من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار حماد عجرد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو حمّاد بن يحيى بن عمر بن كليب، ويكنى أبا عمر، مولى بني عامر بن صعصعة، وذكر ابن النطّاح أنه مولى بني سراة، وذكر سليمان بن أبي شيخ عن صالح بن سليمان أنه مولى بني عقيل، وأصله ومنشؤه بالكوفة، وكان يبري النّبل، وقيل: بل أبوه كان نبّالا، ولم يتكسب هو بصناعة غير الشعر.
وقال صالح بن سليمان: كان عمّ لحمّاد عجرد يقال له مؤنس بن كليب، وكانت له هيئة - وابن عمّه عمارة بن حمزة بن كليب - انتقلوا عن الكوفة ونزلوا واسطا، فكانوا بها، وحمّاد من مخضرمي الدّولتين الأمويّة والعباسيّة، إلا أنه لم يشتهر في أيام بني أمية شهرته في أيام بني العبّاس، وكان خليعا ماجنا، متّهما في دينه، مرميّا بالزندقة.
أخبرني عمّي قال: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر قال: قال أبو دعامة: حدّثني عاصم بن أفلح بن مالك بن أسماء قال: كان يحيى أبو حمّاد عجرد مولى لبني هند بنت أسماء بن خارجة، وكان وكيلا لها في ضيعتها بالسّواد، فولدت هند من بشر بن مروان عبد الملك بن بشر، فجرّ عبد الملك ولاء موالي أمّه فصاروا مواليه. قال: ولما كان والد حمّاد عجرد بالسواد في ضيعتها نبّطه بشار لمّا هجاه بقوله:
واشدد يديك بحمّاد أبي عمرفإنّه نبطيّ من زنابير
قال: وإنما لقّبه بعجرد عمرو بن سنديّ، مولى ثقيف لقوله فيه:
سبحت بغلة ركبت عليهاعجبا منك خيبة للمسير
زعمت أنها تراه كبيراحملها عجرد الزّنا والفجور
إن دهرا ركبت فيه على بغل وأوقفته بباب الأمير
لجدير ألّا نرى فيه خيرالصغير منّا ولا لكبير
ما امرؤ ينتقيك يا عقدة الكلب لأسراره بجدّ بصير
لا ولا مجلس أجنّك للّذّات يا عجرد الخنا بستير
يعني بهذا القول محمّد بن أبي العبّاس السفّاح، وكان عجرد في ندمائه، فبلغ هذا الشعر أبا جعفر، فقال لمحمد: مالي ولعجرد يدخل عليك؟ لا يبلغني أنّك أذنت له، فقال: وعجرد مأخوذ من المعجرد، وهو العريان في الّلغة، يقال: تعجرد الرجل إذا تعرّى فهو يتعجرد تعجردا: وعجردت الرجل أعجرده عجردة إذا عرّيته.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرني إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة، ونسخت من كتاب عبد اللّه بن المعتز، حدّثني الثقفيّ عن إبراهيم بن عمر العامريّ قال: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمّادون: حمّاد عجرد وحمّاد الراوية، وحمّاد بن الزّبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، يرمون بالزندقة جميعا وأشهرهم بها حمّاد عجرد.
أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة إجازة عن التوّزيّ: أن حمادا لقّب بعجرد لأن أعرابيا مرّ به في يوم شديد البرد وهو عريان يلعب مع الصّبيان فقال له: تعجردت يا غلام؛ فسمّي عجردا.
قال أبو خليفة: المتعجرد: المتعرّي؛ والعجرد أيضا: الذهب.
أخبرني أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى، عن علي بن مهدي، عن عبد اللّه بن عطية، عن عبّاد بن الممزّق، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: كان السبب في مهاجاة حمّاد عجرد بشّارا أنّ حمّادا كان نديما لنافع بن عقبة، فسأله بشّار تنجّز حاجة له من نافع، فأبطأ عنها، فقال بشار فيه:
مواعيد حمّاد سماء مخيلةتكشّف عن رعد ولكن ستبرق
إذا جئته يوما أحال على غدكما وعد الكمّون ما ليس يصدق
وفي نافع عنّي جفاء، وإنّنيلأطرق أحيانا، وذو اللّبّ يطرق
وللنّقرى قوم فلو كنت منهمدعيت ولكن دوني الباب مغلق
أبا عمر خلّفت خلفك حاجتيوحاجة غيري بين عينيك تبرق
وما زلت أستأنيك حتى حسرتنيبوعد كجاري الآل يخفى ويخفق
قال: فغضب حمّاد وأنشد نافعا الشّعر، فمنعه من «صلة» بشّار، فقال بشّار:
أبا عمر ما في طلابيك حاجةولا في الّذي منّيتنا ثمّ أصحرا
وعدت فلم تصدق وقلت غدا غداكما وعد الكمّون شربا مؤخّرا
قال: فكان ذلك السبب في التّهاجي بين بشّار وحمّاد.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني أبو إسحاق الطّلحيّ قال: حدّثني أبو سهبل قال: حدّثني أبو نواس قال: كنت أتوهّم أن حمّاد عجرد إنما رمي بالزندقة لمجونه في شعره، حتى حبست في حبس الزّنادقة، فإذا حمّاد عجرد إمام من أئمّتهم، وإذا له شعر مزاوج بيتين بيتين يقرءون به في صلاتهم، قال: وكان له صاحب يقال له حريث على مذهبه، وله يقول بشّار حين مات حمّاد عجرد على سبيل التعزية له:
بكى حريث فوقّره بتعزيةمات ابن نهيا وقد كانا شريكين
تفاوضا حين شابا في نسائهماوحلّلا كلّ شيء بين رجلين
أمسى حريث بما سدّى له غيراكراكب اثنين يرجو قوّة اثنين
حتى إذا أخذا في غير وجههماتفرّقا وهوى بين الطّريقين
يعني أنه كان يقول بقول الثّنويّة في عبادة اثنين، فتفرّقا وبقي بينهما حائرا، قال: وفي حمّاد يقول بشّار أيضا وينسبه إلى أنّه ابن نهيا:
يابن نهيا رأس عليّ ثقيلواحتمال الرؤوس خطب جليل
ادع غيري إلى عبادة الاثنين فإنّي بواحد مشغول
يابن نهيا برئت منك إلى اللّه جهارا، وذاك منّي قليل
قال: فأشاع حمّاد هذه الأبيات لبشّار في الناس، وجعل فيها مكان «فإنّي بواحد مشغول»: «فإنّي عن واحد مشغول» ليصحّح عليه الزندقة والكفر باللّه تعالى، فما زالت الأبيات تدور في أيدي الناس حتى انتهت إلى بشّار، فاضطرب منها وتغيّر وجزع وقال: أشاط ابن الزانية بدمي، واللّه ما قلت إلّا «فإنّي بواحد مشغول» فغيّرها حتى شهرني في الناس بما يهلكني.
أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني صالح بن سليمان الخثعميّ قال: قيل لعبد اللّه بن ياسين: إن بشارا المرعّث هجا حمّادا فنّبطه، فقال عبد اللّه: قد رأيت جدّ حمّاد، وكان يسمّى كليبا، وكانت صناعته صناعة لا يكون فيها نبطيّ، كان يبري النّبال ويريشها، وكان يقال له: كليب النّبّال، مولى بني عامر بن صعصعة.
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ المؤدّب، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني أحمد بن خلّاد قال: كان بشّار صديقا لسليم بن سالم مولى بني سعد، وكان المنصور أيّام استتر بالبصرة نزل على سليم بن سالم، فولّاه أبو جعفر حين أفضى الأمر إليه السّوس وجنديسابور، فانضمّ إليه حمّاد عجرد، فأفسده على بشّار، وكان له صديقا، فقال بشّار يهجوهما:
أمسى سليم بأرض السّوس مرتفقافي خزّها بعد غربال وأمداد
ليس النعيم وإن كنّا نزنّ بهإلّا نعيم سليم ثمّ حمّاد
نيكا وناكا ولم يشعر بذا أحدفي غفلة من نبيّ الرحمة الهادي
فنشب الشرّ بين حمّاد وبشّار.
أخبرني عمّي قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، عن عمر بن شبّة، عن أبي أيّوب الزبالى، قال: كان رجل من أهل البصرة يدخل بين حمّاد وبشّار على اتفاق منهما ورضا بأن ينقل إلى كلّ واحد منهما وعنه الشّعر، فدخل يوما إلى بشّار فقال له: إيه يا فلان، ما قال ابن الزانية فيّ؟ فأنشده:
إن تاه بشّار عليكم فقدأمكنت بشّارا من التّيه
فقال بشّار: بأيّ شيء ويحك؟ فقال:
وذاك إذ سمّيته بآسمهولم يكن حرّ يسمّيه
فقال: سخنت عينه، فبأي شيء كنت أعرف؟ إيه، فقال:
فصار إنسانا بذكري لهما يبتغي من بعد ذكريه؟
فقال: ما صنع شيئا، إيه ويحك؟ فقال:
لم أهج بشّارا ولكنّنيهجوت نفسي بهجائيه
فقال: على هذا المعنى دار، وحوله حام، إيه أيضا، وأيّ شيء قال؟ فأنشده:
أنت ابن برد مثل برد في النّذالة والرّذاله
من كان مثل أبيك ياأعمى أبوه فلا أبا له
فقال: جوّد ابن الزانية، وتمام الأبيات الأول:
لم آت شيئا قطّ فيما مضىولست فيما عشت آتيه
أسوأ لي في الناس أحدوثةمن خطأ أخطأته فيه
فأصبح اليوم بسبّي لهأعظم شأنا من مواليه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة، عن خلّاد الأرقط قال: أنشد بشّارا راويته قول عجرد فيه:
دعيت إلى برد وأنت لغيرهفهبك ابن برد نكت أمّك من برد؟
فقال بشار لراويته: هاهنا أحد؟ قال: لا، فقال: أحسن واللّه ما شاء ابن الزانية.
أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمّد بن يزيد المهلّبي قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن أبي عيينة قال: قال حماد عجرد لمّا أنشد قول بشّار فيه:
يابن نهيا رأس عليّ ثقيلواحتمال الرأسين أمر جليل
فادع غيري إلى عبادة ربّين فإنّي بواحد مشغول
واللّه ما أبالي بهذا من قوله، وإنّما يغيظني منه تجاهله بالزندقة، يوهم الناس أنه يظن أن الزنادقة تعبد رأسا ليظن الجهّال أنّه لا يعرفها، لأن هذا قول تقوله العامّة لا حقيقة له، وهو واللّه أعلم بالزّندقة من ماني.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وأحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وحبيب بن نصر المهلّبي، قالوا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو أيوب الزباليّ قال: قال بشار لراوية حمّاد: ما هجاني به اليوم حمّاد؟ فأنشده:
ألا من مبلغ عنّيالّذي والده برد
فقال: صدق ابن الفاعلة، فما يكون؟ فقال:
إذا ما نسب الناسفلا قبل ولا بعد
فقال: كذب ابن الفاعلة، وأين هذه العرصات من عقيل؟ فما يكون؟ فقال:
وأعمى قلطبان ماعلى قاذفه حدّ
فقال: كذب ابن الفاعلة، بل عليه ثمانون جلدة، هيه، فقال:
وأعمى يشبه القردإذا ما عمي القرد
فقال: واللّه ما أخطأ ابن الزانية حين شبّهني بقرد، حسبك حسبك، ثم صفّق بيديه، وقال: ما حيلتي؟ يراني فيشبّهني ولا أراه فأشبّهه.
وقال: أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ فذكر مثله، وقال فيه: لمّا قال حمّاد عجرد في بشّار:
شبيه الوجه بالقردإذا ما عمي القرد
بكى بشّار، فقال له قائل: أتبكي من هجاء حمّاد؟ فقال: واللّه ما أبكي من هجائه ولكن أبكي لأنّه يراني ولا أراه، فيصفني ولا أصفه، قال: وتمام هذه الأبيات:
ولو ينكه في صلدصفا لانصدع الصّلد
دنيّ لم يرح يوماإلى مجد ولم يغد
ولم يحضر مع الحضّار في خير ولم يبد
ولم يخش له ذمّولم يرج له حمد
جرى بالنّحس مذكانولم يجر له سعد
هو الكلب إذا ما مات لم يوجد له فقد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني خلّاد الأرقط قال: أشاع بشّار في الناس أن حمّاد عجرد كان ينشد شعرا ورجل بإزائه يقرأ القرآن وقد اجتمع الناس عليه، فقال حماد: علام اجتمعوا؟ فو اللّه لما أقول أحسن ممّا يقول.
قال: وكان بشّار يقول: لمّا سمعت هذا من حمّاد مقتّه عليه.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: أخبرني أبو إسحاق الطّلحي قال: حدّثني أبو سهيل عبد اللّه بن ياسين أن بشّارا قال في حمّاد عجرد وسهيل بن سالم، وكان سهيل من أشراف أهل البصرة، وكان من عمّال المنصور، ثم قتله بعد ذلك بالعذاب، وكان حمّاد وسهيل نديمين:
ليس النعيم وإن كنّا نزنّ بهإلّا نعيم سهيل ثمّ حمّاد
ناكا ونيكا إلى أن لاح شيبهمافي غفلة عن نبيّ الرحمة الهادي
فهدين طورا وفهّادين آونةما كان قبلهما فهد بفهّاد
سبحانك اللّه لو شئت امتسختهماقردين فاعتلجا في بيت قرّاد
قال: يعني بقوله
ما كان قبلهما فهد بفهّاد
أي لم يكن الفهد فهّادا، كما تقول: لم يكن زيد بظريف، ولم يكن زيد ظريفا، قال ابن ياسين: وفيه يقول بشار أيضا:
مالمت حمّادا على فسقهيلومه الجاهل والمائق
وما هما من أيره واسته؟ملّكه إيّاهما الخالق
ما بات إلّا فوقه فاسقينيكه أو تحته فاسق
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: أنشدني ابن أبي سعد لحمّاد عجرد في بشّار - قال وهو من أغلظ ما هجاه به عليه -:
نهاره أخبث من ليلهويومه أخبث من أمسه
وليس بالمقلع عن غيّهحتى يوارى في ثرى رمسه
قال: وكان أغلظ على بشّار من ذلك كله وأوجعه له قوله فيه:
لو طليت جلدته عنبرالأفسدت جلدته العنبرا
أو طليت مسكا ذكيّا إذاتحوّل المسك عليه خرا
قال ابن أبي سعد: وقد بالغ بشار في هجاء حمّاد، ولكن حكم الناس عليه لحمّاد بهذه الأبيات.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثني عمر بن محمّد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني أحمد بن إسحاق قال: حدّثني عثمان بن سفيان العطّار قال: اتصل حماد عجرد بالربيع يؤدّب ولده، فكتب إليه بشار رقعة، فأوصلت إلى الربيع، فطرده لمّا قرأها، وفيها مكتوب:
يا أبا الفضل لا تنموقع الذئب في الغنم
إنّ حمّاد عجردإن رأى غفلة هجم
بين فخذيه حربةفي غلاف من الأدم
إن خلا البيت ساعةمجمج الميم بالقلم
فلمّا قرأها الربيع قال: صيّرني حمّاد دريئة الشعراء، أخرجوا عنّي حمادا، فأخرج.
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة، عن علي بن مهدي، عن عبد اللّه بن عطية، عن عبّاد بن الممزّق أن حمّاد عجرد كان يؤدّب ولد العبّاس بن محمّد الهاشمي، فكتب إليه بشّار بهذه الأبيات المذكورة، فقال العباس: مالي ولبشّار؟ أخرجوا عنّي حمّادا، فأخرج.
أخبرني يحيى بن علي قال: حدّثني محمّد بن القاسم قال: حدّثني عبد اللّه بن طاهر بن أبي أحمد الزّبيريّ قال: لما أخرج العباس بن محمّد حمّادا عن خدمته، وانقطع عنه ما كان يصل إليه منه، أوجعه ذلك، فقال يهجو بشّارا:
لقد صار بشّار بصيرا بدبرهوناظره بين الأنام ضرير
له مقلة عمياء واست بصيرةإلى الأير من تحت الثياب تشير
على ودّه أن الحمير تنيكهوأنّ جميع العالمين حمير
قال أبو الفرج الأصبهانيّ: وقد فعل مثل هذا بعينه حمّاد عجرد بقطرب.
أخبرني عمّي عن عبد اللّه بن المعتزّ قال: حدّثني أبو حفص الأعمى المؤدّب، عن الزّباليّ قال: اتّخذ قطرب النحويّ مؤدّبا لبعض ولد المهديّ، وكان حماد عجرد يطمع في أن يجعل هو مؤدّبه، فلم يتمّ له ذلك، لتهتكه وشهرته في الناس بما قاله فيه بشّار، فلما تمكن قطرب في موضعه صار حماد عجرد كالملقى على الرّضف، فجعل يقوم ويقعد بقطرب في الناس، ثم أخذ رقعة فكتب فيها:
قل للإمام جزاك اللّه صالحةلا تجمع الدهر بين السّخل والذيب
السّخل غرّ وهمّ الذئب فرصتهوالذئب يعلم ما في السّخل من طيب
فلمّا قرأ هذين البيتين قال: انظروا لا يكون هذا المؤدّب لوطيّا، ثم قال: انفوه عن الدار، فأخرج عنها، وجيء بمؤدّب غيره، ووكّل به تسعون خادما يتناوبون، يحفظون الصبيّ، فخرج قطرب هاربا مما شهر به إلى عيسى بن إدريس العجلي بن أبي دلف فأقام معه بالكرج إلى أن مات.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ قال: لمّا قال حمّاد عجرد في بشّار:
ويا أقبح من قردإذا ما عمي القرد
قال بشّار: لا إله إلّا اللّه، قد واللّه كنت أخاف أن يأتي به، واللّه لقد وقع لي هذا البيت منذ أكثر من عشرين سنة، فما نطقت به خوفا من أن يسمع فأهجى به، حتى وقع عليه النّبطيّ ابن الزانية.
قال أبو الفرج: نسخت من كتاب عبد اللّه بن المعتزّ، حدّثني العجليّ قال: حدّثني أبو دهمان قال: كان أبو حنيفة الفقيه صديقا لحمّاد عجرد، فنسك أبو حنيفة وطلب الفقه، فبلغ فيه ما بلغ ورفض حمّادا وبسط لسانه فيه، فجعل حمّاد يلاطفه حتى يكفّ عن ذكره، وأبو حنيفة يذكره، فكتب إليه حمّاد بهذه الأبيات:
إن كان نسكك لا يتمّبغير شتمي وانتقاصي
أو لم تكن إلّا بهترجو النجاة من القصاص
فاقعد وقم بي كيف شئت مع الأداني والأقاصي
فلطالما زكّيتنيوأنا المقيم على المعاصي
أيّام تأخذها وتعطي في أباريق الرّصاص
قال: فأمسك أبو حنيفة رحمه اللّه بعد ذلك عن ذكره خوفا من لسانه.
وقد أخبرني بهذا الخبر محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن النّضر بن حديد قال: كان حمّاد عجرد صديقا ليحيى بن زياد، وكانا يتنادمان ويجتمعان على ما يجتمع عليه مثلهما، ثم إن يحيى بن زياد أظهر تورّعا وقراءة ونزوعا عمّا كان عليه، وهجر حمّادا وأشباهه، فكان إذا ذكر عنده ثلبه وذكر تهتّكه ومجونه، فبلغ ذلك حمّادا، فكتب إليه:
هل تذكرن دلجي إليك على المضمّرة القلاص
أيّام تعطيني وتأخذ من أباريق الرّصاص
إن كان نسكك لا يتمّ بغير شتمي وانتقاصي
أو كنت لست بغير ذاك تنال منزلة الخلاص
فعليك فاشتم آمناكلّ الأمان من القصاص
واقعد وقم بي ما بدالك في الأداني والأقاصي
فلطالما زكّيتنيوأنا المقيم على المعاصي
أيّام أنت إذا ذكرت مناضل عني مناصي
وأنا وأنت على ارتكاب الموبقات من الحراص
وبنا مواطن ماينافي البرّ آهلة العراص
فاتّصل هذا الشعر بيحيى بن زياد، فنسب حمّادا إلى الزندقة ورماه بالخروج عن الإسلام، فقال حمّاد فيه:
لا مؤمن يعرف إيمانهوليس يحيى بالفتى الكافر
منافق ظاهره ناسكمخالف الباطن للظاهر
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا ابن أبي سعد، عن النضر بن عمرو قال: كان لحمّاد عجرد إخوان ينادمونه، فانقطع عنه الشراب، فقطعوه، فقال لبعضهم:
لست بغضبان ولكنّنيأعرف ما شأنك يا صاح
أأن فقدت الرّاح جانبتنيما كان حبّيك على الراح
قد كنت من قبل وأنت الّذييعنيك إمسائي وإصباحي
وما أرى فعلك إلّا وقدأفسدني من بعد إصلاحي
أنت من الناس وإن عبتهمدونكها منّي بإفصاح
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثني ميمون بن هارون عن أبي محلّم أن الوليد بن يزيد أمر شراعة بن الزّندبوذ أن يسمّي له جماعة ينادمهم من ظرفاء أهل الكوفة، فسمّى له مطيع بن إياس وحمّاد عجرد والمطيعيّ المغنّي، فكتب في إشخاصهم إليه، فأشخصوا، فلم يزالوا في ندمائه إلى أن قتل، ثم عادوا إلى أوطانهم.
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثني حماد عن أبيه عن محمّد بن الفضل السّكونيّ قال: تزوّج حمّاد عجرد امرأة، فدخلنا إليه صبيحة بنائه بها نهنّئه ونسأله عن خبره، فقال لنا: كنت البارحة جالسا مع أصحابي أشرب، وأنا منتظر لامرأتي أن يؤتى بها، حتى قيل لي: قد دخلت، فقمت إليها فو اللّه ما لبّثتها حتى افتضضتها، وكتبت من وقتي إلى أصحابي:
قد فتحت الحصن بعد امتناعبمشيح فاتح للقلاع
ظفرت كفّي بتفريق شملجاءنا تفريقه باجتماع
فإذا شعبي وشعب حبيبيإنما يلتام بعد انصداع
أخبرني محمّد بن القاسم الأنباريّ عن أبيه، وأخبرني الحسن بن عليّ عن القاسم بن محمّد الأنباري، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الرحمن عن أحمد بن الأسود بن الهيثم، عن إبراهيم بن محمّد بن عبد الحميد، قال: اجتمع عمّي سهم بن عبد الحميد وجماعة من وجوه أهل البصرة عند يحيى بن حميد الطويل، ومعهم حمّاد عجرد، وهو يومئذ هارب من محمّد بن سليمان، ونازل على عقبة بن سلم وقد أمن، وحضر الغداء، فقيل له: سهم بن عبد الحميد يصلّي الضحى، فانتظر، وأطال سهم الصلاة، فقال حماد:
ألا أيّهذا القانت المتهجّدصلاتك للرّحمن أم لي تسجد؟
أما والّذي نادى من الطّور عبدهلمن غير ما برّ تقوم وتقعد
فهلّا اتّقيت اللّه إذ كنت واليابصنعاء تبري من وليت وتجرد
ويشهد لي أنّي بذلك صادقحريث ويحيى لي بذلك يشهد
وعند أبي صفوان فيك شهادةوبكر، وبكر مسلم متهجّد
فإن قلت زدني في الشهود فإنّهسيشهد لي أيضا بذاك محمّد
قال: فلمّا سمعها قطع الصلاة وجاء مبادرا، فقال له: قبحك اللّه يا زنديق، فعلت بي هذا كله لشرهك في تقديم أكل وتأخيره! هاتوا طعامكم فأطعموه لا أطعمه اللّه تعالى، فقدّمت المائدة.
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن إسحاق الموصليّ، عن محمّد بن الفضل السّكوني قال: لقيت حمّاد عجرد بواسط وهو يمشي وأنا راكب، فقلت له: انطلق بنا إلى المنزل، فإني الساعة فارغ لنتحدّث، وحبست عليه الدّابة، فقطعني شغل عرض لي لم أقدر على تركه، فمضيت وأنسيته، فلما بلغت المنزل خفت شرّه، فكتبت إليه:
أبا عمر اغفر هديت فإنّنيقد اذنبت ذنبا مخطئا غير عامد
فلا تجدن فيه عليّ فإننيأقرّ بإجرامي ولست بعائد
وهبه لنا تفديك نفسي فإنّنيأرى نعمة إن كنت لست بواجد
وعد منك بالفضل الّذي أنت أهلهفإنّك ذو فضل طريف وتالد
فكتب إليّ مع رسولي:
محمد يابن الفضل يا ذا المحامدويا بهجة النادي وزين المشاهد
حقّك ما أذنبت منذ عرفتنيعلى خطأ يوما ولا عمد عامد
ولو كان، ما ألفيتني متسرّعاإليك به يوما تسرّع واجد
أي لو كان لك ذنب ما صادفتني مسرعا إليك بالمكافأة:
ولو كان ذو فضل يسمّى لفضلهبغير اسمه سميت أمّ القلائد
قال: فبينا رقعته في يدي وأنا أقرؤها إذ جاءني رسوله برقعة فيها:
قد غفرنا الذنب يابن الفضل والذنب عظيم
ومسيء أنت يابن الفضل في ذاك مليم
حين تخشاني على الذنب كما يخشى اللّئيم
ليس لي إن كان ما خفت من الأمر حريم
أنا واللّه - ولا أفخر - للغيظ كظوم
ولأصحابي ولاءربّه برّ رحيم
وبما يرضيهم عنّي ويرضيني عليم
أخبرني يحيى بن عليّ، عن أبيه عن أسحاق قال: خرج حمّاد عجرد مع بعض الأمراء إلى فارس، وبها جلّة من أبناء الملوك، فعاشر قوما من رؤسائها، فأحمد معاشرتهم، وسرّ بمعرفتهم، فقال فيهم:
ربّ يوم بفساءليس عندي بذميم
قد قرعت العيش فيهمع ندمان كريم
من بني صيهون في البيت المعلّى والصّميم
في جنان بين أنهار وتعريش كروم
نتعاطى قهوة تشخص يقظان الهموم
بنت عشر تترك المكثر منها كالأميم
فبها دأبا أحيّيويحيّيني نديمي
في إناء كسرويّمستخفّ للحليم
شربة تعدل منهشربتي أمّ حكيم
عندنا دهقانةحسانة ذات هميم
جمعت ما شئت من حسن ومن دلّ رخيم
في اعتدال من قواموصفاء من أديم
وبنان كالمداريوثنايا كالنجوم
لم أنل منها سوى غمزة كفّ أو شميم
غير أن أقرص منهاعكنة الكشح الهضيم
وبلى ألطم منهاخدّها لطم رحيم
وبنفسي ذاك يا أسود من خدّ لطيم
يعني الأسود بن خلف كاتب عيسى بن موسى.
أخبرني محمّد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه عن أبي النضر قال: كان حريث بن أبي الصلت الحنفيّ صديقا لحمّاد عجرد، وكان يعابثه بالشّعر، ويعيبه بالبخل، وفيه يقول:
حريث أبو الفضل ذو خبرةبما يصلح المعد الفاسده
تخوّف تخمة أضيافهفعوّدهم أكلة واحده
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة، عن ابن عائشة قال: ضرط رجل في مجلس فيه حمّاد عجرد ومطيع بن إياس، فتجلّد، ثم ضرط أخرى متعمّدا، ثم ثلّث، ليظنوا أن ذلك كلّه تعمّد، فقال له حماد: حسبك يا أخي فلو ضرطت ألفا لعلم بأن المخلف الأوّل مفلت.
حدّثنا محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني معاذ بن عيسى مولى بني تميم قال: كان سليمان بن الفرات على كسكر، ولّاه أبو جعفر المنصور، وكان قريش مولى صاحب المصلّى بواسط في ضياع صالح - وهو سنديّ - فحدّثني معاذ بن عيسى قال: كنّا في دار قريش، فحضرت الصلاة، فتقدّم قريش فصلّى بنا وحمّاد عجرد إلى جنبي، فقال لي حمّاد حين سلّم: اسمع ما قلت، وأنشدني:
قد لقيت العام جهدامن هنات وهنات
من هموم تعترينيوبلايا مطبقات
وجوى شيّب رأسيوحنى منّي قناتي
وغدوّي ورواحينحو سلم بن الفرات
وائتمامي بالقمارىقريش في صلاتي
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب الزّبيريّ قال: حدّثني أبو يعقوب الخريمي قال: كنت في مجلس فيه حمّاد عجرد، ومعنا غلام أمرد، فوضع حمّاد عينه عليه وعلى الموضع الّذي ينام فيه، فلما كان الليل اختلفت مواضع نومنا، فقمت فنمت في موضع الغلام، قال: ودبّ حمّاد إليّ يظنّني الغلام، فلما أحسست به أخذت يده فوضعتها على عيني العوراء - لأعلمه أنّي أبو يعقوب - قال: فنتر يده ومضى في شأنه وهو يقول: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
شعره في جوهر
أخبرني عمّي قال: حدّثني مصعب قال: كان حمّاد عجرد ومطيع بن إياس يختلفان إلى جوهر جارية أبي عون نافع بن عون بن المقعد، وكان حمّاد يحبّها ويجنّ بها، وفيها يقول:
إنّي لأهوى جوهراويحبّ قلبي قلبها
وأحبّ من حبّي لهامن ودّها وأحبّها
وأحبّ جارية لهاتخفي وتكتم ذنبها
وأحبّ جيرانا لهاوابن الخبيثة ربّها
أخبرني عمّي قال: حدّثني محمّد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثني أبيض بن عمرو قال: كان حمّاد عجرد يعاشر الأسود بن خلف ولا يكادان يفترقان، فمات الأسود قبله، فقال يرثيه - وفي هذا الشعر غناء -:
صوت
قلت لحنّانة دلوحتسحّ من وابل سفوح
جادت علينا لها رباببواكف هاطل نضوح
أمّي الضّريح الّذي أسمّيثم استهلّي على الضّريح
على صدى أسود الموارىفي اللّحد والتّرب والصّفيح
فاسقيه ريّا وأوطنيهثم اغتدي نحوه وروحي
اغدي بسقياي فاصبحيهثم اغبقيه مع الصّبوح
ليس من العدل أن تشحّيعلى امرىء ليس بالشحيح
الغناء ليونس الكاتب ذكره في كتابه ولم يجنّسه.
أخبرني عمّي قال: أنشدنا الكراني قال: أنشد مصعب لحمّاد عجرد يهجو أبا عون مولى جوهر، وكان يقيّن عليها، وكان حمّاد عجرد يميل إليها، فإذا جاءهم ثقل، ولم يمكن أحدا من أصدقائها أن يخلو بها، فيضرّ ذلك بأبي عون، فجاءه يوما وعنده أصدقاء لجاريته، فحجبها عنه، فقال فيه:
إنّ أبا عون ولن يرعويما رقّصت رمضاؤها جندبا
ليس يرى كسبا إذا لم يكنمن كسب شفري جوهر طيّبا
فسلّط اللّه على ما حوىمئزرها الأفعى أو العقربا
ينسب بالكشخ ولا يشتهيبغير ذاك الإسم أن ينسبا
وقال فيه أيضا:
إن تكن أغلقت دوني بابافلقد فتّحت للكشخ بابا
وقال فيه أيضا:
قد تخرطمت علينا لأنّالم نكن نأتيك نبغي الصّوابا
إنّما تكرم من كان منّالسنان الحقو منها قرابا
وقال فيه أيضا:
يا نافع ابن الفاجرهيا سيّد المؤاجره
يا حلف كلّ داعروزوج كلّ عاهره
ما أمة تملكهاأو حرّة بطاهره
تجارة أحدثتهافي الكشخ غير بائره
لو دخلت عفيفةبيتك صارت فاجره
حتّى متى ترتع في الخسران يابن الخاسره
تجمع في بيتك بين العرس والبرابره
وقال يهجوه:
أنت إنسان تسمّىداره دار الزّواني
قد جرى ذلك بالكرخ على كلّ لسان
لك في دار حر يزني وفي دار حران
وقال فيه:
تفرح إن نيكت، وإن لم تنكبتّ حزين القلب مستعبرا
أسكرك القوم فساهلتهموكنت سهلا قبل أن تسكرا
وقال فيه:
قل للشقيّ الجدّ غير الأسعدأتحبّ أنّك فقحة ابن المقعد؟
لو لم يجد شيئا يسكّنها بهيوما لسكّنها بزبّ المسجد
وقال فيه:
أبا عون لقد صفّر زوّارك أذنيكا؟
وعيناك ترى ذاكفأعمى اللّه عينيكا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: لما قال حمّاد عجرد في بشّار:
نسبت إلى برد وأنت لغيرهوهبك لبرد نكت أمّك من برد؟
قال بشّار: تهيّأ له عليّ في هذا البيت خمسة معان من الهجاء، قوله «نسبت إلى برد» معنى؛ ثم قوله: «وأنت لغيره» معنى آخر، ثم قوله: «فهبك لبرد» معنى ثالث، وقوله: «نكت أمّك» شتم مفرد، واستخفاف مجدّد، وهو معنى رابع، ثم ختمها بقوله: من برد؟ ولقد طلب جرير في هجائه للفرزدق تكثير المعاني، ونحا هذا النحو، فما تهيّأ له أكثر من ثلاثة معان في بيت، وهو قوله:
لمّا وضعت على الفرزدق ميسميوضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
فلم يدرك أكثر من هذا.
أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال أبو عبيدة: ما زال بشّار يهجو حمّادا ولا يرفث في هجائه إيّاه حتى قال حمّاد:
من كان مثل أبيك ياأعمى أبوه فلا أبا له
أنت أبن برد مثل برد في النّذالة والرذاله
زحرتك من حجر استهافي الحشّ خارئة غزاله
من حيث يخرج جعر منتنة مدنّسة مذاله
أعمى كست عينيه منوذح استها وكست قذاله
خنزيرة بظراء منتنة البداهة والعلاله
رسحاء خضراء المغابن ريحها ريح الإهاله
عذراء حبلى يا لقومي للمجانة والضّلاله
مرقت فصارت قحبةبجعالة وبلا جعاله
ولقد أقلتك يابن بردفاجترأت فلا إقاله
فلمّا بلغت هذه الأبيات بشّارا أطرق طويلا، ثم قال: جزى اللّه ابن نهيا خيرا، فقيل له: علام تجزيه الخير؟ أعلى ما تسمع؟ فقال: نعم، واللّه لقد كنت أردّ على شيطاني أشياء من هجائه إبقاء على المودّة، ولقد أطلق من لساني ما كان مقيّدا عنه، وأهدفني عورة ممكنة منه، فلم يزل بعد ذلك يذكر أمّ حمّاد في هجائه إيّاه، ويذكر أباه أقبح ذكر، حتى ماتت أمّ حمّاد، فقال فيها يخاطب جارا لحمّاد:
أبا حامد إن كنت تزني فأسعدوبكّ حرا ولّت به أمّ عجرد
حرا كان للعزّاب سهلا ولم يكنأبيّا على ذي الزوجة المتودّد
أصيب زناة القوم لمّا توجّهتبه أمّ حمّاد إلى المضجع الرّدي
لقد كان للأدنى وللجار والعداوللقاعد المعترّ والمتزيّد
أخبرنا محمّد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم قال: قال يحيى بن الجون العبديّ راوية بشّار: أنشدت بشّارا يوما قول حمّاد:
ألا قل لعبد اللّه إنّك واحدومثلك في هذا الزمان كثير
قطعت إخائي ظالما وهجرتنيوليس أخي من في الإخاء يجور
أديم لأهل الودّ ودّي، وإنّنيلمن رام هجري ظالما لهجور
ولو أن بعضي رابني لقطعتهوإنّي بقطع الرائبين جدير
فلا تحسبن منحي لك الودّ خالصالعزّ ولا أنّي إليك فقير
ودونك حظّي منك لست أريدهطوال اللّيالي ما أقام ثبير
فقال بشّار: ما قال حمّاد شعرا قطّ هو أشدّ علي من هذا، قلت: كيف ذاك ولم يهجك فيه؟ وقد هجاك في شعر كثير فلم تجزع. قال: لأن هذا شعر جيّد ومثله يروى، وأنا أنفس عليه أن يقول شعرا جيّدا.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني هارون بن عليّ بن يحيى المنجّم قال: حدّثني عليّ بن مهديّ قال: حدّثني محمّد بن النطّاح قال: كنت شديد الحبّ لشعر حمّاد عجرد، فأنشدت يوما أخي بكر بن النطّاح قوله في بشّار:
أسأت في ردّي على ابن استهاإساءة لم تبق إحسانا
فصار إنسانا بذكري لهولم يكن من قبل إنسانا
قرعت سنّي ندما سادمالو كان يغني ندمي الآنا
يا ضيعة الشعر ويا سوءتالي ولأزماني أزمانا
من بعد شتمي القرد لا والّذيأنزل توارة وقرآنا
ما أحد من بعد شتمي لهأنذل منّي، كان من كانا
قال: فقال لي: لمن هذا الشعر؟ فقلت: لحمّاد عجرد في بشّار، فأنشأ يتمثّل بقول الشاعر:
ما يضرّ البحر أمسى زاخراأن رمى فيه غلام بحجر
ثم قال: يا أخي، إنس هذا الشعر فنسيانه أزين بك، والخرس كان أستر على قائله.
أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني هرون بن يحيى قال: حدّثني عليّ بن مهديّ قال: أجمع العلماء بالبصرة أنه ليس في هجاء حمّاد عجرد لبشّار شيء جيّد إلا أربعين بيتا معدودة، ولبشّار فيه من الهجاء أكثر من ألف بيت جيّد، قال: وكلّ واحد منهما هو الّذي هتك صاحبه بالزّندقة وأظهرها عليه، وكانا يجتمعان عليها، فسقط حمّاد عجرد وتهتّك بفضل بلاغة بشّار وجودة معانيه، وبقي بشّار على حاله لم يسقط، وعرف مذهبه في الزندقة فقتل به.
أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال: حدّثني عمّي الفضل عن إسحاق الموصليّ أنّ مجاشع بن مسعدة أخا عمرو بن مسعدة هجا حمّاد عجرد وهو صبيّ حينئذ ليرتفع بهجائه حمّادا، فترك حمّادا وشبّب بأمّه، فقال:
راعتك أمّ مجاشعبالصدّ بعد وصالها
واستبدلت بك والبلاء عليك في استبدالها
جنّيّة من بربرمشهورة بجمالها
فحرامها أشهى لناولها من استحلالها
فبلغ الشعر عمرو بن مسعدة، فبعث إلى حمّاد بصلة، وسأله الصفح عن أخيه، ونال أخاه بكلّ مكروه، وقال له: ثكلتك أمّك، أتتعرّض لحمّاد وهو يناقف بشّارا ويقاومه، واللّه لو قاومته لما كان لك في ذلك فخر، ولئن تعرّضت له ليهتكنّك وسائر أهلك، وليفضحنّا فضيحة لا نغسلها أبدا عنّا.
أخبرني عمي قال: حدّثنا محمّد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثني أبو عليّ بن عمّار قال: كان حمّاد عجرد عند أبي عمرو بن العلاء، وكانت لأبي عمرو جارية يقال لها منيعة، وكانت رسحاء عظيمة البطن، وكانت تسخر بحمّاد، فقال حمّاد لأبي عمرو: أغن عنّي جاريتك فإنّها حمقاء، وقد استغلقت لي، فنهاها أبو عمرو فلم تنته فقال لها حماد عجرد:
لو تأتّى لك التحوّل حتّىتجعلي خلفك اللطيف أماما
ويكون القدّام ذو الخلقة الجزله خلقا مؤثّلا مستكاما
لإذا كنت يا منيعة خير النّاس خلفا وخيرهم قدّاما
أخبرني عمي قال: حدّثني الكراني قال: حدّثني الحسن بن عمارة قال: نزل حمّاد عجرد على محمّد بن طلحة، فأبطأ عليه بالطعام، فاشتد جوعه، فقال فيه حمّاد:
زرت امرأ في بيته مرّةله حياء وله خير
يكره أن يتخم أضيافهإنّ أذى التّخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عندهبالصّوم والصالح مأجور
قال: فلمّا سمعها محمّد قال له: عليك لعنة اللّه، أي شيء حملك على هجائي، وإنما انتظرت أن يفرغ لك من الطعام؟ قال: الجوع وحياتك حملني عليه، وإن زدت في الإبطاء زدت في القول، فمضى مبادرا حتى جاء بالمائدة.
أخبرني الحسين بن يحيى وعيسى بن الحسين ووكيع وابن أبي الأزهر قالوا: حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان حفص بن أبي وزّة صديقا لحمّاد عجرد، وكان حفص مرميا بالزّندقة، وكان أعمش أفطس أغضف مقبّح الوجه، فاجتمعوا يوما على شراب، وجعلوا يتحدّثون ويتناشدون، فأخذ حفص بن أبي وزّة يطعن على مرقّش ويعيب شعره ويلحّنه، فقال له حمّاد:
لقد كان في عينيك يا حفص شاغلوأنف كثيل العود عمّا تتبّع
تتبّع لحنا في كلام مرقّشووجهك مبنيّ على اللّحن أجمع
فأذناك إقواء وأنفك مكفأوعيناك إيطاء فأنت المرقّع
أخبرني عمّي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: ذكر أبو دعامة عن عاصم بن الحارث بن أفلح، قال: رأى حمّاد عجرد على بعض الكتّاب جبّة خزّ دكناء فكتب إليه:
إنّني عاشق لجبّتك الدكناء عشقا قد هاج لي أطرابي
فبحقّ الأمير إلا أتتنيفي سراح مقرونة بالجواب
ولك اللّه والأمانة أن أجعلها أشهرا أمير ثيابي
فوجه إليه بها. وقال للرسول: قل له وأيّ شيء لي من المنفعة في أن تجعلها أمير ثيابك؟ وأيّ شيء عليّ من الضرر في غير ذلك من فعلك، لو جعلت مكان هذا مدحا لكان أحسن، ولكنّك رذّلت لنا شعرك فاحتملناك.
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ والحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ عن عليّ بن منصور قال: مرض حمّاد عجرد فلم يعده مطيع بن إياس، فكتب إليه:
كفاك عيادتي من كان يرجوثواب اللّه في صلة المريض
فإن تحدث لك الأيّام سقمايحول جريضه دون القريض
يكن طول التأوّه منك عنديبمنزلة الطّنين من البعوض
أخبرني عمّي قال: حدّثنا ابن أبي سعد قال: زم أبو دعامة أن التّيّحان بن أبي التّيّحان قال: كنت عند حمّاد عجرد فأتاه والبة بن الحباب، فقال له: ما صنعت في حاجتي؟ فقال: ما صنعت شيئا، فدعا والبة بدواة وقرطاس وأملى عليّ:
عثمان ما كانت عداتك بالعدات الكاذبه
فعلام يا ذا المكرمات وذا الغيوث الصائبة
أخّرت وهي يسيرةفي الرّزء حاجة والبه؟
فأبو أسامة حقّهأحد الحقوق الواجبه
فاستحي من تردادهفي حاجة متقاربه
ليست بكاذبة، ولوواللّه كانت كاذبه
فقضيتها أحمدت غبّقضائها في العاقبة
إنّي وما رأيي بعادم عاتب أو عاتبه
لأرى لمثلك كلّمانابت عليه نائبه
ألّا يردّ يد امرىءبسطت إليه خائبه
قال: فلقيت والبة بعد ذلك فقلت له: ما صنعت؟ فقال: قضى حاجتي وزاد.
أخبرني عمي قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه عن الزبالي قال: بلغ حمّاد عجرد أنّ المفضّل بن بلال أعان بشّارا عليه وقدّمه وقرّظه، فقال فيه.
عجبا للمفضّل بن بلالما له يا أبا الزّبير ومالي
عربيّ لا شكّ فيه ولا مرية ما باله وبال الموالي
قال: وأبو الزبير هذا الّذي خاطبه هو قبيس بن الزبير، وكان قبيس ويونس بن أبي فروة كاتب عيسى بن موسى صديقين له، وكانوا جميعا زنادقة، وفي يونس يقول حمّاد عجرد وقد قدم من غيبة كان غابها:
كيف بعدي كنت يا يونس لا زلت بخير
وبغير الخير لازال قبيس بن الزبير
أنت مطبوع على ماشئت من خير ومير
وهو إنسان شبيهبكسير وعوير
رغمه أهون عند الناس من ضرطة عير
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش ووكيع قالا: حدّثنا الفضل بن محمّد اليزيديّ قال: حدّثني إسحاق الموصليّ عن السّكوني قال: ذكر محمّد بن سنان أنّ حمّاد عجرد حضر جارية مغنّية يقال لها سعاد - وكان مولاها ظريفا - ومعه مطيع بن إياس، فقال مطيع:
قبّليني سعاد باللّه قبلهواسأليني لها فديتك نحله
فو ربّ السماء لو قلت ليصلّ لوجهي جعلته الدهر قبله
فقالت لحمّاد: اكفنيه يا عمّ، فقال حمّاد:
إنّ لي صاحبا سواك وفيّالا ملولا لنا كما أنت ملّه
لا يباع التقبيل بيعا ولا يشرى فلا تجعل التعشّق علّه
فقال مطيع: يا حمّاد، هذا هجاء: وقد تعدّيت وتعرّضت، ولم تأمرك بهذا؛ فقالت الجارية - وكانت بارعة ظريفة - أجل؛ ما أردنا هذا كلّه، فقال حماد:
أنا واللّه أشتهي مثلها منك بنحل، والنّحل في ذاك حلّه
فأجيبي وأنعمي وخذي البذل وأطفي بقبلة منك غلّه
فرضي مطيع، وخجلت الجارية، وقالت: اكفياني شرّكما اليوم، وخذا فيما جئتما له.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، عن مصعب الزبيريّ عن أبي يعقوب الخريمي قال: أهدى مطيع بن إياس إلى حمّاد عجرد غلاما وكتب إليه: قد بعثت إليك بغلام تتعلّم عليه كظم الغيظ.
أخبرني وكيع قال: حدّثنا أبو أيوب المدينيّ قال: ذكر محمّد بن سنان أنّ مطيع بن إياس خرج هو وحمّاد عجرد ويحيى بن زياد في سفر، فلمّا نزلوا في بعض القرى عرفوا، ففرّغ لهم منزل، وأتوا بطعام وشراب وغناء، فبينا هم على حالهم يشربون في صحن الدار، إذ أشرفت بنت دهقان من سطح لها بوجه مشرق رائق، فقال مطيع لحماد: ما عندك؟ فقال حماد: «خذ فيما شئت» فقال مطيع:
ألا يا بأبي الناظر من بينهم نحوي
فقال حمّاد عجرد:
ألا يا ليت فوق الحقومنها لاصقا حقوي
فقال مطيع:
وأنّ البضع يا حمّاد منها شوبك المروي
فقال يحيى بن زياد:
ويا سقيا لسطح أشرقت من بينهم حذوي
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه: أن حمّاد عجرد قال في جوهر جارية أبي عون: - قال: وفيه غناء -:
صوت
إنّي أحبّك فاعلميإن لم تكوني تعلمينا
حبّا أفلّ قليلهكجميع حبّ العالمينا
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كان حمّاد عجرد صديقا لأبي خالد الأحول أبي أحمد بن أبي خالد، فأراد الخروج إلى واسط، وأراد وداع أبي خالد، فلما جاءه لذلك حجبه الغلام وقال له: هو مشغول في هذا الوقت، فكتب إليه يقول:
عليك السّلام أبا خالدوما للوداع ذكرت السلاما
ولكن تحيّة مستطربيحبّك حبّ الغويّ المداما
أردت الشّخوص إلى واسطولست أطيل هناك المقاما
فإن كنت مكتفيا بالكتاب دون اللّمام تركت اللّماما
وإلّا فأوص هداك المليك بوّابكم بي وأوص الغلاما
فإن لم أكن منك أهلا لذاكفلا لوم لست أحبّ الملاما
لأنّي أذمّ إليك الأنام أخزاهم اللّه طرّا أناما
فإنّي وجدتهم كلّهميميتون حمدا ويحيون ذاما
سوى عصبة لست أعنيهمكرام فإنّي أحبّ الكراما
وأقلل عديدهم إن عددتفما أكثر الأرذلين اللّئاما
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال: قال ابن عبد الأعلى الشيبانيّ: حضر حمّاد عجرد ومطيع بن إياس مجلس محمّد بن خالد وهو أمير الكوفة لأبي العباس، فتمازحا، فقال حماد:
يا مطيع يا مطيعأنت إنسان رقيع
وعن الخير بطيءوإلى الشرّ سريع
فقال مطيع:
إنّ حمّادا لئيمسفلة الأصل عديم
لا تراه الدهر إلّايهن العير يهيم
فقال له حماد: ويلك، أترميني بدائك، واللّه لو لا كراهتي لتمادي الشرّ ولجاج الهجا لقلت لك قولا يبقى، ولكنّي لا أفسد مودّتك، ولا أكافئك إلّا بالمديح، ثم قال:
كل شيء لي فداءلمطيع بن إياس
رجل مستملح فيكلّ لين وشماس
عدل روحي بين جنبيّ وعينيّ براسي
غرس اللّه له فيكبدي أحلى غراس
لست دهري لمطيع بن إياس ذا تناس
ذاك إنسان له فضل على كلّ أناس
فإذا ما الكأس دارتواحتساها من أحاسي
كان ذكرانا مطيعاعندها ريحان كاسي
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ ومحمّد بن عمران الصّيرفيّ قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثنا التّوزيّ قال: كان عيسى بن عمرو بن يزيد صديقا لحمّاد عجرد، وكان يواصله أيّام خدمته للربيع، فلمّا طرده الربيع واختلّت حاله جفاه عيسى، وإنما كان يصله لحوائج يسأل له الربيع فيها، فقال حمّاد عجرد فيه:
أوصل الناس إذا كانت لهحاجة عيسى وأقضاهم لحق
ولعيسى إن أتى في حاجةملق ينسى به كلّ ملق
فإن استغنى فما يعدلهنخوة كسرى على بعض السّوق
إن تكن كنت بعيسى واثقافبهذا الخلق من عيسى فثق
قال العنزيّ: وأنشدني بعض أصحابنا لحمّاد في عيسى بن عمر أيضا:
كم من أخ لك لست تنكرهما دمت من دنياك في يسر
متصنّع لك في مودّتهيلقاك بالتّرحيب والبشر
يطري الوفاء وذا الوفاء ويلحى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غيردهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودّة منيقلي المقلّ ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدةفي العسر إمّا كنت واليسر
لا تخلطنّهم بغيرهممن يخلط العقيان بالصّفر
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال: حدّثني ابن أبي فنن قال: حدّثني العتّابي، وأخبرني عمّي عن أحمد بن أبي طاهر قال: قال العتّابي: وحديث ابن طاهر أتمّ، قال: كان رجل من أهل الكوفة من الأشاعثة يقال له حشيش وكانت أمّه حارثيّة، فمدحه حمّاد عجرد فلم يثبه، وتهاون به، فقال يهجوه:
يا لقومي للبلاءومعاريض الشّقاء
قسمت ألوية بين رجال ونساء
ظفرت أخت بني الحارث منها بلواء
حادث في الأرض يرتاع له أهل السماء
قال: فعرضت أسماء العمّال على المنصور فكان فيها اسم حشيش، فقال: أهو الّذي يقول فيه الشاعر:
يا لقومي للبلاءومعاريض الشّقاء؟
قالوا: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال: لو كان في هذا خير ما تعرّض لهذا الشاعر، ولم يستعمله، قال: وقال حمّاد فيه أيضا يخاطب سعيد بن الأسود ويعاتبه على صحبة حشيش وعشرته:
صرت بعدي يا سعيدمن أخلّاء حشيش
أتلوّطت أم استخلفت بعدي أم لأيش
حلقيّ استه أوسع من است بحيش
ثم بغّاء على ذاأبلغ الناس لفيش
يا بني الأشعث ما عيشكم عندي بعيش
حين لا يوجد منكمغيره قائد جيش
قال: وكان بحيش هذا رجلا من أهل البصرة لم يكن بينه وبين حمّاد شيء، فلمّا بلغه هذا الشعر وفد من البصرة إلى حمّاد قاصدا، وقال له: يا هذا، مالي ولك، وما ذنبي إليك؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا بحيش،. أما وجدت أحدا أوسع دبرا منّي يتمثّل به؟ فضحك ثم قال: هذه بليّة صبّتها عليك القافية، وأنت ظريف وليس يجري بعد هذا مثله.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمّد بن الحسن بن الحرون. قال: كان حماد عجرد يعاشر أبا عون جدّ ابن أبي عون العابد؛ وكان ينزل الكرخ، وكان عجرد إذا قدم بغداد زاره، فبلغ أبا عون أنه يحدّث الناس أنه يهوى جارية يقال لها جوهر، فحجبه وجفاه واطرحه، فقال يهجو أبا عون:
أبا عون لحاك اللّه - يا عرّة - إنسانا
فقد أصبحت في الناسإذا سمّيت كشخانا
بنيت اليوم في الكشحلأهل الكرخ بنيانا
وشرّفت لهم في ذالنا أبوابا وحيطانا
وألفيت على ذاكمن الفسّاق أعوانا
ومجّانا ولن تعدم من يمجن مجّانا
فأخزى اللّه من كنتأخاه كان من كانا
ولا زلت ولا زالبأخلاقك خزيانا
وعريانا كما أصبحت من دينك عريانا
وقال فيه أيضا:
إنّ أبا عون ولاأقول فيه كذبا
غاو أتى مدينةفسنّ فيها عجبا
إخوانه قد جعلواأمّ بنيه مركبا
واتّخذوا جوهرةمبولة وملعبا
إن نكتها أرضيتهأو لم تنكها غضبا
أحبهم إليه منأدخل فيها ذنبا
ومن إذا ما لم ينكجرّ إليها جلبا
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا اللّابيّ عن مهديّ بن سابق قال: استعمل محمّد بن أبي العبّاس وهو يلي البصرة غيلان جدّ عبد الصّمد بن المعذّل على بعض أعشار البصرة، وظهر منه على خيانة، فعزله، وأخذ ما خانه فيه، فقال حمّاد عجرد يهجوه:
ظهر الأمير عليك يا غيلانإذ خنته إنّ الأمير معان
أمع الدمامة قد جمعت خيانة!قبح الدّميم الفاجر الخوّان
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة قال: أنشد بشّار قول حمّاد عجرد في غلام كان يهواه يقال له أبو بشر:
صوت
أخي كفّ عن لومي فإنّك لا تدريبما فعل الحبّ المبرّح في صدري
أخي أنت تلحاني وقلبك فارغوقلبي مشغول الجوانح بالفكر
أخي إنّ دائي ليس عندي دواؤهولكن دوائي عند قلب أبي بشر
دوائي ودائي عند من لو رأيتهيقلّب عينيه لأقصرت عن زجري
فأقسم لو أصبحت في لوعة الهوىلأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري
ولكن بلائي منك أنّك ناصحوأنّك لا تدري بأنك لا تدري
فطرب بشّار ثم قال: ويلكم، أحسن واللّه! من هذا؟ قالوا: حمّاد عجرد؛ قال: أوّه، وكلتموني واللّه بقيّة يومي بها طويل، واللّه لا أطعم بقيّة يومي طعاما ولأصوم غمّا بما يقول النّبطيّ ابن الزانية مثل هذا.
في الأول والثاني من هذه الأبيات لحن من الثقيل الأوّل ذكر الهشاميّ أنه لعطرّد.
أنشدني جحظة، عن حمّاد بن إسحاق، عن أبيه لحمّاد عجرد:
خليلي لا يفي أبدايمنّيني غدا فغدا
وبعد غد وبعد غدكذا لا ينقضي أبدا
له جمر على كبديإذا حرّكته اتّقدا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا الزّباليّ قال: كان المهديّ سأل أباه أن يولّي يحيى بن زياد عملا، فلم يجبه، وقال: هو خليع متخرّق في النفقة ماجن، فقال: إنه قد تاب وأناب، وتضمّن عنه ما يحبّ، فولّاه بعض أعمال الأهواز، فقصده حمّاد عجرد إليها، وقال فيه:
فمن كان يسأل أين الفعالفعندي شفاء لذا الباحث
محلّ النّدى وفعال النّهىوبيت العلا في بني الحارث
حللن بيحيى فحالفنهحياء من الباعث الوارث
فلا تعدلنّ إلى غيرهلعاجل أمر ولا رائث
فإنّ لديه بلا منّةعطاء المرحّل والماكث
قال: وقال فيه أيضا:
يحيى امرؤ زيّنه ربّهبفعله الأقدم والأحدث
إن قال لم يكذب، وإن ودّ لميقطع، وإن عاهد لم ينكث
أصبح في أخلاقه كلّهاموكّلا بالأسهل الأدمث
طبيعة منه عليها جرىفي خلق ليس بمستحدث
ورّثه ذاك أبوه فياطيب نثا الوارث والمورث
فوصله يحيى بصلة سنيّة وحمله وكساه، وأقام عنده مدّة ثم أنصرف.
أخبرني عمّي قال: حدّثني الكراني عن النضر بن عمرو قال: وليّ عيسى بن عمرو إمارة البصرة من قبل محمّد بن أبي العبّاس السفّاح لمّا خرج عنها عليلا، فقال له حمّاد عجرد:
قل لعيسى الأمير عيسى بن عمروذي المساعي العظام في قحطان
والبناء العالي الّذي طال حتّىقصرت دونه يدا كلّ بان
يابن عمرو عمرو المكارم والتقوى وعمرو النّدى وعمرو الطّعان
لك جار بالمصر لم يجعل الله له منك حرمة الجيران
لا يصلّي ولا يصوم ولا يفرأ حرفا من محكم القرآن
إنّما معدن الزّناة من السّفلة في بيته ومأوى الزّواني
وهو خدن الصّبيان وهو ابن سبعين، فماذا يهوى من الصّبيان؟
طهّر المصر منه يأيّها المولى المسمّى بالعدل والإحسان
وتقرّب بذاك فيه إلى الله تفز منه فوز أهل الجنان
يابن برد إخسأ إليك فمثل الكلب في الناس أنت لا الإنسان
ولعمري لأنت شرّ من الكلب وأولى منه بكلّ هوان
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن حمّاد قال: حدّثني محمّد بن صالح الجبّليّ قال: كان حمّاد عجرد قد مدح يقطينا فلم يثبه، فقال يهجوه:
متى أرى فيما أرى دولةيعزّ فيها ناصر الدّين
ميمونة مجّدها ربّهابصادق النيّة ميمون
تردّ يقطينا وأشياعهمنها إلى أبزار يقطين
قال: وكان يقطين قبل ظهور الدولة العباسية بخراسان حائكا.
قال: ومرّ يوما بيونس بن فروة الّذي كان الربيع يزعم أنه ابنه، فلم يهشّ له كما عوّده، فقال يهجوه:
أما ابن فروة يونس فكأنهمن كبره ابن للإمام القائم
وقال فيه:
ولقد رضيت بعصبة آخيتهموإخاؤهم لك بالمعرّة لازم
فعلمت حين جعلتهم لك دخلةأنّي لعرضي في إخائك ظالم
أخبرني عمي قال: حدّثني المغيرة بن محمّد المهلّبيّ قال: حدّثني أبو معاذ النّميريّ أنّ بشّارا ولد له ابن، فلمّا ولد قال فيه حمّاد عجرد:
سائل أمامة يآبن برد من أبو هذا الغلام؟
أمن الحلال أتت بهأم من مقارفة الحرام
فلتخبرنّك أنّهبين العراقي والشآمي
والآخر الروميّ والنّبطيّ أيضا وابن حام
أجعلت عرسك شقوةغرضا لأسهم كلّ رام
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني مسعود بن بشر قال: مرّ حمّاد عجرد بقصر شيرين، فاستظلّ من الحرّ بين سدرتين كانتا بإزاء القصر، وسمع إنسانا يغنّي في شعر مطيع بن إياس:
أسعداني يا نخلتي، حلوانوارثيا لي من ريب هذا الزمان
أسعداني وأيقنا أنّ نحساسوف يلقاكما فتفترقان
فقال حمّاد عجرد:
جعل اللّه سدرتي قصر شيرين فداء لنخلتي حلوان
جئت مستسعدا فلم يسعدانيومطيع بكت له النّخلتان
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة عن أبيه، عن إسحاق، عن محمّد بن الفضل السّكوني قال: كان محمّد بن أبي العباس قد وعد حمّاد عجرد أن يحمله على بغل، ثم تشاغل عنه، فكتب إليه حمّاد:
طلبت البذل ممّن خلقت كفّاه للبذل
ومن ينفي عن الممحل بالجود أذى المحل
ألا يآبن أبي العبّاس يا ذا النائل الجزل
أما تذكر يا مولاي ميعادك في البغل؟
وذاك الرّجس في الدارجليس لأبي سهل
يريك الحزم في الإخلاف للميعاد والمطل
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا هارون بن محمّد بن عبد الملك قال: حدّثنا سليمان المدينيّ قال: كان عثمان بن شيبة مبخّلا، وكان حمّاد عجرد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حمّاد فقال له:
أعنّي من غناك ببيت شعرعلى فقري لعثمان بن شيبه
فقال له حمّاد:
فإنّك إن رضيت به خليلاملأت يديك من فقر وخيبه
فقال له الرجل: جزاك اللّه خيرا، فقد عرّفتني من أخلاقه ما قطعني عن مدحه، فصنت وجهي عنه.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا ابن إسحاق عن أبيه قال: كان حمّاد عجرد يهوى غلاما من أهل البصرة من موالي العتيك يقال له: أبو بشر الحلو ابن الحلال - أحسبه من موالي المهلّب - وكان موصوفا بالجمال، فاندس له مطيع بن إياس، ولم يزل يحتال عليه حتى وطئه، فغضب حمّاد عجرد من ذلك، ونشب بينهما بسببه هجاء، فقال فيه حمّاد:
يا مطيع النّذل أنت اليوم مخذول جهول
لا يغرّنك غرورذو أفانين ملول
ليس يحلو الفعل منهوهو يحلو ما يقول
ملذانيّ مع الرّيح إذا مالت يميل
وجواد بالمواعيد وبالبذل بخيل
ليس يرضيه من الجعل كثير أو قليل
ذاك ما اخترت خليلابئس واللّه الخليل
إنما يكفيك أن يأتيك في السرّ رسول
ساخرا منك يمنّيك أمانيّ تطول
وقال في مطيع أيضا وقد لجّ الهجاء بينهما:
عجبت للمدّعي في الناس منزلةوليس يصلح للدّنيا وللدّين
لو أبصروا فيك وجه الرأي ما تركواحتى يشدّوك كرها شدّ مجنون
ما نال قطّ مطيع فضل منزلةإلّا بأن صرت أهجوه ويهجوني
ولو تركت مطيعا لا أجاوبهلكان ما فيه م الآفات يكفيني
يختار قرب الفحول المرد معتمداجهلا ويترك قرب الخرّد العين
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة عن أبيه عن إسحاق قال: قال حمّاد عجرد في داود بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس يمدحه ويعزّيه عن ابن مات له ويستجيزه:
إنّ أرجى الأنام عندي وأولاهم بمدحي ونصرتي داود
إن يعش لي أبو سليمان لا أحفل ما كادني به من يكيد
هدّ ركني فقدي أباك فقد شدّ بك اليوم ركني المهدود
قائل فاعل أبيّ وفيّمتلف مخلف مفيد مبيد
وفتى السّنّ في كمال ابن خمسين دهاء وإربة بل يزيد
مخلط مزيل أريب أديبراتق فاتق قريب بعيد
وهو الذائد المدافع عنّيوعزيز ممنّع من يذود
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد الملك بن شيبان قال: ولّى أبو جعفر المنصور محمّد بن أبي العباس السفاح البصرة، فقدمها ومعه جماعة من الشعراء والمغنّين منهم حمّاد عجرد، وحكم الوادي ودحمان، فكانوا ينادمونه ولا يفارقونه، وشرب الشراب وعاث، فبلغ ذلك أبا جعفر فعزله، قال: وكان ابن أبي العبّاس كثير الطّيب، يملأ لحيته بالغالية حتى تسيل على ثيابه فتسودّ، فلقّبوه أبا الدّبس، وقال فيه بعض شعراء أهل البصرة:
صرنا من الرّبح إلى الوكسإذ ولي المصر أبو الدّبس
ما شئت من لؤم على نفسهوجنسه من أكرم الجنس
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عليّ بن محمّد النّوفليّ قال: حدّثني أبي قال: كان أبو جعفر المنصور يبغض محمّد بن أبي العبّاس ويحبّ عيبه، فولّاه البصرة بعقب مقتل إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن، فقدمها، وأصحبه المنصور قوما يعاب بصحبتهم مجّانا زنادقة: منهم حمّاد عجرد، وحمّاد بن يحيى، ونظراء لهم، ليغضّ منه ويرتفع ابنه المهديّ عند الناس، وكان محمّد بن أبي العباس محمّقا، فكان يغلّف لحيته إذا ركب بأواق من الغالية، فتسيل على ثيابه فيصير شهرة، فلقّبه أهل البصرة أبا الدّبس؛ قال ولمّا أقام بالبصرة مدّة قال لأصحابه: قد عزمت على أن أعترض أهل البصرة بالسيف في يوم الجمعة، فأقتل كلّ من وجدت، لأنّهم خرجوا مع إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن، فقالوا له: نعم، نحن نفعل ذلك، لما يعرفونه منه، ثم جاءوا إلى أمّه سلمة بنت أيوب بن سلمة المخزوميّة فأعلموها بذلك، وقالوا: واللّه لئن همّ بها ليقتلنّ ولنقتلنّ معه، فإنما نحن في أهل البصرة أكلة رأس، فخرجت إليه وكشفت عن ثدييها وأقسمت عليه بحقّها حتى كفّ عمّا كان عزم عليه.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال: حدّثني أبي عن إسحاق الموصلي قال: كان حمّاد عجرد في ناحية محمّد بن أبي العبّاس السفّاح، وهو الذّي أدّبه، وكان محمّد يهوى زينب بنت سليمان بن علي، وكان قد قدم البصرة أميرا عليها من قبل عمّه أبي جعفر، فخطبها، فلم يزوّجوه لشيء كان في عقله، وكان حمّاد وحكم الوادي ينادمانه، فقال محمّد لحمّاد: قل فيها شعرا، فقال حمّاد فيها على لسان محمّد بن أبي العبّاس، وغنّى فيه حكم الوادي:
صوت
زينب ما ذنبي وماذا الّذيغضبتم منه ولم تغضبوا
واللّه ما أعرف لي عندكمذنبا ففيم الهجر يا زينب؟
إن كنت قد أغضبتكم ضلّةفاستعتبوني إنني أعتب
عودوا على جهلي بأحلامكمإني - وإن لم أذنب - المذنب
الغناء لحكم في هذه الأبيات خفيف ثقيل، الأوّل بالوسطى عن عمرو والهشاميّ وفيه هزج يقال: إنه لخليد بن عبيد الواديّ، ويقال لعريب.
أخبرني محمّد بن يحيى الصّولي قال: حدّثنا الحسين بن يحيى أبو الجمان الكاتب قال: حدّثني عمرو بن بانة قال: كان لمحمّد بن أبي العبّاس السّفّاح شعر في زينب، وغنّى فيه حكم الوادي:
صوت
قولا لزينب لو رأيت تشوّفي لك واشترافي
وتلفّتي كيما أراك وكان شخصك غير خاف
وشممت ريحك ساطعاكالبيت جمّر للطّواف
فتركتني وكأنّماقلبي يغرّز بالأشافي
أخبرني محمّد بن يحيى أيضا قال: حدّثني الحارث بن أبي أسامة عن المدائنيّ قال: خطب محمّد بن أبي العباس زينب بنت سليمان، ثم ذكر مثل هذا الحديث سواء، إلّا أنه قال فيه: فقال محمّد بن أبي العبّاس فيها، وذكر الأبيات كلّها ونسبها إلى محمّد ولم يذكر حمّادا.
قال أبو الفرج مؤلّف هذا الكتاب: هذا فيما أراه غلط من رواته، لمّا سمعوا ذكر زينب ولحن حكم، نسبوه إلى محمّد بن أبي العبّاس، وقد ذكر هذا الشعر بعينه إسحاق الموصليّ في كتابه، ونسبه إلى ابن رهيمة وهو من زيانب يونس الكاتب المشهورة، معروف ومنها فيه يقول:
فذكرت ذاك ليونسفذكرته لأخ مصاف
وذكر إسحاق أن لحن يونس فيه خفيف رمل بالبنصر في مجرى الخنصر، وأنّ لحن حكم من الثقيل الأوّل بالبنصر، قال محمّد بن يحيى: ولمحمد بن أبي العبّاس في زينب أشعار كثيرة ممّا غنّى فيها المغنّون، منها:
صوت
زينب ما لي عنك من صبروليس لي منك سوى الهجر
وجهك واللّه وإن شفّنيأحسن من شمس ومن بدر
لو أبصر العاذل منك الّذيأبصرته أسرع بالعذر
الغناء في هذه الأبيات لحكم خفيف رمل بالوسطى.
وأخبرني محمّد بن يحيى قال: حدّثنا الغلّابيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن الضّحّاك عن هشام بن محمّد قال: دخل دحمان المغنّي مولى بني مخزوم - وهو المعروف بدحمان الأشقر - على محمّد بن أبي العبّاس وعنده حكم الوادي، فأحضر محمّد عشرة آلاف درهم وقال: من سبق منكما إلى صوت يطربني فهذه له؛ فابتدأ دحمان فغنّى في شعر قيس بن الخطيم:
حوراء ممكورة منعّمةكأنما شفّ وجهها ترف
فلم يهشّ له، فغنّى حكم في شعر محمّد في زينب:
زينب مالي عنك من صبروليس لي منك سوى الهجر
قال: فطرب وضرب برجله وقال له: خذها، وأمر لدحمان بخمسة آلاف درهم، قال: ومن شعره فيها الّذي غنّى فيه حكم أيضا:
صوت
أحببت من لا ينصفورجوت من لا يسعف
نسب تليد بينناوودادنا مستطرف
باللّه أحلف جاهداومصدّق من يحلف
إني لأكتم حبّهاجهدي لما أتخوّف
والحبّ ينطق إن سكتّبما أجنّ ويعرف
الغناء في هذه الأبيات لحكم الواديّ، ولحنه ثقيل أوّل.
قال: ومن شعر محمّد فيها الّذي غنّى فيه حكم:
صوت
أسعد الصبّ يا حكموأعنه على الألم
وأدر في غنائهنغما تشبه النّعم
أجميل بأن ترىنائما وهو لم ينم
لائمي في هواي زينب أنصف ولا تلم
لبس الجسم حلّةفي هواها من السّقم
غنّاه حكم، ولحنه هزج.
وقد أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أبو أيّوب المديني قال: قال بريه الهاشميّ حدّثني من حضر محمّد بن أبي العباس وبين يديه حمّاد وحكم الواديّ يغنّيه، وندماؤه حضور، وهم يشربون حتى سكر وسكروا، فكان محمّد أوّل من أفاق منهم، فقام إلى جماعتهم ينبّههم رجلا رجلا، فلم يجد فيهم فضلا سوى حمّاد عجرد وحكم الواديّ، فانتبها، وابتدءوا يشربون، فقال عجرد على لسانه، وغنّى فيه حكم:
أسعد الصبّ يا حكموأعنه على الألم
أجميل بأن ترىنائما وهو لم ينم
هكذا ذكر هذا الخبر الحسن، ولم يزد على هذين البيتين شيئا.
أخبرني محمّد بن يحيى قال: أنشدني أبو خليفة وأبو ذكوان والغلّابيّ لمحمد بن أبي العبّاس في زينب بنت سليمان بن عليّ:
يا قمر المربد قد هجت ليشوقا فما أنفك بالمربد
أراقب الفرقد من حبّكمكّأنّني وكّلت بالفرقد
أهيم ليلي ونهاري بكمكأنّني منكم على موعد
علّقتها ريّا الشّوى طفلةقريبة المولد من مولدي
جدّي إذا ما نسبت جدّهافي الحسب الثاقب والمحتد
واللّه ما أنساك في خلوتييا نور عينيّ ولا مشهدي
أخبرني محمّد بن يحيى قال: حدّثني الحارث بن أبي أسامة قال: حدّثني المدائني قال: كان محمّد بن أبي العبّاس نهاية في الشدّة، فعاتبه يوما المهديّ، فغمز محمّد ركابه، حتى انضغطت رجل المهديّ في الركاب، ثم لم تخرج حتى ردّ محمّد الركاب بيده، فأخرجها المهديّ حينئذ.
أخبرني محمّد قال: حدّثنا أبو ذكوان قال: حدّثنا العتبيّ قال: كان محمّد بن أبي العبّاس شديدا قويا جوادا ممدّحا، وكان يلوي العمود ثم يلقيه إلى أخته ريطة فتردّه، وفيه يقول حمّاد عجرد:
أرجوك بعد أبي العبّاس إذ بانايا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدموأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مجّ عود على قوم عصارتهلمجّ عودك فينا المسك والبانا
أخبرني محمّد بن يحيى قال: حدّثنا الغلّابيّ قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن قال: لما أراد محمّد بن أبي العبّاس الخروج عن البصرة لمّا عزله المنصور عنها قال:
أيا وقفة البين ماذا شببتمن النّار في كبد المغرم!
رميت جوانحه إذ رميتبقوس مسدّدة الأسهم
وقفنا لزينب يوم الوداععلى مثل جمر الغضى المضرم
فمن صرف دمع جرى للفراقلممتزج بعده بالدم
أخبرني محمّد قال: حدّثنا الفضل بن الحباب قال: حدّثنا أبو عثمان المازنيّ قال: قال حمّاد عجرد يشبّب بزينب بنت سليمان على لسان محمّد بن أبي العبّاس:
ألا من لقلب مستهام معذّببحبّ غزال في الحجال مرّبب
يراه فلا يسطيع ردّا لطرفهإليه حذار الكاشح المترقّب
ولو لا مليك نافذ فيه حكمهلأدنى وصالا ذاهبا كلّ مذهب
تغبرت خلف اللّهو بعد صراوةفبحت بما ألقاه من حبّ زينب
قال: فبلغ الشعر محمّد بن سليمان، فنذر دمه، ولم يقدر عليه لمكانه من محمّد.
أخبرني محمّد بن يحيى قال: حدّثني الغلّابيّ عن محمّد بن عبد الرحمن قال: مات محمّد بن أبي العبّاس في أول سنة خمسين ومائة، فقال حمّاد يرثيه بقوله:
صرت للدهر خاشعا مستكينابعد ما كنت قد قهرت الدهورا
حين أودى الأمير ذاك الّذي كنت به حيث كنت أدعى أميرا
كنت إذ كان لي أجير به الدهر فقد صرت بعده مستجيرا
يا سمي النبي يابن أبي العبّاس حقّقت عندي المحذورا
سلبتني الهموم إذ سلبتنيك سروري فلست أرجو سرورا
ليتني متّ حين موتك لا بلليتني كنت قبلك المقبورا
أنت ظلّلتني الغمام بنعماك ووطّأت لي وطاء وثيرا
لم تدع إذ مضيت فينا نظيرامثل ما لم يدع أبوك نظيرا
حدّثنا محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا محمّد بن سلّام الجمحي قال: كان خصيب الطبيب نصرانيّا نبيلا، فسقى محمّد بن أبي العباس شربة دواء، وهو على البصرة، فمرض منها، وحمل إلى بغداد فمات بها، واتّهم خصيب فحبس حتى مات، وسئل عن علّته وما به فقال: قال جالينوس: إن مثل هذا لا يعيش صاحبه، فقيل: له إن جالينوس ربّما أخطأ، فقال: ما كنت قطّ إلى خطئه أحوج منّي اليوم، وفي خصيب يقول ابن قنبر:
ولقد قلت لأهليإذ أتوني بخصيب
ليس واللّه خصيبللّذي بي بطبيب
إنّما يعرف ما بيمن به مثل الّذي بي
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز وإسمعيل بن يونس، قالوا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد اللّه بن شيبان وابن داحة، وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال: حدّثني أبي عن إسحاق قال: لما مات محمّد بن أبي العباس طلب محمّد بن سليمان حمّاد عجرد لما كان يقوله في أخته زينب من الشعر، فعلم أنه لا مقام له معه بالبصرة، فمضى فاستجار بقبر أبيه سليمان بن عليّ، وقال فيه:
من مقر بالذنب لم يوجب الله عليه بسيء إقرارا
ليس إلّا بفضل حلمك يعتدّبلاء، وما يعدّ اعتذارا
يابن بنت النّبي أحمد لا أجعل إلّا إليك منك الفرارا
غير أنّي جعلت قبر أبيأيّوب لي من حوادث الدهر جارا
وحريّ من استجار بذاك القبر أن يأمن الردى والعثارا
لم أجد لي من العباد مجيرافاستجرت التراب والأحجارا
لست أعتاض منك في بغية العزّةقحطان كلّها ونزارا
فأنا اليوم جار من ليس في الأرض مجير أعزّ منه جوارا
يابن بيت النبيّ يا خير منحطّت إليه الغوارب الأكوارا
إن أكن مذنبا فأنت ابن من كان لمن كان مذنبا غفّارا
فاعف عنّي فقد قدرت وخير العفو ما قلت كن فكان اقتدارا
لو يطيل الأعمار جار لعزّكان جاري يطوّل الأعمارا
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ ومحمّد بن عمران الصّيرفيّ قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني علي بن الصبّاح قال: كان محمّد بن سليمان قد طلب حمّاد عجرد بسبب نسبيه بأخته زينب، ولم يكن يقدر عليه لمكانه من محمّد بن أبي العبّاس، فلما هلك محمّد جدّ ابن سليمان في طلبه، وخافه حمّاد خوفا شديدا، فكتب إليه:
يابن عمّ النبيّ وابن النبيّلعليّ إذا انتمى وعليّ
أنت بدر الدّجى المضيء إذا أظلم واسودّ كلّ بدر مضيّ
وحيا الناس في المحول إذا لميجد غيث الربيع والوسميّ
إنّ مولاك قد أساء ومن أعتب من ذنبه فغير مسيّ
ثم قد جاء تائبا فاقبل التوبة منه يا بن الوصيّ الرضيّ
قال ومضى إلى قبر أبيه سليمان بن عليّ فاستجار به، فبلغه ذلك، فقال: واللّه لأبلّنّ قبر أبي من دمه، فهرب حمّاد إلى بغداد، فعاذ بجعفر بن المنصور، فأجاره، فقال: لا أرضى أو تهجو محمّد بن سليمان، فقال يهجوه:
قل لوجه الخصيّ ذي العار إنّيسوف أهدي لزينب الأشعارا
قد لعمري فررت من شدّ الخوف وأنكرت صاحبيّ نهارا
وظننت القبور تمنع جارافاستجرت التراب والأحجارا
كنت عند استجارتي بأبي أيّوب أبغي ضلالة وخسارا
لم يجرني ولم أجد فيه حظّاأضرم اللّه ذلك القبر نارا
قال: وقال فيه:
له حزم برغوث وحلم مكاتبوغلمة سنّور بليل تولول
وقال فيه يهجوه:
يابن سليمان يا محمّد يامن يشتري المكرمات بالسّمن
إن فخرت هاشم بمكرمةفخرت بالشّحم منك والعكن
لؤمك باد لمن يراك إذاأقبلت في العارضين والذّقن
ليتك إذ كنت ضيّقا نكرالم تدع من هاشم ولم تكن
جدّاك جدّان لم تعب بهمالكنّما العيب منك في البدن
قال: فبلغ هجاؤه محمّد بن سليمان فقال: واللّه لا يفلتني أبدا، وإنما يزداد حتفا بلسانه، ولا واللّه لا أعفو عنه ولا أتغافل أبدا.
وقد اختلف في وفاة حمّاد.
فأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو داحة وعبد الملك بن شيبان أن حمّادا هرب من محمّد بن سليمان فأقام بالأهواز مستترا، وبلغ محمّدا خبره، فأرسل مولى له إلى الأهواز، فلم يزل يطلبه حتى ظفر به فقتله غيلة.
وأخبرني أحمد بن العبّاس وأحمد بن يحيى ومحمّد بن عمران قالوا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي عن أحمد بن خلّاد أن حمادا نزل بالأهواز على سليم بن سالم فأقام عنده مدّة مستترا من محمّد بن سليمان، ثم خرج من عنده يريد البصرة، فمرّ بشيرزاذان في طريقه، فمرض بها، فاضطرّ إلى المقام بها بسبب علّته، فاشتدّ مرضه، فمات هناك ودفن على تلعة، وكان بشّار بلغه أن حمّادا عليل لما به، ثم نعي إليه قبل موته، فقال بشّار:
لو عاش حمّاد لهونا بهلكنّه صار إلى النار
فبلغ هذا البيت حمادا قبل أن يموت وهو في السّياق، فقال يردّ عليه:
نبّئت بشّارا نعاني وللموت براني الخالق الباري
يا ليتني مت ولم أهجهنعم ولو صرت إلى النار
وأيّ خزي هو أخزى من انيقال لي يا سبّ بشّار
قال: فلمّا قتل المهديّ بشّارا بالبطيحة اتفق أن حمل إلى منزله ميتا، فدفن مع حماد على تلك التّلعة، فمرّ بهما أبو هشام الباهليّ الشاعر البصريّ الّذي كان يهاجي بشارا، فوقف على قبريهما وقال:
قد تبع الأعمى قفا عجردفأصبحا جارين في دار
قالت بقاع الأرض لا مرحبابقرب حمّاد وبشّار
تجاورا بعد تنائيهماما أبغض الجار إلى الجار
صارا جميعا في يدي مالكفي النّار والكافر في النار
صوت
هل قلبك اليوم عن شنباء منصرفوأنت ما عشت مجنون بها كلف
ما تذكر الدهر إلّا صدّعت كبداجرّى عليك وأذرت دمعة تكف
ذكر أبو عمرو الشيبانيّ أن الشّعر لحريث بن عتّاب الطائيّ، وذكر عمرو بن بانة أنه لإسماعيل بن بشار النّساء، والصحيح أنه لحريث، والغناء لغريض ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو، وذكر الهشاميّ أنه لمالك.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع