تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر كثيّر وخندق الأسديّ الذي من أجله قال هذا الشعر

فيه ١٣٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حدّثني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني محمد بن حبيب. وأخبرني وكيع قال حدّثنا عليّ بن محمد النوفليّ عن أبيه. وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة عن ابن داحة، قالوا: كان خندق بن مرة الأسديّ - هكذا قال النوفليّ. وغيره يقول: خندق بن بدر - صديقا لكثيّر، وكانا يقولان بالرجعة، فاجتمعا بالموسم فتذاكر التشيع. فقال خندق: لو وجدت من يضمن لي عيالي بعدي لوقفت بالموسم فذكرت فضل آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وظلم الناس لهم وغصبهم إياهم على حقهم، ودعوت إليهم وتبرأت من أبي بكر وعمر. فضمن كثيّر عياله، فقام ففعل ذلك وسب أبا بكر وعمر رضوان اللّه عليهما وتبرأ منهما.

قال عمر بن شبة في خبره فقال: أيها الناس إنكم على غير حق، تركتم أهل بيت نبيكم، والحقّ لهم وهم الأئمة - ولم يقل إنه سب أحدا - فوثب عليه الناس فضربوه ورموه حتى قتلوه. ودفن خندق بقنوني. فقال إذ ذاك كثيّر يرثيه:

أصادرة حجّاج كعب ومالكعلى كل عجلى ضامر البطن محنق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
بمرثية فيها ثناء محبّرلأزهر من أولاد مرة معرق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
كأنّ أخاه في النوائب ملجأإلى علم من ركن قدس المنطّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
ينال رجالا نفعه وهو منهمبعيد كعيّوق الثريّا المعلّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
تقول ابنة الضّمري مالك شاحباولونك مصفرّ وإن لم تخلّق
فقلت لها لا تعجبي، من يمت لهأخ كأبي بدر وجدّك يشفق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
وأمر يهمّ الناس غبّ نتاجهكفيت وكرب بالدّواهي مطرّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
كشفت أبا بدر إذا القوم أحجمواوعضت ملاقي أمرهم بالمخنّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أَصَادرَة ٌ حُجَّاجَ كَعْبٍ وَمَالِكٍ»
وخصم أبا بدر ألدّ أبتّهعلى مثل طعم الحنظل المتفلق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
جزى اللّه خيرا خندقا من كافىءوصاحب صدق ذي حفاظ ومصدق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أَصَادرَة ٌ حُجَّاجَ كَعْبٍ وَمَالِكٍ»
أقام قناة الودّ بيني وبينهوفارقني عن شيمة لم ترنّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
حلفت - على أن قد أجنّتك حفرةببطن قنوني - لو نعيش فنلتقي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
لألفيتني بالودّ بعدك دائماعلى عهدنا إذ نحن لم نتفرّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أَصَادرَة ٌ حُجَّاجَ كَعْبٍ وَمَالِكٍ»
إذا ما غدا يهتز للمجد والنّدىأشمّ كغصن البانة المتورّق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»
وإني لجاز بالذي كان بيننابني أسد رهط ابن مرة خندق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أصادرة حجاج كعب ومالك»

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة: إن كثيّرا لما انتمى إلى قريش وجرى بينه وبين الحزين الدّيليّ من المواثبة والهجاء ما جرى بلغ ذلك الطّفيل ابن عامر بن واثلة وهو بالكوفة، فأنكر أمر كثيّر وانتسابه إلى كنانة وتصييره خزاعة منهم، وما فعله الحزين. فحلف لئن رأى كثيّرا ليضربنه بالسيف أو ليطعننه بالرمح، فكلمه فيه خندق الأسديّ - وكان صديقا له ولكثير - فوهبه له، واجتمعا بمكة فجلسا مع ابن الحنفية. فقال طفيل: لو لا خندق لوفيت لك بيميني. فقال يرثيه، وعنه كان أخذ مقالته:

ونال رجالا نفعه وهو منهمبعيد كعيّوق الثريا المعلق

وذكر باقي الأبيات.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني محمد بن إسماعيل قال حدّثني حميد بن عبد الرحمن أحد بني عتوارة بن جديّ قال: كان كثيّر قد سلّطه اللّه ينسب بعزّة بنت عبد اللّه، أحد بني حاجب بن عبد اللّه بن غفار، قال: وكان نسوانهم قد لقينها وهي سائرة في نسائهم في الجلاء، في عام أصابت أهل تهامة فيه حطمة شديدة، وكانت عزّة من أجمل النساء وأدبهن وأعقلهن، ولا واللّه ما رأى لها وجها قطّ، إلا أنه استهيم بها قلبه لما ذكر له عنها. فلقيه رجال من الحي لما بلغهم ذلك عنه، فقالوا له: إنك قد شهرت نفسك وشهرتنا وشهرت صاحبتنا فاكفف نفسك. قال: فإني لا أذكرها بما تكرهون. فخرجوا جالين إلى مصر في أعوام الجلاء. فتبعهم على راحلته فزجروه، فأبى إلا أن يلحقهم بنفسه، فجلس له فتية من جديّ، قال: وكان بنو ضمرة كلّهم يهون عليهم نسيبه لما يعرفون من براءتها، إلا ما كان من بني جديّ فإنهم كانوا صمعا غيرا. فقعد له عون، أحد بني جديّ في تسعة نفر على محالج، فلما جاز بهم تحت الليل أخذوه، ثم عدلوا به عن الطريق إلى جيفة حمار كانوا يعرفونها من النهار، فأدخلوه فيها وربطوا يديه ورجليه، ثم أوثقوا بطن الحمار، فجعل يضطرب فيه ويستغيث، ومضوا عنه، فاجتاز به خندق الأسديّ، فسمع استغاثته - وهو خندق بن بدر - فعدل إلى الصوت حين سمعه، فوجد في الجيفة إنسانا، فسأله من هو وما خبره؟ فأخبره. فأطلقه وحمله وألحقه ببلاده. فقال كثيّر في ذلك - قال الزّبير أنشدنيها عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن عبد اللّه بن أبي عبيدة معمر بن المثنّى -

أصادرة حجّاج كعب ومالكعلى كلّ فتلاء الذراعين محنق

وذكر القصيدة كلّها على ما مضت.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّلي عن أبي عبيدة قال: خندق الأسديّ هو الذي أدخل كثيّرا في مذهب الخشبيّة.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن حبيب قال: لما قتل خندق الأسديّ بعرفة رثاه كثيّر فقال:

شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشورة عرضا فؤادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
أغاضر لو شهدت غداة بنتمحنوّ العائدات على وسادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
أويت لعاشق لم تشكميهنوافذه تلذّع بالزّناد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
ويوم الخيل قد سفرت وكفّترداء العصب عن رتل براد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

- الرتل: الثغر المستوي النبت -

وعن نجلاء تدمع في بياضإذا دمعت وتنظر في سواد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
وعن متكاوس في العقص جثلأثيت النبت ذي عذر جعاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شَجَا أَظْعَانُ غَاضِرَة َ الغوادي»
وغاضرة الغداة وإن نأتناوأصبح دونها قطر البلاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
أحبّ ظعينة وبنات نفسيإليها لو بللن بها صوادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
ومن دون الذي أمّلت ودّاولو طالبتها خرط القتاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
وقال الناصحون تحلّ منهاببذل قبل شيمتها الجماد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

- تحلّ: أصب. يقال: ما حليت من فلان بشيء ولا تحلّيت منه بشيء، ومنه حلوان الكاهن والراقي وما أشبه ذلك -

فقد وعدتك لو أقبلت ودّافلجّ بك التدلّل في تعاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
فأسررت الندامة يوم نادىبردّ جمال غاضرة المنادى
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
تمادى البعد دونهم فأمستدموع العين لجّ بها التّمادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
لقد منع الرقاد فبتّ ليليتجافيني الهموم عن الوساد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
عداني أن أزورك غير بغضمقامك بين مصفحة شداد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
وإني قائل إن لم أزرهسقت ديم السواري والغوادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
محلّ أخي بني أسد قنونىفما والى إلى برك الغماد
مقيم بالمجازة من قنونىوأهلك بالأجيفر والثماد
فلا تبعد فكل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»
وكلّ ذخيرة لابدّ يوماولو بقيت تصير إلى نفاد
يعزّ عليّ أن نغدو جميعاوتصبح ثاويا رهنا بواد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
فلو فوديت من حدث المناياوقيتك بالطّريف وبالتّلاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

في هذه القصيدة عدّة أصوات هذه نسبتها قد جمعت.

صوت

أغاضر لو شهدت غداة بنتمحنوّ العائدات على وسادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
رثيت لعاشق لم تشكميهنوافذه تلذّع بالزناد
عداني أن أزورك غير بغضمقامك بين مصفحة شداد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
فلا تبعد فكل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

لمعبد في البيتين الأوّلين لحن من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى عن عمرو وابن المكيّ والهشاميّ. وفيهما لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وأحمد بن عبيد. وفيهما للغريض ثاني ثقيل عن ابن المكيّ. ومن الناس من ينسب لحن مالك إلى معبد أيضا. وفي الثالث والرابع لابن عائشة ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو وغيرهما. ويقال: إن لابن سريج وابن محرز وابن جامع فيهما ألحانا.

غاضرة هذه التي ذكرها كثيّر مولاة لآل مروان بن الحكم، وقد روي في ذكره إياها غير خبر مختلف.

فأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: حجّت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت لكثيّر ووضّاح: انسبا بي. فأمّا وضّاح فنسب بها، وأما كثير فنسب بجاريتها غاضرة حيث يقول:

شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشورة عرضا فؤادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

قال: وكانت زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتل وضّاحا ولم يجد على كثيّر سبيلا.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزّهريّ عن محرز بن جعفر عن أبيه عن بديح قال: قدمت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان - وهي عند الوليد بن عبد الملك - حاجّة، والوليد إذ ذاك خليفة.

فأرسلت إلى كثيّر ووضّاح أن أنسبا بي، فنسب وضّاح بها ونسب كثيّر بجاريتها غاضرة في شعره الذي يقول فيه:

شجا أظعان غاضرة الغوادي

قال: وكانت معها جوار قد فتن الناس بالوضاءة.

قال بديح: فلقيت عبيد اللّه بن قيس الرقيّات فقلت له: بمن نسبت من هذا القطين؟ فقال لي:

ما تصنع بالشرّإذا لم تك مجنونا
إذا قاسيت ثقل الشرّحسّاك الأمرّينا
وقد هجت بما قد قلت أمرا كان مدفونا

قال بديح: ثم أخذ بيدي فخلا بي وقال لي: يا بديح، احفظ عني ما أقول لك فإنك موضع أمانة؛ وأنشدني:

أصحوت عن أمّ البنين وذكرها وعنائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
وهجرتها هجر امرىءلم يقل حمل إخائها
من خيفة الأعداء أنيوهوا أديم صفائها
قرشيّة كالشّمس أشرق نورها ببهائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
زادت على البيض الحسان بحسنها ونقائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
لما اسبكرّت للشّباب وقنّعت بردائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
لم تلتفت للداتهاومضت على غلوائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

غنّى ابن عائشة في الثلاثة الأبيات الأول لحنا من الثقيل الأول عن الهشاميّ عن يحيى المكيّ. وفي الرابع وما بعده لحنين لحنان: أحدهما ثاني ثقيل بالبنصر. والآخر خفيف ثقيل بالبنصر عن ابنه وغيره. وغنى إبراهيم الموصليّ في الأربعة الأول لحنا آخر من الثقيل الأول وهو اللحن الذي فيه استهلال. وذكر الهشاميّ أن الثقيل الثاني لابن محرز.

قال: فقتل الوليد وضّاحا ولم يجد على كثير سبيلا. قال: وحجّت بعد ذلك وقد تقدّم الوليد إليها وإلى من معها في الحجاب؛ فلقيني ابن قيس حيث خرجت ولم تكلّم أحدا ولم يرها، فقال لي: يا بديح:

صوت

بان الخليط الذي به نثقواشتد دون المليحة القلق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
من دون صفراء في مفاصلهالين وفي بعض بطشها خرق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
إن ختمت جاز طين خاتمهاكما تجوز العبديّة العتق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

غنى في هذه الأبيات مالك بن أبي السّمح لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، عن عمرو ويونس. وفيها لابن مسجح - ويقال لابن محرز، وهو مما يشبه غناءهما جميعا وينسب إليهما - خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. والصحيح أنه لابن مسجح. وفيها ثاني ثقيل لابن محرز عن ابن المكّيّ. وذكر حبش أن لسياط فيها لحنا ماخوريّا بالوسطى. وفي هذه الأبيات زيادة يغنّى فيها ولم يذكرها الزبير في خبره، وهي:

إنّي لأخلي لها الفراش إذاقصّع في حضن زوجه الحمق
عن غير بغض لها لديّ ولكن تلك منّي سجيّة خلق

قال الزبير: أراد بقوله في هذه الأبيات:

إن ختمت جاز طين خاتمها

أنها كانت عند سلطان جائز الأمر. والعبدية هي الدنانير، نسبها إلى عبد الملك. ثم وصل ابن قيس الرقيات هذه الأبيات - يعني الهائية - بأبيات يمدح بها عبد الملك فقال:

صوت

اسمع أمير المؤمنين لمدحتي وثنائها
أنت ابن عائشة التيفضلت أروم نسائها
متعطّف الأعياص حول سريرها وفنائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
ولدت أغرّ مباركاكالبدر وسط سمائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

غنّاه ابن عائشة من رواية يونس ولم يجنّسه. وهذا الشعر يقوله ابن قيس الرقيّات في عبد الملك لا الوليد.

أخبرني الحسين وابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن المدائنيّ: أن عبد الملك لما وهب لابن جعفر جرم عبيد اللّه بن قيس الرقيات وأمّنه، ثم تواثب أهل الشام ليقتلوه، قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بي وأنا الذي أقول:

اسمع أمير المؤمنين لمدحتي وثنائها
أنت ابن معتلج البطاح كديّها وكدائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
ولبطن عائشة التيفضلت أروم نسائها

فلما أنشد هذا البيت قال له عبد الملك: قل «ولنسل عائشة». قال: لا بل «ولبطن عائشة». حتّى ردّ ذلك عليه ثلاث مرات وهو يأبى إلّا «ولبطن عائشة». فقال له عبد الملك: اسحنفر الآن. قال: وعائشة أمّ عبد الملك بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. هذه رواية الزبير بن بكّار.

وقد حدّثنا به في خبر كثيّر مع غاضرة هذه بغير هذا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبيّ.

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبيّ عن أبي عبد الرحمن الأنصاريّ عن السائب بن حكيم السّدوسي راوية كثيّر قال: واللّه إني لأسير يوما مع كثيّر، حتى إذا كنا ببطن جدار (جبل من المدينة على أميال) إذ أنا بامرأة في رحالة متنقبة، معها عبيد لها يسعون معها، فمرّت جنابي فسلّمت ثم قالت: ممن الرجل؟ قلت: من أهل الحجاز. قالت: فهل تروي لكثير شيئا؟ قلت: نعم. قالت: أما واللّه ما كان بالمدينة من شيء هو أحب إليّ من أن أرى كثيّرا وأسمع شعره، فهل تروي قصيدته:

أهاجك برق آخر الليل واصب

قلت: نعم: فأنشدتها إياها إلى آخرها. قالت: فهل تروي قوله:

كأنك لم تسمع ولم تر قبلهاتفرّق ألّاف لهنّ حنين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

قلت: نعم وأنشدتها. قالت: فهل تروي قوله أيضا:

لعزة من أيام ذي الغصن شاقني

قلت: نعم وأنشدتها إلى آخرها. قالت: فهل تروي قوله أيضا:

أأطلال سعدى باللوى تتعهّد

قلت: نعم وأنشدتها حتى أتيت على قوله:

فلم أر مثل العين ضنّت بمائهاعليّ ولا مثلي على الدمع يحسد

قالت: قاتله اللّه! فهل قال مثل قول كثير أحد على الأرض. واللّه لأن أكون رأيت كثيّرا، أو سمعت منه شعره أحبّ إليّ من مائة ألف درهم. قال: فقلت: هو ذاك الراكب أمامك، وأنا السائب راويته. قالت: حياك اللّه تعالى. ثم ركضت بغلتها حتى أدركته فقالت: أنت كثيّر؟ قال: مالك ويلك! فقالت: أنت الذي تقول:

إذا حسرت عنه العمامة راعهاجميل المحيّا أغفلته الدواهن

واللّه ما رأيت عربيا قطّ أقبح ولا أحقر ولا ألأم منك. قال: أنت واللّه أقبح مني وألأم. قالت له: أولست القائل:

تراهنّ إلا أن يؤدّين نظرةبمؤخر عين أو يقلبن معصما
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة أطلال أبت أن تكلما»
كواظم ما ينطقن إلا محورةرجيعة قول بعد أن يتفهّما
يحاذرن مني غيرة قد عرفنهاقديما فما يضحكن إلا تبسّما

لعن اللّه من يفرق منك. قال: بل لعنك اللّه. قالت: أولست الذي تقول:

إذا ضمريّة عطست فنكهافإن عطاسها طرف الوداق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ولولا حبكم لتضاعفتني»

قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك أن لم تعرفني ولا من أنا. قال: واللّه إني لأراك لئيمة الأصل والعشيرة.

قالت: حيّاك اللّه يا أبا صخر! ما كان بالمدينة رجل أحبّ إليّ وجها ولا لقاء منك. قال: لا حياك اللّه، واللّه ما كان على الأرض أحد أبغض إليّ وجها منك. قالت: أتعرفني؟ قال: أعرف أنك لئيمة من اللئام. فتعرّفت إليه فإذا هي غاضرة أمّ ولد لبشر بن مروان. قال: وسايرها حتى سندنا في الجبل من قبل زرود. فقالت له: يا أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه. قال: أفي سّبك إياي أو سبّي إياك تضمنين لي هذا؟ واللّه لا أخرج إلى العراق على هذه الحال! فلما قامت تودّعه سفرت، فإذا هي أحسن من رأيت من أهل الدنيا وجها. فأمرت له بعشرة آلاف درهم، فبعد شدّ ما قبلها وأمرت لي بخمسة آلاف درهم. فلما ولّوا قال: يا سائب أين نعنّي أنفسنا إلى عكرمة، انطلق بنا نأكل هذه حتى يأتينا الموت. قال: وذلك قوله لما فارقتنا:

شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشيئة عرضا فؤادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

وقد روى الزبير أيضا في خبر هذه المرأة غير هذا، وخالف المعاني

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني سليمان بن عيّاش السعديّ قال: كان كثيّر يلقى حاجّ المدينة من قريش بقديد في كل سنة، فغفل عاما من الأعوام عن يومهم الذي نزلوا فيه قديدا حتى ارتفع النهار، ثم ركب جملا ثقالا واستقبل الشمس في يوم صائف، فجاء قديدا وقد كلّ وتعب، فوجدهم قد راحوا. وتخلّف فتى من قريش معه راحلته حتى يبرد. قال الفتى القرشيّ: فجلس كثيّر إلى جنبي ولم يسلّم عليّ، فجاءت امرأة وسيمة جميلة، فجلست إلى خيمة من خيام قديد واستقبلت كثيّرا فقالت: أأنت كثيّر؟

قال: نعم. قالت: ابن أبي جمعة؟ قال: نعم. قالت: الذي يقول:

لعزّة أطلال أبت أن تكلّما

قال: نعم. قالت: وأنت الذي تقول فيها:

وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسيوأظهرن منّي هيبة لا تجهّما

فقال: نعم. قالت: أعلى هذا الوجه هيبة؟ إن كنت كاذبا فعليك لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين. فضجر وقال: من أنت؟ فلم تجبه بشيء، فسأل الموليات اللواتي في الخباء بقديد عنها، فلم يخبرنه شيئا، فضجر واختلط. فلما سكن من شأوه قال: أأنت الذي تقول:

متى تحسروا عنّي العمامة تبصرواجميل المحيّا أغفلته الدواهن
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك مغنى دمنة ومساكن»

أهذا الوجه جميل المحيّا؟ إن كنت كاذبا فعليك لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين. فاختلط وقال: واللّه ما عرفتك، ولو عرفتك لفعلت وفعلت. فسكتت، فلما سكن من شأوه قالت: أأنت الذي تقول:

يروق العيون الناظرات كأنههرقليّ وزن أحمر التّبر راجح
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة هاج الشوق فالدمع سافح»

أهذا الوجه يروق العيون الناظرات؟ إن كنت كاذبا فعليك لعنة اللّه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين.

فازداد ضجرا وغيظا واختلاطا وقال لها: قد عرفتك واللّه لأقطعنّك وقومك بالهجاء. ثم قال فالتفتّ في أثره، ثم رجعت طرفي نحو المرأة فإذا هي قد ذهبت، فقلت لمولاة من مولياتها بقديد: لك اللّه عليّ إن أخبرتني من هذه المرأة لأطوينّ لك ثوبيّ هذين إذا قضيت حجّي ثم أعطيكهما. فقالت: واللّه لو أعطيتني زنتهما ذهبا ما أخبرتك من هي؛ هذا كثيّر وهو مولاي قد سألني عنها فلم أخبره. قال الفتى القرشيّ: فرحت واللّه وبي أشدّ مما بكثيّر.

قال سليمان: وكان كثيّر دميما قليلا أحمر أقيشر عظيم الهامة قبيحا.

نسبة ما في هذه الأخبار من الشعر الذي يغنى به

صوت

منها:

أشاقك برق آخر الليل واصبتضمّنه فرش الجبا فالمسارب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقك برق آخر الليل واصب»
كما أومضت بالعين ثم تبسّمتخريع بدا منها جبين وحاجب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقك برق آخر الليل واصب»
وهبت لليلى ماءه ونباتهكما كلّ ذي ودّ لمن ودّ واهب

عروضه من الطويل. الواصب: الدائم، يقال وصب يصب وصوبا أي دام. قال اللّه سبحانه: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً

أي دائما.

ومنها:

صوت

لعزّة من أيّام ذي الغصن شاقنيبضاحي قرار الرّوضتين رسوم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
هي الدار وحشا غير أن قد يحلّهاويغنى بها شخص عليّ كريم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
فما برسوم الدّار لو كنت عالماولا بالتّلاع المقويات أهيم
سألت حكيما أين شطّت بها النّوىفخبّرني ما لا أحبّ حكيم
أجدّوا فأمّا آل عزّة غدوةفبانوا وأمّا واسط فمقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
لعمري لئن كان الفؤاد من الهوىبغى سقما إني إذا لسقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»

حكيم هذا هو أبو السائب بن حكيم راوية كثير. ذكر ذلك لنا اليزيديّ عن ابن حبيب.

في هذه الأبيات لمعبد لحنان، أحدهما في الثلاثة الأول خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي وابن المكّيّ وحبش، وفي الثلاثة الأخر التي أوّلها:

سألت حكيما أين شطّت بها النوى

له أيضا ثقيل أوّل بالبنصر عن يونس وحبش. وذكر حبش خاصة أن فيها لكردم خفيف ثقيل آخر، وفي الثالث والثاني لابن جامع خفيف رمل عن الهشامي. وقال أحمد بن عبيد: فيه ثلاثة ألحان: ثقيل أوّل وخفيفه، وخفيف رمل.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكّار قال حدثني المؤمّليّ أن ابن أبي عبيدة كان إذا أنشد قصيدة كثيّر:

لعزّة من أيام ذي الغصن شاقنيبضاحي قرار الروضتين رسوم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»

يتحازن حتى نقول: إنّه يبكي.

أخبرني الحرميّ قال حدثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي عن الضّحّاك بن عثمان قال: قال عروة بن أذينة: كان الحزين الكناني الشاعر صديقا لأبي، وكان عشيرا له على النبيذ، فكان كثيرا ما يأتيه، وكانت بالمدينة قينة يهواها الحزين ويكثر غشيانها، فبيعت وأخرجت عن المدينة، فأتى الحزين أبي، وهو كئيب حزين كاسمه، فقال له أبي: يا أبا حكيم مالك؟ قال: أنا واللّه يا أبا عامر كما قال كثيّر:

لعمري لئن كان الفؤاد من الهوىبغى سقما إني إذا لسقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
سألت حكيما أين شطّت بها النوىفخبّرني ما لا أحبّ حكيم

فقال له أبي: أنت مجنون إن أقمت على هذا.

وهذه القصيدة يقولها كثيّر في عزة لما أخرجت إلى مصر، وذلك قوله فيها:

ولست براء نحو مصر سحابةوإن بعدت إلّا قعدت أشيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
فقد يوجد النّكس الدنيّ عن الهوىعزوفا ويصبو المرء وهو كريم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
وقال خليلي مالها إذ لقيتهاغداة الشّبا فيها عليك وجوم
فقلت له إن المودّة بينناعلى غير فحش والصفاء قديم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
وإني وان أعرضت عنها تجلّداعلى العهد فيما بيننا لمقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
وإن زمانا فرّق الدهر بينناوبينكم في صرفه لمشوم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
أفي الحق هذا أنّ قلبك سالمصحيح وقلبي في هواك سقيم
وأن بجسمي منك داء مخامراوجسمك موفور عليك سليم
لعمرك ما أنصفتني في مودّتيولكنّني يا عزّ عنك حليم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
فإمّا تريني اليوم أبدي جلادةفإني لعمري تحت ذاك كليم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
ولست ابنة الضّمريّ منك بناقمذنوب العدا إني إذا لظلوم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة من أيام ذي الغصن هاجني»
وإنّي لذو وجد إذا عاد وصلهاوإنّي على ربي إذا الكريم

ومنها:

صوت

لعزة أطلال أبت أن تكلّماتهيج مغانيها الفؤاد المتيّما
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة أطلال أبت أن تكلما»
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسيوأظهرن منّي هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّي غيرة قد عرفنهاقديما فما يضحكن إلّا تبسّما

عروضه من الطويل. غنّى فيه مالك بن أبي السّمح لحنين عن يونس. أحدهما ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وغيره ينسبه إلى معبد. والآخر ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش، وفيه لابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو والهشامي. وغيره يقول: إنه لحن مالك. وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو والهشامي وعلي بن يحيى.

وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني من أثق به عن مسرور الخادم: أن الرشيد لما أراد قتل جعفر بن يحيى لم يطلع عليه أحدا بتّة. ودخل عليه جعفر في اليوم الذي قتله في ليلته فقال له: اذهب فتشاغل اليوم بمن تأنس به واصطبح فإني مصطبح مع الحرم. فمضى جعفر، وفعل الرشيد ذلك. ولم يزل برّ الرشيد وألطافه وتحفه وتحياته تتابع إليه لئلا يستوحش. فلما كان في الليل دعاني فقال لي: اذهب فجئني الساعة برأس جعفر بن يحيى، وضمّ إليّ جماعة من الغلمان، فمضيت حتى هجمت عليه منزله. وإذا أبو زكّار الأعمى يغنيّه بقوله:

فلا تبعد فكل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

فقلت له: في هذا المعنى ومثله واللّه جئتك فأجب. فوثب وقال: ما الخبر يا أبا الهشام جعلني اللّه فداءك! قلت: قد أمرت بأخذ رأسك. فأكبّ على رجلي فقبّلها وقال: اللّه اللّه، راجع أمير المؤمنين فيّ. فقلت: مالي إلى ذلك سبيل. قال: فأعهد؟ قلت: ذاك لك. فذهب يدخل إلى النساء فمنعته، وقلت: اعهد في موضعك. فدعا بدواة وكتب أحرفا على دهش ثم قال لي: يا أبا هشام بقيت واحدة. قلت: هاتها. قال: خذني معك إلى أمير المؤمنين حتى أخاطبه. قلت: مالي إلى ذلك سبيل. قال: ويحك لا تقتلني بأمره على النبيذ. فقلت: هيهات ما شرب اليوم شيئا. قال: فخذني واحبسني عندك في الدار، وعاوده في أمري. قلت: أفعل. فأخذته، فقال لي أبو زكّار الأعمى: نشدتك اللّه إن قتلته إلّا ألحقتني به. قلت له: يا هذا لقد اخترت غير مختار. قال: وكيف أعيش بعده وحياتي كانت معه وبه، وأغناني عمّن سواه، فما أحب الحياة بعده، فمضيت بجعفر وجعلته في بيت وأقفلت عليه ووكّلت به، ودخلت إلى الرشيد، فلما رآني قال: أين رأسه ويلك؟ فأخبرته بالخبر. فقال يابن الفاعلة، واللّه لئن لم يجئني برأسه الساعة لآخذنّ رأسك! فمضيت إليه، فأخذت رأسه ووضعته بين يديه. ثم أخبرته خبره، وذكرت له خبر أبي زكّار الأعمى، فلما كان بعد مدة أمرني بإحضاره، فأحضرته، فوصله وبرّه وأمر بالجراية عليه.

صوت

قفا في دار خولة فاسألاهاتقادم عهدها وهجرتماها
بمحلال يفوح المسك منهإذا هبّت بأبطحه صباها
أترعى حيث شاءت من حماناوتمنعنا فلا نرعى حماها

عروضه من الوافر. الشعر لرجل من فزارة. والغناء ذكر حماد عن أبيه أنه لمعبد، وذكر عنه في موضع آخر أنه لابن مسجح. وطريقته من الثقيل الأوّل مطلق في مجرى الوسطي.

وهذا الشعر يقول الفزاري في خولة بنت منظور بن زبّان بن سيّار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سميّ ابن مازن بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وكان منظور بن زبّان سيد قومه غير مدافع، أمّه قهطم بنت هاشم بن حرملة - وقد ولدت إيضا زهير بن جذيمة - فكان آخذا بأطراف الشرف في قومه. وهو أحد من طال حمل أمّه به.

قال الزبير بن بكّار فيما أجاز لنا الحرميّ بن أبي العلاء والطّوسيّ روايته عنهما مما حدّثا به عنه حدّثتني مغيرة بنت أبي عديّ. قال الزبير وقد حدّثني هذا الحديث أيضا إبراهيم بن زياد عن محمد بن طلحة، وحدّثنيه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة عن يحيى بن الحسن العلويّ عن الزبير قالا جميعا: حملت قهطم بنت هاشم بمنظور بن زبّان أربع سنين، فولدته وقد جمع فاه فسماه أبوه منظورا لذلك - يعني لطول ما انتظره - وقال فيه على ما رواه محمد بن طلحة:

ما جئت حتى قيل ليس بواردفسميت منظورا وجئت على قدر
وإنّي لأرجو أن تكون كهاشموإني لأرجو أن تسود بني بدر

ذكر الهيثم بن عديّ عن ابن الكلبي وابن عيّاش، وذكر بعضه الزبير بن بكّار عن عمّه عن مجالد: أنّ منظور بن زبّان تزوّج امرأة أبيه - وهي مليكة بنت سنان بن أبي حارثة المرّيّ - فولدت له هاشما وعبد الجبّار وخولة، ولم تزل معه إلى خلافة عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه. وكان يشرب الخمر أيضا، فرفع أمره إلى عمر، فأحضره وسأله عما قيل، فاعترف به وقال: ما علمت أنها حرام. فحبسه إلى وقت صلاة العصر، ثم أحلفه أنّه لم يعلم أن اللّه جلّ وعزّ حرّم ما فعله. فحلف - فيما ذكر - أربعين يمينا. فخلّى سبيله، وفرّق بينه وبين امرأة أبيه وقال: لو لا أنك حلفت لضربت عنقك.

قال ابن الكلبي في خبره: إنّ عمر قال له: أتنكح امرأة أبيك وهي أمك؟ أو ما علمت أن هذا نكاح المقت!. وفرّق بينهما. فتزوّجها محمد بن طلحة.

قال ابن الكلبي في خبره: فلما طلّقها أسف عليها وقال فيها:

ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهرإذا منعت منّي مليكة والخمر
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهر»
فإن تك قد أمست بعيدا مزارهافحيّ ابنة المرّيّ ما طلع الفجر
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهر»
لعمريّ ما كانت مليكة سوءةولا ضمّ في بيت على مثلها ستر
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهر»

وقال أيضا:

لعمر أبي، دين يفرّق بينناوبينك قسرا إنّه لعظيم
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «لعمر أبي، دين يفرق بيننا»

وقال حجر بن معاوية بن عيينة بن حصن بن حذيفة لمنظور:

لبئس ما خلف الآباء بعدهمفي الأمّهات عجان الكلب منظور
قد كنت تغمزها والشيخ حاضرهافالآن أنت بطول الغمز معذور

قال أبو الفرج الأصبهاني: أخطأ ابن الكلبي في هذا. وإنما طلحة بن عبيد اللّه الذي تزوّجها؛ فأما محمد فإنه تزوّج خولة بنت منظور فولدت له إبراهيم بن محمد وكان أعرج، ثم قتل عنها يوم الجمل، فتزوّجها الحسن بن عليّ عليهما السلام، فولدت له الحسن بن الحسن عليهما السلام. وكان إبراهيم بن محمد بن طلحة نازع بعض ولد الحسين بن علي بعض ما كان بينهم وبين بني الحسن من مال عليّ عليه السلام، فقال الحسينيّ لأمير المدينة: هذا الظالم الضالع الظالع - يعني إبراهيم - فقال له إبراهيم: واللّه إني لأبغضك. فقال له الحسيني: صادق، واللّه يحب الصادقين، وما يمنعك من ذلك وقد قتل أبي أباك وجدّك، وناك عمي أمّك؟ - لا يكني - فأمر بهما فأقيما من بين يدي الأمير.

رجع الخبر إلى رواية ابن الكلبي قال: فلما فرّق عمر رضي اللّه عنه بينهما وتزوّجت رآها منظور يوما وهي تمشي في الطريق - وكانت جميلة رائعة الحسن - فقال: يا مليكة، لعن اللّه دينا فرّق بيني وبينك! فلم تكلمه وجازت، وجاز بعدها زوجها؛ فقال له منظور: كيف رأيت أثر أيري في حر مليكة؟ قال: كما رأيت أثر أير أبيك فيه، فأفحمه. وبلغ عمر رضي اللّه عنه الخبر فطلبه ليعاقبه، فهرب منه.

رجع إلى زواج ابنته خولة بالحسن

وقال الزبير في حديثه: فتزوّج محمد بن طلحة بن عبيد اللّه خولة بنت منظور فولدت له إبراهيم وداود وأمّ القاسم بني محمد بن طلحة، ثم قتل عنها يوم الجمل، فخلف عليها الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، فولدت له الحسن بن الحسن رضي اللّه عنهما.

قال الزبير: وقال محمد بن الضحاك الحزاميّ عن أبيه: تزوّج الحسن عليه السلام خولة بنت منظور، زوّجه إياها عبد اللّه بن الزبير وكانت أختها تحته.

وأخبرني أحمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني يحيى بن الحسن قال حدّثني موسى بن عبيد اللّه بن الحسن قال: جعلت خولة أمرها إلى الحسن عليه السلام فتزوّجها، فبلغ ذلك منظور بن زبّان فقال: أمثلي يفتات عليه في ابنته! فقدم المدينة، فركز راية سوداء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يبق قيسيّ بالمدينة إلا دخل تحتها، فقيل لمنظور بن زبان: أين يذهب بك! تزوّجها الحسن بن عليّ عليه السلام وليس مثله أحد. فلم يقبل. وبلغ الحسن عليه السلام ما فعل، فقال له: ها، شأنك بها، فأخذها وخرج بها. فلما كان بقباء جعلت خولة تندّمه وتقول: الحسن بن عليّ سيد شباب أهل الجنة. فقال: تلبّثي هاهنا، فإن كانت للرجل فيك حاجة فسيلحقنا هاهنا. قال: فلحقه الحسن والحسين عليهما السلام وابن جعفر وابن عباس، فتزوّجها الحسن، ورجع بها. قال الزبير: ففي ذلك يقول جفير العبسيّ:

إن النّدى من بني ذبيان قد علمواوالجود في آل منظور بن سيّار
للشاعر جرير، من قصيدة «إن الندى من بني ذبيان قد علموا»
الماطرين بأيديهم ندىّ ديماوكلّ غيث من الوسميّ مدرار
تزور جاراتهم وهنا فواضلهموما فتاهم لها سرّا بزوّار
ترضى قريش بهم صهرا لأنفسهموهم رضا لبني أخت وأصهار
للشاعر جرير، من قصيدة «إن الندى من بني ذبيان قد علموا»

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني ابن أبي أيّوب عن ابن عائشة المغنّي عن معبد: أن خولة بنت منظور كانت عند الحسن بن عليّ عليهما السلام، فلما أسنّت مات عنها أو طلّقها، فكشفت قناعها وبرزت للرجال. قال معبد: فأتيتها ذات يوم أطالبها بحاجة، فغنيّتها لحني في شعر قاله فيها بعض بني فزارة، وكان خطبها فلم ينكحها أبوها:

قفا في دار خولة فاسألاهاتقادم عهدها وهجرتماها
بمحلال كأن المسك فيهإذا فاحت بأبطحه صباها
كأنّك مزنة برقت بليللحرّان يضيء له سناها
فلم تمطر عليه وجاوزتهوقد أشفى عليها أو رجاها
وما يملا فؤادي فاعلميهسلوّ النفس عنك ولا غناها
وترعى حيث شاءت من حماناوتمنعنا فلا نرعى حماها

قال: فطربت العجوز لذلك، وقالت: يا عبد ابن قطن، أنا واللّه يومئذ أحسن من النار الموقدة في اللّيلة القرّة.

صوت

للّه در عصابة صاحبتهميوم الرّصافة مثلهم لم يوجد
متقلّدين صفائحا هنديّةيتركن من ضربوا كأن لم يولد
وغدا الرجال الثائرون كأنّماأبصارهم قطع الحديد الموقد

عروضه من الكامل. الشعر للجحّاف السّلمي الموقع ببني تغلب في يوم البشر. والغناء للأبجر ثقيل أوّل بالبنصر في مجراها عن إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»