تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار منصور النمريّ ونسبه

ديوان منصور النمِريفيه ١٠٤ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

منصور بن الزبرقان بن سلمة - وقيل منصور بن سلمة بن الزبرقان - بن شريك بن مطعم الكبش الرّخم، بن مالك بن سعد بن عامر بن سعد الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللّه بن النّمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وإنما سمي عامر الضّحيان لأنّه كان سيّد قومه وحاكمهم، وكان يجلس لهم إذا أضحى النّهار، فسمّي الضّحيان. وسمي جدّ منصور «مطعم الكبش الرخم»، لأنه أطعم ناسا نزلوا به ونحر لهم، ثم رفع رأسه فإذا رخم يحمن حول أضيافه، فأمر بأن يذبح لهم كبش ويرمى به بين أيديهم، ففعل ذلك، فنزلن عليه، فمزقنه؛ فسمي مطعم الكبش الرخم. وفي ذلك يقول أبو نعيجة النمريّ يمدح رجلا منهم:

أبوك زعيم بني قاسطوخالك ذو الكبش يقري الرخم

وكان منصور شاعرا من شعراء الدولة العباسية من أهل الجزيرة، وهو تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي وروايته، وعنه أخذ، ومن بحره استقى، وبمذهبه تشبّه. والعتابي وصفه للفضل بن يحيى بن خالد وقرّضه عنده حتى استقدمه من الجزيرة واستصحبه، ثم وصله بالرشيد. وجرت بعد ذلك بينه وبين العتابي وحشة حتى تهاجرا وتناقضا، وسعى كلّ واحد منهما على هلاك صاحبه، وأخبار ذلك تذكر في مواضعها من أخبارهما - إن شاء اللّه تعالى - وكان النمري قد مدح الفضل بقصيدة وهو مقيم بالجزيرة، فأوصلها العتابيّ إليه، واسترفده له، وسأله استصحابه، فأذن له في القدوم، فحظي عنده، وعرف مذهب الرشيد في الشعر، وإرادته أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي بن أبي طالب - عليهم السلام - والطعن عليهم، وعلم مغزاه في ذلك مما كان يبلغه من تقديم مروان بن أبي حفصة، وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز، فسلك مذهب مروان في ذلك، ونحا نحوه، ولم يصرح بالهجاء والسبّ كما كان يفعل مروان، ولكنه حام ولم يقع، وأومأ ولم يحقّق، لأنه كان يتشيع، وكان مروان شديد العداوة لآل أبي طالب، وكان ينطق عن نيّة قويّة يقصد بها طلب الدنيا، فلا يبقي ولا يذر.

أخبرني محمّد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن حماد قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد الكراني، وأخبرني به عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد حديث محمّد بن جعفر النحوي أنه قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن آدم بن جشم العبدي قال: حدّثنا ثابت بن الحارث الجشميّ قال: كان منصور النمريّ مصافيا للبرامكة، وكان مسكنه بالشأم، فكتب يسألهم أن يذكروه للرشيد، فذكروه ووصفوه، فأحبّ أن يسمع كلامه، فأمرهم بإقدامه، فقدم ونزل عليهم، فأخبروا الرشيد بموضعه وأمرهم بإحضاره، وصادف دخوله إليه يوم نوبة مروان، على ما سمعه من بيانه، وكان مروان يقول قبل قدومه: هذا شاميّ وأنا حجازي، أفتراه يكون أشعر مني، ودخله من ذلك ما يدخل مثله من الغمّ والحسد، واستنشد الرشيد منصورا، فأنشده:

أمير المؤمنين إليك خضناغمار الهول من بلد شطير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
بخوص كالأهلة خافقاتتلين على السّرى وعلى الهجير
حملن إليك أحمالا ثقالاومثل الصخر والدر النثير
فقد وقف المديح بمنتهاهوغايته وصار إلى المصير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إلى من لا يشير إلى سواهإذا ذكر النّدى كفّ المشير

فقال مروان: وددت واللّه أنّه أخذ جائزتي وسكت.

وذكر في القصيدة يحيى بن عبد اللّه بن حسن فقال:

يذلّل من رقاب بني عليومن ليس بالمنّ الصغير
مننت على ابن عبد اللّه يحيىوكان من الحتوف على شفير

قال مروان: فما برحت حتى أمرني هارون أمير المؤمنين أن أنشده، وكان يتبسم في وقت ما كان ينشده النمريّ، ويأخذ على بطنه، وينظر إلى ما قال، فأنشدته:

موسى وهارون هما اللذانفي كتب الأخبار يوجدان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «موسى وهارون هما اللذان»
من ولد المهدى مهديّانقدّا عنانين على عنان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «موسى وهارون هما اللذان»
قد أطلق المهديّ لي لسانيوشدّ أزري ما به حباني
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «موسى وهارون هما اللذان»
من اللّجين ومن العقيانعيديّة شاحطة الأثمان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «موسى وهارون هما اللذانِ»
لو خايلت دجلة بالألبانإذا لقيل اشتبه النهران
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «موسى وهارون هما اللذان»

قال: فو اللّه ما عاج النمريّ بذلك ولا احتفل به، فأومأ إليّ هارون أن زده؛ فأنشدته قصيدتي الّتي أقول فيها:

خلّوا الطريق لمعشر عاداتهمحطم المناكب كل يوم زحام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»
ارضوا بما قسم الإله لكم بهودعوا وراثة كلّ أصيد حام
أنّى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»

قال: فو اللّه ما عاج بشيء منها، وخرجت الجائزتان، فأعطى مروان مائة ألف، وأعطى النمريّ سبعين ألفا، وقال: أنت مزيد في ولد علي.

قال: ولقد تخلص النمريّ إلى شيء ليس عليه فيه شيء، وهو قوله:

فإن شكروا فقد أنعمت فيهموإلا فالنّدامة للكفور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وإن قالوا بنو بنت فحقّوردّوا ما يناسب للذّكور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال: فكان مروان يتأسف على هذا المعنى أن يكو قد سبقه إليه، وإلى قوله:

وما لبني بنات من تراثمع الأعمام في ورق الزّبور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

أخبرني بهذا الخبر محمّد بن عمران الصيرفي، قال: حدّثني الغنوي عن محمّد بن محمّد بن عبد اللّه بن آدم عن أبي معشر العبديّ، فذكر القصة قريبا مما ذكره محمّد بن جعفر النحويّ يزيد وينقص، والمعنى متقارب.

أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن طهمان السّلمي قال: حدّثني أحمد بن سيار الشيبانيّ الشاعر قال: كان هارون أمير المؤمنين يحتمل أن يمدح بما يمدح به الأنبياء فلا ينكر ذلك ولا يردّه؛ حتّى دخل عليه نفر من الشعراء فيهم رجل من ولد زهير بن أبي سلمى، فأفرط في مدحه حتّى قال فيه:

فكأنّه بعد الرسول رسول

فغضب هارون ولم ينتفع به أحد يومئذ، وحرم ذلك الشاعر فلم يعطه شيئا، وأنشد منصور النمري قصيدة مدحه بها وهجا آل علي وثلبهم، فضجر هارون وقال له: يا ابن اللّخناء، أتظنّ أنك تتقرب إليّ بهجاء قوم أبوهم أبي، ونسبهم نسبي، وأصلهم وفرعهم أصلي وفرعي؟! فقال: وما شهدنا إلا بما علمنا. فازداد غضبه، وأمر مسرورا فوجأ في عنقه وأخرج، ثم وصل إليه يوما آخر بعد ذلك فأنشده:

بني حسن ورهط بني حسينعليكم بالسّداد من الأمور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فقد ذقتم قراع بني أبيكمغداة الرّوع بالبيض الذّكور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
أحين شفوكمو من كلّ وتروضمّوكم إلى كنف وثير
وجادوكم على ظمإ شديدسقيتم من نوالهم الغزير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فما كان العقوق لهم جزاءبفعلهم وآدى للثؤور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وإنك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحزون الضمير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال له: صدقت، وإلا فعليّ وعليّ، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا يزيد بن محمّد المهلبي قال: حدّثني عبد الصمد بن المعذّل قال: دخل مروان بن أبي حفصة وسلم الخاسر، ومنصور النمري على الرشيد، فأنشده مروان قصيدته الّتي يقول فيها:

أنّى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»

وأنشده سلم فقال:

حضر الرّحيل وشدّت الأحداج

وأنشده النمري قصيدته الّتي يقول فيها:

إن المكارم والمعروف أوديةأحلّك اللّه منها حيث تجتمع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فأمر لكلّ واحد منهم بمائة ألف درهم، فقال له يحيى بن خالد: يا أمير المؤمنين، مروان شاعرك خاصّة قد ألحقتهم به. قال: فليزد مروان عشرة آلاف.

أخبرني عمي قال: أخبرنا ابن أبي سعد قال: حدّثني عليّ بن الحسن الشيبانيّ قال: أخبرني أبو حاتم الطائيّ، عن يحيى بن ضبيئة الطائيّ، عن الفضل قال: حضرت الرشيد وقد دخل منصور النمريّ عليه فأنشده:

ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
بان الشّباب وفاتتني بلذّتهصروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أو في شبابي كنه غرّتهحتّى انقضى فإذا الدنيا له تبع

قال: فتحرك الرشيد لذلك ثم قال: أحسن واللّه، لا يتهنّأ أحد بعيش حتّى يخطر في رداء الشباب.

أخبرني عمي قال: حدّثنا ابن سعد قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن آدم العبدي عن أبي ثابت العبديّ عن مروان بن أبي حفصة، قال: خرجنا مع الرشيد إلى بلاد الروم، فظفر الرشيد، وقد كاد أن يعطب، لو لا اللّه عز وجل ثم يزيد بن مزيد. فقال لي وللنّمري: أنشدا. فأنشدته قولي:

طرقتك زائرة فحيّ خيالهاغراء تخلط بالحياء دلالها
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طرقتك زائرة فحي خيالها»

ووصفت الرجال من الأسرى كيف أسلموا نساءهم، والظفر الّذي رزقه، فقال: عدّوا قصيدته؛ فكانت مائة بيت، فأمر لي بمائة ألف درهم، ثم قال للنّمري: كيف رأيت فرسي فإني أنكرته؟ فقال النمريّ:

مضزّ على فأس اللجام كأنّهإذا ما اشتكت أيدي الجياد يطير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فظلّ على الصّفصاف يوم تباشرتضباع وذؤبان به ونسور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فأقسم لا ينسى لك اللّه أجرهاإذا قسّمت بين العباد أجور

قال النمريّ: ثم قلت في نفسي: ما يمنعني من إذكاره بالجائزة؟ فقلت:

إذا الغيث أكدى واقشعرّت نجومهفغيث أمير المؤمنين مطير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وما حلّ هارون الخليفة بلدةفأخلفها غيث وكاد يضير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال: أذكرتني. ورأيته متهلّلا لذلك. قال: فألحقني بمروان وأمر لي بمائة ألف درهم.

أخبرني عمي، قال: حدّثني ابن أبي سعد، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن طهمان، قال حدّثني محمّد الراوية المعروف بالبيدق - وكان قصيرا، فلقب بالبيدق لقصره، وكان ينشد هارون أشعار المحدثين - وكان أحسن خلق اللّه إنشادا - قال: دخلت على الرشيد وعنده الفضل بن الربيع، ويزيد بن مزيد، وبين يديه خوان لطيف عليه جديان ورغفان سميد ودجاجتان، فقال لي: أنشدني، فأنشدته قصيدة النّمريّ العينية، فلما بلغت إلى قوله:

أيّ امرىء بات من هارون في سخطفليس بالصلوات الخمس ينتفع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إن المكارم والمعروف أوديةأحلّك اللّه منها حيث تتسع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إذا رفعت أمرأ فاللّه يرفعهومن وضعت من الأقوام متضع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
نفسي فداؤك والأبطال معلمةيوم الوغى والمنايا بينها قرع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال: فرمى بالخوان بين يديه وصاح، وقال: هذا واللّه أطيب من كل طعام وكل شيء، وبعث إليه بسبعة آلاف دينار، فلم يعطني منها ما يرضيني، وشخص إلى رأس العين، فأغضبني وأحفظني، فأنشدت هارون قوله:

شاء من الناس راتع هامليعللون النفوس بالباطل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فلما بلغت إلى قوله:

إلّا مساعير يغضبون لهابسلّة البيض والقنا الذابل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال: أراه يحرّض عليّ، أبعثوا إليه من يجيء برأسه. فكلّمه فيه الفضل بن الربيع فلم يغن كلامه شيئا، وتوجّه إليه الرسول فوافاه في اليوم الّذي مات فيه ودفن. قال: وكان إنشاد محمّد البيدق يطرب كما يطرب الغناء.

أخبرني عميّ، قال: حدّثنا ابن أبي سعد، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين الشيباني، قال: أخبرني منصور بن جهور، قال: سألت العتابي عن سبب غضب الرشيد عليه، فقال لي: استقبلت منصورا النمري يوما من الأيام فرأيته مغموما واجما كئيبا، فقلت له: ما خبرك؟ فقال: تركت امرأتي تطلق، وقد عسر عليها ولادها، وهي يدي ورجلي، والقيّمة بأمري وأمر منزلي. فقلت له: لم لا تكتب على فرجها «هارون الرشيد»؟ قال: ليكون ماذا؟ قال: لتلد على المكان، قال: وكيف ذلك؟ قلت: لقولك:

إن أخلف الغيث لم تخلف مخايلهأو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال لي: يا كشخان، واللّه لئن تخلصت امرأتي لأذكرنّ قولك هذا للرشيد. فلما ولدت امرأته خبّر الرشيد بما كان بيني وبينه، فغضب الرشيد لذلك وأمر بطلبي، فاستترت عند الفضل بن الربيع، فلم يزل يسأل فيّ حتى أذن لي في الظهور؛ فلما دخلت عليه، قال لي: قد بلغني ما قلته للنمريّ، فاعتذرت إليه حتى قبل، ثم قلت: واللّه يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذّب عليّ إلّا وقوفي على ميله إلى العلويّة، فإن أراد أمير المؤمنين أن أنشده شعره في مديحهم فعلت. فقال: أنشدني. فأنشدته قوله:

شاء من الناس راتع هامليعلّلون النفوس بالباطل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

حتى بلغت إلى قوله:

إلا مساعير يغضبون لهابسلّة البيض والقنا الذّابل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فغضب من ذلك غضبا شديدا، وقال للفضل بن الربيع: أحضره الساعة. فبعث الفضل في ذلك، فوجده قد توفّي، فأمر بنبشه ليحرقه، فلم يزل الفضل يلطف له حتى كفّ عنه.

أخبرني عمي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثنا يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: حدّثني بعض الزينبيّين، قال: حبس الرشيد منصورا النمريّ بسبب الرفض، فتخلّصه الفضل بن الربيع، ثم بلغه شعره في آل عليّ عليه السلام، فقال للفضل: اطلبه. فستره الفضل عنده، وجعل الرشيد يلحّ في طلبه، حتّى قال يوما للفضل: ويحك يا فضل تفوّتني النمريّ؟ قال: يا سيدي، هو عندي قد حصّلته. قال: فجئني. وكان الفضل قد أمره أن يطوّل شعره، ويكثر مباشرة الشمس ليشحب وتسوء حالته، ففعل، فلما أراد إدخاله عليه ألبسه فروة مقلوبة، وأدخله عليه، وقد عفا شعره، وساءت حالته، فلما رآه، قال: السيف! فقال الفضل: يا سيدي من هذا الكلب حتى تأمر بقتله بحضرتك؟ قال: أليس هو القائل:

إلا مساعير يغضبون لهابسلّة البيض والقنا الذابل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال منصور: لا يا سيدي ما أنا قائل هذا، ولقد كذب عليّ، ولكني القائل:

يا منزل الحي ذا المغانيانعم صباحا على بلاكا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
هارون يا خير من يرجّىلم يطع اللّه من عصاكا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هارون يا خير من يرجى»
في خير دين وخير دنيامن اتّقى اللّه واتقاكا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فأمر بإطلاقه وتخلية سبيله، فقال منصور يمدح الفضل بن الربيع:

رأيت الملك مذ آزرت قد قامت محانيه
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
هو الأوحد في الفضلفما يعرف ثانيه
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

أخبرني عمي، قال: حدّثنا ابن أبي سعد، قال: حدّثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفيّ عن محمّد بن أرتبيل، قال: اجتمع عند المأمون قبل خلافته، وذلك في أيام الرشيد، منصور النمري والخزيميّ والعباس بن زفر، وعنده جعفر بن يحيى، فحضر الغداء، فأتي المأمون بلون من الطعام، فأكل منه فاستطابه، فأمر به فوضع بين يدي جعفر بن يحيى، فأصاب منه، ثم أمر به فوضع بين يدي العباس فأكل منه، ثم نحّاه، فأكل منه بعده الخزيمي وغيره - ولم يأكل منه النّمري - وذلك بعين المأمون، فقال له: لم لم تأكل؟ فقال: لئن أكلت ما أبقى هؤلاء إني لنهم.

قال: فهل قلت في هذا شيئا؟ قال: نعم، قلت:

لهفي أتطعمها قينسا وآكلهاإني إذا لدنيء النفس والخطر
ما كان جدي ولا كان الهمام أبيليأكلا سؤر عباس ولا زفر
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
شتان من سؤر عباس وفضلتهوسؤر كلب مغطّى العين بالوبر
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ما زال يلقم والطّباخ يلحظهوقد رأى لقما في الحلق كالعجر

نسبة هذه القصيدة إلى منصور بن بجرة

أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ وعمي، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: أخبرني علقمة بن نصر بن واصل النمري، قال: سمعت أشياخنا يقولون: إن منصور بن بجرة بن منصور بن صليل بن أشيم بن قطن بن سعد بن عامر بن الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللّه بن النمر بن قاسط، قال هذه القصيدة:

ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
بان الشباب وفاتتني بشرّتهصروف دهر وأيام لها خدع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ما كنت أول مسلوب شبيبتهمكسوّ شيب فلا يذهب بك الجزع
للشاعر منصور النمِري، من قصيدة «ما تنَقَضي حَسرَةٌ مِنّي وَلا جَزَعُ»

فسمعها منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر الضحيان فاستحسنها، فاستوهبها منه فوهبها له، وكان منصور بن بجرة هذا موسرا لا يتصدّى لمدح ولا يفد إلى أحد ولا ينتجعه بالشعر، وكان هارون الرشيد قد جرد السيف في ربيعة، فوجّه منصور بن سلمة هذه القصيدة إلى الرشيد، وكان رجلا تقتحمه العين جدا، ويزدريه من رآه لدمامة خلقه فأمر الرشيد لمّا عرضت عليه بإحضار قائلها. قال منصور: فلما وصلت إليه عرّفني الحاجب أنّه لما عرضت عليه قرأها واختارها على جميع شعر الشعراء جميعا، وأمره بإدخالي، فلما قربت من حاجبه الفضل بن الربيع ازدراني لدمامة خلقي، وكان قصيرا أزرق أحمر أعمش نحيفا. قال: فردّني، وأمر بإخراجي فأخرجت، فمرّ بي ذات يوم يزيد بن مزيد الشيبانيّ، فصحت به: يا أبا خالد، أنا رجل من عشيرتك، وقد لحقني ضيم، وعذت بك. فوقف، فعرّفته خبري، وسألته: أن يذكرني إذا مرّت به رقعتي، ويتلطّف في إيصالي، ففعل ذلك، فلمّا دخلت على أمير المؤمنين أنشدته هذه القصيدة: أتسلو وقد بان الشباب المزايل

فقال لي: غدا إن شاء اللّه آمر برفع السيف عن ربيعة - وخرج يزيد يركض، فما جاءت العصر من الغد حتّى رفع السيف عن ربيعة بنصيبين وما يليها، وأنشدته القصيدة، فلما صرت إلى هذا الموضع:

يجرّد فينا السيف من بين مارقوعان بجود كلهم متحامل

قالوا: فلما سمع الجلساء هذا البيت، قالوا: ذهب الأعرابي وافتضح، فلما قلت:

وقد علم العدوان والجور والخنابأنّك عيّاف لهنّ مزايل
ولو علموا فينا بأمرك لم يكنينال بريّا بالأذى متناول
لنا منك أرحام ونعتدّ طاعةوبأسا إذا اصطكّ القنا والقنابل
وما يحفظ الأنساب مثلك حافظولا يصل الأرحام مثلك واصل
جعلناك، فامنعنا، معاذا ومفزعالنا حين عضتنا الخطوب الجلائل
وأنت إذا عاذت بوجهك عوّذتطامن خوف واستقرّت بلابل

فقال الجلساء: أحسن واللّه الأعرابيّ يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: يرفع السّيف عن ربيعة ويحسن إليهم.

أخبرني عمي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الحسين بن عبيد البكريّ قال: أخبرني أبو خالد الطائي عن الفضل، قال: كنا عند الرشيد وعنده الكسائي، فدخل إليه منصور النمريّ، فقال له الرّشيد: أنشدني. فأنشده قوله:

ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فتحرّك الرشيد، ثم أنشده حتى انتهى إلى قوله:

ما كنت أو في شبابي كنه عزّتهحتّى انقضى فإذا الدّنيا له تبع

فطرب الرّشيد، وقال: أحسنت واللّه، وصدقت، لا واللّه لا يتهنّا أحد يعيش حتى يخطر في رداء الشباب! وأمر به بجائزة سنية.

أخبرني عمي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن طهمان السلمي، قال: حدّثني أحمد بن سنان البيساني، وأخبرني عمي قال: أخبرنا ابن أبي سعد، قال: حدّثنا مسعود بن عيسى، عن موسى بن عبد اللّه التميمي: أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد وفيهم منصور النمري، وكانوا على نبيذ، فأبى منصور أن يشرب معهم، فقالوا له: إنما تعاف الشرب لأنّك رافضي، وتسمع وتصغي إلى الغناء، وليس تركك النبيذ من ورع. فقال منصور:

صوت

خلا بين ندمانيّ موضع مجلسيولم يبق عندي للوصال نصيب
وردّت على السّاقي تفيض وربّمارددت عليه الكأس وهي سليب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وأيّ امرىء لا يستهشّ إذا جرتعليه بنان كفّهنّ خضيب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل، مطلق في مجرى البنصر. ومن الناس من ينسبه إلى مخارق، هكذا في الخبر.

وقد حدّثني علي بن سليمان الأخفض، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد المبرّد، قال: كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى منصور النمري قوله:

تقضّت لبانات ولاح مشيبوأشفى على شمس النّهار غروب
وودّعت إخوان الصّبا وتصرّمتغواية قلب كان وهو طروب
وردّت على الساقي تفيض وربّمارددت عليه الكأس وهي سليب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وممّا يهيج الشّوق لي فيردّهخفيف على أيدي القيان صخوب
عطون به حتّى جرى في أديمهأصابيغ في لبّاتهنّ وطيب
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

فأجابه النمري وقال:

أوحشة ندمانيك تبكي فربّماتلاقيهما والحلم عنك عزوب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ترى خلفا من كل نيل وثروةسماع قيان عودهنّ قريب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
يغنيك يا بنتي فتستصحب النّهىوتحتازك الآفات حين أغيب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وإنّ امرأ أودى السماع بلبّهلعريان من ثوب الفلاح سليب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

أخبرني عمي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن آدم بن جشم العبدي أبو مسعر، قال: أتى النمري يزيد بن مزيد ويزيد يومئذ في إضاقة وعسرة، فقال: اسمع منّي جعلت فداك. فأنشده قصيدة له، يقول فيها:

لو لم يكن لبني شيبان من حسبسوى يزيد لفاتوا الناس في الحسب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
تأوي المكارم من بكر إلى ملكمن آل شيبان يحويهنّ من كثب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
أب وعمّ وأخوال مناصبهمفي منبت النّبع لا في منبت الغرب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إنّ أبا خالد لما جرى وجرتخيل الندى أحرز الأولى من القصب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لما تلغّبهنّ الجري قدّمهعتق مبين ومحض غير مؤتشب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إن الذين اغتزوا بالحرّ غرّتهكمغتزي الليث في عرّيسه الأشب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ضربا دراكا وشدّات على عنقكأنّ إيقاعها النّيران في الحطب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لا تقربنّ يزيدا عند صولتهلكن إذا ما احتبى للجود فاقترب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال يزيد: واللّه ما أصبح في بيت مالي شيء، ولكن انظر يا غلام كم عندك فهاته. فجاءه بمائة دينار وحلف أنّه لا يملك يومئذ غيرها.

وقد أخبرني عمي بهذا الخبر، قال: حدّثني محمّد بن علي بن حمزة العلوي، قال: حدّثني عمي عن جدي، قال: قال لي منصور النمريّ: كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد اللّه بن هشام بن عمرو التغلبي، وقد وخطني الشّيب يومئذ، وعبيد اللّه شابّ حديث السن، فإذا أنا بقصرية ظريفة قد وقفت، فجعلت أنظر إليها وهي تنظر إلى عبيد اللّه بن هشام ثم انصرفت، وقلت فيها:

لمّا رأيت سوام الشيب منتشرافي لمّتي وعبيد اللّه لم يشب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
سللت سهمين من عينيك فانتضلاعلى سبيبة ذي الأذيال والطرب
كذا الغواني نرى منهن قاصدةإلى الفروع معرّاة عن الخشب
لا أنت أصبحت تعتدّيننا أرباولا وعيشك ما أصبحت من أربي
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إحدى وخمسين قد أنضيت جدّتهاتحول بيني وبين اللهو واللعب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لا تحسبنّي وإن أغضيت عن بصريغفلت عنك ولا عن شأنك العجب

ثم عدلت عن ذلك فمدحت فيها يزيد بن مزيد فقلت:

لو لم يكن لبني شيبان من حسبسوى يزيد لفاقوا الناس بالحسب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لا تحسب الناس قد حابوا بني مطرإذا أسلم الجود فيهم عاقد الطنب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
الجود أخشن لمسا يا بني مطرمن أن تبزّكموه كفّ مستلب
ما أعرف الناس أنّ الجود مدفعةللذمّ لكنّه يأتي على النشب
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال: فأعطاني يزيد عشرة آلاف درهم.

حدّثني عمي، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه التميمي الحزنبل، قال: حدّثني عمرو بن عثمان الموصلي، قال حدّثني ابن أبي روق الهمداني، قال: قال لي منصور النمري: دخلت على الرشيد يوما ولم أكن أعددت له مدحا، فوجدته نشيطا طيّب النفس، فرمت شيئا فما جاءني، ونظر إليّ مستنطقا، فقلت:

إذا اعتاص المديح عليك فامدحأمير المؤمنين تجد مقالا
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اذا اعتاص المديح عليك فامدح»
وعذ بفنائه واجنح إليهتنل عرفا ولم تذلل سؤالا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فناء لا تزال به ركابوضعن مدائحا وحملن مالا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

فقال: واللّه لئن قصّرت القول لقد أطلت المعنى. وأمر لي بصلة سنيّة.

صوت

طربت إلى الحيّ الذين تحمّلواببرقة أحواذ وأنت طروب
للشاعر ابن الحجاج الثعلبي، اقرأ القصيدة
فبتّ أسقّاها سلافا مدامةلها في عظام الشّاربين دبيب

الشعر لعبد اللّه بن الحجاج الثعلبي، والغناء لعلّويه، رمل بالوسطى، عن الهشامي، وفيه لسليم خفيف رمل، مطلق في مجرى الوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»