من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ثابت قطنة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو ثابت بن كعب، وقيل ابن عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا العلاء، أخو بني أسد بن الحارث بن العتيك، وقيل: بل هو مولى لهم، ولقّب قطنة لأن سهما أصابه في إحدى عينيه فذهب بها في بعض حروب التّرك، فكان يجعل عليها قطنة، وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأمويّة، وكان في صحابة يزيد بن المهلّب، وكان يولّيه أعمالا من أعمال الثغور، فيحمد فيها مكانه لكفايته وشجاعته.
فأخبرني إبراهيم بن أيوب قال: حدّثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة، وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد قال: كان ثابت قطنة قد ولي عملا من أعمال خراسان، فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام، فتعذّر عليه وحصر، فقال: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
، وبعد عيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعّال، أحوج منكم إلى أمير قوّال:
وإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّنيبسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
فبلغت كلماته خالد بن صفوان - ويقال الأحنف بن قيس - فقال: واللّه ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه، ولو أن كلاما استخفّني، فأخرجني من بلادي إلى قائله استحسانا له، لأخرجتني هذه الكلمات إلى قائلها، وهذا.
الكلام بخالد بن صفوان أشبه منه بالأحنف.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثني أحمد بن زهير بن حرب، عن دعبل بن علي، قال: كان يزيد بن المهلب تقدّم إلى ثابت قطنة في أن يصلّي بالناس يوم الجمعة، فلما صعد المنبر ولم يطق الكلام، قال حاجب الفيل يهجوه:
أبا العلاء لقد لقّيت معضلةيوم العروبة من كرب وتخنيق
أمّا القران فلم تخلق لمحكمهولم تسدّد من الدنيا لتوفيق
لمّا رمتك عيون الناس هبتهمفكدت تشرق لمّا قمت بالرّيق
تلوي اللسان وقد رمت الكلام بهكما هوى زلق من شاهق النّيق
أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني علي بن الصباح قال: كان سبب هجاء حاجب بن ذبيان المازني - وهو حاجب الفيل، والفيل لقب لقبه به ثابت قطنة وكعب الأشقري - أن حاجبا دخل على يزيد بن المهلب، فلما مثل بين يديه أنشده:
إليك امتطيت العيس تسعين ليلةأرجّي ندى كفّيك يابن المهلّب
وأنت امرؤ جادت سماء يمينهعلى كل حيّ بين شرق ومغرب
فجد لي بطرف أعوجيّ مشهّرسليم الشّظا عبل القوائم سلهب
سبوح طموح الطّرف يستنّ مرجمأمرّ كإمرار الرّشاء المشذّب
طوى الضّمر منه البطن حتى كأنهعقاب تدلّت من شماريخ كبكب
تبادر جنح الليل فرخين أقويامن الزاد في قفر من الأرض مجدب
فلّما رأت صيدا تدلّت كأنهادلاة تهاوى مرقبا بعد مرقب
فشكّت سواد القلب من ذئب قفرةطويل القرا عاري العظام معصّب
وسابغة قد أتقن القين صنعهاوأسمر خطّيّ طويل محرّب
وأبيض من ماء الحديد كأنهشهاب متى يلق الضّربية يقضب
وقل لي إذا ما شئت في حومة الوغىتقدّم أو اركب حومة الموت أركب
فإني امرؤ من عصبة ما زنيّةنماني أب ضخم كريم المركّب
قال: فأمر له يزيد بدرع وسيف ورمح وفرس، وقال له: قد عرفت ما شرطت لنا على نفسك؟ فقال: أصلح اللّه الأمير، حجّتي بيّنه، وهي قول اللّه عزّ وجلّ: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ.
وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
فقال له ثابت قطنة: ما أعجب ما وفدت به من بلدك في تسعين ليلة! مدحت الأمير ببيتين، وسألته حوائجك في عشرة أبيات، وختمت شعرك ببيت تفخر عليه فيه، حتى إذا أعطاك ما أردت حدت عمّا شرطت له على نفسك فأكذبتها كأنّك كنت تخدعه، فقال له يزيد: مه يا ثابت، فإنّا لا نخدع، ولكنا نتخادع، وسوّغه ما أعطاه، وأمر له بألفي درهم. ولجّ حاجب يهجو ثابتا فقال فيه:
لا يعرف الناس منه غير قطنتهوما سواها من الأنساب مجهول
قال: ودخل حاجب يوما على يزيد بن المهلّب، وعنده ثابت قطنة وكعب الأشقريّ - وكانا لا يفارقان مجلسه - فوقف بين يديه فقال له: تكلّم يا حاجب، فقال: يأذن لي الأمير أن أنشده أبياتا، قال: لا حتى تبدأ فتسأل حاجتك، قال: أيها الأمير، إنه ليس أحد ولو أطنب في وصفك موفّيك حقك، ولكنّ المجتهد محسن، فلا تهجني بمنعي الإنشاد، وتأذن لي فيه، فإذا سمعت فجودك أوسع من مسألتي. فقال له يزيد: هات، فما زلت مجيدا محسنا مجملا. فأنشده:
كم من كميّ في الهياج تركتهيهوي لفيه مجدّلا مقتولا
جلّلت مفرق رأسه ذا رونقعضب المهزّة صارما مصقولا
قدت الجياد وأنت غرّ يافعحتى اكتهلت ولم تزل مأمولا
كم قد حربت وقد جبرت معاشراوكم امتننت وكم شفيت غليلا
فقال له يزيد: سل حاجتك، فقال: ما على الأمير بها خفاء، فقال: قل، قال: إذا لا أقصر ولا أستعظم عظيما أسأله الأمير أعزّه اللّه مع عظم قدره، قال: أجل، فقل يفعل، فلست بما تصير إليه أغبط منا، قال: تحملني وتخدمني وتجزل جائزتي، فأمر له بخمسة تخوت ثياب وغلامين وجاريتين وفرس وبغل وبرذون وخمسة آلاف درهم، فقال حاجب:
شم الغيث وانظر ويك أين تبعّجتكلاه تجدها في يد ابن المهلّب
يداه يد يخزي بها اللّه من عصىوفي يده الأخرى حياة المعصّب
قال: فحسده ثابت قطنة وقال: واللّه لو على قدر شعرك أعطاك لما خرجت بملء كفّك نوّى، ولكنك أعطاك على قدره، وقام مغضبا، وقال لحاجب يزيد بن المهلّب: إنما فعل الأمير هذا ليضع منّا بإجزاله العطيّة لمثل هذا، وإلّا فلو أنا اجتهدنا في مديحه ما زادنا على هذا، وقال ثابت قطنة يهجو حاجبا حينئذ:
أحاجب لولا أنّ أصلك زيّفوأنّك مطبوع على اللؤم والكفر
وأنّي لو أكثرت فيك مقصّررميتك رميا لا يبيد يد الدهر
فقل لي ولا تكذب فإنّي عالمبمثلك هل في مازن لك من ظهر؟
فإنك منهم غير شك ولم يكنأبوك من الغرّ الجحاجحة الزّهر
أبوك ديافيّ وأمّك حرّةولكنّها لا شكّ وافية البظر
فلست بهاج ابن ذبيان إننيسأكرم نفسي عن سباب ذوي الهجر
فقال حاجب: واللّه لا أرضى بهجاء ثابت وحده، ولا بهجاء الأزد كلّها، ولا أرضى حتى أهجو اليمن طرّا؛ فقال يهجوهم:
دعوني وقحطانا وقولوا لثابتتنحّ ولا تقرب مصاولة البزل
فللزنّج خير حين تنسب والدامن ابناء قحطان العفاشلة الغرل
أناس إذا الهيجاء شبّت رأيتهمأذلّ على وطء الهوان من النّعل
نساؤهم فوضى لمن كان عاهراوجيرانهم نهب الفوارس والرّجل
أخبرني وكيع قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: وحدّثني دعبل قال: بلغني أن ثابت قطنة قال هذا البيت في نفسه وخطر بباله يوما فقال:
لا يعرف الناس منه غير قطنتهوما سواها من الأنساب مجهول
وقال: هذا بيت سوف أهجى به أو بمعناه، وأنشده جماعة من أصحابه وأهل الرواية وقال: اشهدوا أنّي قائله، فقالوا: ويحك ما أردت أن تهجو نفسك به، ولو بالغ عدوّك ما زاد على هذا. فقال: لا بدّ من أن يقع على خاطر غيري، فأكون قد سبقته إليه، فقالوا له: أما هذا فشرّ قد تعجّلته، ولعلّه لا يقع لغيرك، فلمّا هجاه به حاجب الفيل استشهدهم على أنه هو قائله، فشهدوا على ذلك، فقال يردّ على حاجب:
هيهات ذلك بيت قد سبقت بهفاطلب له ثانيا يا حاجب الفيل
أخبرني أحمد بن عثمان العسكريّ المؤدّب قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن أبي عبيدة قال: كان ثابت قطنة قد جالس قوما من الشّراة وقوما من المرجئة كانوا يجتمعون فيتجادلون بخراسان، فمال إلى قول المرجئة وأحبّه، فلمّا اجتمعوا بعد ذلك أنشدهم قصيدة قالها في الإرجاء:
يا هند إنّي أظنّ العيش قد نفداولا أرى الأمر إلا مدبرا نكدا
إني رهينة يوم لست سابقهإلّا يكن يومنا هذا فقد أفدا
بايعت ربّي بيعا إن وفيت بهجاورت قتلى كراما جاوروا أحدا
يا هند فاستمعي لي إنّ سيرتناأن نعبد اللّه لم نشرك به أحدا
نرجي الأمور إذا كانت مشبّهةونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلّهموالمشركون أشتّوا دينهم قددا
ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدام الناس شركا إذا ما وحّدوا الصمدا
لا نسفك الدم إلّا أن يراد بناسفك الدماء طريقا واحدا جددا
من يتّق اللّه في الدنيا فإنّ لهأجر التقيّ إذا وفّى الحساب غدا
وما قضى اللّه من أمر فليس لهردّ، وما يقض من شيء يكن رشدا
كلّ الخوارج مخط في مقالتهولو تعبّد فيما قال واجتهدا
أما عليّ وعثمان فإنهماعبدان لم يشركا باللّه مذ عبدا
وكان بينهما شغب وقد شهداشقّ العصا، وبعين اللّه ما شهدا
يجزى عليّ وعثمان بسعيهماولست أدري بحقّ أيّة وردا
اللّه يعلم ماذا يحضران بهوكلّ عبد سليقى اللّه منفردا
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب بخط المرهبيّ الكوفي في شعر ثابت قطنة، قال: لما ولي سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية خراسان بعد عزل عبد الرحمن بن نعيم، جلس يعرض الناس وعنده حميد الرّؤاسي وعبادة المحاربي، فلما دعي بثابت قطنة تقدّم، وكان تامّ السلاح، جواد الفرس، فارسا من الفرسان، فسأله عنه، فقيل: هذا ثابت قطنة، وهو أحد فرسان الثغور، فأمضاه وأجاز على اسمه، فلما انصرف قال له حميد وعبادة: هذا أصلحك اللّه الّذي يقول:
إنا لضرّابون في حمس الوغىرأس الخليفة إن أراد صدودا
فقال سعيد: عليّ به، فردّوه وهو يريد قتله، فلما أتاه قال له: أنت القائل:
إنا لضرّابون في حمس الوغى
قال: نعم، أنا القائل:
إنا لضرّابون في حمس الوغىرأس المتوّج إن أراد صدودا
عن طاعة الرحمن أو خلفائهإن رام إفسادا وكرّ عنودا
فقال له سعيد: أولى لك، لو لا أنّك خرجت منها لضربت عنقك، قال: وبلغ ثابتا ما قاله حميد وعبادة، فأتاه عبادة معتذرا، فقال له: قد قبلت عذرك، ولم يأته حميد، فقال ثابت يهجوه:
وما كان الجنيد ولا أخوهحميد من رءوس في المعالي
فإن يك دغفل أمسى رهيناوزيد والمقيم إلى زوال
فعندكم ابن بشر فاسألوهبمرو الرّوذ يصدق في المقال
ويخبر أنه عبد زنيملئيم الجدّ من عمّ وخال
قال: واجتاز ثابت قطنة في بعض أسفاره بمدينة كان أميرها محمّد بن مالك بن بدر الهمداني ثم الخيواني، وكان يغمز في نسبه، وخطب إلى قوم من كندة فردّوه، فعرف خبر ثابت في نزوله، فلم يكرمه، ولا أمر له بقرى، ولا تفقّده بنزل ولا غيره، فلما رحل عنه قال يهجوه ويعيّره بردّ من خطب إليه:
لو انّ بكيلا هم قومهوكان أبوه أبا العاقب
لأكرمنا إذ مررنا بهكرامة ذي الحسب الثاقب
ولكنّ خيوان هم قومهفبئس هم القوم للصّاحب
وأنت سنيد بهم ملصقكما ألصقت رقعة الشاعب
وحسبك حسبك عند النّثابأفعال كندة من عائب
خطبت فجازوك لما خطبتجزاء يسار من الكاعب
كذبت فزيّفت عقد النكاحلمتّك بالنّسب الكاذب
فلا تخطبن بعدها حرّةفتثنى بوسم على الشارب
قال أبو الفرج: ونسخت من هذا الكتاب قال: كان لثابت قطنة راوية يقال له النضر، فهجا ثابت قطنة قتيبة بن مسلم وقومه، وغيّرهم بهزيمة انهزموها عن التّرك، فقال:
توافت تميم في الطّعان وعرّدتبهيلة لمّا عاينت معشرا غلبا
كماة كفاة يرهب الناس حدّهمإذا ما مشوا في الحرب تحسبهم نكبا
تسامون كعبا في العلا وكلابهاوهيهات أن تلقوا كلابا ولا كعبا
قال: فأفشى عليه راويته ما قاله، فقال ثابت فيه وقد كان استكتمه هذه الأبيات:
يا ليت لي بأخي نضر أخا ثقةلا أرهب الشرّ منه غاب أم شهدا
أصبحت منك على أسباب مهلكةوزلّة خائفا منك الردى أبدا
ما كنت إلا كذئب السّوء عارضهأخوه يدمى ففرّى جلده قددا
أو كابن آدم خلّى عن أخيه وقدأدمى حشاه ولم يبسط إليه يدا
أهم بالصّرف أحيانا فيمنعنيحيّا ربيعة والعقد الّذي عقدا
ونسخت منه أيضا قال: لما قتل المفضل بن المهلب دخل ثابت قطنة على هند بنت المهلب، والناس حولها جلوس يعزّونها، فأنشدها:
يا هند كيف بنصب بات يبكينيوعائر في سواد الليل يؤذيني
كأنّ ليلي والأصداء هاجدةليل السّليم، وأعيا من يداويني
لمّا حنى الدهر من قوسي وعذّرنيشيبي وقاسيت أمر الغلظ واللين
إذا ذكرت أبا غسّان أرّقنيهمّ إذا عرّس السّارون يشجيني
كان المفضّل عزّا في ذوي يمنوعصمة وثمالا للمساكين
ما زلت بعدك في همّ تجيش بهنفسي وفي نصب قد كاد يبليني
إنّي تذكّرت قتلى لو شهدتهمفي حومة الموت لم يصلوا بها دوني
لا خير في العيش إن لم أجن بعدهمحربا تبىء بهم قتلى فيشفوني
فقالت له هند: اجلس يا ثابت، فقد قضيت الحقّ، وما من المرثية بدّ، وكم من ميتة ميّت أشرف من حياة حيّ، وليست المصيبة في قتل ممن استشهد ذابّا عن دينه، مطيعا لربه، وإنما المصيبة فيمن قلّت بصيرته، وخمل ذكره بعد موته، وأرجو ألّا يكون المفضّل عند اللّه خاملا، يقال: إنه ما عزّي يومئذ بأحسن من كلامها.
قال أبو الفرج: ونسخت من كتابه أيضا قال: كان ابن الكوّاء اليشكريّ مع الشّراة والمهلب يحاربهم، وكان بعض بني أخيه شاعرا فهجا المهلب وعمّ الأزد بالهجاء، فقالت لثابت: أجبه فقال له ثابت:
كلّ القبائل من بكر نعدّهمواليشكريّون منهم ألأم العرب
أثرى لجيم وأثرى الحصن إذ قعدتبيشكر أمّه المعرورة النّسب
نحّاكم عن حياض المجد والدكمفما لكم في بني البرشاء من نسب
أنتم تحلّون من بكر إذا نسبوامثل القراد حوالي عكوة الذّنب
نبّئت أن بني الكوّاء قد نبحوافعل الكلاب تتلّى اللّيث في الأشب
يكوي الأبيجر عبد اللّه شيخكمونحن نبرى الّذي يكوى من الكلب
ونسخت من كتابه أيضا قال: كتب ثابت قطنة إلى يزيد بن المهلب يحرّضه:
إن امرأ حدبت ربيعة حولهوالحيّ من يمن وهاب كئودا
لضعيف ما ضمّت جوانح صدرهإن لم يلفّ إلى الجنود جنودا
أيزيدكن في الحرب إذ هيّجتهاكأبيك لا رعشا ولا رعديدا
شاورت أكرم من تناول ماجدفرأيت همّك في الهموم بعيدا
ما كان في أبويك قادح هجنةفيكون زندك في الزنّاد صلودا
إنا لضرّابون في حمس الوغىرأس المتوّج إن أراد صدودا
وقر إذا كفر العجاج ترى لنافي كلّ معركة فوارس صيدا
يا ليت أسرتك الّذين تغيّبواكانوا ليومك بالعراق شهودا
وترى مواطنهم إذا اختلف القناوالمشرفيّة يلتظين وقودا
فقال يزيد لما قرأ كتابه: إن ثابتا لغافل عمّا نحن فيه، ولعمري لأطيعنّه، وسيرى ما يكون، فاكتبوا إليه بذلك.
أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ عن العمري عن الهيثم بن عديّ قال: أنشد مسلمة بن عبد الملك بعد قتل يزيد بن المهلّب قول ثابت قطنة:
يا ليت أسرتك الذين تغيّبواكانوا ليومك يا يزيد شهودا
فقال مسلمة: وأنا واللّه لوددت أنهم كانوا شهودا يومئذ، فسقيتهم بكأسه، قال: فكان مسلمة أحد من أجاب شعرا بكلام منثور فغلبه.
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني عبيد اللّه بن أحمد بن محمّد الكوفي قال: حدّثني محمّد القحذميّ عن سليمان بن ناصح الأسدي قال: خطب ثابت قطنة امرأة كان يميل إليها، فجعل السفير بينه وبينها جويبر بن سعيد المحدّث، فاندسّ فخطبها لنفسه، فتزوّجها ودفع عنها ثابتا، فقال ثابت حين بان له الأمر:
أفشى عليّ مقالة ما قلتهاوسعى بأمر كان غير سديد
إني دعوت اللّه حين ظلمتنيربّي وليس لمن دعا ببعيد
أن لا تزال متيّما بخريدةتسبي الرجال بمقلتين وجيد
حتى إذا وجب الصّداق تلبّستلك جلد أغضف بارز بصعيد
تدعو عليك الحاريات مبرّةفترى الطلاق وأنت غير حميد
قال: فلقى جويبر كلّ ما دعا عليه ثابت به، ولحقه من المرأة كلّ شرّ وضرّ حتى طلّقها بعد أن قبضت صداقها منه.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان ثابت قطنة مع يزيد بن المهلّب في يوم العقر، فلمّا خذله أهل العراق وفروا عنه فقتل، قال ثابت قطنة يرثيه:
كل القبائل با يعوك على الّذيتدعو إليه وتابعوك وساروا
حتى إذا حمس الوغى وجعلتهمنصب الأسنّة أسلموك وطاروا
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكنعارا عليك، وبعض قتل عار
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب المرهبي قال: كانت ربيعة لما حالفت اليمن وحشدت مع يزيد بن المهلب تنزل حواليه هي والأزد، فاستبطأته ربيعة في بعض الأمر، فشغبت عليه حتى أرضاها فيه، فقال ثابت قطنة يهجوهم:
عصافير تنزو في الفساد، وفي الوغىإذا راعها روع جماميح بروق
الجماميح: ما نبت على رؤوس القصب مجتمعا، وواحده جماح، فإذا دقّ تطاير. وبروق: نبت ضعيف.
أأحلم عن ذبّان بكر بن وائلويعلق من نفسي الأذى كلّ معلق
ألم أك قد قلّدتكم طوق خزيةوأنكلت عنكم فيكم كلّ ملصق
لعمرك ما استخلفت بكرا ليشغبواعليّ، وما في حلفكم من معلّق
ضممتكم ضمّا إليّ وأنتمشتات كفقع القاعة المتفرّق
فأنتم على الأدنى أسود خفيّةوأنتم على الأعداء خزّان سملق
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو بكر العامريّ قال: قال القحذميّ: دخل ثابت قطنة على بعض أمراء خراسان - أظنّه قتيبة بن مسلم - فمدحه وسأله حاجة، فلم يقضها له، فخرج من بين يديه وقال لأصحابه: لكن يزيد بن المهلب لو سألته هذا أو أكثر منه لم يردني عنه، وأنشأ يقول:
أبا خالد لم يبق بعدك سوقةولا ملك ممّن يعين على الرّفد
ولا فاعل يرجو المقلّون فضلهولا قائل ينكا العدوّ على حقد
لو أنّ المنايا سامحت ذا حفيظةلأكرمنه أو عجن عنه على عمد
أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: عتب ثابت قطنة على قومه من الأزد في حال استنصر عليها بعضهم فلم ينصره فقال في ذلك:
تعفّفت عن شتم العشيرة إنّنيوجدت أبي قد عفّ عن شتمها قبلي
حليما إذا ما الحلم كان مروءةوأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلي
أخبرني عمي قال: حدّثني العنزيّ عن مسعود بن بشر قال: كان ثابت قطنة بخراسان، فوليها أميّة بن عبد اللّه بن خالد بن أسد لعبد الملك بن مروان، فأقام بها مدّة، ثم كتب إلى عبد الملك: «إن خراج خراسان لا يفي بمطبخي»، وكان أميّة يحمّق، فرفع ثابت قطنة إلى البريد رقعة وقال: أوصل هذه معك، فلما أتى عبد الملك أوصل إليه كتاب أميه، ثم نثل كنانته بين يديه فقرأ ما فيها، حتى انتهى إلى رقعة ثابت قطنة، فقرأها ثم عزله عن خراسان.
صوت
طربت وهاج لي ذاك ادّكارابكشّ وقد أطلت به الحصارا
وكنت ألذّ بعض العيش حتّىكبرت وصار لي همّي شعارا
رأيت الغانيات كرهن وصليوأبدين الصّريمة لي جهارا
الشعر لكعب الأشقريّ، ويقال إنه لثابت قطنة، والصحيح أنه لكعب، والغناء للهذلي، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وذكر في نسخته الثانية أن هذا اللحن لقفا النجّار.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع