة بعضها مع بعض إلى صاحبها الذي صنعها، فذكرت ها هنا على ذلك وشرح ما قالوه فيها. فمنها:
صوت
قد عفا جاسم إلى بيت رأسفالحواني فجانب الجولان
فحمى جاسم فأبنية الصّفّر مغنى قنابل وهجان
فالقريات من بلاس فداريّافسكّاء فالقصور الدّواني
قد دنا الفصح فالولائد ينظمن سراعا أكلّة المرجان
يتبارين في الدعاء إلى اللّه وكلّ الدّعاء للشيطان
ذاك مغنى لآل في جفنة في الدّهر وحقّ تصرّف الأزمان
صلوات المسيح في ذلك الدّير دعاء القسّيس والرّهبان
قد أراني هناك حقّ مكينعند ذي التاج مقعدي ومكاني
ذكر عمرو بن بانة أنّ لابن محرز في الأوّل من هذه الأبيات والرابع خفيف ثقيل أوّل بالبنصر وذكر علي بن يحيى أنّ لابن سريج في الرابع والخامس رملا بالوسطى، وأن لمعبد فيهما وفيما بعدهما من الأبيات خفيف ثقيل، ولمحمد بن إسحاق بن برثع ثقيل أوّل في الرابع والثامن.
وذكر الهشامي أنّ في الأوّل لمالك خفيف ثقيل، ووافقه حبش. وذكر حبش أنّ لمعبد في الأوّل والثاني والرابع ثقيلا أوّل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع