من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن القصّار ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه فيما أخبرني به أبو الفضل بن برد الخيار، سليمان بن عليّ: وذكره جحظة في كتاب الطّنبوريّين، فتلّه في نفسه وأخلاقه ومدح صنعته، وقال: مما أحسن فيه قوله:
أرقت لبرق لاح في فحمة الدّجىفأذكرني الأحباب والمنزل الرّحبا
قال: وهذا خفيف رمل مطلق. ومما أحسن فيه أيضا:
تعالي نجدّد عهد الصّباونصفح للحبّ عمّا مضى
وهو خفيف رمل مطلق أيضا:
وذكر أنه كان مع أبيه قصّارا، وتعلّم الغناء فبرع فيه. ومن طيّب ما ثلبه به جحظة وتنادر عليه به - وأراها مصنوعة - أنّه مرّ يوما على أبيه، ومعه غلام يحمل قاطرميز نبيذ، وجوامرجة مذبوحة مسموطة، فقال: الحمد للّه الّذي أراني ابني قبل موتي يأكل لحم الجواميرات، ويشرب نبيذ القاطرميزات.
وحدّث عن بعض جيرانه أنّ ابن القصّار غنّى له يوما بحبل ودلو، وأنّ إسماعيل بن المتوكّل وهب له مائتي أترجّة كانت بين يديه، فباعها بثلاثة دنانير، وأنه يحمل بلبكيذة إلى دار السلطان، وله فيه خبز وجبن فيأكله، ويحمل في البلبكيذ ما يوضع بين يديه في دار السلطان، فيدعو إخوانه عليه. وأكثر من ثلب الرجل مما لا فائدة فيه.
ولو أراد قائل يقول فيه ما لا يبعد من هذه الأخلاق لوجد مقالا واسعا، ولكنه مما يقبح ذكره، سيّما وقد لقيناه وعاشرناه. عفا اللّه عنا وعنه.
أخبرنا ذكاء وجه الرّزّة قال: كنا نجتمع مع جماعة في الطّنبوريّين، ونشاهدهم في دور الملوك وبحضرة السلطان، فما شاهدت منهم أفضل من المسرور وعمر الميداني وابن القصّار.
وحدّثني قمريّة البكتمريّة قالت: كنت لرجل من الكتّاب يعرف بالبلّوريّ، وكان شيخا، وكانت ستّي الّتي ربّتني مولاته، وكانت مغنّية شجيّة الصّوت حسنة الغناء، وكانت تعشق ابن القصّار، وكانت علامة مصيره إليها أن يجتاز في دجلة وهو يغنّي، فإن قدرت على لقائه أوصلته إليها، وإلّا مضى. فأذكره وقد اجتاز بنا في ليلة مقمرة وهو يغنّي خفيف رمل قال:
أنا في يمنى يديهاوهي في يسرى يديّه
إنّ هذا لقضاءفيه جور يا أخيّه
ويل ويلي يا أبيّه
وكانت ستّي واقفة بين يدي مولاها، فما ملكت نفسها أن صاحت: أحسنت واللّه يا رجل! فتفضّل وأعد، ففعل وشرب رطلا وانصرف، وعلم أنه لا يقدر على الوصول إليها. وكان مولاها يعرف الخبر، فتغافل عنها لموضعها من قلبه؛ فلا أذكر أنّي سمعت قطّ أحسن من غنائه.
صوت
باح بالوجد قلبك المستهاموجرت في عظامك الأسقام
يوم لا يملك البكاء أخو الشّوق فيشفى ولا يردّ سلام
لم يقع إليّ قائل هذا الشعر. والغناء لمعبد اليقطينيّ ثاني ثقيل بالبنصر عن أحمد بن المكّيّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع