من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار جعفر بن الزّبير ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
جعفر بن الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب. وأم جعفر بن الزبير زينب بنت بشر بن عبد عمرو، من بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
أخبرني الطّوسي قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: أخبرني جدّك عبد اللّه بن مصعب عن أبي عثمان بن مصعب، عن شعيب بن جعفر بن الزبير قال: فرض سليمان بن عبد الملك للناس في خلافته، وعرض الفرض. قال: وكان ابن حزم في ذلك محسنا يعلم اللّه، إنّه كان يأمر الغلمان أن يتطاولوا على خفافهم ليرفعهم بذلك.
قال شعيب بن جعفر بن الزبير: فقال لي سليمان بن عبد الملك: من أنت؟ قلت: شعيب بن جعفر بن الزبير.
فقال: ما فعل جعفر؟ فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين على الكبر والعيال. فقال: قل له يحضر الباب. فقال لجعفر، احضر الباب. فدعا المنذر بن عبيدة بن الزبير، فرفع معه رقعة وأرسله إلى عمر بن عبد العزيز، فيها قوله:
يا عمر بن عمر بن الخطّابإنّ وقوفي من وراء الأبواب
يعدل عندي حطم بعض الأنياب
قال: فلما قرأها عمر عذره عند سليمان، فأمر له سليمان بألف دينار في دينه، وألف دينار معونة على عياله، وبرقيق من البيض والسّودان، وكثير من طعام الجاري، وأن يدان من الصّدقة بألفي دينار. قال: فلما جاء ذلك إلى أبي قال: أعطيته من غير مسألة؟ فقيل: نعم. قال: الحمد للّه، ما أسخى هذا الفتى! ما كان أبوه سخيا ولا ابن سخيّ. ولكنّ هذا كأنه من آل حرب. ثم قال:
فما كنت ديانا فقد دنت إذ بدتصكوك أمير المؤمنين تدور
بوصل أولي الأرحام قبل سؤالهموذلك أمر في الكرام كثير
قال بعض من روى هذا الخبر عن الزبير: الناس لا ينظرون في عيب أنفسهم، وما كان لجعفر أن يعيب أحدا بالبخل؛ وما رئي في الناس أحد أبخل منهم أهل البيت ولا من عبد اللّه بن الزبير خاصة، وما كان فيهم جواد غير مصعب.
قال الزبير: حدّثني عمي، قال: كان السلطان بالمدينة إذا جاء مال الصدقة أدان من أراد من قريش منه، وكتب بذلك صكّا عليه، فيستعبدهم به، ويختلفون إليه، ويديرونه، فإذا غضب على أحد منهم استخرج ذلك منه، حتّى كان هارون الرشيد، فكلّمه عبد اللّه بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك على غير واحد من قريش؛ فأمر بها فخرّقت عنهم، فذلك قول ابن الزبير:
فما كنت ديّانا فقد دنت إذ بدتصكوك أمير المؤمنين تدور
قال الزبير: وحدّثني عمّي مصعب قال: شهد جعفر بن الزبير مع أخيه عبد اللّه حربه، واستعمله عبد اللّه على المدينة، وقاتل يوم قتل عبد اللّه بن الزبير، حتّى جمد الدم على يده؛ وفي ذلك يقول جعفر:
لعمرك إنّي يوم أجلت ركائبيلأطيب نفسا بالجلاد لدى الرّكن
ضنين بمن خلفي شحيح بطاعتيطراد رجال لا مطاردة الحصن
- الحصن: جمع حصان، يقول: هذا طراد القتال لا طراد الخيل في الميادين -
غداة تحامتنا تجيب وغافقوهمدان تبكي من مطاردة الضّبن
قال الزبير: وحدّثني عمي مصعب بن عثمان؛ أنّ جعفر بن الزبير كانت بينه وبين أخيه عروة معاتبة، فقال في ذلك:
لا تلحينّي يابن أمّي فإنّنيعدوّ لمن عاديت يا عرو جاهد
وفارقت إخواني الذين تتابعواوفارقت عبد اللّه والموت عاند
ولو لا يمين لا أزال أبرّهالقد جمعتنا بالفناء المقاعد
قال الزبير: أنشدتني عمّتي أسماء بنت مصعب بن ثابت، لجعفر بن الزبير، وأنشدنيه غيرها يرثي ابنا له:
صوت
أهاجك بين من حبيب قد احتملنعم ففؤادي هائم العقل محتبل
وقالوا صحيرات اليمام وقدّمواأوائلهم من آخر الليل في الثّقل
مررن على ماء العشيرة والهوىعلى ملل يا لهف نفسي على ملل
فتى السنّ كهل الحلم يهتزّ للندىأمر من الدّفلى وأحلى من العسل
في هذه الأبيات خفيف رمل بالبنصر، نسبه يحيى المكي إلى ابن سريج، ونسبه الهشاميّ إلى الأبجر، قال: ويقال إنه لابن سهيل.
فأخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني - وخبره أتم - قال: اصطحب قوم في سفر، ومعم رجل يغنّي، وشيخ عليه أثر النّسك والعبادة، فكانوا يشتهون أن يغنّيهم الفتى ويستحيون من الشّيخ إلى أن بلغوا إلى صحيرات اليمام، فقال له المغني: أيها الشيخ إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، وإنّي أهابك وأستحي منك؛ فإن رأيت أن تأذن لي في إنشاده أو تتقدّم حتّى أوفي بيميني ثم نلحق بك فافعل. قال: وما عليّ من إنشادك؟! أنشد ما بدا لك. فاندفع يغني:
وقالوا صحيرات اليمام وقدّمواأوائلهم من آخر الليل في الثّقل
وردن على ماء العشيرة والهوىعلى ملل يا لهف نفسي على ملل
فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء وأشجاه، فقالوا له: ما لك يا عمّ تبكي؟ فقال: لا جزيتم خيرا؛ هذا معكم طول هذا الطريق وأنتم تبخلون عليّ به أتفرّج به ويقطع عنّي طريقي؛ وأتذكّر أيام شبابي. فقالوا: لا واللّه ما كان يمنعنا منه غير هيبتك. قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليه؛ فقال: عد فديتك إلى ما كنت عليه. فلم يزل يغنّيهم طول سفرهم حتّى افترقوا.
قال الزبير: وأخبرني مصعب بن عثمان أن أمّ عروة بنت جعفر بن الزبير أنشدته لأبيها جعفر وكان يرقّصها بذلك:
يا حبّذا عروة في الدّمالجأحبّ كلّ داخل وخارج
قال: وأخبرتني أن أخاها صالح بن جعفر غزا أرض الروم، فقال فيه جعفر:
قد راح يوم السبت حين راحوامع الجمال والتّقى صلاح
من كلّ حيّ نفر سماحبيض الوجوه عرب صحاح
وفزعوا وأخذ السلاحوهم إذا ما كره الشّياح
مصاعب يكرهها الجراح
قال الزبير: ولجعفر شعر كثير قد نحل عمر بن أبي ربيعة ودخل في شعره. فأمّا الأبيات التي ذكرت فيها الغناء فمن الناس من يرويها لعمر بن أبي ربيعة، ومنهم من يرويها للأحوص وللعرجيّ؛ وقد أنشدنيها جماعة من أصحابنا لجعفر بن الزبير. وأخبرني بذلك الحرميّ، والطوسيّ، وحبيب بن نصر المهلّبي، وذكر الأبيات. وأخبرنيه عمّي عن ابن أبي سعد عن سعيد بن عمرو عن أم عروة بنت جعفر مثله. قال ابن أبي سعد: قال الحزاميّ: الناس يروونها للعرجيّ، وأمّ عروة أصدق.
أخبرني الطوسيّ قال حدّثنا الزبير قال: حدّثني سعيد بن عمرو الزبيريّ قال: تزوّج جعفر بن الزبير امرأة من خزاعة وفيها يقول:
هل في ادّكار الحبيب من حرج
الأبيات. وزاد فيها بيتين وهما:
تسفر عن واضح إذا سفرتليس بذي آمة ولا سمج
وسقط البيت الآخر من الأصل.
قال الزبير في رواية الطوسي: حدّثني مصعب بن عثمان وعمي مصعب قالا: كان جماعة من قريش منتحين عن المدينة، فصدر عن المدينة بدويّ فسألوه: هل كان للمدينة خبر؟ قال: نعم مات أبو الناس. قالوا: وأنّى ذلك؟ قال: شهده أهل المدينة جميعا؛ وبكي عليه من كلّ دار. فقال القوم: هذا جعفر بن الزبير، فجاءهم الخبر بعد أنّ جعفر بن الزّبير مات.
أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني إبراهيم بن معاوية عن أبي محمد الأنصاريّ، عن عروة بن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: لمّا تزوّج الحجّاج وهو أمير المدينة بنت عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، أتى رجل سعيد بن المسيّب فذكر له ذلك، فقال: إني لأرجو أن لا يجمع اللّه بينهما، ولقد دعا داع بذلك فابتهل، وعسى اللّه، فإن أباها لم يزوّج إلا الدراهم. فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان أبرد البريد إلى الحجاج، وكتب إليه يغلظ له ويقصّر به، ويذكر تجاوزه قدره، ويقسم باللّه لئن هو مسّها ليقطعن أحبّ أعضائه إليه، ويأمره بتسويغ أبيها المهر، وبتعجيل فراقها.
ففعل، فما بقي أحد فيه خير إلا سرّه ذلك.
وقال جعفر بن الزبير وكان شاعرا في هذه القصة:
وجدت أمير المؤمنين ابن يوسفحميّا من الأمر الذي جئت تنكف
ونبّئت أن قد قال لمّا نكحتهاوجاءت به رسل تخب وتوجف
ستعلم أنّي قد أنفت لما جرىومثلك منه عمرك اللّه يؤنف
ولولا انتكاس الدهر ما نال مثلهارجاؤك إذ لم يرج ذلك يوسف
أبنت المصفّى ذي الجناحين تبتغيلقد رمت خطبا قدره ليس يوصف
صوت
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفاأنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادناصروف الليالي والجدود العواثر
عروضه من الطويل. الشعر فيما ذكر ابن إسحاق صاحب المغازي لمضاض بن عمرو الجرهميّ. وقال غيره: بل هو للحارث بن عمرو بن مضاض.
أخبرنا بذلك الجوهريّ عن عمر بن شبة عن أبي غسان محمد بن يحيى عن غسان بن عبد الحميد. وقال عبد العزيز بن عمران: هو عمرو بن الحارث بن مضاض. والغناء ليحيى المكي، رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لإبراهيم الموصلي ماخوريّ بالبنصر. وفيه لأهل مكة لحن قديم ذكره إبراهيم ولم يجنّسه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع