من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار دقاق
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كانت دقاق مغنّية محسنة جميلة الوجه قد أخذت عن أكابر مغنّي الدولة العباسية، وكانت ليحيى بن الربيع، فولدت له أحمد ابنه، وعمّر عمرا طويلا وحدّثنا عنه جحظة ونظراؤه من أصحابنا، وكان عالما بأمر الغناء والمغنين، وكان غنّي غناء ليس بمستطاب ولكنه صحيح. ومات يحيى بن الربيع فتزوّجت بعده من القوّاد والكتّاب بعدّة، فماتوا وورثتهم.
فحدّثني عمي قال حدّثني أحمد بن الطيب السّرخسيّ قال: كانت دقاق - أمّ ولد يحيى ابن الربيع أحمد المعروف بابن دقاق - مغنية محسنة متقنة الأداء والصّنعة، وكانت قد انقطعت إلى حمدونة بنت الرشيد ثم إلى غضيض، وكانت مشهورة بالظّرف والمجون والفتّوة. قال أحمد بن الطيب: وعتقت دقاق فتزوّجها بعد مولاها ثلاثة من القوّاد من وجوههم، فماتوا جميعا، فقال عيسى بن زينب يهجوها:
قلت لمّا رأيت دار دقاقحسنها قد أضرّ بالعشاق
حذّروا الرابع الشّقيّ دقاقالا يكوننّ نجمه في محاق
أله عن بضعها فإن دقاقاشؤم حرها قد سار في الآفاق
لم تضاجع بعلا فهبّ سليمابل جريحا وجرحه غير راقى
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني الهداديّ الشاعر قال حدّثني أبو عبد اللّه بن حمدون وأخبرني جحظة عن ابن حمدون - ورواية الكوكبي أتمّ - قال: كتبت دقاق إلى أبي تصف هنها صفة أعجزه الجواب عنها، فقال له صديق له: ابعث إلى بعض المخنّثين.
حتى يصف متاعك، فيكون جوابها، فأحضر بعضهم وأخبره الخبر، فقال: اكتب اليها: عندي القوق البوق، الأصلع المزبوق، والأقرع المفروق، المنتفخ العروق، يسدّ البثوق، ويفتق الفتوق، ويرمّ الخروق، ويقضي الحقوق، أسد بين جملين، بغل بين حملين، منارة بين صخرتين، رأسه رأس كلب، وأصله مترس درب، إذا دخل حفر، وإذا خرج قشر، لو نطح الفيل كوّره، ولو دخل البحر كدّره، إذا رقّ الكلام، وتقاربت الأجسام، والتفت الساق، بالساق ولطخ باطنها بالبصاق، وقرع البيض بالذكور، وجعلت الرماح تمور، بطعن الفقاح، وشقّ الأحراح، صبرنا فلم نجزع، وسلّمنا طائعين فلم نخدع. قال: فقطعها.
حدّثني عمي قال حدّثني أحمد بن الطيب قال حدّثني أحمد بن عليّ بن جعفر قال: حضرت مرّة مجلسا وفيه ابن دقاق وفيه النصراني المعروف بأبي الجاموس اليعقوبيّ البزّاز قرابة بلال قال: فعبث ابن دقاق بأبي الجاموس، فلما أكثر عليه قال: اسمعوا مني. ثم حلف بالحنيفية أنه لا يكذب، وحدثنا قال: مضيت وأنا غلام مع أستاذي إلى باب حمدونة بنت الرشيد، ومعنا بزّ نعرضه للبيع، فخرجت إلينا دقاق أمّ هذا تقاولنا في ثمن المتاع، وفي يدها مروحة على أحد وجهيها منقوش: الحر إلى أيرين أحوج من الأير إلى حرين، وعلى الوجه الآخر: كما أن الرّحا إلى بغلين أحوج من البغل إلى رحوين، قال: فأسكته واللّه سكوتا علمنا معه أنه لو خرس لكان الخرس أصون لعرضه مما جرى.
قال أحمد: وفي دقاق يقول عيسى بن زينب وكان لها غلامان خلاسيان يروّحانها في الخيش، فتحدّث الناس أنها قالت لواحد منهما أن ينيكهما، فعجز فقالت له: نكني وانت حرّ، فقال لها نيكيني أنت وبيعيني في الأعراب، فقال فيها عيسى بن زينب:
أحسن من غنّى لنا أو شدادقاق في خفض من العيش
لها غلامان ينيكانهابعلّة الترويح في الخيش
حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهدي قال: كانت دقاق جارية يحيى بن الربيع تواصل جماعة كانوا يميلون إليها وترى كلّ واحد منهم أنها تهواه، وكانت أحسن أهل عصرها وجها، وأشأمهم على من رابطها وتزوّجها، فقال فيها أبو إسحاق - يعني أباه:
صوت
عدمتك يا صديقة كلّ خلّقأكلّ الناس ويحك تعشقينا؟
فكيف إذا خلطت الغثّ منهمبلحم سمينهم لا تبشمينا
فيه خفيف مل ينسب إلى إبراهيم بن المهدي وإلى ريّق وإلى شارية.
أخبرني عميّ قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثنا أبو هفّان قال: خرج يحيى بن الربيع مولى دقاق - وكانت قد ولدت منه ابنه أحمد بن يحيى - إلى بعض النواحي، وترك جاريته دقاق في داره فعملت بعده الأوابد، وكانت من أحسن الناس وجها وغناء، وأشأمه على أزواجها ومواليها وربطائها، فقال أبو موسى الأعمى فيه:
قل ليحيى نعم صبرت على الموت ولم تخش سهم ريب المنون
كيف قل لي أطلقت ويحك يا يحيى على الضّعف منك حمل القرون!
ويح يحيى ما مرّ باست دقاقبعد ما غاب من سياط البطون
صوت من المائة المختارة
تكاشرني كرها كأنك ناصحوعينك تبدي أنّ صدرك لي دوي
لسانك لي حلو وعينك علقموشرّك مبسوط وخيرك ملتوي
الشعر ليزيد بن الحكم الثقفيّ والغناء لإبراهيم ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه لجهم العطار خفيف ثقيل عن الهاشميّ:
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع