من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الحارث بن الطفيل ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الحارث بن الطفيل بن عمرو بن عبد اللّه بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عبد اللّه بن عدثان بن عبيد اللّه بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللّه بن مالك بن نصر بن الأزد، شاعر فارس، من مخضرمي شعراء الجاهلية والإسلام، وأبوه الطفيل بن عمرو شاعر أيضا، وهو أوّل من وفد من دوس على النبي صلّى اللّه عليه وسلم، فأسلم وعاد إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام.
أخبرني عمي قال: حدّثنا الحزنبل بن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، واللفظ في الخبر له، واللّه أعلم.
وأخبرني به محمّد بن الحسن بن دريد قال: حدّثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه: إنّ الطفيل بن عمرو بن عبد اللّه بن مالك الدوسيّ خرج حتى أتى مكة حاجّا، وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، وكان رجلا يعصو - والعاصي البصير بالجراح، ولذلك يقال لولده: بنو العاصي - فأرسلته قريش إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا: انظر لنا ما هذا الرجل، وما عنده؟ فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فعرض عليه الإسلام، فقال له: إنّي رجل شاعر، فاسمع ما أقول. فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم: هات. فقال:
لا وإله الناس نألم حربهمولو حاربتنا منهب وبنو فهم
ولمّا يكن يوم تزول نجومهتطير به الرّكبان ذو نبأ ضخم
أسلما على خسف ولست بخالدومالي من واق إذا جاءني حتمي
فلا سلم حتّى تحفز الناس خيفةويصبح طير كانسات على لحم
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: وأنا أقول فاستمع، ثم قال: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
ثم قرأ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
، ودعاه إلى الإسلام فأسلم، وعاد إلى قومه، فأتاهم في ليلة مطيرة ظلماء، حتى نزل بروق، وهي قرية عظيمة لدوس فيها منبر، فلم يبصر أين يسلك، فأضاء له نور في طرف سوطه، فبهر الناس ذلك النور، وقالوا: نار أحدثت على القدوم ثم على بروق لا تطفأ. فعلقوا يأخذون بسوطه فيخرج النور من بين أصابعهم، فدعا أبويه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمّة، ودعا قومه فلم يجبه إلا أبو هريرة، وكان هو وأهله في جبل يقال له ذو رمع، فلقيه بطريق يزحزح، وبلغنا أنه كان يزخف في العقبة من الظلمة ويقول:
يا طولها من ليلة وعناءهاعلى أنها من بلدة الكفر نجّت
ثم أتى الطفيل بن عمرو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ومعه أبو هريرة، فقال له: ما وراءك؟ فقال: بلاد حصينة وكفر شديد.
فتوضأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال: «اللهم اهد دوسا» ثلاث مرات. قال أبو هريرة: فلما صلّى النبي صلّى اللّه عليه وسلم خفت أن يدعو على قومي فيهلكوا، فصحت: وا قوماه! فلما دعا لهم سرّي عني، ولم يحب الطفيل أن يدعو لهم لخلافهم عليه، فقال له: لم أحبّ هذا منك يا رسول اللّه. فقال له: إن فيهم مثلك كثيرا. وكان جندب بن عمرو بن حممة بن عوف بن غويّة بن سعد بن الحارث بن ذبيان بن عوف بن منهب بن دوس يقول في الجاهلية: إن للخلق خالقا لا أعلم ما هو.
فخرج حينئذ في خمسة وسبعين رجلا حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم. فأسلم وأسلموا. قال أبو هريرة: ما زلت ألوي الآجرة بيدي، ثم لويت على وسطي حتى كأنّي بجاد أسود، وكان جندب يقرّبهم إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم رجلا رجلا، فيسلمون.
وهذه الأبيات الّتي فيها الغناء من قصيدة للحارث بن الطفيل، قالها في حرب كانت بين دوس وبين بني الحارث بن عبد اللّه بن عامر بن الحرث بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران.
وكان سبب ذلك فيما ذكر عن أبي عمرو الشيباني أن ضماد بن مسرّح بن النعمان بن الجبّار بن سعد بن الحارث بن عبد اللّه بن عامر بن الحارث بن يشكر، سيد آل الحارث، كان يقول لقومه: أحذركم جرائر أحمقين من آل الحارث يبطلان رياستكم. وكان ضماد يتعيف، وكان آل الحارث يسودون العشيرة كلّها، فكانت دوس أتباعا لهم، وكان القتيل من آل الحارث تؤخذ له ديتان، ويعطون إذا لزمهم عقل قتيل من دوس دية واحدة، فقال غلامان من بني الحارث يوما: ائتوا شيخ بني دوس وزعيمهم الّذي ينتهون إلى أمره فلنقتله. فأتياه، فقالا: يا عم، إن لنا أمرا نريد أن تحكم بيننا فيه. فأخرجاه من منزله، فلما تنحيا به قال له أحدهما: يا عم، إن رجلي قد دخلت فيها شوكة، فأخرجها لي. فنكس الشيخ رأسه لينتزعها وضربه الآخر فقتله، فعمدت دوس إلى سيّد بني الحارث، وكان نازلا بقنونى فأقاموا له في غيضة في الوادي، وسرحت إبله فأخذوا منها ناقة فأدخلوها الغيضة وعقلوها، فجعلت الناقة ترغو وتحنّ إلى الإبل، فنزل الشيخ إلى الغيضة ليعرف شأن الناقة، فوثبوا عليه فقتلوه، ثم أتوا أهله، وعرفت بنو الحارث الخبر، فجمعوا لدوس وغزوهم فنذروا بهم فقاتلوهم فتناصفوا، وظفرت بنو الحارث بغلمة من دوس فقتلوهم، ثم إنّ دوسا اجتمع منهم تسعة وسبعون رجلا، فقالوا: من يكلّمنا، من يمانينا حتّى نغزو أهل ضماد؟ فكان ضماد قد أتى عكاظ، فأرادوا أن يخالفوه إلى أهله، فمرّوا برجل من دوس وهو يتغنى:
فإنّ السلم زائدة نواهاوإنّ نوى المحارب لا تروب
فقالوا: هذا لا يتبعكم، ولا ينفعكم أن تبعكم، أما تسمعون غناءه في السّلم. فأتوا حممة بن عمرو، فقالوا: أرسل إلينا بعض ولدك. فقال: وأنا إن شئتم. وهو عاصب حاجبيه من الكبر، فأخرج معهم ولده جميعا، وخرج معهم، وقال لهم: تفرّقوا فرقتين، فإذا عرف بعضكم وجوه بعض فأغيروا، وإياكم والغارة حتّى تتفارقوا لا يقتل بعضكم بعضا. ففعلوا، فلم يلتفتوا حتّى قتلوا ذلك الحيّ من آل الحارث، وقتلوا إبنا لضماد، فلما قدم قطع أذني ناقته وذنبها، وصرخ في آل الحارث، فلم يزل يجمعهم سبع سنين ودوس تجتمع بازائه، وهم مع ذلك يتغاورون ويتطرّف بعضهم بعضا، وكان ضماد قد قال لابن أخ له يكنى أبا سفيان لما أراد أن يأتي عكاظ: إن كنت تحرز أهلي، وإلّا أقمت عليهم. فقال له: أنا أحرزهم من مائة؛ فإن زادوا فلا. وكانت تحت ضماد امرأة من دوس، وهي أخت مربان بن سعد الدوسيّ الشاعر، فلما أغارت دوس على بني الحارث قصدها أخوها، فلاذت به، وضمّت فخذها على ابنها من ضماد، وقالت: يا أخي اصرف عنّي القوم، فإنيّ حائض لا يكشفوني. فنكزسية القوس في درعها، وقال: لست بحائض، ولكن في درعك سخلة بكذا من آل الحارث، ثم أخرج الصبيّ فقتله، وقال في ذلك:
ألا هل أتى أمّ الحصين ولو نأتخلافتنا في أهله ابن مسرّح
ونضرة تدعو بالفناء وطلقهاترائبه ينفحن من كلّ منفح
وفرّ أبو سفيان لما بدا لنافرار جبان لأمّه الذلّ مقرح
قال: فلم يزالوا يتغاورون حتّى كان يوم حضرة الوادي، فتحاشد الحيّان، ثم أتتهم بنو الحارث ونزلوا لقتالهم، ووقف ضماد بن مسرّح في رأس الجبل، وأتتهم دوس. وأنزل خالد بن ذي السبلة بناته هندا وجندلة وفطيمة ونضرة، فبنين بيتا، وجعلن يستقين الماء، ويحضّضن. وكان الرجل إذا رجع فارّا أعطينه مكحلة ومجمرا، وقلن: معنا فانزل - أي إنك من النساء - وجعلت هند بنت خالد تحرّضهم وترتجز وتقول:
من رجل ينازل الكتيبهفذلكم تزني به الحبيبه
فلما التقوا رمى رجل من دوس رجلا من آل الحارث، فقال: خذها وأنا أبو الزبن، فقال ضماد وهو في رأس الجبل وبنو الحارث بحضرة الوادي: يا قوم زبنتم فارجعوا. ثم رجل آخر من دوس، فقال: خذها وأنا أبو ذكر. فقال ضماد: ذهب القوم بذكرها، فاقبلوا رأيي وانصرفوا. فقال: قد جبنت يا ضماد. ثم التقوا، فأبيدت بنو الحارث. هذه رواية أبي عمرو.
وأما الكلبي فإنه قال: كان عامر بن بكر بن يشكر يقال له الغطريف ويقال لبنيه الغطاريف، وكان لهم ديتان، ولسائر قومه دية، وكانت لهم على دوس إتاوة يأخذونها كلّ سنة، حتى إن كان الرجل منهم ليأتي بيت الدّوسيّ فيضع سهمه أو نعله على الباب، ثم يدخل، فيجي ء الدوسي، فإذا أبصر ذلك انصرف ورجع عن بيته، حتّى أدرك عمرو بن حممة بن عمرو فقال لأبيه: ما هذا التطوّل الّذي يتطوّل به إخواننا علينا؟ فقال: يا بنيّ، إن هذا شيء قد مضى عليه أوائلنا، فأعرض عن ذكره. فأعرض عن هذا الأمر، وإنّ رجلا من دوس عرّس بابنة عم له، فدخل عليها رجل من بني عامر بن يشكر، فجاء زوجها فدخل على اليشكريّ، ثم أتى عمرو بن حممة فأخبره بذلك، فجمع دوسا وقام فيهم، فحرّضهم وقال: إلى كم تصبرون لهذا الذلّ، هذه بنو الحارث، تأتيكم الآن تقاتلكم، فاصبروا تعيشوا كراما أو تموتوا كراما. فاستجابوا له، وأقبلت إليهم بنو الحارث فتنازلوا، واقتتلوا، فظفرت بهم دوس، وقتلتهم كيف شاءت، فقال رجل من دوس يومئذ:
قد علمت صفراء حرشاء الذيلشرّابة المحض تروك للقيل
ترخى فروعا مثل أذناب الخيلأنّ بروقا دونها كالويل
ودونها خرط القتاد بالليل
وقال الحارث بن الطفيل بن عمرو الدوسي في هذا اليوم، عن أبي عمرو:
يا دار من ماويّ بالسّهببنيت على خطب من الخطب
إذ لا ترى إلا مقاتلةوعجانسا يرقلن بالركب
ومدجّجا يسعى بشكتهمحمرّة عيناه كالكلب
ومعاشرا صدأ الحديد بهمعبق الهناء مخاطم الجرب
لما سمعت نزال قد دعيتأيقنت أنّهم بنو كعب
كعب بن عمرو لا لكعب بني العنقاء والتّبيان في النسب
فرميت كبش القوم معتمدافمضى وراشوه بذي كعب
شكّو بحقويه القداح كماناط المعرّض أقدح القضب
فكأنّ مهري ظلّ منغمسابشبا الأسنة مغرة الجأب
يا ربّ موضوع رفعت ومرفوع وضعت بمنزل اللّصب
وحليل غانية هتكت قرارهاتحت الوغى بشديدة العضب
كانت على حبّ الحياة فقدأحللتها في منزل غرب
«جانيك من يجني عليك وقدتعدى الصّحاح مبارك الجرب»
هذا البيت في الغناء في لحن ابن سريج؛ وليس هو في هذه القصيدة، ولا وجد في الرواية، وإنما ألحقناه بالقصيدة لأنه في الغناء كما تضيف المغنون شعرا إلى شعر، وإن لم يكن قائلهما واحدا إذا اختلف الرويّ والقافيه.
صوت
صرفت هواك فانصرفاولم تدع الّذي سلفا
وبنت فلم أمت كلفاعليك ولم تمت أسفا
كلانا واجد في الناس ممّن ملّه خلفا
الشعر لعبد الصمد بن المعذّل، والغناء للقاسم بن زرزور، رمل بالوسطى، وفيه لعمر الميداني هزج.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع