تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار قلم الصّالحيّة

فيه ١٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كانت قلم الصالحية جارية مولّدة صفراء حلوة حسنة الغناء والضرب حاذقة، قد أخذت عن إبراهيم وابنه إسحاق، ويحيى المكيّ، وزبير بن دحمان. وكانت لصالح بن عبد الوهّاب أخي أحمد بن عبد الوهّاب كاتب صالح بن الرشيد، وقيل: بل كانت لأبيه. وكانت لها صنعة يسيرة نحو عشرين صوتا، واشتراها الواثق بعشرة آلاف دينار.

فأخبرني محمّد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثني رذاذ أبو الفضل المغنّي مولى المتوكل على اللّه، قال حدّثني أحمد بن الحسين بن هشام، قال: كانت قلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب إحدى المغنّيات المحسنات المتقدمات، فغنى بين يدي الواثق لحن لها في شعر محمّد بن كناسة، قال:

فيّ انقباض وحشمة فإذاصادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتهاوقلت ما قلت غير محتشم
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

فسأل: لمن الصنعة فيه؟ فقيل: لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب. فبعث إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات فأحضره. فقال: ويلك! من صالح بن عبد الوهاب هذا؟ فأخبره. قال: أين هو؟ قال: ابعث فأشخصه وأشخص معه جاريته. فقدما على الواثق، فدخلت عليه قلم، فأمرها بالجلوس والغناء، فغنّت، فاستحسن غناءها وأمر بابتياعها. فقال صالح: أبيعها بمائة ألف دينار وولاية مصر. فغضب الواثق من ذلك، وردّ عليه. ثم غنّى بعد ذلك زرزور الكبير في مجلس الواثق صوتا، الشعر فيه لأحمد بن عبد الوهاب أخي صالح، والغناء لقلم، وهو:

أبت دار الأحبّة أن تبيناأجدّك ما رأيت لها معينا
تقطّع نفسه من حبّ ليلىنفوسا ما أثبن ولا جزينا

فسأل: لمن الغناء؟ فقيل: لقلم جارية صالح، فبعث إلى ابن الزّيات: أشخص صالحا ومعه قلم. فلما أشخصهما دخلت على الواثق، فأمرها أن تغنّيه هذا الصوت، فغنته، فقال لها: الصنعة فيه لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: بارك اللّه عليك. وبعث إلى صالح فأحضر، فقال: أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين فما يجوز أن أملك شيئا له فيه رغبة، وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فإنّ من حقّها عليّ إذا تناهيت في قضائه أن أصيّرها ملكه، فبارك اللّه له فيها. فقال له الواثق: قد قبلتها. وأمر ابن الزيات أن يدفع إليه خمسة آلاف دينار، وسماها احتياطا، فلم يعطه ابن الزيات المال ومطله به، فوجّه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك، فغنت الواثق وقد اصطبح صوتا، فقال لها: بارك اللّه فيك وفيمن ربّاك. فقالت: يا سيدي وما نفع من ربّاني منّي إلا التعب والغرم عليّ والخروج منّي صفرا؟ قال: أو لم آمر له بخمسة آلاف دينار؟ قالت: بلى! ولكنّ ابن الزيّات لم يعطه شيئا. فدعا بخادم من خاصّة الخدم ووقّع إلى آبن الزيات بحمل الخمسة آلاف الدينار إليه، وخمسة آلاف دينار أخرى معها.

قال صالح: فصرت مع الخادم إليه بالكتاب، فقربني وقال: أما الخمسة الآلاف الأولى فخذها فقد حضرت، والخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة. فقمت، ثم تناساني كأنه لم يعرفني، وكتبت أقتضيه، فبعث إليّ: اكتب لي قبضا بها وخذها بعد جمعة. فكرهت أن أكتب قبضا بها فلا يحصل لي شيء، فاستترت وهو في منزل صديق لي؛ فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق، فبعث إليّ بالمال وأخذ كتابي بالقبض. ثم لقيني الخادم بعد ذلك فقال لي: أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك فأسألك، هل قبضت المال؟ قلت: نعم قد قبضته.

قال صالح: وابتعت بالمال ضيعة وتعلّقت بها وجعلتها معاشي، وقعدت عن عمل السلطان فما تعرضت منه لشيء بعدها.

أخبرني محمّد بن يحيى قال أخبرني ابن إسحاق الخراسانيّ. قال: وحدّثني محمّد بن مخارق قال: لما بويع الواثق بالخلافة دخل عليه علي بن الجهم فأنشده قوله:

قد فاز ذو الدّنيا وذو الدّينبدولة الواثق هارون
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وعمّ بالإحسان من فعلهفالناس في خفض وفي لين
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ما أكثر الداعي له بالبقاوأكثر التّالي بآمين
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وأنشده أيضا قوله فيه:

وثقت بالملك الواثق باللّه النّفوس
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
أسد تضحك عن شدّاته الحرب العبوس
أنس السيف به واستوحش العلق النفيس
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
يا بني العباس يأبى اللّه إلّا أن تسوسوا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

قال: فوصله الواثق صلة سنيّة.

وتغنّت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين، فسمع الواثق الشّعرين واللحنين من غيرها فأراد شراءها، وأمر محمّد بن عبد الملك الزيات بإحضار مولاها وإحضارها، واشتراها منه بعشرة آلاف دينار.

صوت

وكنت أعير الدمع قبلك من بكىفأنت على من مات قبلك شاغله
للشاعر الخنساء، من قصيدة «سقى جدثا أكناف غمرة دونه»
سقى جدثا أعراف غمرة دونهببيشة ديمات الربيع ووابله
وما بي حبّ الأرض إلا جوارهاصداه وقول ظنّ أنّي قائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

الشعر للشمردل بن شريك من قصيدة طويلة مشهورة يرثي بها أخاه، والغناء لعبد اللّه بن العباس الربيعي ثقيل أوّل بالوسطى، ابتداؤه نشيد، ولمقاسة بن ناصح فيه خفيف رمل بالوسطى جميعا عن الهشامي، وذكر حبش أن خفيف الرمل لخزرج.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»