من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار العباس بن مرداس ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، ويكنى أبا الهيثم، وإيّاه يعني أخوه سراقة بقوله يرثيه:
أعين ألا ابكي أبا الهيثموأذري الدموع ولا تسأمي
وهي أبيات تذكر في أخباره، وأمّه الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشّريد، وكان العباس فارسا شاعرا شديد العارضة والبيان، سيّدا في قومه من كلا طرفيه، وهو مخضرم أدرك الجاهليّة والإسلام، ووفد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما أعطى المؤلّفة قلوبهم فضّل عليه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقام وأنشده شعرا قاله في ذلك، فأمر بلالا فأعطاه حتى رضي، وخبره في ذلك يأتي بعد هذا الموضع؛ واللّه أعلم.
أخبرني محمّد بن جرير الطبريّ قال: حدّثنا محمّد بن حميد قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق عن منصور بن المعتمر، عن قبيصة، عن عمرو والخزاعيّ عن العبّاس بن مرداس بن أبي عامر أنه قال: كان لأبي صنم اسمه ضمار، فلمّا حضره الموت أوصاني به وبعبادته والقيام عليه، فعمدت إلى ذلك الصنم فجعلته في بيت، وجعلت آتيه في كلّ يوم وليلة مرّة، فلما ظهر أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمعت صوتا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضمار، فإذا الصّوت في جوفه يقول:
قل للقبائل من سليم كلّهاهلك الأنيس وعاش أهل المسجد
إن الّذي ورث النبوّة والهدىبعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودى الضّمار وكان يعبد مرّةقبل الكتاب إلى النبيّ محمّد
قال: فكتمت الناس ذلك، فلم أحدّث به أحدا حتى انقضت غزوة الأحزاب، فبينا أنا في إبلي في طرف العقيق وأنا نائم، إذ سمعت صوتا شديدا، فرفعت رأسي فإذا أنا برجل على حيالي بعمامة يقول: إن النور الّذي وقع بين الاثنين وليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء، في ديار بني أخي العنقاء، فأجابه طائف عن شماله لا أبصره فقال: بشّر الجنّ وأجناسها، أن وضعت المطيّ أحلاسها، وكفّت السماء أحراسها، وأن يغصّ السّوق أنفاسها، قال: فوثبت مذعورا وعرفت أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مصطفى، فركبت فرسي وسرت حتّى انتهيت إليه فبايعته وأسلمت، وانصرفت إلى ضمار فأحرقته بالنار.
وقال أبو عبيدة: كانت تحت العبّاس بن مرداس حبيبة بنت الضحّاك بن سفيان السّلمي أحد بني رعل بن مالك، فخرج عبّاس حتى انتهى إلى إبله وهو يريد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فبات بها، فلمّا أصبح دعا براعيه فأوصاه بإبله، وقال له: من سألك عنّي فحدّثه أنّي لحقت بيثرب، ولا أحسبني إن شاء اللّه تعالى إلّا آتيا محمّدا وكائنا معه، فإني أرجو أن نكون برحمة من اللّه ونور، فإن كان خيرا لم أسبق إليه، وإن كان شرّا نصرته لخئولته، على أني قد رأيت الفضل البيّن وكرامة الدنيا والآخرة في طاعته ومؤازرته، واتّباعه ومبايعته، وإيثار أمره على جميع الأمور، فإن مناهج سبيله واضحة، وأعلام ما يجيء به من الحقّ نيرة، ولا أرى أحدا من العرب ينصب له إلا أعطي عليه الظفر والعلوّ، وأراني قد ألقيت عليّ محبّة له، وأنا باذل نفسي دون نفسه أريد بذلك رضا إله السماء والأرض، قال: ثم سار نحو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتهى الراعي نحو إبله، فأتى امرأته فأخبرها بالّذي كان من أمره ومسيره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقامت فقوّضت بيتها، ولحقت بأهلها، فذلك حيث يقول عبّاس بن مرداس، حين أحرق ضمارا ولحق بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
لعمري إنّي يوم أجعل جاهداضمارا لربّ العالمين مشاركا
وتركي رسول اللّه والأوس حولهأولئك أنصار له، ما أولئكا؟
كتارك سهل الأرض، والحزن يبتغيليسلك في غيب الأمور المسالكا
فآمنت باللّه الذّي أنا عبدهوخالفت من أمسى يريد الممالكا
ووجّهت وجهي نحو مكّة قاصداوتابعت بين الأخشبين المباركا
نبيّ أتانا بعد عيسى بناطقمن الحقّ فيه الفصل منه كذلكا
أمينا على الفرقان أوّل شافعوآخر مبعوث يجيب الملائكا
تلافى عرا الإسلام بعد انفصامهافأحكمها حتّى أقام المناسكا
رأيتك يا خير البريّة كلّهاتوسّطت في القربى من المجد مالكا
سبقتهم بالمجد والجود والعلاوبالغاية القصوى تفوت السّنابكا
فأنت المصفّى من قريش إذا سمتغلاصمها تبغي القروم الفواركا
قال: فقدم عباس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة حيث أراد المسير إلى مكّة عام الفتح، فواعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قديدا، وقال: القنى أنت وقومك بقديد، فلما نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قديدا وهو ذاهب، لقيه عبّاس في ألف من بني سليم، ففي ذلك يقول عبّاس بن مرداس:
بلّغ عباد اللّه أنّ محمّدارسول الإله راشد أين يمّما
دعا قومه واستنصر اللّه ربّهفأصبح قد وافى الإله وأنعما
عشيّة واعدنا قديدا محمّدايؤم بنا أمرا من اللّه محكما
حلفت يمينا برّة لمحمّدفأوفيته ألفا من الخيل معلما
سرايا يراها اللّه وهو أميرهايؤم بها في الدّين من كان أظلما
على الخيل مشدودا علينا دروعناوخيلا كدفّاع الأتيّ عرمرما
أطعناك حتّى أسلم الناس كلهموحتّى صبحنا الخيل أهل يلملما
وهي قصيدة طويلة.
قال: ولمّا عرّف راعي العبّاس بن مرداس زوجته بنت الضحّاك بن سفيان خبره وإسلامه قوّضت بيتها، وارتحلت إلى قومها، وقالت تؤنّبه:
ألم ينه عباس بن مرداس أنّنيرأيت الورى مخصوصة بالفجائع
أتاهم من الأنصار كلّ سميذعمن القوم يحمي قومه في الوقائع
بكلّ شديد الوقع عضب، يقودهإلى الموت هام المقربات البرائع
لعمري لئن تابعت دين محمّدوفارقت إخوان الصّفا والصنائع
لبدّلت تلك النفس ذلّا بعزّةغداة اختلاف المرهفات القواطع
وقوم هم الرأس المقدّم في الوغىوأهل الحجا فينا وأهل الدّسائع
سيوفهم عزّ الذّليل وخيلهمسهام الأعادي في الأمور الفظائع
فأخبرني أحمد بن محمّد بن الجعد قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسيّبي قال: حدّثنا محمّد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأخبرني عمر بن إسمعيل بن أبي غيلان الثّقفيّ قال: حدّثنا داود بن عمرو الضّبيّ قال: حدّثنا محمّد بن راشد عن ابن إسحاق، وحدّثنيه محمّد بن جرير قال: حدّثنا محمّد بن حميد قال: حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق - وقد دخل حديث بعضهم في حديث بعض - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قسّم غنائم هوازن، فأكثر العطايا لأهل مكّة، وأجزال القسم لهم ولغيرهم ممّن خرج إلى حنين، حتى إنه كان يعطي الرجل الواحد مائة ناقة، والآخر ألف شاة، وزوى كثيرا من القسم عن أصحابه، فأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس عطايا فضّل فيها عيينة والأقرع على العبّاس، فجاءه العبّاس فأنشده:
وكانت نهابا تلافيتهابكرّي على المهر في الأجرع
وإيقاظي الحيّ أن يرقدواإذا هجع القوم لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإفلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهماومن تضع اليوم لا يرفع
فبلغ قوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فدعاه فقال له: أنت القائل: «أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟» فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، لم يقل كذلك، ولا واللّه ما أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر، وما أنت براوية، قال: فكيف قال؟ فأنشده أبو بكر رضي اللّه عنه، فقال: هما سواء، لا يضرّك بأيّهما بدأت: بالأقرع أم بعيينة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اقطعوا عنّي لسانه، وأمر بأن يعطوه من الشّاء والنّعم ما يرضيه ليمسك، فأعطي، قال: فوجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: نحن أصحاب موطن وشدّة، فآثر قومه علينا، وقسم قسما لم يقسمه لنا، وما نراه فعل هذا إلّا وهو يريد الإقامة بين أظهرهم، فلما بلغ قولهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاهم في منزلهم فجمعهم، وقال: من كان ها هنا من غير الأنصار فليرجع إلى أهله، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، قد بلغتني مقالة قلتموها، وموجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلّالا فهداكم اللّه؟ قالوا: بلى. قال: ألم آتكم قليلا فكثّركم اللّه؟ قالوا: بلى. قال: ألم آتكم أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى.
قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني يعقوب بن عيينة أنه قال: ألم آتكم وأنتم لا تركبون الخيل فركبتموها؟ قالوا: بلى. قال: أفلا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: للّه ولرسوله علينا المنّ والفضل، جئتنا يا رسول اللّه ونحن في الظلمات، فأخرجنا اللّه بك إلى النور، وجئتنا يا رسول اللّه ونحن على شفا حفرة من النار، فأنقذنا اللّه، وجئتنا يا رسول اللّه ونحن أذلّة قليلون فأعزّنا اللّه بك، فرضينا باللّه ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: أما واللّه لو شئتم لأجبتموني بغير هذا، فقلتم: جئتنا طريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك، وعائلا فأغنيناك، ومكذّبا فصدّقناك، وقبلنا منك ما ردّه عليك الناس، لقد صدقتم. فقال الأنصار: للّه ولرسوله علينا المنّ والفضل، ثم بكوا حتى كثر بكاؤهم، وبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال: يا معشر الأنصار وجدتم في أنفسكم في الغنائم أن آثرت بها ناسا أتألّفهم على الإسلام ليسلموا، ووكلتكم إلى الإسلام، أو لا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟ والّذي نفس محمّد بيده لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ثم بكى القوم ثانية حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا يا رسول اللّه باللّه وبرسوله حظّا وقسما، وتفرّق القوم راضين، وكانوا بما قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أشدّ اغتباطا من المال.
وقال أبو عمرو الشيباني في هذا الخبر: أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من أشراف العرب عطايا يتألّف بها قلوبهم وقومهم على الإسلام، فأعطى كلّ رجل من هؤلاء النّفر - وهم: أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، وصفوان بن أميّة، والعلاء بن حارثة الثّقفي حليف بني زهرة، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس - مائة من الإبل، وأعطى كلّ واحد من مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب أحد بني عامر بن لؤيّ وسعيد بن يربوع، ورجلا من بني سهم دون ذلك ما بين الخمسين وأكثر وأقلّ، وأعطى العبّاس بن مرداس أبا عر، فتسخّطها وقال الأبيات المذكورة، فأعطاه حتى رضي.
حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثنا عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد اللّه بن الزبير كتابا يتوعّده فيه وكتب فيه:
إني لعند الحرب تحمل شكّتيإلى الرّوع جرداء السيّالة ضامر
والشعر للعبّاس بن مرداس. فقال ابن الزبير: أبالشعر يقوى عليّ؟ واللّه لا أجيبه إلّا بشعر هذا الرجل؛ فكتب إليه:
إذا فرس العوالي لم يخالجهمومي غير نصر واقتراب
وإنّا والسّوابح يوم جمعوما يتلو الرسول من الكتاب
هزمنا الجمع جمع بني قسيّوحكّت بركها ببني رئاب
هذه الأبيات من قصيدة يفخر فيها العبّاس برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونصره له، وفيها يقول:
بذي لجب رسول اللّه فيهكتيبته تعرّض للضّراب
ولو أدركن صرم بني هلاللآم نساؤهم والنّقع كابي
قال أبو عبيدة: وكان هريم بن مرداس مجاورا في خزاعة في جوار رجل منهم يقال له عامر، فقتله رجل من خزاعة يقال له خويلد، وبلغ ذلك أخاه العبّاس بن مرداس، فقال يحضّ عامرا على الطلب بثأر جاره، فقال:
إذا كان باغ منك نال ظلامةفإنّ شفاء البغي سيفك فافصل
ونبّئت أن قد عوّضوك أباعراوذلك للجيران غزل بمغزل
فخذها فليست للغزيز بنصرةوفيها متاع لامرىء متدلّل
وهذا البيت الأخير كتب به الوليد بن عقبة إلى معاوية لمّا دعاه عليّ عليه السّلام إلى البيعة، وتحدّث الناس أنّه وعده أن يولّيه الشأم إذا بايعه. قال: فلما بلغته هذه الأبيات آلى لا يصيب رأسه ولا جسده ماء بغسل حتى يثأر بهريم، ثم إن أبا حليس النّصريّ لقي خويلدا قاتل هريم فقتله، فقال بنو نصر: بؤ بدم فلان النصريّ - رجل كانت خزاعة قتلته - فقال أبو الحليس: لا، بل هو بؤ بدم هريم بن مرداس، وبلغ العبّاس، فقال يمدحه بقوله:
أتاني من الأنباء أنّ ابن مالككفى ثائرا من قومه من تغبّبا
ويلقاك ما بين الخميس خويلدأرى عجبا بل قتله كان أعجبا
فدى لك أمّي إذ ظفرت بقتلهوأقسم أبغي عنك أمّا ولا أبا
فمثلك أدّى نصرة القوم عنوةومثلك أعيا ذا السّلاح المجرّبا
قال أبو عبيدة: أغارت بنو نصر بن معاوية على ناحية من أرض بني سليم، فبلغ ذلك العبّاس بن مرداس، فخرج إليهم في جمع من قومه، فقاتلهم حتى أكثر فيهم القتل، وظهرت عليهم بنو سليم، وأسروا ثلاثين رجلا منهم، وأخذت بنو نصر فرسا للعبّاس عائرة يقال لها زرّة، فانطلق بها عطية بن سفيان النّصري - وهو يومئذ رئيس القوم - فقال في ذلك العباس:
أبى قومنا إلا الفرار ومن تكنهوازن مولاه من الناس يظلم
أغار علينا جمعهم بين ظالموبين ابن عمّ كاذب الودّ أيهم
كلاب وما تفعل كلاب فإنّهاوكعب سراة البيت ما لم تهدّم
فإن كان هذا صنعكم فتجرّدوالألفين منّا حاسر وملأّم
وحرب إذا المرء السّمين تمرّستبأعطافه بالسيف لم يترمرم
ولم أحتسب سفيان حتى لقيتهعلى مأقط إذ بيننا عطر منشم
فقلت وقد صاح النساء خلالهملخيلي شدّي إنهم قوم لهذم
فما كان تهليل لدن أن رميتهمبزرّة ركضا حاسرا غير ملجم
إذا هي صدّت نحرها عن رماحهمأقدّمها حتى تنعّل بالدم
وما زال منهم رائغ عن سبيلهاوآخر يهوي لليدين وللفم
لدن غدوة حتى استبيحوا عشيّةوذلّوا فكانوا لحمة المتلحّم
فآبوا بها عرفا وألقيت كلكليعلى بطل شاكي السّلاح مكلّم
ولن يمنع الأقوام إلّا مشايحيطارد في الأرض الفضاء ويرتمي
قال: ثم إن العبّاس بن مرداس جمع الأسارى من بني نصر - وكانوا ثلاثين رجلا - فأطلقهم، وظن أنّهم سيثيبونه بفعله، وأنّ سفيان سيرد عليه فرسه زرّة، فلم يفعلوا، فقال في ذلك:
أزرّة خير أم ثلاثون منكمطليقا رددناه إليكم مسلّما
قال: وجعل العباس يهجو بني نصر، فبلغه أن سفيان بن عبد يغوث يتوعّده في ذلك، فلقيه عبّاس في المواسم، فقال له سفيان: واللّه لتنتهينّ أو لأصرمنّك، فقال عباس:
أتوعدني بالصّرم إن قلت اوفنيفأوف وزد في الصّرم لهزمة النتن
وقال العباس أيضا فيه:
ألا من مبلغ سفيان عنّيوظنّي أن سيلغه الرسول
ومولاه عطيّه أنّ قيلاخلا منّي وأن قد بات قيل
سئمتم ربّكم وكفرتموهوذلكم بأرضكم جميل
ألا توفي كما أوفى شبيبفحلّ له الولاية والشّمول
أبوه كان خيركم وفاءوخيركم إذا حمد الجميل
ألام على الهجاء وكلّ يومتلاقيني من الجيران غول
سأجعلها لأجمعكم شعاراوقد يمضي اللسان بما يقول
وهذه الأبيات من شعر العبّاس بن مرداس الّتي ذكرنا أخباره بذكرها، وفيه الغناء المنسوب من قصيدة قالها في غزاة غزاها بني زبيد باليمن.
قال أبو عمرو وأبو عبيدة: جمع العباس بن مرداس بن أبي عامر - وكان يقال للعبّاس: مقطّع الأوتاد - جمعا من بني سليم فيه من جميع بطونها، ثم خرج بهم حتى صبّح بني زبيد بتثليث من أرض اليمن بعد تسع وعشرين ليلة، فقتل فيها عددا كثيرا، وغنم حتّى ملأ يديه، فقال في ذلك:
لأسماء رسم أصبح اليوم دارساوقفت به يوما إلى اللّيل حابسا
يقول فيها:
فدع ذا ولكن هل أتاك مقادنالأعدائنا نزجي الثقال الكوادسا
سمونا لهم تسعا وعشرين ليلةنجيز من الأعراض وحشا بسابسا
فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحاولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
إذا ما شددنا شدّة نصبوا لناصدور المذاكى والرماح المداعسا
وأحصننا منهم فما يبلغوننافوارس منّا يحبسون المحابسا
وجرد كأنّ الأسد فوق متونهامن القوم مرءوسا كميّا ورائسا
وكنت أمام القوم أوّل ضاربوطاعنت إذ كان الطّعان مخالسا
ولو مات منهم من جرحنا لأصبحتضياع بأكناف الأراك عرائسا
فأجابه عمرو بن معد يكرب عن هذه القصيدة بقصيدة أوّلها:
لمن طلل بالخيف أصبح دارساتبدّل آراما وعينا كوانسا
وهي طويلة، لم يكن في ذكرها مع أخبار العباس فائدة، وإنما ذكرت هذه الأبيات من قصيدة العباس لأن الغناء المذكور في أولها.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدّثنا أبو غزيّة عن فليح بن سليمان قال: قال العبّاس يذكر جلاء بني النّضير ويبكيهم بقوله:
لو ان قطين الدّار لم يتحمّلواوجدت خلال الدار ملهى وملعبا
فإنّك عمري هل رأيت ظعائناسلكن على ركن الشظاة فميثبا
إذا جاء باغي الخير قلن بشاشةله بوجوه كالدنانير: مرحبا
فلا تحسبنّي كنت مولى ابن مشكمسلام ولا مولى حييّ بن أخطبا
فقال خوّات بن جبير يجيب العبّاس:
أتبكي على قتلى يهود وقد ترىمن الشّجو لو تبكي أحقّ وأقربا
فهلّا على قتلى ببطن أوارةبكيت وما تبكي من الشجو مغضبا
إذا السّلم دارت في الصديق رددتهاوفي الدّين صدّادا وفي الحرب ثعلبا
وإنك لما أن كلفت بمدحةلمن كان مينا مدحه وتكذّبا
وجئت بأمر كنت أهلا لمثلهولم تلف فيهم قائلا لك مرحبا
فهلّا إلى قوم ملوك مدحتهمبنوا من ذرا المجد المقدّم منصبا
إلى معشر سادوا الملوك وكرّمواولم يلف فيهم طالب الحق مجدبا
أولئك أولى من يهود بمدحةتراهم وفيهم عزّة المجد ترتبا
فقال عبّاس بن مرداس يجيبه:
هجوت صريح الكاهنين وفيكملهم نعم كانت من الدهر ترتبا
أولئك أحرى إن بكيت عليهموقومك لو أدّوا من الحقّ موجبا
من الشكر إنّ الشكر خير مغبّةوأوفق فعلا للّذي كان أصوبا
فصرت كمن أمسى يقطّع رأسهليبلغ عزّا كان فيه مركبّا
فبكّ بني هارون واذكر فعالهموقتلهم للجوع إذ كنت مسغبا
قال الزبير: فحدّثني محمّد بن الحسن عن محرز بن جعفر قال: التقى عبّاس بن مرداس وخوّات بن جبير يوما عند عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، فقال خوّات: يا عباس أأنت الّذي رثيت اليهود، وقد كان منهم في عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان! فقال عباس: إنهم كانوا أخلّائي في الجاهلية، وكانوا أقواما أنزل بهم فيكرمونني، ومثلي يشكر ما صنع إليه من الجميل، وكان بينهما قول حتى تجاذبا، فقال له خوّات: أما واللّه لئن استقبلت غرب شبابي، وشبا أنيابي، وخشن جوابي، لتكرهنّ عتابي. فقال عبّاس: واللّه يا خوّات، لئن استقبلت عنّي وفنّي وذكاء سنّي، لتفرّنّ منّي، إيّاي تتوعد يا خوّات، يا عاني السوآت! واللّه لقد استقبلك اللؤم فردعك، واستدبرك فكسعك، وعلاك فوضعك، فما أنت بمهجوم عليك من ناحية إلّا عن فضل لؤم؛ إيّاي - ثكلتك أمّك - تروم؟ وعليّ تقوم؟ واللّه ما نصبت سوقك، ولأظهرنّ عليك بعد؛ فقال عمر لهما: إما أن تسكتا وإما أن أو جعكما ضربا، فصمتا وكفّا، أخبرني بذلك علي بن نصر قال: حدّثني الحسن بن محمّد بن جرير، وحدّثني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن الحسن عن أبيه مثل ذلك. وللعباس مع خوّات مناقضات أخر في هذا المعنى، كرهت الإطالة بذكرها.
قال أبو عبيدة: وكان العباس وسراقة وحزن وعمرو بنو مرداس كلّهم من الخنساء بنت عمرو بن الشريد، وكلّهم كان شاعرا، وعبّاس أشعرهم، وأشهرهم وأفرسهم وأسودهم، ومات في الإسلام، فقال أخوه سراقة يرثيه:
أعين ألا ابكي أبا الهيثموأذري الدموع ولا تسأمي
وأثني عليه بآلائهبقول امرىء موجع مؤلم
فما كنت بائعه بامرىءأراه ببدو ولا موسم
أشدّ على رجل ظالموأدهى لداهية ميثم
وقالت أخته عمرة ترثيه:
لتبك ابن مرداس على ما عراهمعشيرته إذ حمّ أمس زوالها
لدى الخصم إذ عند الأمير كفاهمفكان إليه فصلها وجدالها
ومعضلة للحاملين كفيتهاإذا أنهلت هوج الرياح طلالها
وقد روى العباس بن مرداس عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ونقل عنه الحديث.
حدّثنا الحسين بن الطيّب الشجاعيّ البلخي بالكوفة قال: حدّثنا أيوب بن محمّد الطّلحي قال: حدّثنا عبد القاهر بن السريّ السّلمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي أن أباه حدّثه عن جدّه عباس بن مرداس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا لأمّته عشيّة عرفة قال: فأجيب لهم بالمغفرة إلّا ما كان من مظالم العباد بعضهم لبعض، قال: فإني آخذ للمظلوم من الظالم، قال: أي ربّ إن شئت أعطيت للمظلوم من الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجب في حينه، فلما أصبح في المزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب لهم بما سأل، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو تبسّم، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: بأبي أنت وأمّي! إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها أو تبسّم، فقال: إن إبليس لمّا علم أن اللّه غفر لأمّتي جعل يحثو التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثّبور، فضحكت من جزعه. تمّت أخبار العبّاس.
صوت
أرجوك بعد أبي العبّاس إذ بانايا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
أرجوك من بعده إذ بان سيّدناعنّا ولولاك لاستسلمت إذ بانا
فأنت أكرم من يمشي على قدموأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مجّ عود على قوم عصارتهلمجّ عودك فينا المسك والبانا
الشعر لحمّاد عجرد، والغناء لحكم الواديّ، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالبنصر في مجراها.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع