من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن قنبر ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الحكم بن محمّد بن قنبر المازني مازن بني عمرو بن تميم، بصريّ شاعر ظريف من شعراء الدولة الهاشميّة، وكان يهاجي مسلم بن الوليد الأنصاري مدّة، ثم غلبه مسلم.
قال أبو الفرج: نسخت من كتاب جدّي يحيى بن محمّد بن ثوابة بخطّه: حدّثني الحسن بن سعيد قال: حدّثني منصور بن جهور قال: لمّا تهاجى مسلم بن الوليد وابن قنبر، أمسك عنه مسلم بعد أن بسط عليه لسانه، فجاء مسلما ابن عم له فقال: أيها الرجل، إنك عند الناس فوق هذا الرجل في عمود الشعر، وقد بعثت عليك لسانك ثم أمسكت عنه، فإما أن قاذعته، وإما أن سالمته؛ فقال له مسلم: إن لنا شيخا وله مسجد يتهجد فيه، وله دعوات يدعوها، ونحن نسأله أن يجعل بعض دعواته في كفايتنا إياه، فأطرق الرجل ساعة ثم قال:
غلب ابن قنبر واللئيم مغلّبلما اتّقيت هجاءه بدعاء
ما زال يقذف بالهجاء ولذعهحتى اتقوه بدعوة الآباء
قال: فقال له مسلم: واللّه ما كان ابن قنبر ليبلغ منّي هذا، فأمسك عني لسانك وتعرف خبره بعد، قال: فبعث الرجل واللّه عليه من لسان مسلم ما أسكته.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه العبدي القسري قال: رأيت مسلم بن الوليد والحكم بن قنبر في مسجد الرّصافة في يوم جمعة، وكل واحد منهما بإزاء صاحبه، وكانا يتهاجيان، فبدأ مسلم فأنشد قصيدته:
أنا النار في أحجارها مستكنّةفإن كنت ممّن يقدح النار فاقدح
وتلاه ابن قنبر فأنشد قوله:
قد كدت تهوي وما قوسي بموترةفكيف ظنّك بي والقوس في الوتر
فوثب مسلم وتواخزا وتواثبا حتى حجز الناس بينهما فتفرّقا، فقال رجل لمسلم - وكان يتعصب له -: ويحك! أعجزت عن الرجل حتى واثبته؟ قال: أنا وإيّاه لكما قال الشاعر:
هنيئا مريئا أنت بالفحش أبصر
وكان ابن قنبر مستعليا عليه مدّة، ثم غلبه مسلم بعد ذلك، فمن مناقضتهما قول ابن قنبر:
ومن عجب الأشياء أنّ لمسلمإليّ نزاعا في الهجاء وما يدري
واللّه ما قيست عليّ جدودهلدي مفخر في الناس قوسا ولا شعري
ولابن قنبر قوله:
كيف أهجوك يا لئيم بشعريأنت عندي فاعلم هجاء هجائي
يا دعيّ الأنصار بل عبدها النذل تعرّضت لي لدرك الشقاء
أنشد المأمون بيتين له وأمر ابن محرز بتلحينها.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني أبو توبة، عن محمّد بن جبير عن الحسين بن محرز المغنّي المديني قال: دخلت يوما على المأمون في يوم نوبتي وهو ينشد:
صوت
فما أقصر اسم الحبّ يا ويح ذي الحبّوأعظم بلواه على العاشق الصبّ
يمرّ به لفظ اللّسان مشمّراويغرق من ساقاه في لجج الكرب
فلما بصر بي قال: تعال يا حسين، فجئت، فأنشدني البيتين، ثم أعادهما عليّ حتى حفظتهما، ثم قال: اصنع فيهما لحنا، فإن أجدت سررتك، فخلوت وصنعت فيهما لحني المشهور، وعدت فغنيّته إيّاه، فقال: أحسنت، وشرب عليه بقيّة يومه، وأمر لي بألف دينار، والشعر لحكم بن قنبر.
أخبرني محمّد بن الأزهر قال: حدّثني حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن محمّد بن سلّام قال: أنشدني ابن قنبر لنفسه:
ويلي على من أطار النوم وامتنعاوزاد قلبي على أوجاعه وجعا
ظبي أغرّ ترى في وجهه سرجاتعشي العيون إذا ما نوره سطعا
كأنما الشمس في أثوابه بزغتحسنا، أو البدر في أردانه طلعا
فقد نسيت الكرى من طول ما عطلتمنه الجفون وطارت مهجتي قطعا
قال ابن سلّام: ثم قال ابن قنبر: لقيتني جوار من جواري سليمان بن عليّ في الطريق الّذي بين المربد وقصر أوس، فقلن لي: أنت الّذي تقول:
ويلي على من أطار النوم وامتنعا
فقلت: نعم. فقلن: أمع هذا الوجه السّمج تقول هذا؟ ثم جعلن يجذبنني ويلهون بي حتى أخرجنني من ثيابي، فرجعت عاريا إلى منزلي. قال: وكان حسن اللّباس.
أخبرني محمّد بن الحسين الكنديّ مؤدّبي قال: حدّثني علي بن محمّد النّوفلي قال: حدّثني عمي قال: دخل الحكم بن قنبر على عمّي - وكان صديقا له - فبشّ به ورفع مجلسه، وأظهر له الأنس والسرور، ثم قال: أنشدني أبياتك الّتي أقسمت فيها بما في قلبك. فأنشده:
وحقّ الّذي في القلب منك فإنهعظيم لقد حصّنت سرّك في صدري
ولكنّما أفشاه دمعي، وربّماأتى المرء ما يخشاه من حيث لا يدري
فهب لي ذنوب الدمع، إني أظنّهبما منه يبدو إنما يبتغي ضرّي
ولو يبتغي نفعي لخلّى ضمائرييردّ على أسرار مكنونها ستري
فقال لي: يا بنيّ اكتبها واحفظها، ففعلت وحفظتها يومئذ وأنا غلام.
أخبرني اليزيديّ قال: أخبرني عمي عن ابن سلّام، وأخبرني به أحمد عن ابن عباس العسكري عن القنبري عن محمّد بن سلام قال: أنشدني ابن قنبر لنفسه قوله:
صرمتني ثم لا كلّمتني أبداإن كنت خنتك في حال من الحال
ولا اجترمت الّذي فيه خيانتكمولا جرت خطرة منه على بالي
قال: فقلت له وأنا أضحك: يا هذا لقد بالغت في اليمين. فقال: هي عندي كذاك، وإن لم تكن عندك كما هي عندي.
قال اليزيدي: قال عمّي وهو الّذي يقول (وفيه غناء):
صوت
ليس فيها ما يقال لهكملت لو أنّ ذا كملا
كلّ جزء من محاسنهاكائن في فضله مثلا
لو تمنّت في ملاحتهالم تجد من نفسها بدلا
فيه لحن لابن القصّار رمل.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني ابن مهرويه قال: قال لي إبراهيم بن المدبّر: أتعرف الّذي يقول:
إن كنت لا ترهب ذمّي لماتعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي فطنا منصتافيك لتحسين خنا القائل
مقالة السّوء إلى أهلهاأسهل من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّهذمّوه بالحّقّ وبالباطل
فقلت: هذه للعتّابي، فقال: ما أنشدتها إلّا لابن قنبر، فقلت له: من شاء منهما فليقلها، فإنّه سرقه من قول عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة:
وإن أنا لم آمر ولم أنه عنكماسكتّ له حتى يلجّ ويستشري
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو مسلم يعني محمّد بن الجهم قال: أطعم رجل من ولد عبد اللّه بن كريز صديقا له ضيعة، فمكثت في يده مدة، ثم مات الكريزي، فطالب ابنه الرجل بالضيعة، فمنعه إياها، فاختصما إلى عبيد اللّه بن الحسن، فقيل له: ألا تستحي! تطالب بشيء إن كنت فيه كاذبا أثمت، وإن كنت صادقا فإنما تريد أن تنقض مكرمة لأبيك، فقال له ابن الكريزي - وكان ساقطا -: الشحيح أعظم من الظالم أعزك اللّه، فقال له عبيد اللّه بن الحسن: هذا الجواب واللّه أعزّ من الخصومة ويحك، وهذا موضع هذا القول، اللهم اردد على قريش أخطارها، ثم أقبل علينا فقال: للّه درّ الحكم بن قنبر حيث يقول:
إذا القرشيّ لم يشبه قريشابفعلهم الّذي بذّ الفعالا
فجرميّ له خلق جميللدى الأقوام أحسن منه حالا
أخبرني محمّد بن الحسين الكندي قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثنا مسعود بن بشر قال: شكا العبّاس بن محمّد إلى الرشيد أن ربيعة الرّقّيّ هجاه فقال له: قد سمعت ما كان مدحك به، وعرفت ثوابك إياه، وما قال في ذمّك بعد ذلك، فما وجدته ظلمك به، وللّه درّ ابن قنبر حيث قال:
ومن دعا الناس إلى ذمّهذمّوه بالحقّ وبالباطل
وبعد، فقد اشتريت عرضك منه، وأمرته بأن لا يعود لذمّك تعريضا ولا تصريحا.
أخبرني محمّد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدّثنا محمّد بن سلّام قال: مرض ابن قنبر فأتوه بخصيب الطبيب يعالجه، فقال فيه:
ولقد قلت لأهليإذ أتوني بخصيب
ليس واللّه خصيبللّذي بي بطبيب
إنّما يعرف دائيمن به مثل الّذي بي
قال: وكان خصيب عالما بمرضه، فنظر إلى مائه فقال: زعم جالينوس أن صاحب هذه العلّة إذا صار ماؤه هكذا لم يعش، فقيل له: إن جالينوس ربما أخطأ، فقال: ما كنت إلى خطئه أحوج منّي إليه في هذا الوقت. قال: ومات من علته.
صوت
خليليّ من سعد ألمّا فسلّماعلى مريم، لا يبعد اللّه مريما
وقولا لها هذا الفراق عزمتهفهل من نوال قبل ذاك فنعلما
الشعر للأسود بن عمارة النوفلي، والغناء لدهمان ثاني ثقيل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع