من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي الطّمحان القينيّ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو الطّمحان اسمه حنظلة بن الشّرقيّ، أحد بني القين بن جسر بن شيع اللّه، من قضاعة. وقد تقدّم هذا النسب في عدّة مواضع من الكتاب في أنساب شعرائهم.
وكان أبو الطّمحان شاعرا فارسا خاربا صعلوكا. وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام، فكان خبيث الدّين فيهما كما يذكر. وكان تربا للزّبير بن عبد المطّلب في الجاهلية ونديما له. أخبرنا بذلك أبو الحسن الأسديّ عن الرّياشيّ عن أبي عبيدة.
ومما يدلّ على أنه قد أدرك الجاهلية ما ذكره ابن الكلبيّ عن أبيه قال: خرج قيسبة بن كلثوم السّكونيّ، وكان ملكا، يريد الحج - وكانت العرب تحج في الجاهلية فلا يعر، بعضها لبعض - فمرّ ببني عامر بن عقيل، فوثبوا عليه فأسروه وأخذوا ماله وما كان معه، وألقوه في القدّ، فمكث فيه ثلاث سنين، وشاع باليمن أن الجنّ استطارته. فبينا هو في يوم شديد البرد في بيت عجوز منهم إذ قال لها: أتأذنين لي أن آتي الأكمة فأتشرّق عليها فقد أضرّ بي القرّ؟! فقالت له نعم. كانت عليه جبة له حبرة لم يترك عليه غيرها، فتمشّى في أغلاله
وقيوده حتى صعد الأكمة، ثم أقبل يضرب ببصره نحو اليمن، وتغشاه عبرة فبكى، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم ساكن السماء فرّج لي مما أصبحت فيه. فبينا هو كذلك إذ عرض له راكب يسير، فأشار إليه أن أقبل، فأقبل الراكب، فلما وقف عليه قال له: ما حاجتك يا هذا؟ قال: أين تريد؟ قال: أريد اليمن. قال: ومن أنت؟ قال أنا أبو الطّمحان القينيّ، فاستعبر باكيا. فقال له أبو الطّمحان: من أنت؟ فإني أرى عليك سيما الخير ولباس الملوك، وأنت بدار ليس فيها ملك. قال: أنا قيسبة بن كلثوم السّكونيّ، خرجت عام كذا وكذا أريد الحج، فوثب عليّ هذا الحيّ فصنعوا بي ما ترى، وكشف عن أغلاله وقيوده؛ فاستعبر أبو الطمحان، فقال له قيسبة: هل لك في مائة ناقة حمراء؟ قال: ما أحوجني إلى ذلك! قال: فأنخ، فأناخ. ثم قال له: أمعك سكّين؟ قال نعم. قال: ارفع لي عن رحلك، فرفع له عن رحله حتى بدت خشبة مؤخره؛ فكتب عليها قيسبة بالمسند، وليس يكتب به غير أهل اليمن:
بلّغا كندة الملوك جميعاحيث سارت بالأكرمين الجمال
أن ردوا العين بالخميس عجالاواصدروا عنه والرّوايا ثقال
هزئت جارتي وقالت عجيباإذ رأتني في جيدي الأغلال
إن تريني عاري العظام أسيراقد براني تضعضع واختلال
فلقد أقدم الكتيبة بالسيف عليّ السلاح والسربال
وكتب تحت الشعر إلى أخيه أن يدفع إلى أبي الطّمحان مائة ناقة. ثم قال له: أقرىء هذا قومي؛ فإنهم سيعطونك مائة ناقة حمراء. فخرج تسير به ناقته، حتى أتى حضر موت، فتشاغل بما ورد له ونسي أمر قيسبة حتى فرغ من حوائجه. ثم سمع نسوة من عجائز اليمن يتذاكرن قيسبة ويبكين، فذكر أمره، فأتى أخاه الجون بن كلثوم، وهو أخوه لأبيه وأمه، فقال له: يا هذا، إني أدلّك على قيسبة وقد جعل لي مائة من الإبل. قال له: فهي لك.
فكشف عن الرحل، فلما قرأه الجون أمر له بمائة ناقة، ثم أتى قيس بن معديكرب الكنديّ أبا الأشعث بن قيس، فقال له: يا هذا، إن أخي في بني عقيل أسير، فسر معي بقومك، فقال له: أتسير تحت لوائي حتى أطلب ثأرك وأنجدك، وإلا فامض راشدا. فقال له الجون: مسّ السماء أيسر من ذلك وأهون عليّ مما خيّرته. وضجّت السّكون ثم فاءوا ورجعوا وقالوا له: وما عليك من هذا! هو ابن عمك ويطلب لك بثأرك! فأنعم له بذلك.
وسار قيس وسار الجون معه تحت لوائه، وكندة والسّكون معه؛ فهو أوّل يوم اجتمعت فيه السّكون وكندة لقيس، وبه أدرك الشرف. فسار حتى أوقع بعامر بن عقيل فقتل منهم مقتلة عظيمة واستنقذ قيسبة. وقال في ذلك سلامة بن صبيح الكنديّ:
لا تشتمونا إذ جلبنا لكمألفي كميت كلّها سلهبه
نحن أبلنا الخيل في أرضكمحتى ثأرنا منكم قيسبه
واعترضت من دونهم مذحجفصادفوا من خيلنا مشغبه
حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن أيّوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال: بلغني أنّ أبا الطّمحان القينيّ قيل له، وكان فاسقا خاربا، ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدّير. قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانيّة فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ثم انصرفت عنها.
أخبرني عمي قال حدّثني محمّد بن عبد اللّه الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه قال: جنى أبو الطّمحان القينيّ جناية وطلبه السلطان، فهرب من بلاده ولجأ إلى بني فزارة فنزل على رجل منهم يقال له: مالك بن سعد أحد بني شمخ؛ فآواه وأجاره وضرب عليه بيتا وخلطه بنفسه. فأقام مدّة، ثم تشوّق يوما إلى أهله وقد شرب شرابا ثمل منه، فقال لمالك: لو لا أن يدي تقصر عن دية جنايتي لعدت إلى أهلي. فقال له: هذه إبلي فخذ منها دية جنايتك واردد ما شئت. فلمّا أصبح ندم على ما قاله وكره مفارقة موضعه ولم يأمن على نفسه، فأتى مالكا فأنشده:
سأمدح مالكا في كلّ ركبلقيتهم وأترك كل رذل
فما أنا والبكارة أو مخاضعظام جلّة سدس وبزل
وقد عرفت كلابكم ثيابيكأنّي منكم ونسيت أهلي
نمت بك من بني شمخ زنادلها ما شئت من فرع وأصل
قال فقال مالك: مرحبا! فإنك حبيب ازداد حبا، إنما اشتقت إلى أهلك وذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب به من عقل أو دية، فبذلت لك ما بذلت، وهو لك على كل حال، فأقم في الرّحب والسّعة. فلم يزل مقيما عندهم حتى هلك في دارهم.
قال أبو عمرو في هذه الرواية: وأخبرني أيضا بمثله محمّد بن جعفر النّحوي صهر المبرّد، قال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال:
عاتبت أبا الطّمحان القينيّ امرأته في غاراته ومخاطرته بنفسه، وكان لصّا خاربا خبيثا، واكثرت لومه على ركوب الأهوال ومخاطرته بنفسه في مذاهبه، فقال لها:
لو كنت في ريمان تحرس بابهأراجيل أحبوش وأغضف آلف
إذا لأتتني حيث كنت منيّتييخبّ بها هاد بأمري قائف
فمن رهبة آتي المتالف سادراوأيّة أرض ليس فيها متالف
فأمّا البيت الّذي ذكرت من شعره أنّ فيه لعريب صنعة وهو:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم
فإنه من قصيدة له مدح بها بجير بن أوس بن حارثة بن لأم الطائيّ، وكان أسيرا في يده. فلما مدحه بهذه القصيدة أطلقه وجزّ ناصيته، فمدحه بعد هذا بعدّة قصائد. وأوّل هذه الأبيات:
إذا قيل أيّ الناس خير قبيلةوأصبر يوما لا توارى كواكبه
فإنّ بني لأم بن عمرو أرومةعلت فوق صعب لا تنال مراقبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
لهم مجلس لا يحصرون عن النّدىإذا مطلب المعروف أجدب راكبه
وأمّا خبر أسره والوقعة الّتي اسر فيها فإن عليّ بن سليمان الأخفش أخبرني بها عن أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال:
كان أبو الطّمحان القيني مجاورا في جديلة من ظيّى ء، وكانت قد اقتتلت بينها وتحاربت الحرب الّتي يقال لها «حرب الفساد» وتحزّبت حزبين: حزب جديلة وحزب الغوث، وكانت هذه الحرب بينهم أربعة أيام، ثلاثة منها للغوث ويوم لجديلة. فأمّا اليوم الّذي كان لجديلة فهو «يوم ناصفة». وأما الثلاثة الأيام الّتي كانت للغوث فإنها «يوم قارات حوق» و «يوم البيضة» و «يوم عرنان» وهو آخرها وأشدّها وكان للغوث، فانهزمت جديلة هزيمة قبيحة، وهربت فلحقت بكلب وحالفتهم وأقامت فيهم عشرين سنة.
وأسر أبو الطّمحان في هذه الحرب: أسره رجلان من طيّىء واشتركا فيه، فاشتراه منهما بجير بن أوس بن حارثة لمّا بلغه قوله:
أرقت وآبتنى الهموم الطّوارقولم يلق ما لاقيت قبلي عاشق
إليكم بني لأم تخبّ هجانهابكلّ طريق صادفته شبارق
لكم نائل غمر وأحلام سادةوألسنة يوم الخطاب مسالق
ولم يدع داع مثلكم لعظيمةإذا وزمت بالساعدين السّوارق
السوارق: الجوامع، واحدتها سارقة.
قال فابتاعه بجير من الطائيّين بحكمهما، فجزّ ناصيته واعتقه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أبو أيّوب المديني قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري قال: كان أبو الطّمحان القينيّ مجاورا لبطن من طيّىء يقال لهم بنو جديلة، فنطح تيس له غلاما منهم فقتله، فتعلّقوا أبا الطمحان وأسروه حتى أدّى ديته مائة من الإبل. وجاءهم نزيله، وكان يدعى هشاما، ليدفع عنه فلم يقبلوا قوله؛ فقال له أبو الطمحان:
أتاني هشام يدفع الضّيم جاهدايقول ألا ماذا ترى وتقول
فقلت له قم يا لك الخير أدّهامذلّلة إنّ العزيز ذليل
فإن يك دون القين أغبر شامخفليس إلى القين الغداة سبيل
أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق قال: دخلت يوما على المأمون فوجدته حائرا متفكّرا غير نشيط، فأخذت أحدّثه بملح الأحاديث وطرفها، أستميله لأن يضحك أو ينشط، فلم يفعل. وخطر ببالي بيتان فأنشدته إيّاهما، وهما:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائحوقبل نشوز النفس بين الجوانح
وقبل غد، يا لهف نفسي على غدإذا راح أصحابي ولست برائح
فتنبّه كالمتفزّع ثم قال: من يقول هذا ويحك؟ قلت: أبو الطّمحان القينيّ يا أمير المؤمنين. قال: صدق واللّه، أعدهما عليّ. فأعدتهما عليه حتى حفظهما. ثم دعا بالطعام فأكل، ودعا بالشراب فشرب. وأمر لي بعشرين ألف درهم.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثني أحمد بن الحارث الخرّاز قال: حدّثني المدائنيّ قال: عاتب عبد الملك بن مروان الحسن بن الحسن عليهما السلام على شيء بلغه عنه من دعاء أهل العراق إيّاه إلى الخروج معهم على عبد الملك، فجعل يعتذر إليه ويحلف له. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، ألا تقبل عذر ابن عمك وتزيل عن قلبك ما قد أشربته إيّاه؟ أما سمعت قول أبي الطّمحان القينيّ:
إذا كان في صدر ابن عمّك إحنةفلا تستثرها سوف يبدو دفينها
وإن حمأة المعروف أعطاك صفوهافخذ عفوه لا يلتبس بك طينها
قال المدائني: ونزل أبو الطمحان على الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم، وكانت العرب تنزل عليه، فطال مقامه لديه، واستأذنه في الرجوع إلى أهله وشكا إليه شوقا إليهم، فلم يأذن له. وسأله المقام، فأقام عنده مدّة، ثم أتاه فقال له:
ألا حنّت المرقال وائتبّ ربّهاتذكّر أوطانا وأذكر معشري
ولو عرفت صرف البيوع لسرّهابمكة أن تبتاع حمضا بإدخر
أسرّك لو أنّا بجنبي عنيزةوحمض وضمران الجناب وصعتر
إذا شاء راعيها استقى من وقيعةكعين الغراب صفوها لم يكدّر
فلمّا أنشده إيّاها أذن له فانصرف، وكان نديما له.
صوت
لا يعتري شربنا اللّحاء وقدتوهب فينا القيان والحلل
وفتية كالسّيوف نادمتهملا حصر فيهم ولا بخل
الشعر للأسود بن يعفر، والغناء لسليم، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع