من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب المغيرة بن حبناء وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة بن أسيد بن عبد عوف بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وحبناء لقب غلب على أبيه واسمه جبير بن عمرو، ولقّب بذلك لحبن كان أصابه. وهو شاعر إسلاميّ من شعراء الدّولة الأموية، وأبوه حبناء بن عمرو شاعر، وأخوه صخر بن حبناء شاعر، وكان يهاجيه، ولهما قصائد يتناقضانها كثيرة، سأذكر منها طرفا. وكان قد هاجى زيادا الأعجم فاكثر كلّ واحد منهما على صاحبه وأفحش، ولم يغلب أحد منهما صاحبه، كانا متكافئين في مهاجاتهما ينتصف كلّ واحد منهما من صاحبه.
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرني عبيد اللّه بن محمّد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الحسن بن جهور عن الحرمازي قال: قدم المغيرة بن حبناء على طلحة الطلحات الخزاعيّ ثم المليحيّ، أحد بني مليح، فأنشده قوله فيه:
لقد كنت أسعى في هواك وأبتغيرضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
وأبذل نفسي في مواطن غيرهاأحبّ، وأعصي في هواك الأدانيا
حفاظا وتمسيكا لما كان بيننالتجزيني ما لا إخالك جازيا
رأيتك ما تنفكّ منك رغيبةتقصّر دوني أو تحلّ ورائيا
أراني إذا استمطرت منك رغيبةلتمطرني عادت عجاجا وسافيا
وأدليت دلوي في دلاء كثيرةفأبن ملاء غير دلوي كماهيا
ولست بلاق ذا حفاظ ونجدةمن القوم حرّا بالخسيسة راضيا
فإن تدن مني تدن منك مودتيوإن تنأ عني تلفني عنك نائيا
قال: فلما أنشده هذا الشعر، قال له: أما كنّا أعطيناك شيئا؟ قال: لا. فأمر طلحة خازنه فأخرج درجا فيه حجارة ياقوت، فقال له: اختر حجرين من هذه الأحجار أو أربعين ألف درهم. فقال: ما كنت لأختار حجارة على أربعين ألف درهم! فأمر له بالمال. فلما قبضه سأله حجرا منها، فوهبه له، فباعه بعشرين ألف درهم. ثم مدحه، فقال:
أرى الناس قد ملّوا الفعال ولا أرىبني خلف إلا رواء الموارد
إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونهوكائن ترى من نافع غير عائد
إذا ما انجلت عنهم غمامة غمرةمن الموت أجلت عن كرام مذاود
تسود غطاريف الملوك ملوكهموماجدهم يعلو على كل ماجد
أخبرني هاشم بن محمّد قال حدّثنا المغيرة بن محمّد المهلبي عن رواة باهلة، أن المهلب بن أبي صفرة لما هزم قطريّ بن الفجاءة بسابور جلس للناس، فدخل إليه وجوههم يهنئونه وقامت الخطباء فأثنت عليه ومدحته الشعراء، ثم قام المغيرة بن حبناء في أخرياتهم فأنشده:
حال الشّجا دون طعم العيش والسهرواعتاد عينك من إدمانها الدّرر
واستحقبتك أمور كنت تكرههالو كان ينفع منها النّأي والحذر
وفي الموارد للأقوام تهلكةإذا الموارد لم يعلم لها صدر
ليس العزيز بمن تغشى محارمهولا الكريم بمن يجفى ويحتقر
حتى انتهى إلى قوله:
أمسى العباد بشرّ لا غياث لهمإلا المهلب بعد اللّه والمطر
كلاهما طيّب ترجى نوافلهمبارك سيبه يرجى وينتظر
لا يجمدان عليهم عند جهدهمكلاهما نافع فيهم إذا افتقروا
هذا يذود ويحمي عن ذمارهموذا يعيش به الأنعام والشّجر
واستسلم الناس إذ حلّ العدوّ بهمفلا ربيعتهم ترجى ولا مضر
وأنت رأس لأهل الدين منتخبوالرأس فيه يكون السمع والبصر
إن المهلّب في الأيام فضّلهعلى منازل أقوام إذا ذكروا
حزم وجود وأيام له سلفتفيها يعدّ جسيم الأمر والخطر
ماض على الهول ما ينفكّ مرتحلاأسباب معضلة يعيا بها البشر
سهل الخلائق يعفو عند قدرتهمنه الحياء ومن أخلاقه الخفر
شهاب حرب إذا حلّت بساحتهيخزي به اللّه أقواما إذا غدروا
تزيده الحرب والأهوال إن حضرتحزما وعزما ويجلو وجهه السفر
ما إن يزال على أرجاء مظلمةلو لا يكفكفها عن مصرهم دمروا
سهل إليهم حليم عن مجاهلهمكأنما بينهم عثمان أو عمر
كهف يلوذون من ذلّ الحياة بهإذا تكنّفهم من هولها ضرر
أمن لخائفهم فيض لسائلهمينتاب نائله البادون والحضر
فلما أتى على آخرها قال المهلب: هذا واللّه الشّعر، لا ما نعلّل به، وأمر له بعشرة آلاف درهم وفرس جواد، وزاده في عطائه خمسمائة درهم.
والقصيدة الّتي منها البيتان اللذان فيهما الغناء المذكور بذكره أخبار المغيرة، من قصيدة له مدح بها المهلب بن أبي صفرة أيضا. وأوّلها:
أمن رسوم ديار هاجك القدمأقوت وأقفر منها الطّفّ والعلم
وما يهيجك من أطلال منزلةعفّى معالمها الأرواح والديم
بئس الخليفة من جار تضنّ بهإذا طربت أثافي القدر والحمم
دار الّتي كاد قلبي أن يجنّ بهاإذا ألم به من ذكرها لمم
إذا تذكرها قلبي تضيّفههمّ تضيق به الأحشاء والكظم
والبين حين يروع القلب طائفهيبدي ويظهر منهم بعض ما كتموا
إني امرؤ كفّني ربي وأكرمنيعن الأمور الّتي في غبّها وخم
وإنما أنا إنسان أعيش كماعاش الرجال وعاشت قبلي الأمم
وهي قصيدة طويلة، وكان سبب قوله إياها أنّ المهلب كان أنفذ بعض بنيه في جيش لقتال الأزارقة، وقد شدّت منهم طائفة تغير على نواحي الأهواز، وهو مقيم يومئذ بسابور، وكان فيهم المغيرة بن حبناء، فلما طال مقامه واستقر الجيش لحق بأهله، فألمّ بهم وأقام عندهم شهرا، ثم عاود وقد قفل الجيش إلى المهلب فقيل له: إن الكتّاب خطّوا على اسمه، وكتب إلى المهلب أنه عصى وفارق مكتبه بغير إذن، فمضى إلى المهلب، فلما لقيه أنشده هذه القصيدة واعتذر إليه فعذره، وأمر بإطلاق عطائه وإزالة العتب عنه، وفيها يقول يذكر قدومه إلى أهله بغير إذن:
ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلواعيّ بما صنعوا حولي ولا صمم
ولو أردت قفولا ما تجّهمنيإذن الأمير ولا الكتّاب إذ رقموا
إني ليعرفني راعي سريرهموالمحدجون إذا ما ابتلّت الحزم
والطالبون إلى السلطان حاجتهمإذا جفا عنهم السلطان أو كزموا
فسوف تبلغك الأنباء إن سلمتلك الشواحج والأنفاس والأدم
إن المهلبّ إن أشتق لرؤيتهأو امتدحه فإن الناس قد علموا
إن الكريم من الأقوام قد علمواأبو سعيد إذا ما عدّت النّعم
والقائل الفاعل الميمون طائرهابو سعيد وإن أعداؤه رغموا
كم قد شهدت كراما من مواطنهليست بغيب ولا تقوالهم زعموا
أيّام أيام إذ عض الزمان بهموإذ تمنى رجال أنهم هزموا
وإذ يقولون: ليت اللّه يهلكهمواللّه يعلم لو زلت بهم قدم
أيام سابور إذ ضاعت رباعتهملولاه ما أوطنوا دارا ولا انتقموا
إذ ليس شيء من الدنيا نصول بهإلا المغافر والأبدان واللجم
وعاترات من الخطّيّ محصدةنفضي بهن إليهم ثم ندّعم
هكذا ذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني في خبر هذه القصيدة، ونسخت من كتابه. وذكر أيضا في هذا الكتاب أن سبب التهاجي بين زياد الأعجم والمغيرة بن حبناء، أن زيادا الأعجم والمغيرة بن حبناء وكعبا الأشقريّ، اجتمعوا عند المهلب وقد مدحوه، فأمر لهم بجوائز وفضّل زيادا عليهم، ووهب له غلاما فصيحا ينشد شعره، لأن زيادا كان ألكن لا يفصح، فكان راويته ينشد عنه ما يقوله، فيتكلف له مؤونة ويجعل له سهما في صلاته، فسأل المهلب يومئذ أن يهب له غلاما كان له يعرفه زياد بالفصاحة والأدب، فوهبه له، فنفسوا عليه ما فضّل به؛ فانتدب له المغيرة من بينهم، فقال للمهلب: أصلح اللّه الأمير،. ما السبب في تفضيل الأمير زيادا علينا؟ فو اللّه ما يغني غناءنا - في الحرب، ولا هو بأفضلنا شعبا، ولا أصدقنا ودا، ولا أشرفنا أبا، ولا أفصحنا لسانا! فقال له المهلب: أما إنّي واللّه ما جهلت شيئا مما قلت، وإن الأمر فيكم عندي لمتساو، ولكنّ زيادا يكرم لسنّه وشعره وموضعه من قومه، وكلّكم كذلك عندي، وما فضلته بما ينفس به، وأنا أعوّضكم بعد هذا بما يزيد على ما فضلته به. فانصرف، وبلغ زيادا ما كان منه، فقال يهجوه:
أرى كلّ قوم ينسل اللؤم عندهمولؤم بني حبناء ليس بناسل
يشبّ مع المولود مثل شبابهويلقاه مولودا بأيدي القوابل
ويرضّعه من ثدي أمّ لئيمةويخلق من ماء امرىء غير طائل
تعالوا فعدّوا في الزمان الّذي مضى،وكل أناس مجدهم بالأوائل
لكم بفعال يعرف الناس فضلهإذا ذكر الأملاء عند الفضائل
فغازيكم في الجيش الأم من غزاوقافلكم في الناس ألأم قافل
وما أنتم من مالك غير أنكمكمغرورة بالبوّ في ظل باطل
بنو مالك زهر الوجوه وأنتمتبّين ضاحي لؤمكم في الجحافل
يعني برصا كان بالمغيرة بن حبناء.
أخبرني عبيد اللّه بن محمّد الرازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدّثني المدائني قال: عيّر زياد الأعجم المغيرة بن حبناء في مجلس المهلّب بالبرص، فقال له المغيرة إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح، ولا تعير بالغرر والحجول، وقد قال صاحبنا بلعاء بن قيس لرجل عيّره بالبرص: «إنما أنا سيف اللّه جلاه واستلّه على أعدائه» فهل تغني يا ابن العجماء غنائي، أو تقوم مقامي؟ ثم نشب الهجاء بينهما.
نسخت من نسخة ابن الأعرابي، قال: كان المغيرة بن حبناء يوما يأكل مع المفضّل بن المهلّب، فقال له المفضل:
فلم أر مثل الحنظليّ ولونهأكيل كرام أو جليس أمير
فرفع المغيرة يده وقام مغضبا، ثم قال له:
إني امرؤ حنظليّ حين تنسبنيلام العتيك ولا أخوالي العوق
- العوق من يشكر، وكانوا أخوال المفضل -
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصةإن اللّهاميم في ألوانها بلق
وبلغ المهلّب ما جرى، فتناول المفضل بلسانه وشتمه، وقال: أردت أن يتمضّغ هذا أعراضنا، ما حملك على أن أسمعته ما كره بعد مواكلتك إياه؟ أما إن كنت تعافه فاجتنبه أو لا تؤذه. ثم بعث إليه بعشرة آلاف درهم، واستصفحه عن المفضل، واعتذر إليه عنه، فقبل رفده وعذره، وانقطع بعد ذلك عن مواكلة أحد منهم. - رجع الخبر إلى سياقته مع زياد والمغيرة - فقال المغيرة يجيب زيادا:
أزياد إنّك والّذي أنا عبدهما دون آدم من أب لك يعلم
فالحق بأرضك يا زياد ولا ترمما لا تطيق وأنت علج أعجم
أظننت لؤمك يا زياد يسدّهقوس سترت بها قفاك وأسهم
علج تعصّب ثم راق بقوسهوالعلج تعرفه إذا يتعمّم
ألق العصابة يا زياد فإنماأخزاك ربّي إذ غدوت ترنّم
واعلم بأنك لست منّي ناجياإلا وأنت ببظر أمك ملجم
تهجو الكرام وأنت ألأم من مشىحسبا وأنت العلج حين تكلّم
ولقد سألت بني نزار كلّهموالعالمين من الكهول فأقسموا
باللّه مالك في معدّ كلّهاحسب وإنك يا زياد موذّم
فقال زياد يجيبه:
ألم تر أنّني وتّرت قوسيلأبقع من كلاب بني تميم
عوى فرميته بسهام موتكذاك يردّ ذو الحمق اللئيم
وكنت إذا غمزت قناة قومكسرت كعوبها أو تستقيم
هم الحشو القليل لكل حيّوهم تبع كزائدة الظليم
فلست بسابقي هرما ولمايمرّ على نواجذك القدوم
فحاول كيف تنجو من وقاعيفإنّك بعد ثالثة رميم
سراتكم الكلاب البقع فيكمللؤمكم وليس لكم كريم
فقد قدمت عبودتكم ودمتمعلى الفحشاء والطبع اللّئيم
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا المدائني قال: قال زياد الأعجم يهجو المغيرة بن حبناء:
عجبت لأبيض الخصيين عبدكأنّ عجانه الشّعري العبور
فقيل له: يا أبا أمامة، لقد شرفته إذ قلت فيه:
كأنّ عجانه الشعري العبور
ورفعت منه. فقال: سأزيده رفعة وشرفا، ثم قال:
لا يبرح الدّهر منهم خارىء أبداإلّا حسبت على باب استه القمرا
قال، وتقاولا في مجلس المهلّب يوما، فقال المغيرة لزياد:
أقول له وأنكر بعض شأنيألم تعرف رقاب بني تميم
فقال له زياد:
بلى فعرفتهنّ مقصّراتجباه مذلّة وسبال لوم
نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني، قال: كانت ربيعة تقول لزياد الأعجم: يا زياد، أنت لساننا، فاذبب عن أعراضنا بشعرك، فإنّ سيوفنا معك. فقال المغيرة بن حبناء فيه، وقد بلغه هذا القول من ربيعة له:
يقولون ذبّب يا زياد ولم يكنليوقظ في الحرب الملمّة نائما
ولو أنّهم جاءوا به ذا حفيظةفيمنعهم أو ماجدا أو مراعما
ولكنّهم جاءوا بأقلف قد مضتله حجج سبعون يصبح رازما
لئيما ذميما أعجميّا لسانهإذا نال دنّا لم يبال المكارما
وما خلت عبد القيس إلا نفايةإذا ذكر الناس العلا والعظائما
إذا كنت للعبديّ جارا فلا تزلعلى حذر منه إذا كان طاعما
أناسا يعدّون الفساء لجارهمإذا شبعوا عند الجباة الدراهما.
من الفسو يقضون الحقوق عليهمويعطون مولاهم إذا كان غارما
لهم زجل فيه إذا ما تجاوبواسمعت زفيرا فيهم وهماهما
لعمرك ما نجّى ابن زروان إذ عوىربيعة من يوم ذلك سالما
أظنّ الخبيث ابن الخبيثين أنّنيأسلّم عرضي أو أهاب المقاوما
لعمرك لا تهدي ربيعة للحجاإذا جعلوا يستنصرون الأعاجما
قال: فجاءت عبد القيس إلى المغيرة، فقالوا: يا هذا، ما لنا ولك، تعمّنا بالهجاء لأن نبحك منّا كلب، فقال وقلت، قد تبرأنا إليك منه، فإن هجاك فاهجه، وخلّ عنا ودعنا، وأنت وصاحبك أعلم، فليس منّا له عليك ناصر.
فقال:
لعمرك إنّي لابن زروان إذ عوىلمحتقر في دعوة الودّ زاهد
وما لك أصل يا زياد تعدّهوما لك في الأرض العريضة والد
ألم تر عبد القيس منك تبرّأتفلاقيت ما لم يلق في الناس واحد
وما طاش سهمي عنك يوم تبرّأتلكيز بن أفصى منك والجند حاشد
ولا غاب قرن الشّمس حتى تحدّثتبنفيك سكان القرى والمساجد
- رفع «المساجد»، لأنه جعل الفعل لها، كأنه قال: وأهل المساجد، كما قال اللّه عزّ وجلّ: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
وتحدّثت المساجد، وإنما يريد من يصلّي فيها -
فأصبحت علجا من يزرك ومن يزربناتك يعلم أنّهن ولائد
وأصبحن قلفا يغتزلن بأجرةحواليك لم تجرح بهن الحدائد
نفرن من الموسى وأقررن بالتييقرّ عليها المقرفات الكواسد
بإصطخر لم يلبسن من طول فاقةجديدا ولا تلقى لهن الوسائد
وما أنت بالمنسوب في آل عامرولا ولدتك المحصنات المواجد
ولا ربّبتك الحنظليّة إذ غذتبنيها ولا جيبت عليك القلائد
ولكن غذاك المشركون وزاحمتقفاك وخدّيك البظور العوارد
ولم أر مثلي يا زياد بعرضهوعرضك يستبّان والسيف شاهد
ولو أنّني غشّيتك السيف لم يقلإذا مت إلّا مات علج معاهد
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضا، قال: رجع المغيرة بن حبناء إلى أهله وقد ملأ كفّيه بجوائز المهلب وصلاته والفوائد منه، وكان أخوه صخر بن حبناء أصغر منه، فكان يأخذ على يده وينهاه عن الأمر ينكر مثله، ولا يزال يتعتّب عليه في الشيء ممّا ينكره عليه، فقال فيه صخر بن حبناء:
رأيتك لما نلت مالا وعضّنازمان نرى في حدّ أنيابه شغبا
تجنّى عليّ الدّهر أنّي مذنبفأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا
فقال المغيرة يجيبه:
لحا اللّه أنآنا عن الضّيف بالقرىوأقصرنا عن عرض والده ذبّا
وأجدرنا أن يدخل البيت باستهإذا القفّ دليّ من مخارمه ركبا
أأنبأك الأفّاك عنّي أنّنيأحرّك عرضي إن لعبت به لعبا
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو، قال: جاءت أخت المغيرة بن حبناء إليه تشكو أخاها صخرا، وتذكر أنّه أسرع في مالها وأتلفه، وإنّها منعته شيئا يسيرا بقي لها، فمدّ يده إليها وضربها، فقال له المغيرة معنّفا:
ألا من مبلغ صخر بن ليلىفإني قد أتاني من نثاكا
رسالة ناصح لك مستجيبإذا لم ترع حرمته رعاكا
وصول لو يراك وأنت رهنتباع، بماله يوما فداكا
يرى خيرا إذا ما نلت خيراويشجي في الأمور بما شجاكا
فإنّك لا ترى أسماء أختاولا ترينّني أبدا أخاكا
فإن تعنف بها أو لا تصلهافإنّ لأمّها ولدا سواكا
يبرّ ويستجيب إذا دعتهوإن عاصيته فيها عصاكا
وكنت أرى بها شرفا وفضلاعلى بعض الرّجال وفوق ذاكا
جزاني اللّه منك وقد جزانيومنّي في معاتبنا جزاكا
وأعقب أصدق الخصمين قولاوولّى اللؤم أولانا بذاكا
فلا واللّه لو لم تعص أمريلكنت بمعزل عمّا هناكا
قال: فأجابه أخوه صخر بن حبناء فقال:
أتاني عن مغيرة ذرو قولتعمّده فقلت له كذاكا
يعمّ به بني ليلى جميعافولّ هجاءهم رجلا سواكا
فإن تك قد قطعت الوصل منّيفهذا حين أخلفني مناكا
تمنّيني إذا ما غبت عنيوتخلفني مناي إذا أراكا
وتوليني ملامة أهل بيتيولا تعطي الأقارب غير ذاكا
فإن تك أختنا عتبت علينافلا تصرم لظنّتها أخاكا
فإنّ لها إذا عتبت علينارضاها صابرين لها بذاكا
وإن تك قد عتبت عليّ جهلافلا واللّه لا أبغي رضاكا
فقد أعلنت قولك إذ أتانيفأعلن من مقالي ما أتاكا
سيغني عنك صخرا ربّ صخركما أغناك عن صخر غناكا
ويغنيني الّذي أغناك عنّيويكفيني الإله كما كفاكا
ألم ترني أجود لكم بماليوأرمي بالنّواقر من رماكا
وأنّي لا أقود إليك حرباولا أعصيك إن رجل عصاكا
ولكنّي وراءك شمّريّأحامي - قد علمت - على حماكا
وأدفع ألسن الأعداء عنكمويعنيني العدوّ إذا عناكا
وقد كانت قريبة ذات حقعليك فلم تطالعها بذاكا
رأيت الخير يقصر منك دونيوتبلغني القوارص من أذاكا
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضا قال: كان حبناء بن عمرو وقد غضب على قومه في بعض الأمر، فانتقل إلى نجران، وحمل معه أهله وولده، فنظرت امرأته سلمى إلى غلام من أهل نجران يضرب ابنه المغيرة - وهو يومئذ غلام - فقالت لحبناء: قد كنت غنيا عن هذا الذّلّ، وكان مقامك بالعراق في قومك أو في حيّ قريب من قومك أعزّ لك! فقال حبناء في ذلك:
تقول سليمى الحنظلية لابنهاغلام بنجران الغداة غريب
رأت غلمة ثاروا إليه بأرضهمكما هرّ كلب الدار بين كليب
فقالت لقد أجرى أبوك لما ترىوأنت عزيز بالعراق مهيب
وقال أيضا:
لعمرك ما تدري أشيء تريدهيليك أم الشيء الّذي لا تحاوله
متى ما يشأ مستقبس الشرّ يلقهسريعا وتجمعه إليه أنامله
أخبرني عيسى بن الحسن الورّاق، قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبو الشّبل النّضري، قال: كان المغيرة بن حبناء أبرص، وأخوه صخر أعور، وأخوه الآخر مجذوما، وكان بأبيهم حبن، فلقّب حبناء - واسمه جبير بن عمرو - فقال زياد الأعجم يهجوهم:
إنّ حبناء كان يدعى جبيرافدعوه من لؤمه حبناء
ولد العور منه والبرص والجذمى، وذو الداء ينتج الأدواء
فيقال: إنّ هذه الأبيات كانت آخر ما تهاجيا به؛ لأنّ المغيرة قال - وقد بلغه هذا الشعر -: ما ذنبنا فيما ذكره، هذه أدواء ابتلانا اللّه عزّ وجلّ بها، وإني لأرجو أن يجمع اللّه عليه هذه الأدواء كلّها! فبلغ ذلك زيادا من قوله، وإنّه لم يهجه بعقب هذه الأبيات، ولا أجابه بشيء، فأمسك عنه، وتكافأ.
أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، وأخبرني به الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبيه عن الأصمعي، قال: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخيه وهما لأب وأمّ، مثل قول المغيرة بن حبناء لأخيه صخر:
أبوك أبي وأنت أخي ولكنتفاضلت الطّبائع والظّروف
وأمّك حين تنسب أمّ صدقولكنّ ابنها طبع سخيف
قال: وكان عبد الملك بن مروان إذا نظر إلى أخيه معاوية - وكان ضعيفا - يتمثّل بهذين البيتين.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن جدّان، قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن مخلد المهلبي، قال: نظر الحجّاج إلى يزيد بن المهلّب يخطر في مشيته، فقال: لعن اللّه المغيرة بن حبناء حيث يقول:
جميل المحيّا بختريّ إذا مشىوفي الدّرع ضخم المنكبين شناق
فالتفت إليه يزيد، فقال: إنه يقول فيها:
شديد القوى من أهل بيت إذا وهىمن الدّين فتق حمّلوا فأطاقوا
مراجيح في الّلأواء إن نزلت بهمميامين قد قادوا الجيوش وساقوا
أخبرني محمّد بن مزيد، قال: حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدّثني من حضر ابن حبناء لما قتل - وهو يجود بنفسه - فأخذ بيده من دمه - وكتب بيده على صدره: «أنا المغيرة بن حبناء». ثم مات.
صوت
بسطت رابعة الحبل لنافوصلنا الحبل منها ما اتسع
كيف ترجون سقاطي بعد ماجلّل الرأس بياض وصلع
ربّ من أنضجت غيظا صدرهقد تمنّى لي موتا لم يطع
ويراني كالشّجا في حلقهعسرا مخرجه ما ينتزع
ويحيّيني إذا لاقيتهوإذا أمكن من لحمي رتع
وأبيت اللّيل ما أهجعهوبعينيّ إذا النّجم طلع
الحبل ها هنا: الوصل؛ والحبل أيضا: السبب يتعلّق به الرجل من صاحبه، يقال: علقت من فلان بحبل؛ والحبل: العهد، والميثاق، والعقد يكون بين القوم؛ وهذه المعاني كلّها تتعاقب ويقوم بعضها مقام بعض. والشّجا: كلّ ما اغتصّ به من لقمة أو عظم أو غيرهما.
الشعر لسويد بن أبي كاهل اليشكريّ، والغناء لعلّويه، ثاني ثقيل بالبنصر، عن عمرو بن بانة في الأول والثاني من الأبيات، وليونس الكاتب في الثالث والرابع والثاني ما خوري بالوسطى، عن علي بن يحيى، والهشامي.
ولمالك فيها ثقيل بالبنصر، عن الهشامي أيضا، ولابن سريج فيها خفيف ثقيل، عن علي بن يحيى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع