من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبد اللّه بن الزّبير ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد اللّه بن الزّبير بن الأشم بن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
أخبرني بذلك أحمد عن الخرّاز عن ابن الأعرابي؛ وهو شاعر كوفيّ المنشأ والمنزل، من شعراء الدولة الأمويّة، وكان من شيعة بني أميّة وذوي الهوى فيهم والتعصّب والنّصرة على عدوّهم، فلما غلب مصعب بن الزبير على الكوفة أتي به أسيرا فمنّ عليه ووصله وأحسن إليه، فمدحه وأكثر، وانقطع إليه، فلم يزل معه حتى قتل مصعب، ثم عمي عبد اللّه بن الزبير بعد ذلك، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان، ويكنى عبد اللّه أبا كثير، وهو القائل يعني نفسه:
فقالت: ما فعلت أبا كثيرأصح الودّ أم أخلفت بعدي؟
وهو أحد الهجّائين للناس، المرهوب شرّهم.
قال ابن الأعرابي: كان عبد الرحمن بن أم الحكم على الكوفة من قبل خاله معاوية بن أبي سفيان، وكان ناس من بني علقمة بن قيس بن وهب بن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ قتلوا رجلا من بني الأشيم، من رهط عبد اللّه بن الزّبير دنية، فخرج عبد الرحمن بن أمّ الحكم وافدا إلى معاوية، ومعه ابن الزبير ورفيقان له من بني أسد، يقال لأحدهما أكل بن ربيعة من بني جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين، وعديّ بن الحرث أحد بني العدان من بني نصر، فقال عبد الرحمن بن أم الحكم لابن الزّبير: خذ من بني عمّك ديتين لقتيلك، فأبى ابن الزبير، وكان ابن أم الحكم يميل إلى أهل القاتل، فغضب عليه عبد الرحمن وردّه عن الوفد من منزل يقال له فيّاض، فخالف ابن الزبير الطريق إلى يزيد بن معاوية، فعاذ به، فأعاذه وقام بأمره، وأمره يزيد بأن يهجو ابن أمّ الحكم، وكان يزيد يبغضه وينتقصه ويعيبه، فقال فيه ابن الزبير قصيدة أوّلها قوله:
أبى الليل بالمرّان أن يتصرّماكأني أسوم العين نوعا محرّما
وردّ بثنييه كأن نجومهصوار تناهى من إران فقوّما
إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أننيأمصّ بنات الدر ثديا مصرّما
وسوق نساء يسلبون ثيابهايهادونها همدان رقّا وخثعما
على أي شيء يا لؤيّ بن غالبتجيبون من أجرى عليّ وألجما
وهاتوا فقصّوا آية تقرءونهاأحلّت بلادي أن تباح وتظلما
وإلّا فأقصى اللّه بيني وبينكموولّى كثير اللؤم من كان ألأما
وقد شهدتنا من ثقيف رضاعةوغيّب عنها الحوم قوّام زمزما
بنو هاشم لو صادفوك تجدّهامججت ولم تملك حياز يمك الدما
ستعلم إن زلّت بك النعل زلةوكلّ امرىء لاقي الّذي كان قدّما
بأنك قد ماطلت أنياب حيّةتزجّي بعينيها شجاعا وأرقما
وكم من عدوّ قد أراد مساءتيبغيب ولو لاقيته لتندّما
وأنتم بني حام بن نوح أرى لكمشفاها كأذناب المشاجر ورما
فإن قلت خالي من قريش فلم أجدمن الناس شرّا من أبيك وألأما
صغيرا ضغا في خرقة فأمضّهمربّيه حتى إذ أهمّ وأفطما
رأى جلدة من آل حام متينةورأسا كأمثال الجريب مؤوّما
وكنتم سقيطا في ثقيف، مكانكمبني العبد، لا توفي دماؤكمو دما
أبلغ عبيد اللّه عنّي فإننيرميت ابن عوذ إذ بدت لي مقاتله
على قفرة إذ هابه الوفد كلّهمولم أك أشوي القرن حين أناضله
وكان يمارى من يزيد بوقعةفما زال حتى استدرجته حبائله
فتقصيه من ميراث حرب ورهطهوآل إلى ما ورّثته أوائله
وأصبح لمّا أسلمته حبالهمككلب القطار حلّ عنه جلاجله
ونسخت من كتاب جدّي لأمّي يحيى بن محمّد بن ثوابة، قال يحيى بن حازم وحدّثنا عليّ بن صالح صاحب المصلّى عن القاسم بن معدان: أن عبد الرحمن بن أمّ الحكم غضب على عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ لما بلغه أنّه هجاه، فهدم داره، فأتى معاوية فشكاه إليه، فقال له: كم كانت قيمة دارك؟ فاستشهد أسماء بن خارجة، وقال له: سله عنها؛ فسأله؛ فقال: ما أعرف يا أمير المؤمنين قيمتها، ولكنه بعث إلى البصرة بعشرة آلاف درهم للساج، فأمر له معاوية بألف درهم، قال: وإنما شهد له أسماء كذلك ليرفده عند معاوية، ولم تكن داره إلّا خصاص قصب.
وكان عبد الرحمن بن أمّ الحكم لمّا ولي الكوفة أساء بها السيرة، فقدم قادم من الكوفة إلى المدينة، فسألته امرأة عبد الرحمن عنه، فقال لها: تركته يسأل إلحافا، وينفق إسرافا، وكان محمّقا، ولاه معاوية خاله عدّة أعمال، فذمّه أهلها وتظلّموا منه، فعزله وأطرحه، وقال له: يا بنّي، قد جهدت أن أنفّقك وأنت تزداد كسادا.
وقالت له أخته أمّ الحكم بنت أبي سفيان بن حرب: يا أخي، زوّج ابني بعض بناتك؛ فقال: ليس لهنّ بكف ء؛ فقالت له: زوّجني أبو سفيان أباه، وأبو سفيان خير منك، وأنا خير من بناتك، فقال لها: يا أخيّة، إنما فعل ذلك أبو سفيان لأنه كان حينئذ يشتهي الزّبيب، وقد كثر الآن الزبيب عندنا، فلن نزوّج إلّا كفئا.
حدّثنا الحسن بن الطيّب البلخي قال: حدّثني أبو غسّان قال: بلغني أن أوّل من أخذ بعينة في الإسلام عمرو بن عثمان بن عفّان، أتاه عبد اللّه بن الزّبير الأسدي، فرأى عمرو تحت ثيابه ثوبا رثّا، فدعا وكيله وقال: اقترض لنا مالا؛ فقال: هيهات! ما يعطينا التجار شيئا. قال: فأربحهم ما شاءوا، فاقترض له ثمانية آلاف درهم، وثانيا عشرة آلاف، فوجّه بها إليه مع تخت ثياب، فقال عبد اللّه بن الزبير في ذلك:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتيأيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلّت
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة قال: حدّثني أحمد بن عرفة المؤدّب قال: أخبرني أبو المصبّح عادية بن المصبّح السّلولي قال: أخبرني أبي قال: كان عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ قد مدح أسماء بن خارجة الفزاريّ فقال:
صوت
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الّذي أنت نائله
ولو لم يكن في كفّه غير روحهلجاد بها فليتّق اللّه سائله
فأثابه أسماء ثوابا لم يرضه، فغضب وقال يهجوه:
بنت لكم هند بتلذيع بظرهادكاكين من جصّ عليها المجالس
فو اللّه لو لا رهز هند ببظرهالعدّ أبوها في اللئام العوابس
فبلغ ذلك أسماء، فركب إليه، فاعتذر من فعله بضيقة شكاها، وأرضاه وجعل على نفسه وظيفة في كل سنة، واقتطعه جنتيه، فكان بعد ذلك يمدحه ويفضّله. وكان أسماء يقول لبنيه: واللّه ما رأيت قط جصا في بناء ولا غيره إلّا ذكرت بظر أمّكم هند فخجلت.
حبسه ابن أم الحكم وشعره
أخبرني عمّي عن ابن مهرويه، عن أبي مسلم، عن ابن الأعرابيّ قال: حبس ابن أمّ الحكم عبد اللّه بن الزّبير وهو أمير في جناية وضعها عليه، وضربه ضربا مبرّحا لهجائه إيّاه، فاستغاث بأسماء بن خارجة، فلم يزل يلطف في أمره، ويرضي خصومه ويشفع إلى ابن أمّ الحكم في أمره حتى يخلّصه، فأطلق شفاعته، وكساه أسماء ووصله وجعل له ولعياله جراية دائمة من ماله، فقال فيه هذه القصيدة الّتي أوّلها الصوت المذكور بذكر أخبار ابن الزّبير، يقول فيها:
ألم تر أنّ الجود أرسل فانتقىحليف صفاء وأتلى لا يزايله
تخيّر أسماء بن حصن فبطّنتبفعل العلا أيمانه وشمائله
ولا مجد إلا مجد أسماء فوقهولا جرى إلا جري أسماء فاضله
ومحتمل ضغنا لأسماء لو جرىبسجلين من أسماء فارت أباجله
عوى يستجيش النابحات وإنمابأنيابه صمّ الصّفا وجنادله
وأقصر عن مجراة أسماء سعيهحسيرا كما يلقي من التّرب ناخله
وفضّل أسماء بن حصن عليهمسماحة أسماء بن حصن ونائله
فمن مثل أسماء بن حصن إذا غدتشآبيبه أم أيّ شيء يعادله
وكنت إذا لاقيت منهم حطيطةلقيت أبا حسان تندى أصائله
تضيّفه غسّان يرجون سيبهوذو يمن أحبوشه ومقاوله
فتى لا يزال الدهر ما عاش مخصباولو كان الموماة تخدي رواحله
فأصبح: ما في الأرض خلق علمتهمن الناس إلّا باع أسماء طائله
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنك تعطيه الّذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابهكما وردت ماء الكلاب نواهله
إذا ما أتوا أبوابه قال: مرحبالجو الباب حتى يقتل الجوع قاتله
ترى البازل البختيّ فوق خوانهمقطّعة أعضاؤه ومفاصله
إذا ما أتوا أسماء كان هو الّذيتحلّب كفاه الندى وأنامله
تراهم كثيرا حين يغشون بابهفتسترهم جدرانه ومنازله
قال: فأعطاه أسماء حين أنشده هذه القصيدة ألفي درهم.
أخبرني هاشم بن محمّد قال: حدّثنا العبّاس بن ميمون طائع قال: حدّثني أبو عدنان عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، وقال ابن الأعرابي أيضا: دخل عبد اللّه بن الزبير على عبيد اللّه بن زياد بالكوفة وعنده أسماء بن خارجة حين قدم ابن الزبير من الشأم، فلمّا مثل بين يديه أنشأ يقول:
حنّت قلوصي وهنا بعد هدأتهافهيّجت مغرما صبّا على الطّرب
حنّت إلى خير من حثّ المطيّ لهكالبدر بين أبي سفيان والعتب
تذكّرت بقرى البلقاء نائلهلقد تذكرته من نازح عزب
واللّه ما كان بي لولا زيارتهوأن ألاقي أبا حسان من أرب
حنّت لترجعني خلفي فقلت لهاهذا أمامك فالقيه فتى العرب
لا يحسب الشرّ جارا لا يفارقهولا يعاقب عند الحلم بالغضب
من خير بيت علمناه وأكرمهكانت دماؤهم تشفى من الكلب
قال ابن الأعرابيّ: كانت العرب تقول: من أصابه الكلب والجنون لا يبرأ منه إلى أن يسقى من دم ملك، فيقول: إنه من أولاد الملوك.
أخبرني أحمد بن عيسى العجلي بالكوفة قال: حدّثنا سليمان بن الربيع البرجمي قال: حدّثنا مضر بن مزاحم، عن عمرو بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود، وأخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا الحارث بن محمّد قال: حدّثنا ابن سعد عن الواقدي، وذكر بعض ذلك ابن الأعرابي في روايته عن المفضّل، وقد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين، أن المختار بن أبي عبيد خطب الناس يوما على المنبر فقال: «لتنزلنّ نار من السماء، تسوقها ريح حالكة دهماء، حتى تحرق دار أسماء وآل أسماء» وكان لأسماء بن خارجة بالكوفة ذكر قبيح عند الشيعة، يعدّونه في قتلة الحسين عليه السّلام، لما كان من معاونته عبيد اللّه بن زياد على هانىء بن عروة المراديّ حتى قتل، وحركته في نصرته على مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد ذكر ذلك شاعرهم فقال:
أيركب أسماء الهماليج آمناوقد طلبته مذحج بقتيل!
يعني بالقتيل هانىء بن عروة المراديّ، وكان المختار يحتال ويدبّر في قتله من غير أن يغضب قيسا فتنصره، فبلغ أسماء قول المختار فيه، فقال: أوقد سجع بي أبو إسحاق! لا قرار على زأر من الأسد، وهرب إلى الشأم، فأمر المختار بطلبه ففاته، فأمر بهدم داره، فما تقدّم عليها مضريّ بتّة لموضع أسماء وجلالة قدره في قيس، فتولّت ربيعة واليمن هدمها، وكانت بنو تيم اللّه وعبد القيس مع رجل من بني عجل كان على شرطة المختار، فقال في ذلك عبد اللّه بن الزّبير:
تأوّب عين ابن الزّبير سهودهاوولّى على ما قد عراها هجودها
كأنّ سواد العين أبطن نحلةوعاودها مما تذكّر عيدها
مخصّرة من نحل جيحان صعبةلوى بجناحيها وليد يصيدها
من الليل وهنا، أو شظيّة سنبلأذاعت به الأرواح يذرى حصيدها
إذا طرفت أذرت دموعا كأنهانثير جمان بان عنها فريدها
وبتّ كأنّ الصدر فيه ذبالةشبا حرّها القنديل، ذاك وقودها
فقلت أناجي النفس بيني وبينهاكذاك الليالي نحسها وسعودها
فلا تجزعي مما ألمّ فإننيأرى سنة لم يبق إلّا شريدها
أتاني وعرض الشام بيني وبينهاأحاديث والأنباء ينمي بعيدها
بأنّ أبا حسان تهدم دارهلكيز سعت فسّاقها وعبيدها
جزت مضرا عنّي الجوازي بفعلهاولا أصبحت إلّا بشرّ جدودها
فما خيركم؟ لا سيّدا تنصرونهولا خائفا إن جاء يوما طريدها
أخذلانه في كلّ يوم كريهةومسألة ما إن ينادى وليدها
لأمّكم الويلات أنّى أتيتمجماعات أقوام كثير عديدها
فيا ليتكم من بعد خذلانكم لهجوار على الأعناق منها عقودها
ألم تغضبوا تبّا لكم إذ سطت بكممجوس القرى في داركم ويهودها!
تركتم أبا حسّان تهدم دارهمشيّدة أبوابها وحديدها
يهدّمها العجليّ فيكم بشرطةكما نبّ في شبل التّيوس عتودها
لعمري لقد لفّ اليهوديّ ثوبهعلى غدرة شنعاء باق نشيدها
فلو كان من قحطان أسماء شمّرتكتائب من قحطان صعر خدودها
ففي رجب أو غرّة الشهر بعدهتزوركم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينهمكتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمتففي النار سقياه هناك صديدها
وقال ابن مهرويه: أخبرني به الحسن بن علي عنه، حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي: أن مصعب بن الزبير لما ولي العراق لأخيه هرب أسماء بن خارجة إلى الشام، وبها يومئذ عبد الملك بن مروان قد ولي الخلافة، وقتل عمرو بن سعيد، وكان أسماء أمويّ الهوى، فهدم مصعب بن الزبير داره وحرقها، فقال عبد اللّه بن الزّبير في ذلك:
تأوّب عين ابن الزّبير سهودها
وذكر القصيدة بأسرها، وهذا الخبر أصح عندي من الأوّل، لأن الحسن بن علي حدّثني قال: حدّثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني عمي مصعب قال: لما ولي مصعب بن الزبير العراق، دخل إليه عبد اللّه بن الزّبير الأسدي، فقال له: إيه يابن الزبير، أنت القائل:
إلى رجب السبعين أو ذاك قبلهتصبّحكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا نصر مروان دينهمكتائب فيها جبرئيل يقودها
فقال: أنا القائل لذلك، وإن الحقين ليأبى العذرة، ولو قدرت على جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع؛ فقال: أما إني ما أصنع بك إلّا خيرا، أحسن إليك قوم فأحببتهم وواليتهم ومدحتهم، ثم أمر له بجائزة وكسوة، وردّه إلى منزله مكرّما، فكان ابن الزّبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره، فلما قتل مصعب بن الزبير اجتمع ابن الزّبير وعبيد اللّه بن زياد بن ظبيان في مجلس، فعرف ابن الزبير خبره - وكان عبيد اللّه هو الّذي قتل مصعب بن الزبير - فاستقبله بوجهه وقال له:
أبا مطر شلّت يمين تفرّعتبسيفك رأس ابن الحواريّ مصعب
فقال له ابن ظبيان: فكيف النجاة من ذلك؟ قال: لا نجاة، هيهات! «سبق السيف العذل»، قال: فكان ابن ظبيان بعد قتله مصعبا لا ينتفع بنفسه في نوم ولا يقظة، كان يهوّل عليه في منامه فلا ينام، حتى كلّ جسمه ونهك، فلم يزل كذلك حتى مات.
وقال ابن الأعرابي: لما قدم ابن الزّبير من الشأم إلى الكوفة دخل على عبيد اللّه بن زياد بكتاب من يزيد بن معاوية إليه يأمره بصيانته وإكرامه وقضاء دينه وحوائجه وإدرار عطائه، فأوصله إليه، ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قصيدته الّتي أوّلها:
صوت
أصرم بليلى حادث أم تجنّبأم الحبل منها واهن متقضّب
أم الودّ من ليلى كعهدي مكانهولكنّ ليلى تستزيد وتعتب
غنّى في هذين البيتين حنين ثاني ثقيل عن الهشامي.
ألم تعلمي يا ليل أنّي ليّنهضوم وأنّي عنبس حين أغضب
وأني متى أنفق من المال طارفافإني أرجو أن يثوب المثوّب
أأن تلف المال التّلاد بحقّهتشمّس ليلى عن كلامي وتقطب
عشية قالت والركاب مناخةبأكوارها مشدودة: أين تذهب؟
أفي كل مصر نازح لك حاجةكذلك ما أمر الفتى المتشعّب
فو اللّه ما زالت تلبّث ناقتيوتقسم حتى كادت الشمس تغرب
دعيني ما للموت عني دافعولا للذي ولّى من العيش مطلب
إليك عبيد اللّه تهوي ركابناتعسّف مجهول الفلاة وتدأب
وقد ضمرت حتّى كأنّ عيونهانطاف فلاة ماؤها متصبّب
فقلت لها: لا تشتكي الأين إنهأمامك قرم من أمية مصعب
إذا ذكروا فضل امرىء كان قبلهففضل عبيد اللّه أثرى وأطيب
وأنك لو يشفي بك القرح لم يعدوأنت على الأعداء ناب ومخلب
تصافى عبيد اللّه والمجد صفوة الحليفين ما أرسى ثبير ويثرب
وأنت إلى الخيرات أوّل سابقفأبشر، فقد أدركت ما كنت تطلب
أعنّي بسجل من سجالك نافعففي كل يوم قد سرى لك محلب
فإنك لو إيّاي تطلب حاجةجرى لك أهل في المقال ومرحب
قال: فقال له عبيد اللّه - وقد ضحك من هذا البيت الأخير -: فإني لا أطلب إليك حاجة، كم السّجل الّذي يرويك؟
قال: نوالك أيها الأمير يكفيني، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
شعره في صديقه
قال ابن الأعرابي: كان نعيم بن دجانة بن شدّاد بن حذيفة بن بكر بن قيس بن منقذ بن طريف صديقا لعبيد اللّه بن الزّبير، ثم تغيّر عليه، وبلغه عنه قول قبيح فقال في ذلك:
ألا طرقت رويمة بعد هدءتخطّى هول أنمار وأسد
تجوس رحالنا حتى أتتناطروقا بين أعراب وجند
فقالت: ما فعلت أبا كثيرأصحّ الودّ أم أخلفت عهدي؟
كأنّ المسك ضمّ على الخزامىإلى أحشائها وقضيب رند
ألا من مبلغ عني نعيمافسوف يجرّب الإخوان بعدي
رأيتك كالشموس ترى قريباوتمنع مسح ناصية وخدّ
فإني إن أقع بك لا أهلّلكوقع السيف ذي الأثر الفرند
فأولى ثم أولى ثم أولىفهل للدّرّ يحلب من مردّ؟
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعي قال: حدّثني عيسى بن إسمعيل تينة، وأخبرني عمي قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثني عيسى بن إسمعيل عن المدائني عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: كان عبد اللّه بن الزّبير صديقا لعمرو بن الزّبير بن العوّام، فلما أقامه أخوه ليقتصّ منه بالغ كل ذي حقد عليه في ذلك، وتدسّس فيه من يتقرّب إلى أخيه، وكان أخوه لا يسأل من ادّعى عليه شيئا بيّنة، ولا يطالبه بحجّة، وإنما يقبل قوله ثم يدخله إليه السجن ليقتص منه، فكانوا يضربونه والقيح ينتضح من ظهره وأكتافه على الأرض لشدّة ما يمرّ به، ثم يضرب وهو على تلك الحال، ثم أمر بأن يرسل عليه الجعلان، فكانت تدبّ عليه فتثقب لحمه، - وهو مقيد مغلول - يستغيث فلا يغاث، حتى مات على تلك الحال، فدخل الموكّل به على أخيه عبد اللّه بن الزبير وفي يده قدح لبن يريد أن يتسحّر به وهو يبكي فقال له: مالك؟ أمات عمرو؟ قال: نعم، قال: أبعده اللّه، وشرب اللبن، ثم قال: لا تغسّلوه ولا تكفّنوه، وادفنوه في مقابر المشركين، فدفن فيها، فقال ابن الزّبير الأسدي يرثيه ويؤنّب أخاه بفعله، وكان له صديقا وخلّا ونديما:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغنكبير بني العوّام إن قيل من تعني
ستعلم - إن جالت بك الحرب جولةإذا فوّق الرامون - أسهم من تغني
فأصبحت الأرحام حين وليتهابكفّيك أكراشا تجرّ على دمن
عقدتم لعمرو عقدة وغدرتمبأبيض كالمصباح في ليلة الدّجن
وكبّلته حولا يجود بنفسهتنوء به في ساقه حلق اللّبن
فما قال عمرو إذ يجود بنفسهلضاربه - حتى قضى نحبه -: دعني
تحدّث من لاقيت أنك عائذوصرّعت قتلى بين زمزم والرّكن
جعلتم لضرب الظّهر منه عصيّكمتراوحه، والأصبحيّة للبطن
تعذّر منه الآن لمّا قتلتهتفاوت أرجاء القليب من الشّطن
فلم أر وفدا كان للغدر عاقداكوفدك شدّوا غير موف ولا مسني
وكنت كذات الفسق لم تدر ما حوتتخيّر حاليها أتسرق أم تزني
جزى اللّه عني خالدا شرّ ما جزىوعروة شرّا، من خليل، ومن خدن
قتلتم أخاكم بالسّياط سفاهةفيا لك للرأي المضلّل والأفن
فلو أنكم أجهزتم إذ قتلتم!ولكن قتلتم بالسّياط وبالسّجن
وإني لأرجو أن أرى فيك ما ترىبه من عقاب اللّه ما دونه يغني
قطعت من الأرحام ما كان واشجاعلى الشّيب، وابتعت المخافة بالأمن
وأصبحت تسعى قاسطا بكتيبةتهدّم ما حول الحطيم ولا تبني
فلا تجز عن من سنّة قد سننتهافما للدماء الدهر تهرق من حقن
أخبرني عمّي قال: حدّثني الخرّاز عن المدائني قال: قتل يعقوب بن طلحة يوم الحرّة، وكان يعقوب ابن خالة يزيد بن معاوية فقال يزيد: يا عجبا قاتلني كل أحد حتى ابن خالتي! قال: وكان الّذي جاء بنعيه إلى الكوفة رجل يقال له الكروّس، فقال ابن الزّبير الأسديّ يرثيه:
لعمرك ما هذا بعيش فيبتغىهنىء ولا موت يريح سريع
لعمري لقد جاء الكروّس كاظماعلى أمر سوء حين شاع فظيع
نعى أسرة يعقوب منهم فأقفرتمنازلهم من رومة فبقيع
وكلهم غيث إذا قحط الورىويعقوب منهم للأنام ربيع
وقال ابن الأعرابي: كان على ابن الزبير دين لجماعة، فلازموه ومنعوه التصرّف في حوائجه، وألحّ عليه غريم
له من بني نهشل يقال له: ذئب، فقال ابن الزّبير
أحابس كيد الفيل عن بطن مكّةوأنت على ما شئت جمّ الفواضل
أرحني من اللائي إذا حلّ على دينهميمشّون في الدارات مشي الأرامل
إذا دخلوا قالوا: السلام عليكموغير السلام بالسلام يحاول
ألين إذا اشتدّ الغريم وألتويإذا استدّ حتى يدرك الدين قابل
عرضت على «زيد» ليأخذ بعض مايحاوله قبل اشتغال الشواغل
تثاءب حتى قلت: داسع نفسهوأخرج أنيابا له كالمعاول
وقال ابن الأعرابيّ: استجار ابن الزّبير بمروان بن الحكم وعبد اللّه بن عامر لما هجا عبد الرحمن بن أمّ الحكم، فأجاراه وقاما بأمره، ودخل مع مروان إلى المدينة، وقال في ذلك:
أجدّي إلى مروان عدوا فقلّصيوإلّا فروحي واغتدي لابن عامر
إلى نفر حول النبيّ بيوتهممكاريم للعافي رقاق المآزر
لهم سورة في المجد قد علمت لهمتذبذب باع المتعب المتقاصر
لهم عامر البطحاء من بطن مكّةورومة تسقى بالجمال القياسر
وقال ابن الأعرابي: عرض قوم من أهل المدراء لابن الزّبير الأسديّ في طريقه من الشام إلى الكوفة وقد نزل بقرقيسياء، فاستعدوا عليه زفر بن الحارث الكلابيّ وقالوا: إنه أموي الهوى، وكانت قيس يومئذ زبيرية، وقرقيسياء وما والاها في يد ابن الزبير، فحبسه زفر أياما وقيّده، وكان معه رفيق من بني أميّة يقال له: أبو الحدراء، فرحل وتركه في حبسه أياما، ثم تكلّمت فيه جماعة من مضر، فأطلق، فقال في ذلك:
أغاد أبو الحدراء أم متروّح؟كذاك النّوى ممّا تجدّ وتمزح
لعمري لقد كانت بلاد عريضةلي الرّوح فيها عنك والمتسرّح
ولكنه يدنو البغيض ويبعد الحبيب وينأى في المزار وينزح
إلا ليت شعري هل أتى أمّ واصلكبول أعضّوها بساقيّ تجرح
إذا ما صرفت الكعب صاحت كأنهاصريف خطاطيف بدلوين تمتح
تبغّي أباها في الرفاق وتنثنيوألوى به في لجّة البحر تمسح
أمر تحل وفد العراق وغودرتتحنّ بأبواب المدينة صيدح
فإنك لا تدرين فيما أصابنيأريثك أم تعجيل سيرك أنجح
أظنّ أبو الحدراء سجني تجارةترجّى وما كل التجارة تربح!
أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفيّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل قال: حدّثني محمّد بن معاوية الأسديّ قال: لما قدم الحجّاج الكوفة واليا عليها صعد المنبر، فخطبهم فقال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إن الشيطان قد باض وفرّخ في صدوركم، ودبّ ودرج في حجوركم، فأنتم له دين، وهو لكم قرين، وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً
ثم حثّهم على اللّحاق بالمهلّب بن أبي صفرة، وأقسم ألّا يجد منهم أحدا اسمه في جريدة المهلّب بعد ثالثة بالكوفة إلّا قتله، فجاء عمير بن ضابىء البرجمي فقال: أيّها الأمير، إني شيخ لا فضل فيّ، ولي ابن شابّ جلد، فاقبله بدلا منّي، فقال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، هذا جاء إلى عثمان وهو مقتول، فرفسه وكسر ضلعين من أضلاعه، وهو يقول:
أين تركت ضابئا يا نعثل
فقال له الحجّاج: فهلّا يومئذ بعثت بديلا، يا حرسيّ! اضرب عنقه، وسمع الحجّاج ضوضاء، فقال: ما هذا؟ فقال: هذه البراجم جاءت لتنصر عميرا فيما ذكرت، فقال: أتحفوهم برأسه، فرموهم برأسه، فولّوا هاربين، فازدحم الناس على الجسر للعبور إلى المهلّب حتى غرق بعضهم، فقال عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ:
أقول لإبراهيم لمّا لقيتهأرى الأمر أمسى واهيا متشعبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابىءعميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهماركوبك حوليّا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونهرآها مكان السّوق أو هي أقربا
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني علي بن عثّام الكلابيّ قال: دخل عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ على مصعب بن الزّبير بالكوفة لمّا وليها وقد مدحه، فاستأذنه الإنشاد، فلم يأذن له، وقال له: ألم تسقط السماء علينا وتمنعنا قطرها في مديحك لأسماء بن خارجة! ثم قال لبعض من حضر: أنشدها، فأنشده:
إذا مات ابن خارجة بن حصنفلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع الوفود بغنم جيشولا حملت على الطّهر النساء
ليوم منك خير من أناسكثير حولهم نعم وشاء
فبورك في بنيك وفي أبيهمإذا ذكروا ونحن لك الفداء
فالتفت إليه مصعب وقال له: اذهب إلى أسماء، فما لك عندنا شيء، فانصرف، وبلغ ذلك أسماء، فعوّضه حتى أرضاه، ثم عوّضه مصعب بعد ذلك، وخصّ به، وسمع مديحه، وأحسن عليه ثوابه.
قال ابن الأعرابي: لما ولي بشر بن مروان الكوفة أدنى عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ وبرّه وخصّه بأنسه، لعلمه بهواه في بني أميّة، فقال يمدحه:
ألم ترني والحمد للّه أننيبرئت وداواني بمعروفه بشر
رعى ما رعى مروان منّي قبلهفصحّت له مني النصيحة والشكر
ففي كلّ عام عاشه الدهر صالحاعليّ لربّ العالمين له نذر
إذا ما أبو مروان خلّى مكانهفلا تهنأ الدنيا ولا يرسل القطر
ولا يهنىء الناس الولادة بينهمولا يبق فوق الأرض من أهلها شفر
فليس البحور بالتي تخبروننيولكن أبو مروان بشر هو البحر
وقال فيه أيضا فذكر أمّه قطبة بنت بشر بن مالك ملاعب الأسنّة:
جاءت به عجز مقابلةما هن من جرم ومن عكل
يا بشر يابن الجعفريّة ماخلق الإله يديك للبخل
أنت ابن سادات لأجمعهموفي بطن مكّة عزّة الأصل
بحر من الأعياص جدن بهفي مغرس للجود والفضل
متهلل تندى يداه إذاضنّ السحاب بوابل سجل
أخبرني عمي قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثنا العمري، عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش قال: أخبرني مشيخة من بني أسد أن ابن الزّبير الأسديّ لمّا قفل من قتال الأزارقة صوّب بعث إلى الرّي، قال: فكنت فيه، وخرج الحجّاج إلى القنطرة يعني قنطرة الكوفة الّتي بزبارة ليعرض الجيش، فعرضهم، وجعل يسأل عن رجل رجل من هو؟ فمر به ابن الزّبير، فسأله من هو؟ فأخبره، فقال أنت الّذي تقول:
تخيّر فإما أن تزور ابن ضابىءعميرا، وإما أن تزور المهلّبا
قال: بلى، أنا الّذي أقول:
ألم تر أنّي قد أخذت جعيلةوكنت كمن قاد الجنيب فأسمحا
فقال له الحجّاج: ذلك خير لك، فقال:
وأوقدت الأعداء يا ميّ فاعلميبكلّ شرى نارا فلم أر مجمحا
فقال له الحجّاج: قد كان بعض ذلك، فقال:
ولا يعدم الدّاعي إلى الخير تابعاولا يعدم الداعي إلى الشرّ مجدحا
فقال له الحجّاج: إن ذلك كذلك، فامض إلى بعثك، فمضى إلى بعثه فمات بالري.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني عمي قال: لما ولي عبد الرحمن ابن أم الحكم الكوفة، مدحه عبد اللّه بن الزّبير، فلم يثبه، وكان قدم في هيئة رثّة، فلما اكتسب وأثرى بالكوفة تاه وتجبّر، فقال ابن الزّبير فيه:
تبقّلت لما أن أتيت بلادكموفي مصرنا أنت الهمام القلمّس
ألست ببغل أمّه عربيةأبوك حمار أدبر الظهر ينخس
قال: وكان بنو أمية إذا رأوا عبد الرحمن يلقّبونه البغل، وغلبت عليه حتى كان يشتم من ذكر بغلا، يظنّه يعرّض به.
أخبرني عمي قال: حدّثنا الكرانيّ عن العمري عن العتبي قال: لمّا قتل عبد اللّه بن الزّبير صلب الحجّاج جسده، وبعث برأسه إلى عبد الملك، فجلس على سريره وأذن للناس فدخلوا عليه، فقام عبد اللّه بن الزّبير الأسدي فاستأذنه في الكلام، فقال له: تكلّم ولا تقل إلّا خيرا، وتوخّ الحقّ فيما تقوله، فأنشأ يقول:
مشى ابن الزبير القهقرى فتقدمتأميّة حتّى أحرزوا القصبات
وجئت المجلّي يابن مروان سابقاأمام قريش تنفض العذرات
فلا زلت سبّاقا إلى كل غايةمن المجد نجّاء من الغمرات
قال: فقال له: أحسنت فسل حاجتك: فقال له: أنت أعلى عينا بها وأرحب صدرا يا أمير المؤمنين؛ فأمر له بعشرين ألف درهم وكسوة، ثم قال له: كيف قلت؟ فذهب يعيد هذه الأبيات، فقال: لا، ولكن أبياتك في المحلّ فيّ وفي الحجّاج الّتي قلتها: فأنشده:
كأني بعبد اللّه يركب ردعهوفيه سنان زاعبيّ محرّب
وقد فرّ عنه الملحدون وحلّقتبه وبمن آساه عنقاء مغرب
تولّوا فخلّوه فشال بشلوهطويل من الأجذاع عار مشذّب
بكفّي غلام من ثقيف نمت بهقريش وذو المجد التليد معتّب
فقال له عبد الملك: لا تقل غلام، ولكن همام، وكتب له إلى الحجاج بعشرة آلاف درهم أخرى؛ واللّه أعلم.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن الهيثم بن عديّ، عن مجالد قال: قتل ابن الزّبير من شيعة بني أميّة قوما بلغه أنهم يتجسّسون لعبد الملك، فقال فيه عبد اللّه بن الزّبير في ذلك يهجوه ويعيّره بفعله:
أيها العائذ في مكّة كممن دم أهرقته في غير دم
أيد عائذة معصمةويد تقتل من حلّ الحرم!
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ فيه إصلاحات بخطّه، والكتاب بخط النضر بن حديد من أخبار عبد اللّه بن الزبير وشعره، قال: دخل عبد اللّه بن الزبير على بشر بن مروان وعليه ثياب كان بشر خلعها عليه، وكان قد بلغ بشرا عنه شيء يكرهه، فجفاه، فلما وصل إليه وقف بين يديه، وجعل يتأمل من حواليه من بني أميّة، ويجيل بصره فيهم كالمتعجّب من جمالهم وهيئتهم، فقال له بشر، إن نظرك يابن الزّبير ليدلّ أن وراءه قولا؛ فقال: نعم؛ قال: قل؛ فقال:
كأن بني أميّة حول بشرنجوم وسطها قمر منير
هو الفرع المقدّم من قريشإذا أخذت مآخذها الأمور
لقد عمت نوافله فأضحىغنيّا من نوافله الفقير
جبرت مهيضنا وعدلت فينافعاش البائش الكلّ الكسير
فأنت الغيث قد علمت قريشلنا، والواكف الجون المطير
قال: فأمر له بخمسة آلاف درهم ورضي عنه، فقال ابن الزّبير:
لبشر بن مروان على الناس نعمةتروح وتغدو لا يطاق ثوابها
به أمّن اللّه النفوس من الردىوكانت بحال لا يقرّ ذبابها
دمغت ذوي الأضغان يا بشر عنوةبسيفك حتى ذلّ منها صعابها
وكنت لنا كهفا وحصنا ومعقلاإذا الفتنة الصّمّاء طارت عقابها
وكم لك يا بشر بن مروان من يدمهذّبة بيضاء راس ظرابها
وطدت لنا دين النبيّ محمّدبحلمك إذ هرّت سفاها كلابها
وسدت ابن مروان قريشا وغيرهاإذا السنة الشهباء قلّ سحابها
رأبت ثآنا واصطنعت أيادياإلينا ونار الحرب ذاك شهابها
قال النضر بن حديد في كتابه هذا: ودخل عبد اللّه بن الزّبير إلى بشر بن مروان متعرّضا له ويسمعه بيتا من شعره فيه، فقال له بشر: أراك متعرضا لأن أسمع منك وهل أبقى أسماء بن خارجة منك أو من شعرك أو من ودّك شيئا؟ لقد نزحت فيه بحرك يابن الزّبير؛ فقال: أصلح اللّه الأمير، إن أسماء بن خارجة كان للمدح أهلا، وكانت له عندي أياد كثيرة، وكنت لمعروفه شاكرا، وأيادي الأمير عندي أجلّ، وأملي فيه أعظم، وإن كان قولي لا يحيط بها ففي فضل الأمير على أوليائه ما قبل به ميسورهم، وإن أذن لي في الإنشاد رجوت أن أوفّق للصواب. فقال: هات، فقال:
تداركني بشر بن مروان بعد ماتعاوت إلى شلوي الذئاب العواسل
غياث الضعاف المرملين وعصمة اليتامى ومن تأوي إليه العباهل
قريع قريش والهمام الّذي لهأقرّت بنو قحطان طرّا ووائل
وقيس بن عيلان وخندف كلّهاأقرّت وجنّ الأرض طرّا وخابل
يداك ابن مروان يد تقتل العداوفي يدك الأخرى غياث ونائل
إذا أمطرتنا منك يوما سحابةروينا بما جادت علينا الأنامل
فلا زلت يا بشر بن مروان سيّدايهلّ علينا منك طلّ ووابل
فأنت المصفّى يابن مروان والّذيتوافت إليه بالعطاء القبائل
يرجّون فضل اللّه عند دعائكمإذا جمعتكم والحجيج المنازل
ولو لا بنو مروان طاشت حلومناوكنّا فراشا أحرقتها الشعائل
فأمر له بجائزة وكساه خلعة، وقال له: إني أريد أن أوفدك على أمير المؤمنين، فتهيّأ لذلك يابن الزّبير، قال: أنا فاعل أيّها الأمير، قال: فماذا تقول له إذا وفدت عليه ولقيته إن شاء اللّه. فارتجل من وقته هذه القصيدة ثم قال:
أقول: أمير المؤمنين عصمتناببشر من الدهر الكثير الزّلازل
وأطفأت عنا نار كلّ منافقبأبيض بهلول طويل الحمائل
نمته قروم من أمية للعلاإذا افتخر الأقوام وسط المحافل
هو القائد الميمون والعصمة الّتيأتى حقّها فينا على كل باطل
أقام لنا الدين القويم بحلمهورأي له فضل على كل قائل
أخوك أمير المؤمنين ومن بهنجاد ونسقى صوب أسحم هاطل
إذا ما سألنا رفده هطلت لناسحابة كفّيه بجود ووابل
حليم على الجهّال منا ورحمةعلى كلّ حاف من معدّ وناعل
فقال بشر لجلسائه: كيف تسمعون؟ هذا واللّه الشعر، وهذه القدرة عليه! فقال له حجّار بن أبجر العجلي، وكان من أشراف أهل الكوفة، وكان عظيم المنزلة عند بشر: هذا أصلح اللّه الأمير أشعر الناس وأحضرهم قولا إذا أراد، فقال محمّد بن عمير بن عطارد - وكان عدوّا لحجّار - أيّها الأمير، إنه لشاعر، وأشعر منه الّذي يقول:
لبشر بن مروان على كلّ حالةمن الدهر فضل في الرخاء وفي الجهد
قريع قريش والّذي باع مالهليكسب حمدا حين لا أحد يجدي
ينافس بشر في السماحة والنّدىليحرز غايات المكارم بالحمد
فكم جبرت كفّاك يا بشر من فتىضريك، وكم عيّلت قوما على عمد
وصيّرت ذا فقر غنيّا، ومثريافقيرا، وكلّا قد حذوت بلا وعد
فقال بشر: من يقول هذا؟ قال: الفرزدق، وكان بشر مغضبا عليه، فقال: ابعث إليه فأحضره، فقال له: هو غائب بالبصرة، وإنّما قال هذه الأبيات وبعث بها لأنشدكها ولترضى عنه، فقال بشر: هيهات! لست راضيا عنه حتى يأتيني، فكتب محمّد بن عمير إلى الفرزدق، فتهيّأ للقدوم على بشر، ثم بلغه أن البصرة قد جمعت له مع الكوفة، فأقام وانتظر قدومه، فقال عبد اللّه بن الزّبير لمحمّد بن عمير في مجلسه ذلك بحضرة بشر:
بني دارم هل تعرفون محمّدابدعوته فيكم إذا الأمر حقّقا
وساميتم قوما كراما بمجدكموجاء سكيتا آخر القوم مخفقا
فأصلك دهمان بن نصر فردّهمولا تك وغدا في تميم معلّقا
فإن تميما لست منهم ولا لهمأخا يابن دهمان فلا تك أحمقا
ولولا أبو مروان لاقيت وابلامن السوط ينسيك الرّحيق المعتّقا
أحين علاك الشيب أصبحت عاهراوقلت اسقني الصّهباء صرفا مروّقا
تركت شراب المسلمين ودينهموصاحبت وغدا من فزارة أزرقا
نبيتان من شرب المدامة كالّذيأتيح له حبل فأضحى مخنّقا
فقال بشر: أقسمت عليك إلّا كففت، فقال: أفعل أصلحك اللّه، واللّه لو لا مكانك لأنفذت حضنيه بالحق، وكف ابن الزّبير وأحسن بشر جائزته وكسوته، وشمت حجّار بن أبجر بمحمد بن عمير - وكان عدوّه - وأقبلت بنو أسد على ابن الزّبير فقالوا: عليك غضب اللّه، أشمتّ حجّارا بمحمد، واللّه لا نرضى عنك حتى تهجوه هجاء يرضى به محمّد بن عمير عنك، أو لست تعلم أن الفرزدق أشعر العرب؟ قال: بلى، ولكن محمّدا ظلمني وتعرّض لي، ولم أكن لأحلم عنه إذ فعل، فلم تزل به بنو أسد حتى هجا حجّارا، فقال:
سليل النصارى سدت عجلا ولم تكنلذلك أهلا أن تسود بني عجل
ولكنّهم كانوا لئاما فسدتهمومثلك من ساد اللئام بلا عقل
وكيف بعجل إن دنا الفصح واغتدتعليك بنو عجل ومرجلكم يغلي
وعندك قسّيس النصارى وصلبهاوعانيّة صهباء مثل جنى النحل
قال: فلما بلغ حجّارا قوله شكاه إلى بشر بن مروان، فقال له بشر: هجوت حجّارا؟ فقال: لا واللّه أعزّ اللّه الأمير، ما هجوته، لكنّه كذب عليّ، فأتاه ناس من بني عجل وتهدّدوه بالقتل، فقال فيهم:
تهدّدني عجل، وما خلت أنّنيخلاة لعجل والصليب لها بعل
وما خلتني والدهر فيه عجائبأعمّر حتى قد تهدّدني عجل
وتوعدني بالقتل منهم عصابةوليس لهم في العزّ فرع ولا أصل
وعجل أسود في الرخاء، ثعالبإذا التقت الأبطال واختلف النّبل
فإن تلقنا عجل هناك فما لناولا لهم م الموت منجّى ولا وعل
وقال النضر في كتابه: لما منع عبد الرحمن بن أم الحكم عبد اللّه بن الزّبير الخروج إلى الشأم، وأراد حبسه، لجأ إلى سويد بن منجوف، واستجار به، فأخرجه مع بني شيبان في بلادهم، وأجازه عمل ابن أمّ الحكم، فقال يمدحه:
أليس ورائي إن بلاد تجهّمتسويد بن منجوف وبكر بن وائل
حصون براها اللّه لم ير مثلهاطوال أعاليها شداد الأسافل
هم أصبحوا كنزي الّذي لست تاركاونبلي الّتي أعددتها للمناضل
وقال أيضا في هذا الكتاب: جاء عبد اللّه بن الزّبير يوما إلى بشر بن مروان، فحجبه حاجبه، وجاء حجّار بن أبجر فأذن له، وانصرف ابن الزبير يومئذ، ثم عاد بعد ذلك إلى بشر وهو جالس جلوسا، فدخل إليه، فلمّا مثل بين يديه أنشأ يقول:
ألم تر أن اللّه أعطى فخصّنابأبيض قرم من أمية أزهرا
طلوع ثنايا المجد، سام بطرفهإذا سئل المعروف ليس بأوعرا
فلولا أبو مروان بشر لقد غدتركابي في فيف من الأرض أغبرا
سراعا إلى عبد العزيز دوائباتخلّل زيتونا بمصر وعرعرا
وحاربت في الإسلام بكر بن وائلكحرب كليب أو أمر وأمقرا
إذا قادت الإسلام بكر بن وائلفهب ذاك دينا قد تغيّر مهترا
بأيّ بلاء أم بأيّ نصيحةتقدّم حجّارا أمامي ابن أبجرا
وما زلت مذ فارقت عثمان صادياومروان ملتاحا عن الماء أزورا
ألا ليتني قدّمت واللّه قبلهموأن أخي مروان كان المؤخرا
بهم جمع الشمل الشّتيت، وأصلح الإله، وداوى الصّدع حتّى تجبّرا
قضى اللّه: لا ينفكّ منهم خليفةكريم يسوس الناس يركب منبرا
فاعتذر إليه بشر ووصله وحمله، وأنكر على حاجبه ما تشكّاه، وأمر أن يأذن له عند إذنه لأخصّ أهله وأوليائه.
وقال النضر في كتابه هذا: كان الزبير بن الأشيم - أبو عبد اللّه بن الزّبير - شاعرا، وكان لعبد اللّه بن الزّبير ابن يقال له الزّبير شاعر، فأما أبوه الزبير بن الأشيم فهو الّذي يقول:
ألا يا لقومي للرّقاد المؤرّقوللرّبع - بعد الغبطة - المتفرّق
وهمّ الفتى بالأمر من دون نيلهمراتب صعبات على كلّ مرتقي
ويوم بصحراء البديدين قلتهبمنزلة النّعمان وابن محرّق
وذلك عيش قد مضي كان بعدهأمور أشابت كلّ شأن ومفرق
وغيّر ما استنكرت يا أم واصلحوادث إلّا تكسر العظم تعرق
فراق حبيب أو تغيّر حالةمن الدهر أورام لشخصي مفوّق
على أنني جلد صبور مرزّأوهل تترك الأيام شيئا لمشفق؟
وأما ابنه الزّبير بن عبد اللّه بن الزّبير، فهو القائل يمدح محمّد بن عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاريّ:
قالت عبيدة موهناأين اعتراك الهمّ أينه
هل تبلغنّ بك المنىما كنت تأمل في عيينه
بدر له الشّيم الكرائم كاملات فاعتلينه
والجوع يقتله النّدىمنه إذا قحط ترينه
فهناك يحمده الورىأخلاق غيركم اشتكينه
قال: وهو القائل في بعض بني عمّه:
ومولى كداء البطن أو فوق دائهيزيد موالي الصدّق خيرا وينقص
تلوّمت أرجو أن يثوب فيرعويبه الحلم حتّى استيأس المتربّص
وقال النضر في كتابه هذا: لما هرب ابن الزبير من عبد الرحمن بن أم الحكم إلى معاوية، أحرق عبد الرحمن دراه، فتظلّم منه وقال: أحرق لي دارا قد قامت عليّ بمائة ألف درهم، فقال معاوية: ما أعلم بالكوفة دارا أنفق عليها هذا القدر، فمن يعرف صحة ما ادعيت؟ قال: هذا المنذر بن الجارود حاضر ويعلم ذلك، فقال معاوية للمنذر: ما عندك في هذا؟ قال: إني لم آبه لنفقته على داره ومبلغها، ولكني لما دخلت الكوفة وأردت الخروج عنها، أعطاني عشرين ألف درهم وسألني أن أبتاع له بها ساجا من البصرة، ففعلت، فقال معاوية: إن دارا اشترى لها ساج بعشرين ألف درهم لحقيق أن يكون سائر نفقتها مائة ألف درهم! وأمر له بها، فلما خرجا أقبل معاوية على جلسائه، ثم قال لهم: أيّ الشيخين عندكم أكذب؟ واللّه إني لأعرف داره، وما هي إلّا خصاص قصب، ولكنهم يقولون فنسمع، ويخادعوننا فننخدع، فجعلوا يعجبون منه.
أخبرني الحسن بن علي ومحمّد بن يحيي قالا: حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابيّ عن عبد اللّه بن الضحاك، عن الهيثم بن عديّ قال: أتى عبد اللّه بن الزّبير إبراهيم بن الأشتر النّخعي فقال له: إني قد مدحتك بأبيات فاسمعهنّ، فقال: إني لست أعطي الشعراء، فقال: اسمعها منّي وترى رأيك، فقال: هات إذا، فأنشده قوله:
اللّه أعطاك المهابة والتّقىوأحلّ بيتك في العديد الأكثر
وأقرّ عينك يوم وقعة خازروالخيل تعثر بالقنا المتكسّر
إنّي مدحتك إذ نبا بي منزليوذممت إخوان الغنى من معشر
وعرفت أنك لا تخيّب مدحتيومتى أكن بسبيل خير أشكر
فهلمّ نحوي من يمينك نفحةإن الزمان ألحّ يابن الأشتر
فقال: كم ترجو أن أعطيك؟ فقال: ألف درهم أصلح بها أمر نفسي وعيالي، فأمر له بعشرين ألف درهم.
صوت
ما هاج شوقك من بكاء حمامةتدعو إلى فنن الأراك حماما
تدعو أخا فرخين صادف ضارياذا مخلبين من الصّقور قطاما
إلا تذكّرك الأوانس بعد ماقطع المطيّ سباسبا وهياما
الشعر لثابت قطنة؛ وقيل إنه لكعب الأشقريّ، والصحيح أنه لثابت، والغناء ليحيى المكّيّ، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، من رواية ابنه والهشاميّ أيضا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع