من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي الأسود الدؤلي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بم حلس بن نفاثة بن عديّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وهم إخوة قريش، لأن قريشا مختلف في الموضع الذي افترقت فيه مع أبيها، فخصّت بهذا الأسم دونهم، وأبعد من قال في ذلك مدّى من زعم أن النضر بن كنانة منتهى نسب قريش، فأمّا النسّابون منهم فيقولون إن من لم يلده فهر بن مالك بن النضر فليس قرشيّا.
وكان أبو الأسود الدؤلي من وجوه التابعين وفقهائهم، ومحدّثيهم. وقد روى عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهما، فأكثر وروى عن ابن عباس وغيره، واستعمله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، وكان من وجوه شيعة عليّ. وذكر أبو عبيدة أنه أدرك أول الإسلام وشهد بدرا مع المسلمين. وما سمعت بذلك عن غيره.
وأخبرني عمي عن ابن أبي سعد عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السّلميّ عن أبي عبيدة مثله.
واستعمله عليّ رضى اللّه عنه على البصرة بعد ابن عباس، وهو كان الأصل في بناء النحو وعقد أصوله.
أخبرنا أبو جعفر بن رستم الطّبري النحويّ بذلك عن أبي عثمان المازنيّ عن أبي عمر الجرميّ عن أبي الحسن الأخفش عن سيبويه عن الخليل بن أحمد عن عيسى بن عمر عن عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرميّ عن عنبسة الفيل وميمون الأقرن عن يحيى بن يعمر الليثي.
أنّ أبا الأسود الدؤلي دخل إلى ابنته بالبصرة فقالت له يا أبت ما أشدّ الحرّ! (رفعت أشدّ) فظنّها تسأله وتستفهم منه: أيّ زمان الحرّ أشدّ؟ فقال لها: شهر ناجر، يريد شهر صفر. الجاهلية كانت تسمى شهور السنة بهذه الأسماء. فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك. فأتى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب لمّا خالطت العجم، وأوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحلّ، فقال له: وما ذلك؟ فأخبره خبر ابنته، فأمره فاشترى صحفا بدرهم، وأملّ عليه: الكلام كله لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. (وهذا القول أول كتاب سيبويه)، ثم رسم أصول النحو كلّها، فنقلها النحويّون وفرّعوها. قال أبو الفرج الأصبهانيّ: هذا حفظته عن أبي جعفر وأنا حديث السنّ، فكتبته من حفظي، واللفظ يزيد وينقص وهذا معناه.
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني قال: أمر زياد أبا الأسود الدؤلي أن ينقط المصاحف، فنقطها ورسم من النحو رسوما، ثم جاء بعده ميمون الأقرن فزاد عليه في حدود العربية، ثم زاد فيها بعده عنبسة بن معدان المهريّ، ثم جاء عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرميّ وأبو عمرو بن العلاء فزادا فيه، ثم جاء الخليل بن أحمد الأزديّ وكان صليبة فلحب الطريق. ونجم علي بن حمزة الكسائي مولى بني كاهل من أسد فرسم للكوفيّين رسوما هم الآن يعلمون عليها.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد النحويّ قال حدّثنا التّوّزيّ والمهريّ قالا حدّثنا كيسان بن المعرّف الهجيميّ أبو سليمان عن أبي سفيان بن العلاء عن جعفر بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤليّ عن أبيه قال: قيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ - يعنون به النحو - فقال: أخذت حدوده عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثني عبيد اللّه بن محمد عن عبد اللّه بن شاكر العنبريّ عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عيّاش عن عاصم بن أبي النجود قال: أوّل من وضع العربيّة أبو الأسود الدؤليّ، جاء إلى زياد بالبصرة فقال له: أصلح اللّه الأمير، إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وتغيّرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع لهم علما يقيمون به كلامهم؟ قال: لا. قال: ثم جاء زيادا رجل فقال: مات أبانا وخلّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلّف بنون! ردّوا إليّ أبا الأسود الدؤليّ، فردّ إليه، فقال: ضع للناس ما نهيتك عنه. فوضع لهم النحو. وقد روى هذا الحديث عن أبي بكر بن عياش يزيد بن مهران، فذكر أنّ هذه القصّة كانت بين أبي الأسود وبين عبيد اللّه بن زياد.
أخبرني أحمد بن العبّاس قال حدّثنا العنزيّ عن أبي عثمان المازنيّ عن الأخفش عن الخيل بن أحمد عن عيسى ابن عمر عن عبد اللّه بن أبي إسحاق عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أوّل باب وضعه أبي من النحو باب التعجب.
وقال الجاحظ: أبو الأسود الدؤليّ معدود في طبقات من الناس، وهو في كلّها مقدّم، مأثور عنه الفضل في جميعها؛ كان معدودا في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدّثين والأشراف والفرسان والأمراء والدّهاة والنحوييّن والحاضري الجواب والشيعة والبخلاء والصّلع الأشراف والبخر الأشراف.
فما رواه من الحديث عن عمر مسندا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخيّ قال حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال حدّثنا يونس بن محمد قال حدّثنا داود بن أبي الفرات عن عبد اللّه بن أبي بريدة عن أبي الأسود الدؤلي قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع فيها مرض فهم يموتون موتا ذريعا، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فمرّت به جنازة فأثني على صاحبها خير، فقال عمر رضي اللّه عنه: وجبت، ثم مرّ بأخرى فأثني على صاحبها بشرّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ فقال: قلت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله اللّه الجنة» فقلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة»، فقلنا: واثنان؟ قال: «واثنان»، ثم لم نسأله عن الواحد.
حدّثني حمّاد بن سعيد قال حدّثنا أبو خيثمة قال حدّثنا معاذ بن هشام قال حدّثني أبي عن قتادة عن أبي الأسود الدؤليّ قال: خطب عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه الناس يوم الجمعة فقال: إنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ منصورة حتى يأتي أمر اللّه جلّ وعزّ».
ومما رواه عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن سليمان الحضرميّ قال حدّثنا هنّاد ابن السّريّ قال حدّثنا عبده بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤليّ عن ابيه أبي الأسود الدؤليّ عن عليّ كرم اللّه وجهه أنه قال في بول الجارية: يغسل، وفي بول الغلام: ينضح ما لم يأكلا الطعام.
أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا البغويّ قال حدّثنا عليّ بن الجعد قال حدّثنا معلّى بن هلال عن الشّعبيّ وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائنيّ جميعا قالوا: لما خرج ابن عباس رضي اللّه عنهما إلى المدينة من البصرة تبعه أبو الأسود في قومه ليردّه، فاعتصم عبد اللّه بأخواله من بني هلال فمنعوه، وكادت تكون بينهم حرب، فقال لهم بنو هلال: ننشدكم اللّه ألّا تسفكوا بيننا دماء تبقى معها العداوة إلى آخر الأبد، وأمير المؤمنين أولى بابن عمه، فلا تدخلوا أنفسكم بينهما، فرجعت كنانة عنه، وكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام فأخبره بما جرى، فولّاه البصرة.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي ووكيع وعمي قالوا جميعا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عمران الضّبّيّ قال حدّثني خالد بن عبد اللّه قال حدّثني أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: كان أبو الأسود الدؤلي كاتبا لابن عباس على البصرة، وهو الذي يقول:
وإذا طلبت من الحوائج حاجةفادع الإله وأحسن الأعمالا
فليعطينّك ما أراد بقدرةفهو اللطيف لما أراد فعالا
إن العباد وشأنهم وأمورهمبيد الإله يقلّب الأحوالا
فدع العباد ولا تكن بطلابهملهجا تضعضع للعباد سؤالا
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن محمد بن سلام قال: كان أبو الأسود الدؤلي قد أسنّ وكبر، وكان مع ذلك يركب إلى المسجد والسّوق ويزور أصدقاءه، فقال له رجل: يا أبا الأسود، أراك تكثر الركوب وقد ضعفت عن الحركة وكبرت، ولو لزمت منزلك كان أودع لك. فقال له أبو الأسود: صدقت ولكنّ الركوب يشّد أعضائي، وأسمع من أخبار الناس ما لا أسمعه في بيتي، وأستنشى الريح، وألقى إخواني، ولو جلست في بيتي لاغتمّ بي أهلي، وأنس بي الصبيّ، واجترأ عليّ الخادم، وكلّمني من أهلي من يهاب كلامي، لإلفهم إيّاي، وجلوسهم عندي؛ حتى لعلّ العنز وأن تبول عليّ فلا يقول لها أحد: هس.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي قال حدّثنا أبو عكرمة قال: كان بين بني الدليل وبين بني ليث منازعة، فقتلت بنو الديل منهم رجلا، ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدّوا ديته، فاجتمعوا إلى أبي الأسود يسألونه المعاونة على أدائها، وألحّ عليه غلام منهم ذو بيان وعارضة، فقال له: يا أبا الأسود، أنت شيخ العشيرة وسيّدهم، وما يمنعك من معاونتهم قلة ذات يد ولا سؤدد ولا جود، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود، ثم قال له: قد أكثرت يابن أخي فاسمع مني: إن الرجل واللّه ما يعطي ماله إلا لإحدى خلال: إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة ممن يعطيه، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه اللّه وما عنده في الدار الآخرة، أو رجل أحمق خدع عن ماله، وو اللّه ما أنتم إحدى هذه الطبقات. ولا جئتم في شيء من هذا، ولا عمّك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود لو وصل إلى بني الديل، قوموا إذا شئتم. فقاموا يبادرون الباب.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان طريق أبي الأسود الدؤليّ إلى المسجد والسوق في بني تيم اللّه بن ثعلبة وكان فيهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن يمرّ به، فمرّ به أبو الأسود الدؤليّ يوما فقال لقومه: كأنّ وجه أبي الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق، فضحك القوم، وأعرض عنهم أبو الأسود. ثم مرّ به مرّة أخرى، فقال لهم: كأنّ غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح. فأقبل عليه أبو الأسود فقال له: هل تعرف فقحة أمّك فيهنّ؟ فأفحمه، وضحك القوم منه، وقاموا إلى أبي الأسود، فاعتذروا إليه مما كان، ولم يعاوده الرجل بعد ذلك، وقال فيه أبو الأسود بعد ذلك حين رجع إلى أهله:
وأهوج ملجاج تصاممت قبلهأن اسمعه وما بسمعي من باس
ولو شئت قد أعرضت حتى أصيبهعلى أنفه حدباء تعضل بالاسي
فإن لساني ليس أهون وقعةوأصغر آثارا من النحت بالفاس
وذي إحنة لم يبدها غير أنهكذي الخبل تأبى نفسه غير وسواس
صفحت له صفحا جميلا كصفحهوعيني - وما يدري - عليه وأحراسي
وعندي له إن فار فوّار صدرهفما جبليّ لا يعاوده الحاسي
وخبّ لحوم الناس أكثر زادهكثير الخنا صعب المحالة همّاس
تركت له لحمي وأبقيت لحمهلمن نابه من حاضر الجنّ والناس
فكّر قليلا ثم صدّ كأنمايعضّ بصمّ من صفا جبل راسي
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدّثنا المدائنيّ قال: خرج أبو الأسود الدؤلي ومعه جماعة أصحاب له إلى الصيد، فجاءه أعرابيّ فقال له: السلام عليك. فقال له أبو الأسود: كلمة مقولة. قال: أدخل؟ قال: وراؤك أوسع لك. قال: إن الرّمضاء قد أحرقت رجلي، قال: بل عليها أو ائت الجبل يفىء عليك. قال: هل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال، فإن فضل شيء فأنت أحقّ به من الكلب، فقال الأعرابي: ما رأيت قطّ ألأم منك. قال أبو الأسود: بلى قد رأيت؛ ولكنك قد أنسيت.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن المدائنيّ بهذا الخبر فقال فيه: كان أبو الأسود جالسا في دهليزه وبين يديه رطب، فجاز به رجل من الأعراب يقال له ابن أبي الحمامة، فسلّم ثم ذكر باقي الخبر، مثل الذي تقدّمه، وزاد عليه فقال: أنا ابن أبي الحمامة. قال: كن ابن أبي طاوسة، وانصرف. قال: أسألك باللّه إلا أطعمتني مما تأكل، قال: فألقى إليه أبو الأسود ثلاث رطبات، فوقعت إحداهنّ في التراب، فأخذها يمسحها بثوبه، فقال له أبو الأسود: دعها فإن الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به، فقال: إنما كرهت أن أدعها للشيطان، فقال له: لا واللّه ولجبريل وميكائيل تدعها.
أخبرني محمد بن عمران الضبيّ الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثنا محمد بن معاوية الأسديّ قال ذكر الهيثم بن عديّ عن ابن عياش قال: خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد بن غنيم، فأسرّ أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها كان يخطبها - وكان لها مال عند أهلها - فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهلها الذين مالها عندهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا ذلك، وضارّوها حتى تزوّجت بابن عمها، فقال أبو الأسود الدؤلي في ذلك:
لعمري لقد أفشيت يوما فخاننيإلى بعض من لم أخش سرّا ممنّعا
فمزّقه مزق العمى وهو غافلونادى بما أخفيت منه فأسمعا
فقلت ولم أفحش لعّالك عاثراوقد يعثر الساعي إذا كان مسرعا
ولست بجازيك الملامة إننيأرى العفو أدنى للرشاد وأوسعا
ولكن تعلّم أنه عهد بيننافبن غير مذموم ولكن مودّعا
حديثا أضعناه كلانا فلا أرىوأنت نجيّا آخر الدهر أجمعا
وكنت إذا ضيعت سرك لم تجدسواك له إلا أشتّ وأضيعا
قال: وقال فيه:
أمنت امرأ في السرّ لم يك حازماولكنه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنهبعلياء نار أوقدت بثقوب
وكنت متى لم ترع سرّك تلتبسقوارعه من مخطىء ومصيب
فما كل ذي نصح بمؤتيك نصحهوما كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحدفحقّ له من طاعة بنصيب
أخبرني عمي قال حدّثني الكراني قال حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عياش قال: اشترى أبو الأسود جارية، فأعجبته - وكانت حولاء - فعابها أهله عنده بالحول، فقال في ذلك:
يعيبونها عندي ولا عيب عندهاسوى أن في العينين بعض التأخّر
فإن يك في العينين سوء فإنهامهفهفة الأعلى رداح المؤخّر
أخبرني محمد بن الحسن بن يزيد دريد الأزدي قال حدّثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان لأبي الأسود الدؤليّ صديق من بني تميم ثم من بني سعد يقال له مالك بن أصرم، وكانت بينه وبين ابن عمّ له خصومة في دار له، وأنهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديقه: إني بالذي بينك وبينه عارف، فلا يحملنك ها ذاك على أن تحيف عليّ في الحكم - وكان صديق أبي الأسود ظالما - فقضى أبو الأسود على صديقه لخصمه بالحقّ، فقال له صديقه: واللّه ما بارك اللّه لي في صداقتك، ولا نفعني بعلمك وفقهك، ولقد قضيت عليّ بغير الحقّ، فقال أبو الأسود:
إذ كنت مظلوما فلا تلف راضياعن القوم حتى تأخذ النّصف واغضب
وإن كنت أنت الظالم القوم فاطّرحمقالتهم واشغب بهم كلّ مشغب
وقارب بذي جهل وباعد بعالمجلوب عليك الحقّ من كل مجلب
فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسواليستمكنوا مما وراءك فاحدب
ولا تدعني للجور واصبر على التيبها كنت أقضي للبعيد على أبي
فإني امرؤ أخشى إلهي وأتّقيمعادي وقد جرّبت ما لم تجرّب
كتب إليّ أبو خليفة يذكر أن محمد بن سلام حدّثه، وأخبرني محمد بن يحيى الصولي عن أبي ذكوان عن محمد بن سلام قال: وجه أبو الأسود الدؤليّ إلى الحصين بن أبي الحرّ العنبريّ جد عبيد اللّه بن الحسن القاضي، وهو يلي بعض أعمال الخراج لزياد، وإلى نعيم بن مسعود النّهشليّ وكان يلي مثل ذلك برسول، وكتب معه إليهما وأراد أن يبرّاه، ففعل ذلك نعيم بن مسعود، ورمى الحصين بن أبي الحرّ بكتاب أبي الأسود وراء ظهره، فعاد الرجل فأخبره، فقال أبو الأسود للحصين:
حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضالسيبك، لم يذهب رجائي هنالكا
وخبّرني من كنت أرسلت أنماأخذت كتابي معرضا بشمالكا
نظرت إلى عنوانه فنبذتهكنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
نعيم بن مسعود أحقّ بما أتىوأنت بما تأتي حقيق بذلكا
يصيب وما يدري ويخطي وما درىوكيف يكون النّوك إلا بذلكا؟
قال محمد بن سلام: فتقدّم رجل إلى عبيد اللّه بن الحسن بن الحصين بن أبي الحرّ - وهو قاضي البصرة - مع خصم له فخلط في قوله، فتمثل عبيد اللّه بقول أبي الأسود:
يصيب وما يدري ويخطي وما درىوكيف يكون النّوك إلا كذلكا
فقال الرجل: إن رأى القاضي أن يدنيني منه لأقول شيئا فعل. فقال له: ادن، فقال له: إن أحق الناس بستر هذا الشعر أنت، وقد علمت فيمن قيل، فتبسم عبيد اللّه وقال له: إني أرى فيك مصطنعا فقم إلى منزلك، وقال لخصمه: رح إليّ، فغرم له ما كان يطالب به.
أخبرني عمي قال حدّثنا الكراني عن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس، فقالت له ابنته: يا أبت إنك قد كبرت، وهذا صميم الشتاء، فانتظر حتى ينصرم وتسلك الطريق آمنا، فإني أخشى عليك، فقال أبو الأسود:
إذا كنت معنيا بأمر تريدهفما للمضاء والتوكل من مثل
توكل وحمل أمرك اللّه إن ماتراد به آتيك فاقنع بذي الفضل
ولا تحسبنّ السير أقرب للردىمن الخفض في دار المقامة والثّمل
ولا تحسبيني يا بنتي عزّ مذهبيبظنك، إن الظن يكذب ذا العقل
وإني ملاق ما قضى اللّه فاصبريولا تجعلي العلم المحقّق كالجهل
وإنك لا تدرين: هل ما أخافهأبعدي يأتي في رحيلي أو قبلي؟
وكم قد رأيت حاذرا متحفّظاأصيب وألفته المنية في الأهل
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إبراهيم العتكي قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان لأبي الأسود صديق من بني سليم يقال له نسيب بن حميد، وكان ينشاه في منزله، ويتحدث إليه في المسجد، وكان كثيرا ما يحلف له أنه ليس بالبصرة أحد من قومه ولا من غيرهم آثر عنده منه، فرأى أبو الأسود يوما معه مستقة مخملة أصبهانية من صوف، فقال له أبو الأسود: ما تصنع بهذه المستقة؟ فقال: أريد بيعها، فقال له أبو الأسود: انظر ما تبلغ فعرّفنيه حتى أبعث به إليك، فإنها من حاجتي، قال: لا بل أكسوكها، فأبى أبو الأسود أن يقبلها إلا بثمنها، فبعث بها إلى السوق فقومت بمائتي درهم، فبعث إليه أبو الأسود بالدراهم، فردّها وقال: لست أبيعها إلا بمائتين وخمسين درهما، فقال أبو الأسود:
بعني نسيب ولا تثبني إننيلا أستثيب ولا أثيب الواهبا
إن العطية خير ما وجّهتهاوحسبتها حمدا وأجرا واجبا
ومن العطية ما يعود غرامةوملامة تبقى ومنّا كاذبا
وبلوت أخبار الرجال وفعلهمفملئت علما منهم وتجاربا
فأخذت منهم ما رضيت بأخذهوتركت عمدا ما هنالك جانبا
فإذا وعدت الوعد كنت كغارمدينا أقرّ به وأحضر كاتبا
حتى أنفّذه على ما قلتهوكفى عليّ به لنفسي طالبا
وإذا فعلت فعلت غير محاسبوكفى بربك جازيا ومحاسبا
وإذا منعت منعت منعا بيّناوأرحت من طول العناء الراغبا
لا أشتري الحمد القليل بقاؤهيوما بذم الدهر أجمع واصبا
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن محمد الرازي ومحمد بن العباس اليزيدي وعمي قالوا حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: زعم أبو بكر الهذلي أن أبا الأسود الدؤلي كان يحدّث معاوية يوما فتحرك فضرط، فقال لمعاوية: استرها عليّ، فقال: نعم، فلما خرج حدّث بها معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحكم، فلما غدا عليه أبو الأسود قال عمرو: ما فعلت ضرطتك يا أبا الأسود بالأمس؟ قال: ذهبت كما تذهب الريح مقبلة ومدبرة، من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها، وكل أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية فقال: إن امرأ ضعفت أمانته ومروءته عن كتمان ضرطة لحقيق بألا يؤمن على أمور المسلمين.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا محمد بن الحكم عن عوانة قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة فيتحدّث إليها، وكانت برزة جميلة، فقالت له: يا أبا الأسود، هل لك في أن أتزوّجك؟ فإني صناع الكفّ، حسنة التدبير، قانعة بالميسور، قال: نعم، فجمعت أهلها فتزوّجته؛ فوجد عندها خلاف ما قدّره، وأسرعت في ماله، ومدّت يدها إلى خيانته، وأفشت سرّه، فغدا على من كان حضر تزويجه إياها، فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أريت امرا كنت لم أبلهأتاني فقال اتّخذني خليلا
فخاللته ثم أكرمتهفلم أستفد من له فتيلا
وألفيته حين جرّبتهكذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكّرته ثم عاتبتهعتابا رفيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتبولا ذاكر اللّه إلا قليلا
ألست حقيقا بتوديعهوإتباع ذلك صرما طويلا؟
فقالوا: بلى واللّه يا أبا الأسود! قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها لكم، وأنا أحبّ أن أستر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم.
حدّثنا اليزيدي قال حدّثنا البغويّ قال حدّثنا العمري قال: كان أبو الأسود أبخر، فسارّ معاوية يوما بشيء فأصغى إليه ممسكا بكمّه على أنفه، فنحّى أبو الأسود يده عن أنفه، وقال: لا واللّه لا تسود حتى تصبر على سرار المشايخ البخر.
أخبرني عبد اللّه بن محمد الرازيّ قال: حدّثنا محمد بن الحارث الخراز قال حدّثنا المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام استعمل أبا الأسود على البصرة، واستكتب زياد بن أبيه على الديوان والخراج، فجعل زياد يسبع أبا الأسود عند عليّ ويقع فيه ويبغي عليه، فلما بلغ ذلك أبا الأسود عنه قال فيه:
رأيت زيادا ينتحيني بشرّهوأعرض عنه وهو باد مقاتله
وكل امرى ء، واللّه بالناس عالمله عادة قامت عليها شمائله
تعوّدها فيما مضى من شبابهكذلك يدعو كلّ أمر أوائله
ويعجبه صفحي له وتجمّليوذو الجهل يحذو الجهل من لا يعاجله
فقلت له دعني وشأني إنناكلانا عليه معمل هو عامله
فلولا الذي قد يرتجى من رجائهلجرّبت مني بعض ما أنت جاهله
لجرّبت أنّي أمنح الغنيّ من غوىعليّ وأجزي ما جزى وأطاوله
وقال لزياد أيضا في ذلك:
نبّئت أن زيادا ظلّ يشتمنيوالقول يكتب عند اللّه والعمل
وقد لقيت زيادا ثم قلت لهوقبل ذلك ما خبّت به الرسل
حتّام تسرقني في كل مجمعةعرضي، وأنت إذا ما شئت منتفل
كل امرىء صائر يوما لشيمتهفي كل منزلة يبلى بها الرجل
قال: فلما ادّعى معاوية زيادا وولّاه العراق كان أبو الأسود يأتيه فيسأله حوائجه، فربما قضاها وربما منعها لما يعلمه من رأيه وهواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وما كان بينهما في تلك الأيام وهما عاملان، فكان أبو الأسود يترضّاه ويداريه ما استطاع ويقول في ذلك:
رايت زيادا صدّ عنّي وجههولم يك مردودا عن الخير سائله
ينفّذ حاجات الرجال، وحاجتيكداء الجوى في جوفه لا يزايله
فلا أناس ناس ما نسيت فآيسولا أنا راء ما رأيت ففاعله
وفي اليأس حزم للّبيب وراحةمن الأمر لا ينسى ولا المرء نائله
وقال المدائنيّ: نظر عبد الرحمن بن أبي بكرة إلى أبي الأسود في حال رثّه فبعث إليه بدنانير وثياب، وسأله أن ينبسط إليه في حوائجه ويستمنحه إذا أضاق، فقال أبو الأسود يمدحه:
أبو بحر أمنّ الناس طراعلينا بعد حيّ أبي المغيرة
لقد أبقى لنا الحدثان منهأخا ثقة منافعه كثيره
قريب الخير سهلا غير وعروبعض الخير تمنعه الوعوره
بصرت بأنّنا أصحاب حقّندلّ به وإخوان وجيره
وأهل مضيعة فوجدت خيرامن الخلّان فينا والعشيره
وإنك قد علمت وكلّ نفسترى صفحاتها ولها سريره
لذو قلب بذي القربى رحيموذو عين بما بلغت بصيره
لعمرك ما حباك اللّه نفسابها جشع ولا نفسا شريره
ولكن أنت لا شرس غليظولا هشم تنازعه خئورة
كأنا إذا أتيناه نزلنابجانب روضة ريّا مطيره
قال المدائنيّ: وكان أبو الأسود يدخل على عبيد اللّه بن زياد، فيشكو إليه أنّ عليه دينا لا يجد إلى قضائه سبيلا، فيقول له: إذا كان غد فارفع إليّ حاجتك فإني أحب قضاءها، فيدخل إليه من غد، فيذكر له أمره ووعده فيتغافل عنه، ثم يعاوده فلا يصنع في أمره شيئا، فقال فيه أبو الأسود:
دعاني أميري كي أفوه بحاجتيفقلت فما ردّ الجواب ولا استمع
فقمت ولم أحسس بشيء ولم أصنكلامي وخير القول ما صين أو نفع
وأجمعت يأسا لا لبانة بعدهولليأس أدنى للعفاف من الطمع
أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال حدّثني ابن عائشة قال: سأل رجل أبا الأسود شيئا فمنعه، فقال له: يا أبا الأسود ما أصبحت حاتميا؟ قال: بلى قد أصبحت حاتميا من حيث لا تدري، أليس حاتم الذي يقول:
أماويّ إمّا مانع فمبيّنوإمّا عطاء لا ينهنهه الزجر
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا ابن عائشة قال: كان لأبي الأسود جار يحسده وتبلغه عنه قوارص، فلما باع أبو الأسود داره في بني الديل، وانتقل إلى هذيل، قال جار أبي الأسود لبعض جيرانه من هذيل: هل يسقيكم أبو الأسود من ألبان لقاحه؟ وكانت لا تزال عنده لقحه أو لفحتان، وكان جاره هذا يصيب من الشراب، فبلغ أبا الأسود قوله، فقال فيه:
إن امرأ نبّئته من صديقنايسائل هل أسقي من اللبن الجارا؟
وإني لأسقي الجار في قعر بيتهوأشرب ما لا إثم فيه ولا عارا
شرابا حلالا يترك المرء صاحياولا يتولّى يقلس الإثم والعارا
أخبرني عبيد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال: كان لأبي الأسود صديق من بني قيس بن ثعلبة يقال له حوثرة بن سليم، فاستعمله عبيد اللّه بن زياد على جيّ وأصبهان، وكان أبو الأسود بفارس، فلما بلغه خبره أتاه فلم يجد عنده ما يقدّره، وجفاه حوثرة؛ فقال فيه أبو الأسود وفارقه:
تروّحت من رستاق جيّ عشيةوخلّفت في رستاق جيّ أخالكا
أخا لك إن طال التنائي وجدتهنسيّا وإن طال التعاشر ملّكا
ولو كنت سيفا يعجب الناس حدّهوكنت له يوما من الدهر فلّكا
ولو كنت أهدى الناس ثم صحبتهوطاوعته ضلّ الهوى وأضلّكا
إذا جئته تبغي الهدى خالف الهدىوإن جرت عن باب الغواية دلّكا
قال المدائني: وكان لأبي الأسود جار، يقال له وثاق من خزاعة، وكان يحبّ اتّخاذ اللقاح ويغالي بها ويصفها، فأتى أبا الأسود وعنده لقحة غزيرة يقال لها: الصّفوف فقال له: يا أبا الأسود ما بلقحتك بأس لولا عيب كذا وكذا، فهل لك في بيعها؟ فقال أبو الأسود: على ما تذكر فيها من العيب؟ فقال: إني أغتفر ذلك لها لما أرجوه من غزارتها، فقال له أبو الأسود: بئست الخلّتان فيك، الحرص، والخداع، أنا لعيب مالي أشدّ اغتفارا؛ وقال أبو الأسود فيه:
يريد وثاق ناقتي ويعيبهايخادعني عنها وثاق بن جابر
فقلت تعلّم يا وثاق بأنهاعليك حمى أخرى الليالي الغوابر
بصرت بها كوماء حوساء جلدةمن الموليات الهام حدّ الظواهر
فحاولت خدعي والظنون كواذبوكم طامع في خدعتي غير ظافر
قال: وكانت له لقحة أخرى يقال لها الطّيفاء، وكان يقول: ما ملكت مالا قط أحبّ إليّ منها، فأتاه فيها رجل من بني سدوس يقال له أوس بن عامر، فجعل يماكر أبا الأسود ويعيبها، فألفاه بها بصيرا وفيها منافسا، فبذل له فيها ثمنا وافيا، فأبى أن يبيعه وقال فيه:
أتاني في الطيفاء أوس بن عامرليخدعني عنها بجنّ ضراسها
فسام قليلا ناسئا غير ناجزوأحصر نفسا وانتهى بمكاسها
فأقسم لو أعطيت ما سمت مثلهوضعفا له لما غدوت براسها
أغرّك منها أن نحرت حوارهالجيران أمّ السّكن يوم نفاسها
فولّى ولم يطمع وفي النفس حاجةيردّدها مردودة بإياسها
أخبرنا اليزيديّ قال حدّثنا عيسى عن ابن عائشة والأصمعيّ: أنّ رجلا سأل أبا الأسود الدؤليّ فردّه فألحّ عليه، فقال له أبي الأسود: ليس للسائل الملحف مثل الردّ الجامس. قال: يعني بالجامس الجامد.
وقال المدائني: خطب أبو الأسود امرأة من بني حنيفة - وكان قد رآها فأعجبته - فأجابته إلى ذلك وأذنت له في الدخول إليها، فدخل دارها فخاطبها بما أراد، فلما خرج لقيه ابن عمّ لها قد كان خطبها على أخيه، فقال له: ما تصنع هاهنا؟ فأخبره بخطبته المرأة، فنهاه عن التعرّض لها، ووضع عليها أرصادا، فكان أبو الأسود ربّما مرّبهم واجتاز بقبيلتهم، فدسّوا إليه رجلا يوبّخه في كل محفل يراه فيه، ففعل، وأتاه وهو في نادي قومه فقال له: يا أبا الأسود، أنت رجل شريف، ولك سنّ وخطر وعرض، وما أرضى لك أن تلمّ بفلانة، وليست لك بزوجة ولا قرابة، فإنّ أهلها قد أنكروا ذلك وتشكّوه، فإمّا أن تتزوّجها أو تضرب عنها، فقال له أبو الأسود:
لقد جدّ في سلمى الشكاة وللّذييقولون - لو يبدو لك الرشد - أرشد
يقولون لا تمذّل بعرضك واصطنعمعادك إنّ اليوم يتبعه غد
وإياك والقوم الغضاب فإنهمبكل طريق حولهم تترصّد
تلام وتلحى كل يوم ولا ترىعلى اللوم إلا حولها تتردّد!
أفادتكها العين الصموح وقد ترىلك العين ما لا تستطيع لك اليد
وقال أبو الأسود:
دعوا آل سلمى ظنّتي وتعنّتيوما زلّ مني، إنّ ما فات فائت
ولا تهلكوني بالملامة إنمانطقت قليلا ثم إني لساكت
سأسكت حتى تحسبوني أننيمن الجهد في مرضاتكم متماوت
ألم يكفكم أن قد منعتم بيوتكمكما منع الغيل الأسود النواهت
تصيبون عرضي كل يوم كما علانشيط بفأس معدن البرم ناحت
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدّثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال: كان ابن عباس يكرم أبا الأسود الدؤلي لما كان عاملا لعليّ بن أبي طالب عليه السلام على البصرة ويقضي حوائجه، فلما ولي ابن عامر جفاه وأبعده ومنعه حوائجه لما كان يعلمه من هواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال فيه أبو الأسود:
ذكر ابن عباس بباب ابن عامروما مرّ من عيشي ذكرت وما فضل
أميرين كان صاحبيّ كلاهمافكلّ جزاه اللّه عني بما فعل
فإن كان شرا كان شرا جزاؤهوإن كان خيرا كان خيرا إذا عدل
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الخزاميّ قال حدّثنا محمد بن فليح بن سليمان عن موسى بن عقبة قال قال أبو الأسود الدؤلي لابنه أبي حرب - وما كان له صديق من باهله يكثر زيارته - فكان أبو الأسود يكرهه ويستريب منه:
أحبب إذا أحببت حبا مقاربافإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربافإنك لا تدري متى أنت راجع
وكن معدنا للحلم واصفح عن الخنافإنك راء ما عملت وسامع
وقال المدائني حدّثني أبو بكر الهذليّ قال: كان لأبي الأسود جار من بني حليس بن يعمر بن نفاثة بن عديّ بن الديل، من رهطه دنية - ومنزل أبي الأسود يومئذ في بني الديل - فأولع جاره برميه بالحجارة كلما أمسى، فيؤذيه. فشكا أبو الأسود ذلك إلى قومه وغيرهم، فكلموه ولاموه، فكان ما اعتذر به إليهم أن قال: لست أرميه، وإنما يرميه اللّه لقطعه للرحم وسرعته إلى الظلم في بخله بماله، فقال أبو الأسود: واللّه ما أجاور رجلا يقطع رحمي ويكذب على ربي. فباع داره واشترى دارا في هذيل، فقيل له: يا أبا الأسود، أبعت دارك! قال: لم أبع داري، ولكن بعت جاري، فأرسلها مثلا وقال في ذلك:
رماني جاري ظالما برميّةفقلت له مهلا فأنكر ما أتى
وقال الذي يرميك ربّك جازيابذنبك، والحوبات تعقب ما ترى
فقلت له لو أن ربي برميةرماني لما أخطا إلهي ما رمى
جزى اللّه شرّا كلّ من نال سوءةوينحل فيها ربّه الشرّ والأذى
وقال فيه أيضا:
لحى اللّه مولى السّوء لا أنت راغبإليه ولا رام به من تحاربه
وما قرب مولى السوء إلا كبعدهبل البعد خير من عدوّ تصاقبه
وقال فيه أيضا:
وإني لتثنيني عن الشتم والخناوعن سبّ ذي القربى خلائق أربع
حياء وإسلام ولطف وأننيكريم، ومثلي قد يضرّ وينفع
فإن أعف يوما عن ذنوب أتيتهافإن العصا كانت لمثلي تقرع
وشتان ما بيني وبينك إننيعلى كل حال أستقيم وتظلع
أخبرني عمي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا الرياشيّ عن العتبي قال: كان لأبي الأسود جار في ظهر داره له باب إلى قبيلة أخرى، وكان بين دار أبي الأسود وبين داره باب مفتوح يخرج منه كل واحد منهما إلى قبيلة صاحبه إذا أرادها، وكان الرجل ابن عمّ أبي الأسود دنية، وكان شرسا سيء الخلق، فأراد سدّ ذلك الباب، فقال له قومه: لا تفعل فتضّر بأبي الأسود وهو شيخ، وليس عليك في هذا الباب ضرر ولا مؤنة، فأبى إلا سدّه، ثم ندم على ذلك لأنه أضرّ به، فكان إذا أراد سلوك الطريق التي كان يسلكها منه بعد عليه، فعزم على فتحه، وبلغ ذلك أبا الأسود فمنعه منه وقال فيه:
صوت
بليت بصاحب إن أدن شبرايزدني في مباعده ذراعا
وإن أمدد له في الوصل ذرعييزدني فوق قيس الذرع باعا
أبت نفسي له إلا اتّباعاوتأبى نفسه إلا امتناعا
كلانا جاهد أدنو وينأىفذلك ما استطعت وما استطاعا
الغناء في هذه الأبيات لإبراهيم ثقيل أوّل بالبنصر، وفيه لعريب خفيف رمل. ولعلويه لحن غير منسوب. قال وقال أبو الأسود أيضا في ذلك:
لنا جيرة سدّوا المجازة بيننافإن أذكروك السدّ فالسدّ أكيس
ومن خير ما ألصقت بالجار حائطتزلّ به سفع الخطاطيف أملس
وقال أيضا في ذلك:
أخطأت حين صرمتنيوالمرء يعجز لا محاله
والعبد يقرع بالعصاوالحر تكفيه المقاله
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني إسحاق بن محمد النخعي عن ابن عائشة عن أبيه وأخبرني به محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم البزّي قال حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ عن ابن عائشة ولم يقل عن أبيه له قال: كان أبو الأسود الدؤلي نازلا في بني قشير، وكانت بنو قشير عثمانية، وكانت امرأته أمّ عوف منهم، فكانوا يؤذونه ويسبّونه وينالون من عليّ عليه السلام بحضرته ليغيظوه به، ويرمونه بالليل، فإذا أصبح قال لهم: يا بني قشير، أيّ جوار هذا! فيقولون له: لم نرمك، إنما رماك اللّه لسوء مذهبك وقبح دينك، فقال في ذلك:
يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدهر لا تنسى عليا!
فقلت لهم: وكيف يكون تركيمن الأعمال مفروضا عليّا؟
أحب محمدا حبا شديداوعباسا وحمزة والوصيّا
بني عمّ النبي وأقربيهأحبّ الناس كلّهم إليّا
فإن يك حبّهم رشدا أصبهولست بمخطىء إن كان غيّا
هم أهل النصيحة غير شكّوأهل مودّتي ما دمت حيا
هوى أعطيته لما استدارترحى الإسلام لم يعدل سويّا
أحبهم لحبّ اللّه حتّىأجيء إذا بعثت على هويّا
رأيت اللّه خالق كلّ شيءهداهم واجتبى منهم نبيّا
ولم يخصص بها أحدا سواهمهنيئا ما اصطفاه لهم مريا
قال: فقالت له بنو قشير: شككت يا أبا الأسود في صاحبك حيث تقول:
فإن يك حبهم رشدا أصبه
فقال: أما سمعتم قول اللّه عزّ وجلّ: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أفترى اللّه جلّ وعزّ شكّ في نبيه! وقد روي أنّ معاوية قال هذه المقالة، فأجابه بهذا الجواب.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو عثمان الأشناندانيّ عن الأخفش عن أبي عمر الجرمي قال: دخل أبو الأسود الدؤليّ على معاوية، فقال له: لقد أصبحت جميلا يا أبا الأسود، فلو علّقت تميمة تنفى عنك العين! فقال أبو الأسود:
أفنى الشباب الذي فارقت جدّتهكرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهماشيئا تخاف عليه لذعة الحدق
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الحارث بن محمد قال قال حدّثنا المدائنيّ عن عليّ بن سليمان قال: كان أبو الأسود له على باب داره دكّان يجلس عليه، مرتفع عن الأرض إلى قدر صدر الرجل، فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان، فإذا مرّ به مارّ فدعاه إلى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه، فمرّ به ذات يوم فتى فدعاه إلى الغداء، فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له: يا أبا الأسود، إن عزمت على الغداء فانزل، وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا حتى أتى على الطعام، فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟ قال: لقمان الحكيم، قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك.
قال المدائني: وبلغني أنّ رجلا دعاه أبو الأسود إلى طعامه وهو على هذا الدكان، فمدّ يده ليأكل، فشب به فرسه فسقط عنه فوقص.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: كان أبو الجارود سالم بن سلمة بن نوفل الهذليّ صديقا لأبي الأسود، يهاديه الشعر، ويجيب كل واحد منهما صاحبه، ويتعاشران ويتزاوران، فولى أبو الجارود ولاية، فجفا أبا الأسود وقطعه، ولم يبدأه بالمكاتبة ولا أجابه عنها، فقال فيه أبو الأسود:
أبلغ أبا الجارود عني رسالةيروح بها الغادي لربعك أو يغدو
فيخبرنا ما بال صرمك بعد مارضيت وما غيّرت من خلق بعد
أأن نلت خيرا سرّني أن تنالهتنكّرت حتى قلت ذو لبدة ورد؟
فعيناك عيناه وصوتك صوتهتمثّله لي غير أنك لا تعدو
لئن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننالقد جعلت أشراط أوّله تبدو
فإني إذا ما صاحب رثّ وصلهوأعرض عني قلّ مني له الوجد
قال المدائنيّ: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد، وكان في شرف من العطاء، فقال لأبي الأسود: ما يمنعك من طلب الديوان؟ فإنّ فيه غنى وخيرا، فقال له أبو الأسود: قد أغناني اللّه عنه بالقناعة والتجمل، فقال: كلا، ولكنك تتركه إقامة على محبة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم. وزاد الكلام بينهما، حتى أغلظ له الحارث بن خليد، فهجره أبو الأسود، وندم الحارث على ما فرط منه، فسأل عشيرته أن تصلح بينهما، فأتوا أبا الأسود في ذلك وقالوا له: قد اعتذر إليك الحارث مما فرط منه وهو رجل حديد، فقال أبو الأسود في ذلك:
لنا صاحب لا كليل اللسانفيصمت عنا ولا صارم
وشرّ الرجال على أهلهوأصحابه الحمق العارم
وقال فيه:
إذا كان شيء بيننا قيل إنهحديد فخالف جهله وترفّق
شنئت من الأصحاب من لست بارحاأدامله دمل السقاء المخرّق
وقال المدائنيّ: ولّى عبيد اللّه بن زياد الحصين بن أبي الحرّ العنبريّ ميسان، فدامت ولايته إياها خمس سنين، فكتب إليه أبو الأسود كتابا يتصدّى فيه لرفده، فتهاون به ولم ينظر فيه، فرجع إليه رسوله فأخبره بفعله، فقال فيه:
ألا أبلغا عنيّ حصينا رسالةفإنك قد قطّعت أخرى خلالكا
فلو كنت إذ أصبحت للخرج عاملابميسان تعطي الناس من غير مالكا
سألتك أو عرّضت بالود بيننالقد كان حقّا واجبا بعض ذلكا
وخبّرني من كنت أرسلت أنماأخذت كتابي معرضا بشمالكا
نظرت إلى عنوانه ونبذتهكنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضالسيبك، لم يذهب رجائي هنالكا
يصيب وما يدري ويخطي وما درىوكيف يكون النّوك إلا كذلكا
فبلغت أبيات أبي الأسود حصينا، فغضب وقال: ما ظننت منزلة أبي الأسود بلغت ما يتعاطاه من مساءتنا وتوعّدنا وتوبيخنا، فبلغ ذلك أبا الأسود فقال فيه:
أبلغ حصينا إذا جئتهنصيحة ذي الرأي للمجتنيها
فلا تك مثل التي استخرجتبأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابحومن تدع يوما شعوب يجيها
فظلت بأوصالها قدرهاتحشّ الوليدة أو تشتويها
وإن تأب نصحي ولا تنتهيولم تر قولي بنصح شبيها
أجرّعك صابا وكان المرار والصاب قدما شرابا كريها
وقال خالد بن كلثوم: كان معاوية بن صعصعة يلقى أبا الأسود كثيرا فيحادثه ويظهر له المودّة، وكانت تبلغه عنه قوارص فيذكرها له فيجحدها أو يحلف أنه لم يفعل، ثم يعاود ذلك، فقال فيه أبو الأسود:
ولي صاحب قد رابني أو ظلمتهكذلك ما الخصمان برّ وفاجر
وإني امرؤ عندي وعمدا أقولهلآتي ما يأتي امرؤ وهو خابر
لسانان معسول عليه حلاوةوآخر مسموم عليه الشّراشر
فقلت ولم أبخل عليه نصيحتيوللمرء ناه لا يلام وزاجر
إذا أنت حاولت البراءة فاجتنبعواقب قول تعتريه المعاذر
فكم شاعر أرداه أن قال قائلله في اعتراض القول إنك شاعر
عطفت عليه عطفة فتركتهلما كان يرضى قبلها وهو حاقر
بقافية حذّاء سهل رويّهاوللقول أبواب ترى ومحاضر
تعزّى بها من نومه وهو ناعس- إذ انتصف الليل - المكلّ المسافر
إذا ما قضاها عاد فيها كأنهللذته سكران أو متساكر
أخبرني عمي قال حدّثنا الكراني قال حدّثني العمريّ عن العتبيّ قال: كان عبد اللّه بن عامر مكرما لأبي الأسود ثم جفاه لما كان عليه من التشيع فقال فيه أبو الأسود:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامرمن الودّ قد بالت عليه الثعالب
وأصبح باقي الودّ بيني وبينهكأن لم يكن، والدهر فيه عجائب
إذا المرء لم يحببك إلا تكرّهابدا لك من أخلاقه ما يغالب
فللنأي خير من مقام على أذىولا خير فيما يستقل المعاتب
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عبيد اللّه بن محمد قال حدّثنا ابن النطاح قال ذكر الحرمازيّ عن رجل من بني الديل قال: كانت لأبي الأسود الدؤلي امرأة من بني قشير وامرأة من عبد القيس، فأسنّ وضعف عما يطيقه الشباب من أمر النساء، فأما القشيرية فكانت أقدامهما عنده وأسنهما، فكانت موافقة له صابرة عليه، وهي أم عوف القشيرية التي يقول فيها:
أبى القلب إلا أم عوف وحبهاعجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
كسحق يمان قد تقادم عهدهورقعته ما شئت في العين واليد
وأما الأخرى التي من عبد القيس فهي فاطمة بنت دعميّ - وكانت أشبّهما وأجملهما - فالتوت عليه لما أسنّ، وتنكرت له وساءت عشرتها، فقال فيها أبو الأسود:
تعاتبني عرسي على أن أطيعهاقد كذبتها نفسها ما تمنّت
وظنت بأني كلّ ما رضيت بهرضيت به، يا جهلها كيف ظنت!
وصاحبتها ما لو صحبت بمثلهعلى ذعرها أروية لاطمأنت
وقد غرّها مني على الشيب والبلىجنوني بها، جنّت حيالي وحنّت
- يقال: جنّ وحنّ، وهو من الأتباع كما يقال: حسن بسن -
ولا ذنب لي قد قلت في بدء أمرناولو علمت ما علّمت ما تعنّت
تشكّى إلى جاراتها وبناتهاإذا لم تجد ذنبا علينا تجنّت
ألم تعلمي أني إذا خفت جفوةبمنزلة أبعدت منها مطيتي
وأني إذا شقّت عليّ حليلتيذهلت ولم أحنن إذا هي حنّت
وفيها يقول:
أفاطم مهلا بعض هذا التعبسوإن كان منك الجدّ فالصّرم موئسى
تشتّم لي لما رأتني أحبهاكذى نعمة لم يبدها غير أبؤس
فإن تنقضي العهد الذي كان بينناوتلوى به في ودّك المتحلّس
فإني - فلا يغررك مني تجملي -لأسلى البعاد بالبعاد المكنّس
وأعلم أن الأرض فيها منادحلمن كان لم تسدد عليه بمحبس
وكنت امرأ لا صحبة السوء أرتجيولا أنا نوّام بغير معرّس
وقال المدائني: كان لأبي الأسود الدؤلي مولى يقال له نافع ويكنى أبا الصبّاح، فذكرت لأبي الأسود جارية تباع، فركب فنظر إليها فأعجبته، فأرسل نافعا يشتريها له فاشتراها لنفسه وغدر بأبي الأسود، فقال في ذلك:
إذا كنت تبغي للأمانة حاملافدع نافعا وانظر لها من يطيقها
فإن الفتى خبّ كذوب وإنهله نفس سوء يحتويها صديقها
متى يخل يوما وحده بأمانةتغل جميعا أو يغل فريقها
على أنه أبقى الرجال سمانةكما كلّ مسمان الكلاب سروقها
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا علي بن محمد المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: أتى أبا الأسود الدؤلي نعي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وبيعة الحسن عليه السلام، فقام على المنبر فخطب الناس ونعى لهم عليا عليه السلام فقال في خطبته: «وإن رجلا من أعداء اللّه المارقة عن دينه، اغتال أمير المؤمنين عليا كرم اللّه وجهه ومثواه في مسجد وهو خارج لتهجده في ليلة يرجى فيها مصادفة ليلة القدر فقتله، فياللّه هو من قتيل! وأكرم به وبمقتله وروحه من روح عرجت إلى اللّه تعالى بالبر والتقى والإيمان والإحسان! لقد أطفأ منه نور اللّه في أرضه لا يبين بعده أبدا، وهدم ركنا من أركان اللّه تعالى لا يشاد مثله؛ فإنّا للّه وإنا إليه راجعون، وعند اللّه نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين، وعليه السلام ورحمة اللّه يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حيا».
ثم بكى حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: «وقد أوصى بالإمامة بعده إلى ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه، وإني لأرجو أن يجبر اللّه عز وجل به ما وهى، ويسدّ به ما انثلم، ويجمع به الشمل، ويطفىء به نيران الفتنة، فبايعوه ترشدوا».
فبايعت الشيعة كلها، وتوقف ناس ممن كان يرى رأي العثمانية ولم يظهروا أنفسهم بذلك، وهربوا إلى معاوية، فكتب إليه معاوية ودس إليه رسولا يعلمه أن الحسن عليه السلام قد راسله في الصلح، ويدعوه إلى أخذ البيعة له بالبصرة، ويعده ويمنّيه؛ فقال أبو الأسود:
ألا أبلغ معاوية بن حربفلا قرّت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونابخير الناس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطاياوخيّسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاهاومن قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبى حسينرأيت الدر راق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث حلتبأنك خيرها حسبا ودينا
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدّثنا الرياشيّ عن الهيثم بن عديّ عن أبي عبيدة قال: كان أبو حرب بن أبي الأسود قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضا، ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها، فعاتبه أبوه على ذلك، فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني، فقال له:
وما طلب المعيشة بالتمنيّولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجئك بملئها يوما ويوماتجئك بحمأة وقليل ماء
كانت لأبي الأسود مولاة يقال لها لطيفة، وكان لها عبد تاجر يقال له ملمّ فابتاعت له أمة وأنكحته إياها، فجاءت بغلام فسمته زيدا، فكانت تؤثره على كل أحد، وتجد به وجد الأم بولدها، وجعلته على ضيعتها، فقال فيه أبو الأسود، وقد مرضت لطيفة:
وزيد هالك هلك الحبارىإذا هلكت لطيفة أو ملم
تبنته فقال وأنت أميفأنى بعدها لك زيد أمّ!
ترمّ متاعه وتزيد فيهوصاحبها لما يحوي مضمّ
ستلقى بعدها شرا وضراوتقصى إن قربت فلا تضمّ
وتلقاك الملامة كلّ وجهسلكت وينتحي حاليك ذم
قال فماتت لطيفة من علتها تلك، وورثها أبو الأسود، فطرد زيدا عما كان يتولاه من ضيعتها، وطالبه بما خانه من مالها فارتجعه، فكان بعد ذلك ضائعا مهانا بالبصرة كما قال فيه وتوعده.
أشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب وتشتمل بثوبها، فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة، ولم أشترك للنكاح، فأقبلي على خدمتك، وقال فيها:
أصلاح إني لا أريدك للصّبافدعي التشمل حولنا وتبذّلي
إني أريدك للعجين وللرّحاولحمل قربتنا وغلي المرجل
وإذا تروّح ضيف أهلك أو غدافخذي لآخر أهبة المستقبل
أخبرنا الحسن بن الطيب الشجاعي قال حدّثنا أبو عشانة عن ابن عباس قال: كان المنذر بن الجارود العبدي صديقا لأبي الأسود الدؤلي تعجبه مجالسته وحديثه، وكان كل واحد منهما يغشي صاحبه؛ وكانت لأبي الأسود مقطّعة من برود يكثر لبسها، فقال له المنذر: لقد أدمنت لبس هذه المقطعة، فقال له أبو الأسود: رب مملول لا يستطاع فراقه؛ فعلم المنذر أنه قد احتاج إلى كسوة فأهدى له ثيابا، فقال أبو الأسود يمدحه:
كساك ولم تستكسه فحمدتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت حامدابحمدك من أعطاك والعرض وافر
أنشدني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد اللّه عن ابن حبيب لأبي الأسود يوصي ابنه، وفي هذه الأبيات غناء:
صوت
لا ترسلن رسالة مشهورةلا تستطيع - إذا مضت - إدراكها
أكرم صديق أبيك حيث لقيتهواحب الكرامة من بدا فحباكها
لا تبدينّ نميمة حدّثتهاوتحفّظنّ من الذي انباكها
أخبرني محمد بن خلف بن مرزبان قال حدّثنا أبو محمد المروزي عن القحذمي عن بعض الرواة أن أبا الأسود الدؤلي اعتذر إلى زياد في شيء جرى بينهما، فكأنه لم يقبل عذره فأنشأ يقول:
إنني مجرم وأنت أحق الناس أن تقبل الغداة اعتذاري
فاعف عني فقد سفهت وأنت المرء تعفو عن الهنات الكبار
فتبسم زياد وقال: أما إذا كان هذا قولك فقد قبلت عذرك وعفوت عن ذنبك.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه عن عيسى بن عمر قال: سئل أبو الأسود عن رجل، واستشير في أن يولّى ولاية، فقال أبو الأسود: هو ما علمته: أهيس أليس، ألدّ ملحس، أن أعطى انتهر، وإن سئل أزر. قال الأصمعي: الأهيس: الحاد، ويقال في المثل:
إحدى لياليك فهيسي هيسي
قال: ويقال ناقة ليساء: إذا كانت لا تبرح من المبرك. قال: وهو مما يوصف به الشجاع، وأنشد في صفة ثور.
أخبرني أحمد بن محمد بن عمران الصيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن الأسود بن الهيثم الحنفي قال حدّثنا أبو محلّم عن مؤرّج السدوسيّ عن عبد الحميد بن عبد اللّه بن مسلم بن يسار قال - وكان من أفصح أهل زمانه - قال: أوصى أبو الأسود الدؤلي كاتبا لعبد اللّه بن عامر بحاجة له فضمن قضاءها ثم لم يصنع فيها شيئا، فقال أبو الأسود:
لعمري لقد أوصيت أمس بحاجتيفتى غير ذي قصد عليّ ولا رؤف
ولا عارف ما كان بيني وبينهومن خير ما أدلى به المرء ما عرف
وما كان ما أمّلت منه ففاتنيبأول خير من أخي ثقة صرف
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدّثني محمد بن القاسم مولى بني هاشم قال حدّثني أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس قال حدّثني بكر بن حبيب السهمي عن أبيه، وكان من جلساء أبى الأسود الدؤلي قال: كان أبو الجارود سالم بن سلمة بن نوفل الهذلي شاعرا، وكان صديقا لأبي الأسود الدؤلي، فكان يهاديه الشعر، ثم تغير ما بينهما، فقال فيه أبو الأسود:
أبلغ أبا الجارود عني رسالةيروح بها الماشي ليلقاك أو يغدو
فيخبرنا ما بال صرمك بعد مارضيت وما غيّرت من خلق بعد
أأن نلت خيرا سرني حين نلتهتنكرت حتى قلت ذو لبدة ورد؟
فعيناك عيناه وصوتك صوتهتمثله لي غير أنك لا تعدو
فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بينناوقد جعلت أسباب أوّله تبدو
فإني إذا ما صاحب رثّ وصلهوأعرض عني قلت بالأبعد الفقد
وكانت وفاة أبي الأسود فيما ذكره المدائني في «الطاعون الجارف» سنة تسع وستين وله خمس وثمانون سنة.
قال المدائنيّ: وقد قيل إنه مات قبل ذلك؛ وهو أشبه القولين بالصواب، لأنا لم نسمع له في فتنة مسعود وأمر المختار بذكر، وذكر مثل هذا القول بعينه. والشك فيه هل أدرك «الطاعون الجارف» أولا، عن يحيى بن معين.
أخبرني به الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير عن المدائني ويحيى بن معين:
صوت
لعمرك أيها الرجللأي الشكل تنتقل
أتهجر آل زينب أمتزورهم فتعتدل؟
هم ركب لقوا ركباكما قد تجمع السّبل
فذلك دأبنا وبذاك تجري بيننا الرسل
الشعر لأبي نفيس بن يعلى بن منية، والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى، وفيه لابن سريج رمل بالوسطى، ولجميلة خفيف رمل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع