من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ناهض بن ثومة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو ناهض بن ثومة بن نصيح بن نهيك بن إمام بن جهضم بن شهاب بن أنس بن ربيعة بن كعب بن بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. شاعر بدويّ فارس فصيح، من الشعراء في الدولة العباسية، وكان يقدم البصرة فيكتب عنه شعره، وتؤخذ عنه اللغة. روى عنه الرياشي، وأبو سراقة، ودماذ وغيرهم من رواة البصرة. وكان يهجوه رجل من بني الحارث بن كعب، يقال له: نافع بن أشعر الحارثيّ، فأثرى عليه ناهض. فمما قاله في جواب قصيدة هجا بها قبائل قيس، قصيدة ناهض الّتي أوّلها:
ألا يا أسلما يأيّها الطلانوهل سالم باق على الحدثان
أبينا لنا، حبّيتما اليوم، إننامبينان عن ميل بما تسلان
متى العهد من سلمى الّتي بتّت القوىوأسماء إن العهد منذ زمان
ولا زال ينهلّ الغمام عليكماسبيل الرّبى من وابل ودجان
فإن أنتما بيّنتما أو أجبتمافلا زلتما بالنبت ترتديان
وجرّ الحرير والفرند عليكمابأذيال رخصات الأكفّ هجان
نظرت ودوني قيد رمحين نظرةبعينين إنسانا هما غرقان
إلى ظعن بالعاقرين كأنّهاقرائن من دوح الكثيب ثمان
لسلمى وأسماء اللتين أكنّتابقلبي كنيني لوعة وضمان
عسى يعقب الهجر الطويل تدانياويا ربّ هجر معقب بتداني
خليليّ قد أكثرتما اللوم فاربعاكفاني ما بي لو تركت كفاني
إذا لم تصل سلمى وأسماء في الصّبابحبليهما حبلي فمن تصلان
فدع ذا ولكن قد عجبت لنافعومعواه من نجران حيث عواني
عوى أسدا لا يزدهيه عواؤهمقيما بلوذي يذبل وذقان
لعمري لقد قال ابن أشعر نافعمقالة موطوء الحريم مهان
أيزعم أنّ العامريّ لفعلهبعاقبة يرمى به الرجوان
ويذكر إن لاقاه زلّة نعلهفجيء للذي لم يستبن ببيان
كذبت ولكن بابن علبة جعفرفدع ما تمنّى زلّت القدمان
أصيب فلم يعقل وطلّ فلم يقدفذاك الّذي يخزى به الأبوان
وحقّ لمن كان ابن أشعر ثائرابه الطّلّ حتّى يحشر الثّقلان
ذليل ذليل الرهط أعمى يسومهبنو عامر ضيما بكل مكان
فلم يبق إلّا قوله بلسانهوما ضرّ قول كاذب بلسان
هجا نافع كعبا ليدرك وترهولم يهج كعب نافعا لأوان
ولم تعف من آثار كعب بوجههقوارع منها وضّح وقوان
وقد خضّبوا وجه ابن علبة جعفرخضاب نجيع لا خضاب دهان
فلم يهج كعبا نافع بعد ضربةبسيف ولم يطعنهم بسنان
فما لك مهجى يا بن أشعر فاكتعمعلى حجر واصبر لكل هوان
إذا المرء لم ينهض فيثأر بعمّهفليس يجلّى العار بالهذيان
أبي قيس عيلان وعمّي خندفذوا البذخ عند الفخر والخطران
إذا ما تجمّعنا وسارت حذاءناربيعة لم يعدل بنا أخوان
أليس نبيّ اللّه منّا محمّدوحمزة والعباس والعمران
ومنا ابن عباس ومنا ابن عمّهعليّ إمام الحق والحسنان
وعثمان والصّدّيق منا وإننالنعلم أن الحقّ ما يعدان
ومنا بنو العباس فضلا فمن لكمهلمّوه أولا ينطقنّ يمان
قال: فأنشد ناهض هذه القصيدة أيوب بن سليمان بن علي بالبصرة، وعنده خال له من الأنصار، فلما ختمها بهذا البيت قال الأنصاري: أخرسنا أخرسه اللّه! وكان جدّه نصيح شاعرا، وهو الّذي يقول:
ألا من لقلب في الحجاز قسيمهومنه بأكناف الحجاز قسيم
معاود شكوى أن نأت أمّ سالمكما يشتكي جنح الظلام سليم
سليم لصلّ أسلمته لما بهرقى قلّ عنه دفعها وتميم
فلم ترم الدار البريصاء فالصفاصفاها فخلّاها فأين تريم
وقفت عليها بازلا ناهجيّةإذا لم أزعها بالزمام تعوم
كنازا من اللاتي كأنّ عظامهاجبرن على كسر فهنّ عثوم
أخبرني الحسن بن علي الخفّاف، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم، قال: حدّثني الفضل بن العباس الهاشمي من ولد قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه، قال:
كان ناهض بن ثومة الكلابيّ يفد على جدّي قثم فيمدحه، ويصله جدّي وغيره، وكان بدويّا جافيا كأنّه من الوحش، وكان طيّب الحديث، فحدّثه يوما: أنهم انتجعوا ناحية الشام، فقصد صديقا له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب، فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه، وكان برّا به، قال: فمررت بقرية يقال لها قرية بكر بن عبد اللّه الهلالي، فرأيت دورا متباينة وخصاصا قد ضمّ بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون، عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر، فقلت في نفسي: هذا أحد العيدين: الأضحى أو الفطر. ثم ثاب إليّ ما عزب عن عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر، وقد مضى العيدان قبل ذلك، فما هذا الّذي أرى؟ فبينا أنا واقف متعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي، فأدخلني دارا قوراء، وأدخلني منها بيتا قد نجّد في وجهه فرش ومهّدت، وعليها شابّ ينال فروع شعره منكبيه، والناس حوله سماطان، فقلت في نفسي: هذا الأمير الّذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة اللّه وبركاته. فجذب رجل يدي، وقال: اجلس فإن هذا ليس بأمير. قلت: فما هو؟ قال: عروس. فقلت: واثكل أمّاه، لربّ عروس رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه. فلم أنشب أن دخل رجال يحملون هنات مدوّرات، أمّا ما خفّ منها فيحمل حملا، وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا، وتحلّق القوم عليه حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا، وهممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطّعها قميصا، وذلك أني رأيت نسجا متلاحما لا يبين له سدى ولا لحمة، فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا، وإذا هو - فيما زعموا - صنف من الخبز لا أعرفه؛ ثم أتينا بطعام كثير بين حلو وحامض، وحار وبارد؛ فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التّخم والبشم؛ ثم أتينا بشراب أحمر في عساس، فقلت: لا حاجة لي فيه، فإني أخاف أن يقتلني. وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن اللّه جزاءه، فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام، وإن شربت الماء همى بطنك. فلما ذكر البطن تذكّرت شيئا أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي، قالوا: لا تزال حيّا ما كان بطنك شديدا فإذا اختلف فأوص. فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به، وجعلت أكثر منه فلا أملّ شربه، فتداخلني من ذلك صلف لا أعرفه من نفسي، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدار على أمري أظنّ معه أني لو أردت نيل السّقف لبلغته، ولو ساورت الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه، وأهمّ أحيانا أن أقول له: يا ابن الزانية! فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة، أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسيّة مشنّجة الطرفين دقيقة الوسط، مشبوحة بالخيوط شبحا منكرا؛ ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار، فوضعها في فيه، وضرط ضراطا لم أسمع - وبيت اللّه - أعجب منه، فاستتمّ بها أمرهم، ثم حرّك أصابعه على أجحرة فيها فأخرج منها أصواتا ليس كما بدأ تشبه بالضراط ولكنّه أتى منها لمّا حرك أصابعه بصوت عجيب متلائم متشاكل بعضه لبعض، كأنه، علم اللّه، ينطق.
ثم بدا ثالث كزّ مقيت عليه قميص وسخ، معه مرآتان، فجعل يصفّق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان، ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان لا ساق لواحد منهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط به على الأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة! ثم ما برح مكانه حتّى كان أغبط القوم عندي. ورأيت القوم يحذفونه بالدراهم حذفا منكرا، ثم أرسل النساء إلينا: أن أمتعونا من لهوكم هذا. فبعثوا بهم، وجعلنا نسمع أصواتهنّ من بعد، وكان معنا في البيت شابّ لا آبه له، فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء، فخرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه، ثم عرك آذانها وحرّكها بخشبة في يده فنطقت - وربّ الكعبة - وإذا هي أحسن قينة رأيتها قطّ، وغنّى عليها، فأطربني حتى استخفني من مجلسي، فوثبت فجلست بين يديه، وقلت: بأبي أنت وأمي، فما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبا. فقال: هذا البربط؟ فقلت بأبي أنت وأمّي، فما هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزير. قلت: فالذي يليه؟ قال: المثنى. قلت: فالثالث؟ المثلث. قلت: فالأعلى؟ قال: البمّ. قلت: آمنت باللّه أوّلا، وبك ثانيا، وبالبربط ثالثا، وبالبم رابعا.
قال: فضحك أبي، واللّه، حتّى سقط، وجعل ناهض يعجب من ضحكه، ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا الحديث، ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه.
وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد النوفليّ، عن أبيه، قال: كان محمّد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب، فأتاه أعرابيّ، فقال له: حدّث أبا عبد اللّه - يعني الهيثم بن النّخعي - بما رأيت في حاضر المسلمين. فحدثه بنحو من هذا الحديث، ولم يسمّ الأعرابيّ باسمه، وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الّذي حدّث به النوفلي عنه.
نسخت من كتاب لعلي بن محمّد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال: كان رجل من بني كعب قد تزوّج امرأة من بني كلاب، فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلّقها، وأقام بموضعه في بني كلاب، وكان لا يزالون يستخفّون به ويظلمونه، وإن رجلا منهم أورد إبله الماء فوردت إبل الكعبيّ عليها، فزاحمته، لكنها ألقته على ظهره فتكشّف، فقام مغضبا بسيفه إلى إبل الكعبي، فعقر منها عدّة، وجلاها عن الحوض، ومضى الكعبيّ مستصرخا بني كلاب على الرجل، فلم يصرخوه، فساق باقي إبله واحتمل بأهله حتى رجع إلى عشيرته، فشكا ما لقى من القوم واستصرخهم، فغضبوا له، وركبوا معه حتى أتوا حلّة بني كلاب، فاستاقوا إبل الرجل الّذي عقر لصاحبهم، ومضى الرجل فجمع عشيرته، وتداعت هي وكعب للقتال، فتحاربوا في ذلك حربا شديدا، وتمادى الشرّ بينهم، حتى تساعى حلماؤهم في القضية، فأصلحوها على أن يعقل القتلى والجرحى، وتردّ الإبل، وترسل من العاقر عدة الإبل الّتي عقرها للكعبي، فتراضوا بذلك واصطلحوا، وعادوا إلى الألفة، فقال في ذلك ناهض بن ثومة:
أمن طلل بأخطب أبّدتهنجاء الوبل والدّيم النّضاح
ومرّ الدهر يوما بعد يومفما أبقى المساء ولا الصباح
فكل محلّة عنيت بسلمىلريدات الرياح بها نواح
تطلّ على الجفون الحزن حتىدموع العين ناكزة نزاح
وهي طويلة يقول فيها:
هنيئا للعدى سخط ورغموللفرعين بينهما اصطلاح
وللعين الرقاد فقد أطالتمساهرة وللقلب انتجاح
وقد قال العداة نرى كلاباوكعبا بين صلحهما افتتاح
تداعوا للسّلام وأمر نجحوخير الأمر ما فيه النجاح
ومدّوا بينهم بحبال مجدوثدي لا أجدّ ولا ضياح
ألم تر أنّ جمع القوم يحشىوأن حريم واحدهم مباح
وأن القدح حين يكون فردافيهصر لا يكون له اقتداح
وإنك إن قبضت بها جميعاأبت ما سمت واحدها القداح
أنا الخطّار دون بني كلابوكعب إن أتيح لهم متاح
أنا الحامي لهم ولكل قرمأخ حام إذا جد النّضاح
أنا الليث الّذي لا يزدهيهعواء العاويات ولا النّباح
سل الشعراء عني هل أقرتبقلبي أو عفت لهم الجراح
فما لكواهل الشّعراء بدّمن القتب الّذي فيه لحاح
ومن توريك راكبه عليهموإن كرهوا الركوب وإن ألاحوا
ونسخت من هذا الكتاب الّذي فيه شعره، أنّ وقعة كانت بين بني نمير وبني كلاب بنواحي ديار مضر، وكانت لكلاب على بني نمير؛ وأن نميرا استغاثت ببني تميم، ولجأت إلى مالك بن زيد سيد تميم يومئذ بديار مضر، فمنع تميما من إنجادهم، وقال: ما كنا لنلقى بين قيس وخندف دماء نحن عنها أغنياء، وأنتم وهم لنا أهل وإخوة، فإن سعيتم في صلح عاونّا، وإن كانت حمالة أعنّا، فأمّا الدماء فلا مدخل لنا بينكم فيها. فقال ناهض بن ثومة في ذلك:
سلام اللّه يا مال بن زيدعليك وخير ما أهدى السلاما
تعلم أينا لكم صديقفلا تستعجلوا فينا الملاما
ولكنا وحيّ بني تميمعداة لا نرى أبدا سلاما
وإن كنا تكاففنا قليلاكحرف السّيف ينهار انهداما
وهيض العظم يصبح ذا انصداعوقد ظنّ الجهول به التئاما
فلن ننسى الشباب المرد منّاولا الشّيب الجحاجح والكراما
ونوح نوائح منّا ومنهممآتم ما تجفّ لهم سجاما
فكيف يكون صلح بعد هذايرجّي الجاهلون لهم تماما
ألا قل للقبائل من تميموخصّ لمالك فيها الكلاما
فزيدوا يا بني زيد نميراهوانا إنه يدني الفطاما
ولا تبقوا على الأعداء شيئاأعزّ اللّه نصركم وداما
وجدت المجد في حيّي تميمورهط الهذلق الموفي الذماما
نجوم القوم ما زالوا هداةوما زالوا لآبيهم زماما
هم الرأس المقدم من تميموغاربها وأوفاها سناما
إذا ما غاب نجم آب نجمأغرّ نرى لطلعته ابتساما
فهذي لابن ثومة فانسبوهاإليه لا اختفاء ولا اكتتاما
وإن رغمت لذاك بنو نميرفلا زالت أنوفهم رغاما
قال: يعني بالهذلق الهذلق بن بشير، أخا بني عتيبة بن الحارث بن شهاب، وابنيه علقمة وصباحا.
قال: وكانت بنو كعب قد اعتزلت الفريقين فلم تصب كلابا ولا نميرا، فلما ظفرت كلاب قال لهم ناهض:
ألا هل أتى كعبا على نأي دراهموخذلانهم أنا سررنا بني كعب
بما لقيت منا نمير وجمعهاغداة أتينا في كتائبنا الغلب
فيالك يوما بالحمى لا نرى لهشبيها وما في يوم شيبان من عتب
أقامت نمير بالحمى غير رغبةفكان الّذي نالت نمير من النهب
رؤوس وأوصال يزايل بينهاسباع تدلّت من أبانين والهضب
لنا وقعات في نمير تتابعتبضيم على ضيم ونكب على نكب
وقد علمت قيس بن عيلان كلّهاوللحرب أبناء بأنا بنو الحرب
ألم ترهم طرّا علينا تحزّبواوليس لنا إلا الرّدينّى من حزب
وإنا لنقتاد الجياد على الوجىلأعدائنا من لا مدان ولا صقب
ففي أي فجّ ما ركزنا رماحنامخوف بنصب للعدا حين لا نصب
أخبرنا جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال: حدّثني أبو هفّان، قال: حدّثني غرير بن ناهض بن ثومة الكلابي، قال: كان شاعر من نمير يقال له: رأس الكبش، قد هاجى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير زمانا، وتناقضا الشعر بينهما مدة، فلما وقعت الحرب بيننا وبين بني نمير قال عمارة يحرّض كعبا وكلابا ابني ربيعة على بني نمير في هذه الحرب الّتي كانت بينهم، فقال:
رأيتكما يا بني ربيعة خرتماوعوّلتما والحرب ذات هرير
وصدقتما قول الفرزدق فيكماوكذبتما بالأمس قول جرير
فإن أنتما لم تقذعا الخيل بالقنافصيرا مع الأنباط حيث تصير
تسومكما بغيا نمير هضيمةستنجد أخبار بهم وتغور
قال: فارتحلت كلاب حين أتاها هذا الشعر، حتى أتوا نميرا وهم في هضبات يقال لهنّ واردات، فقتلوا واجتاحوا، وفضحوا نميرا، ثم انصرفوا، فقال ناهض بن ثومة يجيب عمارة عن قوله:
يحضضنا عمارة في نميرليشغلهم بنا وبه أرابوا
ويزعم أننا حزنا وأنالهم جار المقربة المصاب
سلوا عن نميرا هل وقعنابنزوتها الّتي كانت تهاب
ألم تخضع لهم أسد ودانتلهم سعد وضبة والرباب
ونحن نكرّها شعثا عليهمعليها الشّيب منا والشباب
رغبنا عن دماء بني قريعإلى القلعين إنهما اللباب
صبحناهم بأرعن مكفهرّيدف كأن رايته العقاب
أجشّ من الصواهل ذي دويّتلوج البيض فيه والحراب
فأشعل حين حلّ بوارداتوثار لنقعه ثمّ انصباب
صبحناهم بها شعث النواصيولم يفتق من الصبح الحجاب
فلم تغمد سيوف الهند حتىتعيلت الحليلة والكعاب
صوت
أعرفت من سلمى رسوم دياربالشط بين مخفّق وصحار
وكأنما أثر النعاج بجوّهابمدافع الرّكبين ودع جواري
وسألتها عن أهلها فوجدتهاعمياء جاهلة عن الأخبار
فكأنّ عيني غرب أدهم داجنمتعوّد الإقبال والإدبار
الشعر للمخبل السعدي، والغناء لإبراهيم، هزج بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. قال الهشامي:
فيه لإبراهيم ثقيل أوّل، ولعنان بنت خوط خفيف رمل.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع