من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار كعب الأشقريّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو كعب بن معدان الأشقريّ، والأشاقر: قبيلة من الأزد، وأمّه من عبد القيس، شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان، من أصحاب المهلّب والمذكورين في حروبه للأزارقة، وأوفده المهلّب إلى الحجّاج، وأوفده الحجاج إلى عبد الملك.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدّثنا أبي قال حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي عن قتادة قال: سمعت الفرزدق يقول: شعراء الإسلام أربعة: أنا، وجرير، والأخطل، وكعب الأشقريّ.
أخبرني وكيع قال: حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي عن المتلمّس قال: قلت للفرزدق: يا أبا فراس، أشعرت أنه قد نبغ من عمان شاعر من الأزد يقال له «كعب؟
فقال الفرزدق: إي والّذي خلق الشّعر».
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد، وأخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثنا العمري عن العتبيّ - واللفظ له وخبره أتمّ - قال: أوفد المهلّب بن أبي صفرة كعبا الأشقريّ ومعه مرّة بن التليد الأزدي إلى الحجّاج بخبر وقعة كانت له مع الأزارقة، فلمّا قدما عليه ودخلا داره بدر كعب بن معدان فأنشد الحجّاج قوله:
يا حفص إنّي عداني عنكم السّفروقد سهرت فآذى عيني السّهر
علّقت يا كعب بعد الشّيب غانيةوالشيب فيه عن الأهواء مزدجر
أممسك أنت منها بالّذي عهدتأم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر
ذكرت خودا بأعلى الطّفّ منزلهافي غرفة دونها الأبواب والحجر
وقد تركت بشطّ الزّابيين لهادارا بها يسعد البادون والحضر
واخترت دارا بها قوم أسرّ بهمما زال فيهم لمن تختارهم خير
أبا سعيد فإني سرت منتجعاوطالب الخير مرتاد ومنتظر
لو لا المهلّب ما زرنا بلادهمما دامت الأرض فيها الماء والشجر
وما من الناس من حيّ علمتهمإلّا يرى فيهم من سيبكم أثر
وهي قصيدة طويلة قد ذكرها الرّواة في الخبر، فتركت ذكرها لطولها، يقول فيها:
فما يجاوز باب الجسر من أحدقد عضّت الحرب أهل المصر فانجحروا
كنّا نهوّن قبل اليوم شأنهمحتى تفاقم أمر كان يحتقر
لمّا وهنّا وقد حلّوا بساحتناواستنفر الناس تارات فما نفروا
نادى امرؤ لا خلاف في عشيرتهعنه وليس به عن مثلها قصر
حتى انتهى إلى قوله بعد وصفه وقائعهم مع المهلّب في بلد بلد، فقال:
خبّوا كمينهم بالسّفح إذ نزلوابكازرون فما عزّوا وما نصروا
باتت كتائبنا تردى مسوّمةحول المهلّب حتى نوّر القمر
هناك ولّوا خزايا بعد ما هزمواوحال دونهم الأنهار والجدر
تأبى علينا حزازات النفوس فمانبقي عليهم ولا يبقون إن قدروا
فضحك الحجاج وقال له: إنك لمنصف يا كعب، ثم قال الحجّاج: أخطيب أنت أم شاعر؟ فقال: شاعر وخطيب.
فقال له: كيف كانت حالكم مع عدوّكم؟ قال: كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم، فعفوهم تأنيس منهم، فإذا لقيناهم بجهدنا وجهدهم طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة للحريم نهارا، وفرسان بالليل أيقاظا، قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال: صفهم رجلا رجلا، قال: المغيرة فارسهم وسيّدهم، نار ذاكية، وصعدة عالية، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، ليث غاب، وبحر جمّ العباب، وجوادهم قبيصة، ليث المغار، وحامي الذّمار، ولا يستحي الشجاع أن يفرّ من مدرك، فكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر، وعبد الملك سمّ نافع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الذّعاف، إنما هو طود شامخ، وفخر باذخ، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالمفضّل نجدة، ليث هدّار، وبحر موّار، ومحمّد ليث غاب، وحسام ضراب، قال: فأيّهم أفضل؟ قال: هم كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا، وأمنوا ممّا خافوا، وأرضاهم العدل، وأغناهم النّفل، قال: فكيف رضاهم عن المهلّب؟ قال: أحسن رضا، وكيف لا يكونون كذلك وهم لا يعدمون منه رضا الوالد، ولا يعدم منهم برّ الولد؟ قال: فكيف فاتكم قطريّ؟ قال: كدناه فتحوّل عن منزله وظن أنه قد كادنا، قال: فهلّا تبعتموه! قال: حال الليل بيننا وبينه، فكان التحرّز - إلى أن يقع العيان، ويعلم امرؤ ما يصنع - أحزم، وكان الحدّ عندنا آثر من الفلّ، فقال له المهلّب: كان أعلم بك حيث بعثك وأمر له بعشرة آلاف درهم، وحمله على فرس، وأوفده على عبد الملك بن مروان فأمر له بعشرة آلاف أخرى.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني أبو عمرو بندار الكرجيّ قال: حدّثنا أبو غسّان التميمي عن أبي عبيدة قال: كان عبد الملك بن مروان يقول للشعراء: تشبّهوني مرّة بالأسد، ومرة بالبازي، ومرة بالصقر، ألا قلتم كما قال كعب الأشقريّ في المهلب وولده!
براك اللّه حين براك بحراوفجّر منك أنهارا غزارا
بنوك السابقون إلى المعاليإذا ما أعظم الناس الخطارا
كأنّهم نجوم حول بدردراريّ تكمّل فاستدارا
ملوك ينزلون بكلّ ثغرإذا ما الهام يوم الرّوع طارا
رزان في الأمور ترى عليهممن الشّيخ الشمائل والنجارا
نجوم يهتدى بهم إذا ماأخو الظّلماء في الغمرات حارا
وهذه الأبيات من القصيدة الّتي أوّلها:
طربت وهاج لي ذاك ادّكارا
الّتي فيها الغناء.
أخبرني محمّد بن الحسين الكندي قال: حدّثنا غسّان بن ذكوان الأهوازي قال: ذكر العتبيّ أن زيادا الأعجم هاجى كعبا الأشقريّ، واتصل الهجاء بينهما، ثم غلبه زياد، وكان سبب ذلك أنّ شرّا وقع بين الأزد وبين عبد القيس، وحربا سكّنها المهلّب وأصلح بينهم، وتحمّل ما أحدثه كلّ فريق على الآخر، وأدّى دياته، فقال كعب يهجو عبد القيس:
إنّي وإن كنت فرع الأزد قد علمواأخزى إذا قيل عبد القيس أخوالي
فهم أبو مالك بالمجد شرّفنيودنّس العبد عبد القيس سربالي
قال: فبلغ قوله زيادا الأعجم فغضب وقال: يا عجبا للعبد بن العبد بن الحيتان والسّرطان، يقول هذا في عبد القيس، وهو يعلم موضعي فيهم! واللّه لأدعنّه وقومه غرضا لكل لسان، ثم قال يهجوه:
نبّئت أشقر تهجونا فقلت لهمما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا
لا يكثرون وإن طالت حياتهمولو يبول عليهم ثعلب غرقوا
قوم من الحسب الأدنى بمنزلةكالفقع بالقاع لا أصل ولا ورق
إنّ الأشاقر قد أضحوا بمنزلةلو يرهنون بنعلي عبدنا غلقوا
قال: وقال فيه أيضا:
هل تسمع الأزد ما يقال لهافي ساحة الدّار أم بها صمم؟
اختتن القوم بعد ما هرمواواستعربوا ضلّة وهم عجم
قال: فشكاه كعب إلى المهلّب وأنشده هذين البيتين، وقال: واللّه ما عنى بهما غيرك، ولقد عمّ بالهجاء قومك، فقال المهلّب: أنت أسمعتنا هذا وأطلقت لسانه فينا به، وقد كنت غنيّا عن هجاء عبد القيس وفيهم مثل زياد، فاكفف عن ذكره، فإنك أنت بدأته، ثم دعا بزياد فعاتبه، فقال: أيها الأمير، اسمع ما قال فيّ وفي قومي فإن كنت ظلمته فانتصر، وإلّا فالحجة عليه، ولا حجّة على امرىء انتصر لنفسه وحسبه وعشيرته، وأنشده قول كعب فيهم:
لعلّ عبيد القيس تحسب أنّهاكتغلب في يوم الحفيظة أو بكر
يضعضع عبد القيس في النّاس منصبدنيء وأحساب جبرن على كسر
إذا شاع أمر الناس وانشقّت العصافإنّ لكيزا لا تريش ولا تبري
فقال المهلّب: قد قلت له أيضا، قال: لا واللّه ما انتصرت، ولولاك ما قصّرت وأيّ انتصار في قولي له:
يأيها الجاهل الجاري ليدركنيأقصر فإنّك إن أدركت مصروع
يا كعب لا تك كالعنز الّتي بحثتعن حتفها وجناب الأرض مربوع
وقولي:
لئن نصبت لي الرّوقين معترضالأرمينّك رميا غير ترفيع
إنّ المآثر والأحساب أورثنيمنها المجاجيع ذكرا غير موضوع
يعني مجاعة بن مرّة الحنفي، ومجاعة بن عمرو بن عبد القيس، فأقسم عليهما المهلّب أن يصطلحا، فاصطلحا وتكافّا، وممّا هجا كعب الأشقريّ عبد القيس به قوله:
ثوى عامين في الجيف اللّواتيمطرّحة على باب الفصيل
أحبّ إليّ من ظلّ وكنّلعبد القيس في أصل الفسيل
إذا ثار الفساء بهم تغنّواألم تربع على الدّمن المثول
تظلّ لها ضبابات عليناموانع من مبيت أو مقيل
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب للنضر بن حديد: كانت ربيعة واليمن متحالفة، فكان المهلّب وابنه يزيد ينزلان هاتين القبيلتين في محلتهما، فقال كعب الأشقريّ ليزيد:
لا ترجونّ هنائيّا لصالحةواجعلهم وهدادا أسوة الحمر
حيّان مالهما في الأزد مأثرةغير النّواكة والإفراط في الهذر
واجعل لكيزا وراء الناس كلّهمأهل الفساء وأهل النّتن والقذر
قوم علينا ضباب من فسائهمحتى ترانا له ميدا من السّكر
أبلغ يزيد بأنّا ليس ينفعناعيش رغيد ولا شيء من العطر
حتى تحلّ لكيزا فوق مدرجةمن الرّياح على الأحياء من مضر
ليأخذوا لنزار حظّ سبّتهاكما أخذنا بحظّ الحلف والصّهر
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال: حدّثنا أبي قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى المهلّب يأمره بمناجزة الأزارقة ويستبطئة ويضعّفه، ويعجّزه في تأخيره أمرهم ومطاولتهم، فقال المهلّب لرسوله: قل له: إنّما البلاء أنّ الأمر إلى من يملكه لا إلى من يعرفه، فإن كنت نصبتني لحرب هؤلاء القوم على أن أدبّرها كما أرى، فإن أمكنتني الفرصة انتهزتها، وإن لم تمكنّى توقّفت، فأنا أدبر ذلك بما يصلحه، وإن أردت منّي أن أعمل وأنا حاضر برأيك وأنت غائب، فإن كان صوابا فلك، وإن كان خطأ فعليّ، فابعث من رأيت مكاني، وكتب من فوره بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه عبد الملك: لا تعارض المهلّب فيما يراه ولا تعجله، ودعه يدبّر أمره، وقام الأشقريّ إلى المهلّب فأنشده بحضرة رسول الحجاج:
إن ابن يوسف غرّه من غزوكمخفض المقام بجانب الأمصار
لو شاهد الصّفّين حين تلاقياضاقت عليه رحيبة الأقطار
من أرض سابور الجنود، وخيلنامثل القداح بريتها بشفار
من كلّ خنذيذ يرى بلبانهوقع الظّباة مع القنا الخطّار
ورأى معاودة الرّباع غنيمةأزمان كان محالف الإقتار
فدع الحروب لشيبها وشبابهاوعليك كلّ خريدة معطار
فبلغت أبياته الحجّاج، فكتب إلى المهلب يأمره بإشخاص كعب الأشقري إليه، فأعلم المهلّب كعبا بذلك، وأوفده إلى عبد الملك من تحت ليلته، وكتب إليه يستوهبه منه، فقدم كعب على عبد الملك، واستنشده فأعجبه ما سمع منه، فأوفده إلى الحجّاج، وكتب إليه يقسم عليه أن يعفو عنه ويعرض عمّا بلغه من شعره، فلما وصل إليه ودخل عليه قال: إيه يا كعب.
ورأى معاودة الرّباع غنيمة
فقال له: أيها الأمير، واللّه لقد وددت في بعض ما شاهدته في تلك الحروب وأزماتها، وما يوردناه المهلّب من خطرها، أن أنجو منها وأكون حجّاما أو حائكا، فقال له الحجّاج: أولى لك، لو لا قسم أمير المؤمنين لما نفعك ما أسمع، فالحق بصاحبك، وردّه من وقته.
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب النضر بن حديد: لمّا عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان ووليها قتيبة بن مسلم، مدحه كعب الأشقريّ، ونال من يزيد وثلبه، ثم بلغته ولاية يزيد على خراسان، فهرب إلى عمان على طريق الطّبسين وقال:
وإنّي تارك مروا ورائيإلى الطّبسين معتام عمانا
لآوي معقلا فيها وحرزافكنّا أهل ثروتها زمانا
فأقام بعمان مدّة ثم اجتواها، وساءت حاله بها، فكتب إلى المهلّب معتذرا:
بئس التبدّل من مرو وساكنهاأرض عمان وسكنى تحت أطواد
يضحي السحاب مطيرا دون منصفهاكأنّ أجبالها علّت بفرصاد
يا لهف نفسي على أمر خطلت بهوما شفيت به غمري وأحقادي
أفنيت خمسين عاما في مديحكمثم اغتررت بقول الظالم العادي
أبلغ يزيد قرين الجنود مألكةبأنّ كعبا أسير بين أصفاد
فإن عفوت فبيت الجود بيتكموالدهر طوران من غيّ وإرشاد
وإن مننت بصفح أو سمحت بهنزعت نحوك أطنابي وأوتادي
وذكر المدائني أن يزيد بن المهلّب حبسه ودسّ إليه ابن أخ له فقتله.
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب النّضر أيضا أن الحجّاج كتب إلى يزيد بن المهلّب يأمره بقتل بني الأهتم، فكتب إليه يزيد: إن بني الأهتم أصحاب مقال وليسوا بأصحاب فعال، فلا تقدّر أن نحدث فيهم ضررا، وفي قتلهم عار وسبّة؛ واستوهبهم منه، فتغافل عنهم، ثم انضمّوا إلى المفضل بن المهلّب، فكتب إليه الحجّاج يأمره بقتلهم، فكتب إليه بمثل ما كتب به أخوه، فأعفاهم، ثم ولي قتيبة بن مسلم، فخرجوا إليه والتقوا معه، وذكروا بني المهلّب فعابوهم، فقبلهم قتيبة واحتوى عليهم، فكانوا يغرون الجند عليه ويحملونهم على سوء الطاعة، فكتب يشكوهم إلى الحجّاج، فكتب إليه يأمره بقتلهم، فقتلهم جميعا، فقال كعب الأشقريّ في ذلك:
قل للأهاتم من يعود بفضلهبعد المفضّل والأغرّ يزيد
ردّا صحائف حتفكم بمعاذررجعت أشائم طيركم بسعود
ردّا على الحجّاج فيكم أمرهفجزيتم إحسانه بجحود
فاليوم فاعتبروا فعال أخيكمإنّ القياس لجاهل ورشيد
قال أبو الفرج: ونسخت من كتابه أيضا قال: ولّى يزيد بن المهلّب رجلا من اليحمد يقال له عمرو بن عمير الزّمّ، فلقيه كعب الأشقريّ فقال له: أنت شيخ من الأزد يولّيك الزّمّ. ويولّي ربيعة الأعمال السنيّة، وأنشده:
لقد فازت ربيعة بالمعاليوفاز اليحمديّ بعهد زمّ
فإن تك راضيا منهم بهذافزادك ربّنا غمّا بغمّ
إذا الأزديّ وضّح عارضاهوكانت أمّه من حيّ جرم
فثمّ حماقة لا شكّ فيهامقابلة فمن خال وعمّ
لو كنت خلّيتني يا كعب متّكئافي دور زمّ لما أقفرت من علف
ومن نبيذ ومن لحم أعلّ بهلكنّ شعرك أمر كان من حرفي
إنّ الشقيّ بمرو من أقام بهايقارع السّوق من بيع ومن حلف
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال: حدّثني الرّياشي عن الأصمعيّ قال: قال كعب الأشقريّ يهجو زيادا الأعجم:
وأقلف صلّى بعد ما ناك أمّهيرى ذاك في دين المجوس حلالا
فقال له زياد: يابن النّمامة أهي أخبرتك أنّي أقلف؟ فغلبه زياد.
والقصيدة الّتي أوّلها: طربت وهاج لي ذاك ادّكارا
وفيه الغناء المذكور بذكره خبر كعب الأشقريّ، يمدح بها المهلّب بن أبي صفرة ويذكر قتاله الأزارقة، وفيها يقول بعد الأبيات الأربعة الّتي فيها الغناء:
غرضن بمجلسي وكرهن وصليأوان كسيت من شمط عذارا
زرين عليّ حين بدا مشيبيوصارت ساحتي للهمّ دارا
أتاني والحديث له نماءمقالة جائر أحفى وجارا
سلوا أهل الأباطح من قريشعن العزّ المؤبّد أين صارا
ومن يحمي الثغور إذا استحرّتحروب لا ينون لها غرارا
لقومي الأزد في الغمرات أمضىوأوفى ذمّة وأعزّ جارا
هم قادوا الجياد على وجاهامن الأمصار يقذفن المهارا
بكلّ مفازة وبكلّ سهببسابس لا يرون لها منارا
إلى كرمان يحملن المنايابكلّ ثنيّة يوقدن نارا
شوازب لم يصبن الثار حتىرددناها مكلّمة مرارا
ويشجرن العوالي السّمر حتّىترى فيها عن الأسل ازورارا
غداة تركن مصرع عبد ربّيثرن عليه من رهج عصارا
ويوم الزحف بالأهواز ظلنانروّي منهم الأسل الحرارا
فقرّت أعين كانت حديثاولم يك نومها إلا غرارا
صنائعنا السّوابغ والمذاكىومن بالمصر يحتلب العشارا
فهنّ يبحن كلّ حمى عزيزويحمين الحقائق والذّمارا
طوالات المتون يصنّ إلاإذا سار المهلّب حيث سارا
فلولا الشّيخ بالمصرين ينفيعدوّهم لقد تركوا الديارا
ولكن قارع الأبطال حتىأصابوا الأمن واجتنبوا الفرارا
إذا وهنوا وحلّ بهم عظيميدقّ العظم كان لهم جبارا
ومبهمة يحيد الناس عنهاتشبّ الموت شدّ لها الإزارا
شهاب تنجلي الظّلماء عنهيرى في كلّ مبهمة منارا
بل الرحمن جارك إذ وهنّابدفعك عن محارمنا اختيارا
براك اللّه حين براك بحراوفجّر منك أنهارا غزارا
وقد مضت هذه الأبيات متقدّمة فيما سلف من أخبار كعب وشعره.
أخبرني عمي قال: حدّثنا محمّد بن سعد الكراني قال: حدّثني العمريّ عن العتبيّ قال: قال عبد الملك بن مروان: يا معشر الشعراء، تشبّهوننا بالأسد الأبخر، والجبل الوعر، والملح الأجاج؟ ألا قلتم كما قال كعب الأشقريّ في المهلب وولده:
لقد خاب أقوام سروا ظلم الدّجىيؤمّون عمرا ذا الشعير وذا البرّ
يؤمّون من نال الغنى بعد شيبهوقاسى وليدا ما يقاسي ذو والفقر
فقل للجيم يا لبكر بن وائلمقالة من يلحى أخاه ومن يزري
فلو كنتم حيّا صميما نفيتمبخيلكم بالرّغم منه وبالصّغر
ولكنكم يا آل بكر بن وائليسودكم من كان في المال ذا وفر
هو المانع الكلب النّباح وضيفهخميص الحشا يرعى النجوم الّتي تسري
قال: وكان بين كعب وبين ابن أخيه هذا تباعد وعداوة، وكانت أمّه سوداء فقال يهجوه:
إنّ السواد الّذي سربلت تعرفهميراث جدّك عن آبائه النّوب
أشبهت خالك خال اللؤم مؤتسيابهديه سالكا في شرّ أسلوب
قال المدائنيّ في خبره: وكان ابن أخي كعب هذا عدوّا له يسعى عليه، فلما سأل مجزأة بن زياد بن المهلب أباه في كعب فخلّاه، دسّ إليه زياد بن المهلّب ابن أخيه الشاعر، وجعل له مالا على قتله، فجاءه يوما وهو نائم تحت شجرة، فضرب رأسه بفأس فقتله، وذلك في فتنة يزيد بن المهلّب وهو بعمان يومئذ، وكان لكعب أخ غير أخيه الّذي قتله ابنه، فلما قتل يزيد بن المهلّب فرّق مسلمة بن عبد الملك أعماله على عمّال شتّى فولّي البصرة وعمان عبد الرحمن بن سليمان الكلبيّ، فاستخلف عبد الرحمن على عمان محمّد بن جابر الراسبيّ، فأخذ أخو كعب الباقي ابن أخيه الّذي قتل كعبا، فقدّمه إلى محمّد بن جابر، وطلب القود منه بكعب، فقيل له: قتل أخوك بالأمس، وتقتل قاتله وهو ابن أخيك اليوم! وقد مضى أخوك وانقضى، فتبقى فردا كقرن الأعضب! فقال: نعم إن أخي كعبا كان سيّدنا وعظيمنا ووجهنا، فقتله هذا، وليس فيه خير، ولا في بقائه عزّ، ولا هو خلف من كعب فأنا أقتله به، فلا خير في بقائه بعد كعب، فقدّمه محمّد بن جابر فضرب عنقه واللّه أعلم.
أخبرنا أبو بكر محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم قال: حدّثنا العمري، عن الهيثم بن عديّ ولقيط وغيرهما، قالوا: حاصر يزيد بن المهلّب مدينة خوارزم في أيام ولايته، فلم يقدر على فتحها، واستصعب عليه، ثم عزل وولّي قتيبة بن مسلم، فزحف إليها، فحاصرها ففتحها، فقال كعب الأشقريّ يمدحه ويهجو يزيد بن المهلّب بقوله:
رمتك فيل بما فيها وما ظلمتمن بعد ما رامها الفجفاجة الصّلف
قيس صريح وبعض الناس يجمعهمقرى وريف ومنسوب ومقترف
منهم شناس ومرداذاء نعرفهوفسخراء، قبور حشوها القلف
لم يركبوا الخيل إلّا بعد ما هرموافهم ثقال على أكتافها عنف
قال: الفيل الّذي ذكره هو حصن خوارزم يقال له الكهندر، والكهندر: الحصن العتيق، والفجفاجة: الكثير الكلام. وشناس: اسم أبي صفرة، فغيّره، وتسمّى ظالما، ومرداذاء: أبو أبي صفرة، وسمّوه بسراق لمّا تعرّبوا، وفسخراء: جدّه، وهم قوم من الخوز من أهل عمان، نزلوا الأزد، ثم ادّعوا أنّهم صليبة صرحاء منهم،
صوت
لأسماء رسم أصبح اليوم دارساوقفت به يوما إلى اللّيل حابسا
فجئنا بهيت لا نرى غير منزلقليل به الآثار إلّا الروامسا
يدورون بي في ظلّ كلّ كنيسةفينسونني قومي وأهوى الكنائسا
البيت الأوّل من الشعر للعبّاس بن مرداس السّلميّ، وبيت العبّاس مصراعه الثاني:
توهّمت منه رحرحان فراكسا
وغيّره يزيد بن معاوية فقال مكان هذا المصراع:
وقفت به يوما إلى اللّيل حابسا
والبيت الثاني للعبّاس بن مرداس، والثالث ليزيد بن معاوية، ذكر بعض الرّواة أنه قاله على هذا الترتيب وأمر بديحا أن يغنّي فيه، ففعل؛ ولم يأت ذلك من جهة يوثق بها، والصحيح أنّ الغناء لمالك، خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ ويحيى المكّيّ، وهذا صوت زعموا أن مالكا صنعه على لحن سمعه من الرّهبان.
أخبرني الحسن بن يحيى، عن حمّاد بن إسحاق، عن أحمد المكّيّ، عن أبيه، عن سياط، أن مالكا دخل مع الوليد بن يزيد ديرا، فسمع لحنا من بعض الرّهبان، فاستحسنه، فصنع عليه.
ليس رسم على الدّفين ببالي
فلما غنّاه الوليد قال له: الأوّل أحسن فعد إليه. اللحن الثاني الّذي لمالك، ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ وعمرو، وأوله:
درّ درّ الشّباب والشعر الأسود والضامرات تحت الرحال
والخناذيذ كالقداح من الشوحط يحملن شكّة الأبطال
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع